×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 07) / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

لأنّها مجرّد إرادة ممكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق، أنت اختلط عليك الفرق بين الإرادة التشريعيّة والإرادة التكوينيّة.

حينئذ صاح قائلاً: لا تتفلسف، الإرادة لا فرق بين تشريعيّتها وتكوينيّتها.

قلت: يا أخي، المجال واسع للمناقشة، لا تستعجل، كنت استمع إليك تأتي بأدلّتك دون أن أقطع كلامك، فعليك أيضاً أنْ تستمع إلي حتّى انتهي من كلامي، وحينئذ يمكنك قبول كلامي أو رفضه مع الأدلّة، إنّه هنا فرق بين الإرادتين، أولاً: الإرادة التكوينيّة تتحقّق بدون أيّ عائق ومانع، مثلاً: الله يريد منّي أن أكون على هذا الشكل، أسود اللون، قصير القامة، وذكر دون أنثى.. كما أراد منك هذا الشكل، هكذا فإنّه متى ما تعلّقت إرادته يتحقّق المراد كما في قوله تعالى: {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(١)، فلا يمكن تخلّف المراد عنن الإرادة الإلهية وإلا يلزم العجز والجهل على الله، والله سبحانه منزّه عن ذلك، فإنّه القادر على كلّ شيء، والعالم يكلّ شيء.

فهذه الإرادة التكوينيّة التي تتعلّق بالكون وما فيه من المصنوعات والمخلوقات سواء شئنا أو أبينا فإنّها تتحقّق بدون أيّ شرط ، لأنّ الإرادة هنا ذات طرف واحد لا دخل للإنسان في ذلك، أمّا الإرادة التشريعيّة فهي ليست كذلك، أي يمكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق، مثلاً: الله يريد من الناس كلّهم أنْ يكونوا مؤمنين، لذا زوّدهم بالعقل، وأرسل إليهم الرسل، ولكن لا يمكن أنْ يكونوا مؤمنين كلّهم إلاّ إذا أرادوا ; لأنّه تعالى بعدما أراد ذلك منهم خيّرهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، هذه الإرادة هي الإرادة التشريعية التي لا تتحقق إلا بطرفين: طرف من الله سبحانه، وآخر من العباد.

وقال الطلاب كلهم: "هذا على كلّ حال منطقيّ وواقعيّ".

١- يس (٣٦) : ٨٢ .

٥٢١

قلت: فلنرجع إلى الآيتين، أي اللتين ذكرتهما لننظر أيّهما هي: التكوينيّة أم التشريعيّة، أمّا بالنسبة للمراد من الإرادة في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ . . . }(١)الخ، فالإرادة هنا تكوينيّة لا تشريعيّة، فإنّ الله يريد انْ يكون أهل البيت مطهّرون من الذنوب والرجس، ليصبحوا معصومين ماداموا هم القدوة للبشريّة جميعاً، أمّا ما قلتم بأنّ الله قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ}، فهذه الصيغة للاستقبال لا تدل على الوقوع، فهذا غير وارد في حقّه تعالى، لأنّ قوله: إنّما أريد أن أفعل، يختلف عن قولي وقولك: إنّما نريد أنْ نفعل ; لأنّه يمكننا إرادة الفعل، ولكن لا يتحقّق الفعل لعجزنا عن الفعل، نظراً لوجود العراقيل التي تمنع عن الفعل، أو للغو في الكلام فقط أو الانسحاب عمّا كنّا نريده لسوء خطأ في التفكير، وما إلى ذلك من أنواع الجهل، وقولوا لي أيّها الطلاب بكلّ صراحة، فهل يمكن تصوّر العجز واللغو والجهل في ساحته تعالى؟ قالوا: لا والله.

قلت: وأمّا قوله تعالى في الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}(٢)، فهنا الإرادة تشريعيّة لا تكوينيّة، لدليلين:

أولاً: هم يريدون ذلك، والله أيضاً يريده لهم منهم، كما يريد منّي الطهارة ومنك، هنا الإرادة ممكن أنْ تتحقّق، وممكن ألا تتحقّق.

ثانياً: هؤلاء طهارتهم ليست دائميّة، لذا يحتاجون إليها في كلّ آن، أي يريدون تجديدها في كلّ حين، كالاستغفار وفعل ما يقرّبهم إلى الله، لذا صرّح الله بقوله: {يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}، أي التطهير، طلب الطهارة، بينما فيما نحن فيه قال تعالى: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، هنا المصدر ليس التطهر بل طهر تطهيراً، هنا الفعل للمتعدّي، أي هناك مطهِّر وهو الله، ومطهَّر وهو أهل البيت، وهذا التفسير وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}.

١- صحيح مسلم ٧: ١٣٠، الأحزاب (٣٣) : ٣٣.

٢- التوبة (٩) : ١٠٨.

٥٢٢

إذن بالنتيجة هكذا نجمع بين الآيتين: الله أراد أنْ يطهّر أهل البيت(عليهم السلام) وقد طهّرهم، وبعدما أصبحوا طاهرين صاروا يفهمون القرآن حتّى أصبحوا معلميه، وفي بيوتهم نزل الكتاب، وهذا ما جاء في قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض"(١).

إذن القرآن وأهل البيت شيء واحد، الكتاب قرآن ساكت، وأهل البيت قرآن ناطق، فكلّ ما في القرآن في أهل البيت، وكلّ ما في أهل البيت في القرآن ; لأنّه لن يفترقا في كلّ شيء إلى يوم القيامة.

أهل البيت ليسوا أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):

أمّا قولكم: لو سلّمنا بأنّ أهل البيت المطهّرون ليسوا إلا أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا مخالف للقواعد النحوية أولاً، وثانياً: مخالف للقرآن نفسه، وثالثاً: مخالف لتعليمات أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

أمّا كونه مخالف للقواعد النحويّة: أنّ الصيغة في الآية للمخاطبين الذكور لا للمخاطبات، مع أنّ الآية بدأت بصيغة المخاطبات: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، وهكذا حتّى وصلت إلى هذا المقطع غيّر التعبير إلى صيغة المخاطبين الذكور.

ولو كان المقصود من أهل البيت هم أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم) لواصل قائلاً: ليذهب عنكنّ ويطهركنّ، وقد ثبت في القواعد النحويّة بأنّه لا يمكن مخاطبة النسوة بصيغة الذكور إلا من باب التغليب، أي أنْ يكون من بينهنّ ولو رجلاً واحداً وهذا ما لم تقله أنت ولا غيرك، بل قلت بأنّ المخاطبين هنا هم أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الخطأ واضح في النحو أو أنْ تقول بأنّ الله لا يفهم العربيّة معاذ الله، فيسقط كون القرآن فصيحاً بليغاً حتّى أصبح مرجع اللغويين.

١- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٨.

٥٢٣

أمّا كونه مخالف للقرآن، هو أنّ الله قال: بأنّ هؤلاء المطهّرون أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، فهل الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً يمكن أنْ تصدر عنهم ولو معصية واحدة، كلا، وإنْ قلتم بأنّ المقصود هم أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف نقول في عائشة التي هي واحدة من أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) اللاتي أمرها الله بعدم الخروج من بيوتهنّ للتبرّج كما في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}(١)، وقد ثبت متواتراً في التاريخ بأنّ عائشة ما التزمت بهذا الأمر الإلهي، بل خرجت بآلاف الرجال من المحارم لمحاربة الخليفة الشرعي في عصرها وهو أمير المؤمنين الذي قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: الحقّ معه أينما دار والآن إذا كان المقصود من أهل البيت هم أزواج النبيّ، فكيف تبرّر هذا السلوك من عائشة؟ وهنا سكت بدون جواب وطلابه ينظرون إلى أستاذهم.

أمّا كونه مخالف لتعليمات أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنفسهنّ فهو: لما نزلت هذه الآية حسب رواية أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة: إئتيني بزوجك وابنيك فجاءت بهم فالقى عليهم كساءاً فدكياً، قالت، ثُمّ وضع يده عليهم، ثُمّ قال: إنّ هؤلاء آل محمّد . . . قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال إنّك على خير(٢).

لعل أمّ سلمة بهذا الفعل كانت تعرف بأنّكم تفسرّون أهل البيت بأنّهم هم أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم) لذا أرادت أنْ تقيم عليكم الحجّة.

ونفس هذه الرواية سمعت بأنّها رويت من قبل عائشة أيضاً، ولكن ما رأيتها، والروايات الدالّة على هذا القول كثيرة جدّاً.

وبعد ذلك قال: يا أخي، إنّ هذه الرواية من بحاركم ـ ويقصد كتاب (البحار)

١- الأحزاب (٣٣) : ٣٣.

٢- انظر: مسند أحمد ٦: ٣٢٣.

٥٢٤

ـ لأنّي رأيت هذا الكتاب في السعوديّة وفيه وما فيه من الأكاذيب.

قلت: يا أخي، هذه الرواية وغيرها ما رويتُ ولو حديثاً واحداً منها من كتب الشيعة ; لأنّ مصادر الشيعة عندنا نادرة جدّاً، بل كلّها من كتبكم المعتبرة.

قال: أنا تخرّجت من كلية الشريعة ودرست علم الرجال ومصطلح الحديث بصورة مفصّلة، كما درست المذاهب المنحرفة كلّها، ومنها المذهب الشيعي، ولكن ما رأيت ولو حديثاً واحداً ممّا ذكرت من كتبنا.

وقلت له تشجيعاً له في مواصلة الحديث: يا أخي، أنا عرفت بأنّك إنسان مثقف، وأنت تختلف مع كثير من الوهابيين الذين أناقشهم، وعرفت أيضاً بأنّك فعلاً درست ; لأنّ لهجتك العربية فصيحة جدّاً، لكنّ عدم الرؤية لا يدلّ على عدم الوجود.

إنّ عدم رؤيتكم هذه الأحاديث في كتبكم المعتبرة لا يكفي دليلاً على عدم وجودها فيها، أنا أقول بكلّ صراحة بأنّها موجودة في كتبكم.

وبعد ذلك قال لي: أطالبكم ولو بمصدر واحد، لكنّي في ذلك الحين ما تذكرت المصدر بالضبط ، وهذا من عيوبي اعترف بها، لكن امهلني غداً ان شاء الله. الأستاذ يعلن استعداده للبحث عن حقيقة الشيعة:

قال الاُستاذ: صدّقني إذا جئت بمصدر واحد من كتبنا المعتبرة ستكون سبباً في بحثي حول مذهب الشيعة من كتبكم لا ممّا كتبنا، قلت له: لكن يا أخي أنصحكم إذا أردتم البحث عن الحقيقة إذا سمحت لي بذلك.

قال: تفضّل.

قلت له: إنّ أصعب شيء هو الانتقال من عقيدة تربيت بها ودرستها إلى أخرى ولو كانت أصحّ ممّا اعتقدناها، لكنّ الباحث المخلص لا يهمّه إلا الحقّ أينما هو.

٥٢٥
 موسوعة من حياة المستبصرين (ج٧) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٥٢٦ - ص ٥٦٣)
٥٢٦

والسنّة"، فأشار إلي بالكتاب، فاستخرجت منه جميع المصادر من كتب السنّة، وسجلتها كلا في ورقة، وكتبت تحت الورقة: هذه هي المصادر تابعها في كلّ كتبكم، وسلام على من اتّبع الهدى، وقدمتها للأخ الحسن لوه.

لكنّ الأخ حذف هذه العبارة قائلاً: بأنّ العبارة ينزعج منها، واتّفقنا على أنْ يعطيه أيّاها.

ولمّا أعطاه الأخ الورقة، رجع الاُستاذ إلى كتبهم ووجد جميع المصادر كما ذكرتها له.

ولم أرجع إليه لمدّة تتراوح ما بين أربعة وخمسة أيّام، ولما رأيته أعلمني بأنّه رأى جميع الروايات في كتبهم، إلا أنّه بقي يبحث عن مدى صحّتها وضعفها.

وأمهلته مدّة أخرى ربما يبحث، لكن كنت حرجاً في هذه المدّة ; لاّنّي كنت أتوقّع بأنّه يحاول كلّما بوسعه لإثبات ضعفها، وأخيراً قال للأخ الحسن الذي كان يراه يومياً: بأنّ الرواة كلّهم عدول، بل يوجد فقط في السنّة راو واحد هو شيعي، لكنّه ثقة عند رجال السنّة.

وبعد ذلك ذهب الأخ الحسن إلى مديرنا، وهو الشيخ عليّ السلطاني الذي كان في ذلك الحين مديراً للحوزة وللمركز الثقافي، وقصّ عليه القصّة كلّها، وفرح لذلك جدّاً.

وفي الصباح جاء إلى الحوزة وناداني، وكنت أظنّ بأنّه يريدني لمهمّة أخرى، لكن لمّا جئته بدأ يبتسم قائلاً: اجلس، فجلست، والأساتذة كلّهم جالسون في غرفة الاستقبال، وكنت أظنّ بأنّه يريد أنْ يقنعني في موضوع الذهاب إلى إيران لإكمال دراستي هناك، ولكن كنت أرغب في لبنان أكثر، وكنت أعارض بالنسبة إلى مجيئي إلى إيران، كنت أظنّ ذلك في هذا الموضوع، لكنّه فاجئني بقوله: أريد منك أنْ تقصّ لي ماذا حدث بينك وبين الأستاذ الذي يدرّس عند

٥٢٧

الوهابيّين.

قلت له: كيف عرفت بذلك؟

قال لي: بأنّي سمعت من نفس طلابهم، جاءني في مكتبتي يطلبون منّي الكتب الشيعيّة، فأريد أن أسمع القصّة من لسانك.

وأخيراً امتثلت كلامه، وقصصت له كلّ ما جرى بيننا، وفرح هو والأساتذة جميعاً، وأهداني واحد من الأساتذة كتابا حول مؤتمر بغداد، وسألني المدير نفسه: هل تظنّ بأنّ الأستاذ مستعدّ للبحث عن الشيعة؟

قلت له: حسب قوله.

قال: لا بأس، تأتي إلى المركز، سأعطيك بعض الكتب.

وقلت: لا بأس . . .

فقال: لا بأس، اعطيه كتاب "الغدير"، واتفقنا، وأركبني في سيارته إلى المركز، وكتب لي ورقة إلى مسؤول المكتب لآخذ كتاب الغدير لا أدري بالضبط أيّ جزء هو؟ هل التاسع أو الحادي عشر؟ على كلّ حال أخذت الكتاب وأعطيته إلى الأخ الحسن الذي كان الوسيط بيننا، وقد لعب دوراً كبيراً في هذا المجال، لمّا أعطاه الكتاب مكثت مدّة طويلة بدون الذهاب إليه، وبعد مدّة قال للأخ بأنّه في حاجة ماسّة إلى رؤيتي، فلمّا أخبرت بذلك كنت أتوّقع بأنّه جحد عن الحقائق التي رآها، لكن على كلّ حال أنا مستعدّ للردّ عن شبهاته، لكنّه فاجئني بقلب رحب، بمجرّد أن رآني قال لي: طالعت الكتاب مطالعة كاملة دقيقة، كنت أسهر الليالي لمطالعته، الحمد لله لقد تفتّحت لي آفاق جديدة، فأسألك: هل يمكنني رؤية مديركم شخصيّا؟

قلت له: أليس لاستقبال الناس أُرسل إلى هنا؟ لاشكّ بأنّه يفرح بهذا اللقاء.

قال: اساله أيّ وقت يكون فارغاً للقاء؟

٥٢٨

قلت: لا بأس، سأسأله عن ذلك.

أوّل لقاء بين الأستاذ ومدير الحوزة:

ذهبت إلى المدير، وأخبرته بكلّ ذلك، فقال: أنا في خدمته على كلّ حال، أيّ وقت يريد أنْ يراني أنتظره، ورجعت إليه مباشرة لإخباره بذلك.

قال: قل له: غداً في الساعة العاشرة انتظره في الحوزة، فلا أذهب إلى المركز باعتبار أنّ المركز لا نجد فيه الفرصة للتحدّث كثيراً، لكثرة الزوّار والمراجعين.

وفي الصباح ذهبت إليه وكان ينتظرني في باب منزلهم الذي كان يبتعد عن الحوزة بسبعمائة متر تقريبا، لما رآني قال: يمكننا الذهاب الآن؟

قلت: نعم.

سألنا ما إذا كانت المسافة بعيدة حتّى نركب السيارة؟

قلت: بأنّه يمكن المشي، وفي الطريق صادفنا مديره، وهو دكتور من خريجي السعودية، وكان مديراً لرابطة العالم الإسلامي في ذلك الحين، لما رآنا سألنا عما إذا كان يريد الذهاب إلى مكتب الرابطة، لكنّه أجابه: لا يا أستاذ، بكلّ صراحة أننا نريد أنْ نزور مدرسة الشيعة، سأله عمّا كان يريد أنْ يفعل هناك، قال: مجرّد الزيارة، ثُمّ ضحك وواصل سيره مع سيارته الضخمة الجميلة، ووصلنا إلى الحوزة، لكن بسبب وقوفنا في الطريق مدّة تأخرّنا قليلاً، إذ وصلنا إلى الحوزة في الساعة العاشرة والنصف تقريباً، ووجدنا المدير راجعاً إلى بيته، بعدما انتظرنا في رأس الساعة العاشرة، إلا أنّه قال لنائبه بأن نلتقي معه في بيته القريب من الحوزة، فهو ينتظرنا هناك، مباشرة ذهبنا إليه، فوجدناه ينتظرنا في صالون كبير، وبعدما جلسنا، قمت بتعريف بعضنا للآخر، وبعد ذلك صرّح للمدير بسبب رغبته بمقابلته، وقال بكلّ صراحة بأنّه كان يحمل للشيعة بغضاً لا حدّ له نظراً لما درسه في السعودية حول الشيعة وما رآه هو بأمّ عينيه من الأحاديث في البحار ولما يمكن

٥٢٩

للعقل قبولها، لكونها مناقضة مع الشريعة الغرّاء، ولكنّه بعد بحوثه من الكتب الشيعيّة، فهو يعترف بأنّ الشيعة مذهب صحيح كمذهبه، لكنه يسأل كيف تعتبر الشيعة كتاب البحار كتابا صحيحاً مائة بالمائة مع ما فيه من الأحاديث التي لا يمكن للعقل السليم قبولها، وهو شخصيّاً لا يستطيع أيّ إنسان أنْ يقنعه بتصديقها؟

فأجابه المدير بعدما شكره على زيارته، ثُمّ رغبته في البحث من كتب الشيعة أنفسهم دون ما كتب ضدّهم.

الكتاب الصحيح عندنا هو القرآن:

وقال له: نحن نريد أن تكون على يقين بأنّه لا يوجد عندنا كتاب صحيح مائة بالمائة إلا كتاب الله القرآن الكريم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، وغيرها من الكتب الروائية فنحن نعترف بأنّ فيها الصحيح وغيره.

أمّا القول بأنّ للشيعة كتابا صحيحاً كما للسنّة، كصحيح البخاري ومسلم، فهذا القول من الافتراءات والتهم الموجّهة إلينا، ولا ترى أيّ عالم من علمائنا يقول بأنّ كتبنا كلّها صحيحة مائة بالمائة، ألا ترى بأنّ عندنا علما كما عندكم يتعلّق بالأحاديث فقط، والبحث عن صحّة سندها أو ضعفها، وهو علم الرواية وعلم الرجال، ولو كانت أحاديثنا كلّها صحيحة فما الداعي لوضع مثل هذين العلمين؟

هل يوجد فرقة من فرق المسلمين تضع علماً للبحث عن الآيات غير الصحيحة في القرآن؟

قال: أصلاً لا يوجد.

قال: أليس ذلك لا عتقادنا بأنّ القرآن الموجود عندنا هو نفس القرآن المنزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وبعد كلّ هذا، كيف يقال بأنّ الشيعة تعتقد بأنّ البحار كتاب صحيح عندهم؟

وحينئذ قال الاُستاذ الوهابي: الحمد لله، وشكراً لكم على هذا الشرح

٥٣٠

الوافي، لأنيّي أول يوم أسمع منكم مثل هذا الشرح المطابق للعقل.

ثُمّ قال: وعندي شبهة أخرى حول الشيعة، وهي أنّه كنت أطالع كتابا شيعيّاً في مكتبكم في المدينة، وكان معي واحداً من طلابكم الذي هو الآن عندنا - ويقصد الحسن لوه - لكن رأيت عبارة "عدّة من أصحابنا" قالو كذا وكذا، وكنت أقول: كيف هذا، عدّة من أصحابنا فقط رووا كذا فمن هم هؤلاء الأصحاب حتّى نعلم هل هم من الثقات أم لا؟ لكنّ طالبكم هذا بيّن قائلاً: هذا اصطلاح خاص عندهم كلّما قيل عدّة من أصحابنا، يقصدون أصحاباً معيّنين معروفين بالثقة، وأسماؤهم أيضاً مذكورة في كتب رجالهم.

فقال: الحمد لله، لأنيّ لا أحكم بدون أن أعرف المقصود من هذا الاصطلاح.

وبعدما تكلّم المدير والاُستاذ حول هذا الموضوع كثيراً، تطرّقوا إلى مواضيع أخرى مثل: وجوب وحدّة صفوف المسلمين، ووجوب التكاتف لمواجهة المسيحيّة التي ركّزت جميع امكانياتها لمواجهة المسلمين، بينما المسلمون مازالوا في محاربة بعضهم بعض.

وبعد ساعة من الحديث، استودع وقال للمدير بأنّه عن قريب يرجع إلى بلاده ليواصل التدريس في الجامعة، والآن يطلب منه تزويده بالكتب الشيعيّة ; لأنّه يريد مواصلة بحثه في هذا المذهب الذي بدأ ينكشف به جميع الافتراءات الموجّهة إليه، ثُمّ طلب منه كتاباً آخر بعد مطالعته لبعض أجزاء من الغدير، وأعطاه معالم المدرستين، فذهب به فرحا مستبشراً بما آتاه الله من فضله.

الوهابيّة لا تسمح لطلابها بمطالعة كتب الشيعة:

بعدما أخذت الكتاب منه بكلّ هدوء، سألته عن سبب خشونة الوهابية اتّجاه الشيعة، مع أنّنا منفتحون أمامهم، نطالع كتبهم كلّها حتّى المؤلّفة ضدّنا.

قال: على كلّ حال أنا شخصيّا أدركت بأنّ الوهابيّة ليس عندهم أيّة مرونة،

٥٣١

فأنا عندما كنت طالبا في السعودية كان الطالب إذا أراد أن يكتب مقالا ضدّ الشيعة يصوّرون له بعض الصفحات من كتاب البخاري، ولا يسمحون له حتّى النظر إلى نفس الكتاب، بل يستدلّ على بعض الصفحات التي صوّرت له، ليثبت على أساسها بأنّ الشيعة مذهب منحرف وهم كفار، كما لا يسمح لأيّ طالب أن يطالع في أىّ كتاب ألّف من قبل الشيعة مهما كان موضوعه، حتّى لا يسمح له بالتكاتب مع إيران، فهذا يساوي الطرد من الجامعة، وأنا لا أفهم هذه الخشونة، بينما نحن نطالع كتب الصهاينة والماسونية والشيوعيّة، وهؤلاء ملحدون وإنْ كان الشيعة منحرفين لكن لا أقل يؤمنون بوجود الله.

فقلت له: الجواب واضح جدّاً، لاّنّهم يعرفون بأنّ الطالب الذي لا يهمّه إلا الحقّ إذا سمح له بمطالعة كتب الشيعة ويرى كيف يستدلّ الشيعة على صحّة مذهبهم معتمداً على المنطق السليم وعلى الكتب المعتبرة عند السنّة، لاشكّ بأنّ هذا الطالب يترك الوهابيّة القائمة على وضع الإسلام دين الله الحنيف في زاوية ضيّقة، فينتقل إلى الشيعة، وهذا ما لا تريده الوهابيّة، فيحاولوا أنْ يصمّوا آذانهم وآذان طلابهم كما كان يفعل المشركون في صدر الإسلام عندما كانوا يسمعون القرآن من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

لذا ترى بأنّ الوسيلة الوحيدة هي منعه عن مطالعة كتب الشيعة، بينما نحن بالعكس، فإنّ في مكاتبنا جميع الكتب المعتبرة عند السنّة، كالبخاري ومسلم وغيرهما، حتّى بعض الكتب المؤلفة ضدّنا، لذا أنت رأيت في مكتبتنا جميع الكتب لأنّك تذهب إلى هناك للمطالعة، وأنا شخصيّاً عندي أكثر الكتب المؤلّفة ضدّنا، نحن كلّ هذه الكتب عندنا ; لأنّه لا نراها مهدّدة لموقفنا، بل بالعكس، ومن جهة ثانية نحن الشيعة نشترط الاجتهاد في الأصول، ولا يجوز التقليد فيها.

وقال: لكن أرى من الأفضل في السعوديّة أن لا يترك الطالب يطالع كلّ شيء ; لأنّه تجتمع عنده الشبهات، ولا يعتقد بعقيدة الذين لأجلها جاؤوا به، ليحمل

٥٣٢

فكرتهم، وهذا شيء طبيعي، كلّ إنسان يريد أن يميل الناس جميعاً إلى فكرته، الشيعة تريد ذلك كما تريده المسيحية.

قلت: نعم. كلّ إنسان يريد ذلك، ولكن عليك أنْ تعرف أوّلاً بأنّا نعيش في عصر الانفتاح، وكلّ من أراد نشر فكرته عليه أوّلاً بتزويدها بأدلّة مقنعة ; لأنّ الناس يمكنك وضعهم في ركن ضيّق، وتعطيهم ماشئت، ولكن في اليوم الذي يصبحون فيه غير مقيّدين، ويرون أفكار غير ما كانوا يعلمون، ويرونها مزوّدة بأدلّة قويّة يقتنعون بها، وتصبح أنت عدّواً لهم، أو يتجرّأون في الخوض في عقائد الآخرين بدون علم مسبق إلا ما شربوه من السموم من قبل معلميهم وحينئذ يقعون في مشكلة، لأنّ في هذا العصر إذا قلت: بأنّ الشيعة كفرة فإنّهم يطالبونك بالدليل، أمّا إذا لم تكن عندك أية أدلّة فهنا العار، وهذا فعلا ما أصاب كثير من خريجي السعودية، إمّا أنْ يروا حقيقة الشيعة، أو يتكلمو عنها مع جهل تامّ كما أصابك أنت، وعند ذلك يسقطون أمام كلّ شيعي حقيقي مهما كان مستوى علمه وثقافته، أليس كذالك؟

المقطع الاخير من قصّة هدايتي:

الاُستاذ يطلب لقاءً ثانياً مع مدير الحوزة:

وبعد ذلك قال لي: أنا اشكركم كثيراً يا أخي، لأنّي استفدت منك كثيراً، لم يكن يخطر ببالي أبداً بأنّي أستطيع أن أتكلّم مع شيعي أكثر من دقيقة واحدة حتّى ترتبط بيننا علاقة الصداقة.

وحينئذ قطعت كلامه قائلاً له: لا يا أستاذي، إنْ كان الشكر فأنت مستحقّ للشكر ; لأنّك عالم كبير تدرّس في الجامعة، لكن رغم كلّ ذلك تجالسني وتتحدّث معي حول المسائل الاعتقاديّة، ثُمّ ضحك قائلاً: أنا الآن مصمّم على الرجوع إلى بلادي، لأنّي لا أستطيع المواصلة في التدريس بالجامعة، أنا أريد أن أبحث بحثاً

٥٣٣

تفصيليّاً حول الشيعة، لأنّي دخلت في آفاق جديدة، والآن قل لمديركم بأنّي أريد أن أجلس معه جلسة طويلة قبل مغادرتي "فريتاون".

وبعدما سمعت منه ذلك ذهبت إلى المدير فأخبرته بذلك، أمرني بالرجوع إليه ليضرب لنفسه موعداً حول هذا اللقاء.

مدير عام رابطة العالم الإسلامي يتجنّب الحوار:

رجعت إليه، وكان يسكن في مسكن مدير رابطة العالم الإسلامي، ووجدتهم كلّهم يشربون الشاي الأفريقي في صالون كبير، لمّا رأوني قال أحدهم: جاء آية الله، فسأله أحد الضيوف: ما المقصود من آية الله؟

قال: هذا الشاب يدرس عند الشيعة، وهو شيعي، سألني ما إذا كان هذا الكلام صحيح أو لا.

قلت: صحيح، وبدأ هو بدوره يعاتبني، لكنّ الأستاذ الذي كنت أناقشه قال له: تمهّل.

قلت له: اتركه يواصل كلامه، أنا مستعدّ للدخول معه في حوار، لكنّ مدير رابطعة العالم الإسلامي تدخّل قائلاً: بأنّي لا أسمح لكم الخوض في هذا الموضوع داخل بيتي، نحن كلّنا مسلمون، أمّا هذه المناقشة فلا طائل لها، أنا شخصيّا أريد أنْ أتحدّث مع هذا الشاب لأنّه مثقّف، ولأنّه جاء من بلاد أغلبيتهم مثقّفون، وهم أيضاً سنّيون، أرى من الأفضل أنْ يكون مع الأكثريّة، أنا سأنعزل معه إنْ شاء الله، قلت له: إنْ شاء الله، أيّ وقت تريد أنْ تتحدّث معي فأنا مستعدّ، قال: غداً بعد صلاة المغرب تأتي إليّ لنتحدّث، وكان اليوم مصادفاً ليوم الخميس، وكانت عادتي أنْ أصومه، أخبرته بذلك قال: لا بأس، تعال لتفطر عندنا.

٥٣٤

دعاء كميل يحضره المدير العام للرابطة:

ذهبت إلى المدير وأخبرته بقرار مدير الرابطة لزيارته، لكنّه ربّما لم يكن يصدّق ذلك، وبعد يومين قال لي: قل له بأنْ يأتينا ليلة الجمعة إلى مسجد الحوزة. رجعت إليه قبل الموعد أخبرته بذلك ففرح جدّاً، ولمّا حان يوم الخميس ذهبت إليه للذهاب إلى الحوزة وكان في رفقة صديق له، وركبنا في سيارة "باجيرو" ولمّا دخلنا المسجد وجدناهم كلّهم منغمسين في الدعاء، ربّما تعجّب لأنّه رأى السفير وأعضاء السفارة كلّهم جالسون مع الطلاب على فرش، ولا يكاد المرء يميّز السفير من غيره، على كلّ حال جلس هو وصديقه وناولتهما نسخة من الدعاء، فقرأ الدعاء مع الخضوع والخشوع، ولمّا انتهى الدعاء، قام المدير ورحّب به وأبدى فرحه وفرح السفير بهذه الزيارة، وأعطاه المجال لإلقاء الخطاب، فلمّا قام استقبله الطلاب بأصوات عالية بالصلاة على محمّد وآل محمّد، وسأل ما إذا كان يلقي كلامه بالانجليزية أو العربية، قال المدير: بالعربيّة، وركّز كلامه كلّه في أهميّة الوحدة بين المسلمين، وقال بأنّه على المسلمين أنْ يكونوا الآن كفريق واحد لكرة القدم، إنّ هذا الفريق إذا أراد أنْ يتغلّب على منافسيه فلابدّ للاعبيه من التفاهم فيما بينهم ; لأنّ التفرقة بينهم تكون في صالح الأعداء، وقال بأنّه لا يمكن أنْ يكون بين السنّة والشيعة أيّ اختلاف خصوصاً في هذا البلد الذي سيطرت عليه المسيحيّة، كما طلب من المدير والسفير تبادل الزيارات فيما بينهم، وبعد كلامه جلس كثيراً في المسجد مع صديقه يتحدّث مع السفير والمدير في داخل المسجد.

وبعد رجوعه التقيت معه عدّة مرّات، لكنّه قال لي بأنّه تعجّب جدّاً حول بساطة الإيرانيين سيما السفير نفسه.

مصير الأستاذ:

أمّا ذلك الأستاذ الذي ناقشته قبل مغادرته إلى سيراليون رجع إلى المدير

٥٣٥

ودار بينهما حوار طويل وطلب من مديرنا تزويده بالكتب الشيعيّة - سيّما المصادر - لأنّه يريد مواصلة بحوثه عن مذهب الشيعة، لكنّ المدير أعلمه بأنّ الكتب الموجودة في المكتب لا يمكن إهداؤها أمّا أنا فقبل مغادرته إلى بلاده كتب لي عنوانه، وطلب منّي كتابة رسالة له إذا وصلت إلى إيران، لأنّي في ذلك الحين كنت على وشك السفر إلى إيران، وبعد وصولي إلى إيران كتبت إليهما رسائل لكن لم أستلم جواباً.

وأخيراً جاءتني رسالة من أحد طلابهم تقول: بأنّ المدير للرابطة استقال من منصبه لسوء التفاهم بينه وبين السعوديّة، كما أنّ الجامعة أغلقت نهائيّاً لاحتلال المتمرّدين المنطقة التي بنيت فيها، وطلابها كلّهم رجعوا إلى بلادهم.

أمّا ذلك الأستاذ فإلى الآن لم أعرف مصيره النهائي حول بحثه عن الشيعة، على كلّ حال علمت بأنّه غير رأيه اتجاه الشيعة، واعترف بصحّتها، كما اعترف بصحّة روايات غدير خمّ كلّها وطهارة أهل البيت(عليهم السلام).

وآخر دعوانا اللّهم ثبت أقدامنا على الحقّ، وعلى موالاة أهل البيت(عليهم السلام)وأوصل كلّ طالب للحقّ إلى الحقّ وإلى الصراط المستقيم.

والحمد لله ربّ العالمين.

٥٣٦

(٨٦) إدريس كولي

(مالكي / سنغال)

ولد في السنغال، ثُمّ انتقل مع عائلته إلى ساحل العاج، مدينة آبيدجان، نشأ في أُسرة مالكيّة المذهب ومتأثّرة بالتيّار الوهّابي، حصل على شهادة البكالوريوس باللغة العربية، استبصر عام ١٤١٤هـ ، (١٩٩٤م)، في ساحل العاج، آبيدجان - أجامى.

لماذا غيّرت انتمائي المذهبي؟

يقول "إدريس" حول سبب استبصاره: انطلاقاً من رغبتي في البحوث الدينيّة لم أكتف بما أملته عليّ أُسرتي من معلومات، بل توجّهت للبحث، وبمجرّد اطلاعي بوجود مذهب مخالف لمذهبنا في بعض أصوله العقائديّة، دفعني حبّ الاستطلاع ورغبتي في البحث إلى قراءة بعض كتب هذا المذهب.

ومن حسن الحظّ وجد "إدريس كولي" إضافة إلى قراءة الكتب بعض الشيعة المثقّفين والواعين، فتباحث وتحاور معهم حول العديد من المسائل العقائديّة.

٥٣٧

من هم الشيعة؟

وجد "إدريس كولي" بعد البحث والدراسة بأنّ الشيعة مذهب إسلاميّ يتّبع بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الأئمّة الاثني عشر، ويأخذ منهم كلّ مسائله الفقهيّة من قبيل العبادات والمعاملات، وتعتقد الشيعة بأنّ الله تعالى هو الذي اصطفى هؤلاء ليتولّوا مهمّة الإمامة من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وليكونوا حجج الله على برّيته، ولهذا سدّد الله هؤلاء، بالعصمة، ولا يقاس هؤلاء بغيرهم حتّى الصحابة، ما عدا جدّهم صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم).

ووجد "إدريس كولي" بأنّ المخالفين لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) يلصقون الكثير من التهم بهذا المذهب، فيدّعون بأنّ هذا المذهب يعتقد بنبوّة عليّ(عليه السلام)، أو أنّ منشأ هذا المذهب رجل يهوديّ يُدعى عبد الله بن سبأ و . . .

ولكن وجد "إدريس كولي" بأنّ كلّ ما يدّعيه هؤلاء المخالفين هو محض افتراء وكذب صريح، والغريب أنّه وجد الجيل المعاصر يردّد ما قاله السلف من دون الاهتمام بالتشيع لمعرفة صدق ذلك أولا.

ووجد "إدريس كولي" بأنّ مخالفين الشيعة يلقّبون أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بـ"الرافضة"، ومن هنا قد يبدو للبعض بأنّ أتباع هذا المذهب رفضوا أصول الدين أو قواعد الإسلام وأعرضوا عنها! ولكنّ الواقع غير ذلك، وإنّما لُقّب الشيعة بالروافض ; لأنّهم رفضوا كلّ حكومة أسسّت بنيانها على الظلم والجور، ولم تمتلك الحقّ الشرعيّ في استلامها لزمام الأُمور.

ولهذا استُهدف الشيعة من قبل الحكّام، لأنّهم رفضوا بيعتهم ولم يقبلوا بها واعتبروها اغتصاباً لحقّ أهل البيت(عليهم السلام).

ومن هنا بادر بنو أُميّة وبنو العبّاس إلى محاربة أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)

٥٣٨

أشدّ المحاربة، وحاولت هذه الحكومات الجائرة أن تصوّر للناس بأنّ الشيعيّ قد رفض الإسلام ليبرّروا لأنفسهم سفك دمه ويثبّتوا بذلك دعائم حكومتهم.

ولكن عرف "إدريس" بأنّ عداء السلف للشيعة كان لأجل مصالح ومطامع سياسيّة ومنافع دنيويّة، والذين حاربوا الشيعة إنّما حاربوهم لأنّهم وجدوا الشيعة تهدّد مصالحهم الدنيويّة، وأمّا نحن فلماذا نعادي الشيعة ونبيع آخرتنا لدنيا غيرنا؟! وهذا ما يحتّم علينا الانتباه والحذر لئلاّ نقع في فخّ التعصّبات الواهية، وإنّما علينا التوجّه نحو البحث بموضوعيّة ولنتعرّف عن الحقيقة من دون تدخّل الأيدي الأثيمة لتحريف الحقائق.

وعرف "إدريس" بأنّه قد ولّى عصر التعصّب والعداوة الوراثيّة، وأقبل عهد النّور والحريّة الفكريّة، وهذا ما يحتّم علينا الاهتمام بالبحث والتحقيق.

ومن هذا المنطلق لم يشمئزّ "إدريس" عند وقوع كتاب شيعيّ بيده، بل رحّب بهذا الكتاب وخصّص وقتاً لمطالعته، وعندما عرف بأنّ المذهب الشيعيّ مذهب غنّي وثريّ من الناحية العلميّة والفكريّة والثقافيّة، جذبه ذلك للبحث عن المزيد من الكتب الشيعة واعتراف المزيد من المعارف الإلهيّة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

وعرف "إدريس" بأنّ الباحث المنصف إذا تعرّف على التشيّع فإنّه سيستبصر قطعاً، ومن أهمّ الأسباب المانعة في هذا السبيل هي الدعاية المغرضة، والإشاعات الكاذبة، والتهم التي يلصقها أعداء الشيعة بهذا المذهب.

تشويه سمعة التشيّع:

وجد "إدريس" بأنّ مسألة تشويه سمعة التشيّع من أجل صدّ عوام الناس وإبعادهم عن هذا المذهب هي طريقة قديمة، يتّبعها أعداء الشيعة ليخلقوا حاجزاً

٥٣٩

يمنع عامّة الناس من التقرّب إلى هذا المذهب.

ومن أبرز الشواهد التاريخيّة على ذلك قصّة الشامي الذي ضلّلته وسائل إعلام معاوية ابن أبي سفيان، بحيث عندما دخل هذا الشامي إلى المدينة المنوّرة لزيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) التقى في الطريق برجل له هيبة ووقار ومعه أصحابه، فلمّا علم الرجل الشامي بأنّ صاحب الهيبة هو الإمام الحسن(عليه السلام) أولغ سبّاً وشتماً فيه وأبيه وأهل بيته!!

وأراد أصحاب الإمام الحسن(عليه السلام) أن يقتلوا الرجل الشامي، لكن منعهم الإمام الحسن(عليه السلام)، وتوجّه الإمام للرجل الشامي وقال له: "يبدو أنّك غريب عن هذه الديار يا أخا العرب"؟

قال الشامي: نعم، أنا من الشام من شيعة أمير المؤمنين وسيّد المسلمين معاوية بن أبي سفيان!

رحّب به الإمام مرّة أخرى وقال له: "أنت من ضيوفي".

امتنع الشامي، ولكنّ الإمام الحسن(عليه السلام) لم يتركه حتّى قَبِل النزول عنده.

وبقي الإمام يخدمه بنفسه طيلة أيّام الضيافة ويلاطفه، فلمّا كان اليوم الرابع بدأ على الشامي الندم والتوبة ممّا صدر منه اتجاه الإمام الحسن(عليه السلام)، وكيف يسبّه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحسن الضيافة! فطلب من الإمام الحسن أن يسامحه على ما صدر منه ثُمّ بدأ الإمام الحسن يكشف له بعض الحقائق.

قال الإمام الحسن للشامي: "أقرأت القرآن"؟

قال الشامي: أنا احفظ القرآن كلّه.

قال الإمام الحسن(عليه السلام): "هل تعرف من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم"؟

٥٤٠