×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحسين (عليه السلام) والسنة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الحسين الى الكوفة فتمثل قول زميل بن ابير الفزاري وهو ابن أم دينار:


فما عن قلى فارقت دار معاشر هم المانعون باحتى وذماري
ولكنه ما حم لابد واقع نظار ترقب ما يحم نظار

قالوا: ولما بايع الحسن معاوية ومضى تلافتت الشيعة باظهار الحسرة والندم على ترك القتال والاذعان بالبيعة فخرجت اليه جماعة منهم فخطؤه في الصلح! وعرضوا له بنقض ذلك! فأباه واجابهم بخلاف ما أرادوه عليه، ثم أنهم أتوا الحسين فعرضوا عليه ما قالوا للحسن واخبروه بما رد عليهم فقال: قد كان صلح وكانت بيعة، كنت لها كارهاً فانتظروا ما دام هذا الرجل حياً، فإن يهلك نظرنا ونظرتم.

فانصرفوا عنه فلم يكن شيء أحب اليهم والى الشيعة من هلاك معاوية وهم يأخذون اعطيتهم ويغزون مغازيهم.

قالوا: وشخص محمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني الى الحسن وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولاً فقال له سفيان كما قال له بالعراق: السلام عليك يا أميرالمؤمنين، فقال له: اجلس لله أبوك والله لو سرنا الى معاوية بالحبال والشجر ما كان الا الذي قضى.

ثم اتيا الحسين فقال: ليكن كل أمريء منكم حلساً من أحلاس

بيته ما دام هذا الرجل حياً فان يهلك وانتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا الى انفسنا، فإن الله مع الذين اتقوا والذينهم

٤١

محسنون.

قالوا: وكان حجر بن عدي أول من يذم الحسن على الصلح وقال له قبل خروجه من الكوفة: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور وتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه، واعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة وطلب القوم أمراً وطلبنا أمراً فرجعوا بما أحبوا مسرورين ورجعنا بما كرهنا راغمين.

فقال له: يا حجر ليس كل الناس يحب ما أحببت اني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لاقدمت.

وأتى الحسين فقال له: يابا عبدالله شريتم العز بالذل وقبلتم القليل بترك الكثير، اطعني اليوم واعصني سائر الدهر دع رأي [أخيك] الحسن واجمع شيعتك ثم أدع قيس بن سعد بن عبادة، وابعثه في الرجال وأخرج انا في الخيل فلا يشعر ابن هند الا ونحن معه في عسكره فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين فانهم الآن غارون. فقال: انا قد بايعناه وليس الى ما ذكرت سبيل.

قالوا: فلما توفي الحسن بن علي اجتمعت الشيعة ومعهم بنو جعدة ابن هبيرة بن أبي وهب المخزومي ـ وأُم جعدة أُم هاني بنت أبي طالب ـ فى دار سليمان بن صرد فكتبوا الى الحسين كتاباً بالتعزية وقالوا في

كتابهم أن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك المحزونة بحزنك المسرورة بسرورك المنتظرة لامرك.

٤٢

وكتب اليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه وحبهم لقدومه وتطلعهم اليه وان قد لقوا من انصاره واخوانه من يرضى هديه ويطمأن الى قوله ويعرف نجدته وبأسه فأفضوا اليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه يسألونه الكتاب اليهم برأيه.

فكتب اليهم: "اني لارجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً، فالصقوا بالارض واخفوا الشخص واكتموا الهوى واحترسوا من [...] ما دام ابن هند حياً، فان يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي ان شاء الله".

وكان رجال من أهل العراق واسمان [كذا] أهل الحجاز يختلفون الى الحسين يجلونه ويعظمونه ويذكرون فضله ويدعونه الى أنفسهم ويقولون أنا لك عضد ويد ليتخذوا الوسيلة اليه وهم لا يشكون في أن معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحداً. فلما كثر اختلاف [الناس ]اليه أتى عمرو بن عثمان بن عفان مروان بن الحكم ـ وهو اذ ذاك عامل معاوية على المدينة ـ فقال: قد كثر اختلاف الناس الى حسين والله اني لأرى لكم منه يوماً عصيباً فكتب مروان ذلك الى معاوية فكتب اليه معاوية: ان اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر لك عداوته ويبد صفحته واكمن عنه كمون الثرى ان شاء الله والسلام.

وكتب معاوية الى الحسين:

"أما بعد فقد انهيت اليّ عنك أمور، ان كانت حقاً فاني لم أكن اظنها

٤٣

بك رغبة عنها وان كانت باطلاً فأنت أسعد الناس بمجانبتها وبحظ نفسك تبدأ وبعهد الله توفي فلا تحملني على قطيعتك والاساءة اليك فاني متى أنكرك تنكرني ومتى تكدني أكدك فاتق الله يا حسين في شق عصا الاُمة ! وان تردهم في فتنة".

فكتب اليه الحسين كتاباً غليظاً يعدد عليه فيه ما فعل في أمر زياد وفي قتل حجر ويقول له: "انك قد فتنت بكيد الصالحين مذ خلقت فكدني ما بدا لك" وكان آخر الكتاب "والسلام على من اتبع الهدى".

فكان معاوية يشكو ما كتب به الحسين اليه الى الناس، فقيل له اكتب اليه كتاباً تعيبه وأباه فيه. فقال: ما عسيت أن أقول في أبيه إلاّ أن اكذب ومثلي لا يعيب أحداً بالباطل! وما عسيت أن أقول في حسين ولست اراه للعيب موضعاً إلاّ أني قد أردت أن أكتب اليه فأتوعده وأتهدده ثم رأيت إلاّ اجيبه.

ولم يقطع معاوية عن الحسين شيئاً كان يصله ويبره به، وكان يبعث اليه في كل سنة الف الف درهم وعروض وهدايا من كل ضرب.

فلما توفي معاوية رحمه الله: للنصف من رجب سنة ستين وولي يزيد بن معاوية الامر بعده كتب يزيد الى عامله الوليد بن عتبة بن أبي

سفيان في أخذ البيعة على الحسين وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير، فدافع الحسين بالبيعة ثم شخص الى مكة فلقيه عبدالله بن مطيع

٤٤

العدوي مع قريش فقال له: جعلت فداك اين تريد؟ قال: اما الآن فأريد مكة وأما بعد أن آتي مكة فاني استخير الله، فقال: خار الله لك يابن بنت رسول الله وجعلني فداك فاذا اتيت مكة فاتق الله ولا تأتي الكوفة فانها بلدة مشؤمة، بها قتل أبوي وطعن اخوك وأنا ارى أن تأتي الحرم فتلزمه فانك سيد العرب ولن يعدل أهل الحجاز بك أحداً ووالله لئن هلكت لنسترقن بعدك.

ويقال أنه كان لقيه على ماء في طريقه حين توجه الى الكوفة من مكة فقال له: أني أرى لك أن ترجع الى الحرم فتلزمه ولا تأتي الكوفة.

ولما نزل الحسين مكة جعل أهلها يختلفون اليه ومن كان بها من المعتمرين واهل الآفاق، وابن الزبير بمكة قد لزم جانب الكعبة يصلي ويطوف ويأتي الحسين وهو أثقل الناس عليه!

وحدثت عن أبي مخنف، عن عبدالملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المقري قال:

رأيت حسيناً يمشي بين رجلين حين دخل مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يقول:


لا ذعرت السوام في وضع الصبح معيراً ولا دعيت يزيد
يوم أعطى مخافة الموت ضيماً والمنايا ترصدنني ان احيداً

فعلمت أنه لا يلبث إلاّ قليلاً حتى يخرج، فما لبث ان خرج لحق بمكة ثم خرج منها الى العراق.

٤٥
 أشهد أن عليّاً وليّ الله في الأذان السيد علي الشهرستاني (ص ٥ - ص ٣٢)
٤٦

فقدما بالكتاب على الحسين لعشر ليال خلون من شهر رمضان بمكة ثم سرحوا بعد ذلك بيومين قيس بن مسهر بن خليد الصيداوي من بني اسد وعبدالرحمان بن عبدالله بن الكدر الارحبي وعمارة بن عبدالسلولي فحملوا معهم نحواً من خمسين صحيفة، الصحيفة من الرجل والاثنين والثلاثة والاربعة، وكتبوا معهما:

"أما بعد فحي هلا فان الناس منتظرون لا امام لهم غيرك فالعجل ثم العجل ثم العجل، والسلام".

قالوا: وكتب اليه اشراف أهل الكوفة: شبث بن ربعي اليربوعي، ومحمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي، وحجار بن أبجر العجلي، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، وعزرة بن قيس الاحمسي وعمر بن الحجاج الزبيدي:

"أما بعد، فقد اخضر الجناب واينعت الثمار وكملت الجمام فاذا شئت فاقدم علينا فانما تقدم على جند لك مجندة. والسلام".

فتلاحقت الرسل كلها واجتمعت عنده فأجابهم على آخر كتبهم واعلمهم أن قد قدم مسلم [بن] عقيل بن أبي طالب ليعرف طاعتهم وامرهم

ويكتب اليه بحالهم ورأيهم، ودعا مسلماً فوجهه مع قيس بن مسهر وعمارة بن عبد وعبدالرحمان بن عبدالله بن ذي الكدر...

٤٧

فكبت اليه مسلم من الطريق: أني توجهت مع دليلين من أهل المدينة فضلا عن الطريق واشتد عليهما العطش حتى ماتا، وصرنا الى الماء فلم ننج إلاّ بحشاشة أنفسنا، وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت أن تعفيني منه وتبعث غيري فافعل!

فكتب اليه الحسين: "أما بعد، فقد خشيت أن يكون الذي حملك على الكتاب الي بالاستعفاء من وجهك الجبن فامض لما أمرتك به ".

فمضى لوجهه وكان من خبر مقتله ما قد ذكرناه في خبر ولد عقيل ابن أبي طالب.

وكان مخرج مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، ويقال يوم الاربعاء لتسع خلون من ذي الحجة سنة ستين يوم عرفة بعد خروج الحسين من مكة مقبلاً الى الكوفة بيوم.

وكان الحسين خرج من المدينة الى مكة يوم الاحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شعبان فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوال وذو القعدة، ثم خرج منها يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من ذي الحجة يوم التروية وهو اليوم

الذي خرج فيه مسلم بالكوفة.

وقد يقال: أنه خرج بالكوفة يوم الاربعاء وهو يوم عرفة.

٤٨

وحدّثني بعض قريش أن يزيد كتب الى ابن زياد بلغني مسير حسين الى الكوفة وقد ابتلى به زمانك من بين الازمان وبلدك من بين البلدان وابتليت به من بين العمال.


وعبدها تعتق أو تعود عبداً كما يعتبد العبيد

خروج الحسين بن علي
من مكة الى الكوفة

قالوا: لما كتب أهل الكوفة الى الحسين بما كتبوا به فاستخفوه للشخوص جاءه عمر بن عبدالرحمان بن الحارث بن هشام المخزومي بمكة فقال له: بلغني أنك تريد العراق وانا مشفق عليك من مسيرك لانك تأتي بلداً فيه عماله وامراؤه ومعهم بيوت الاموال، وانما الناس عبيد الدينار والدرهم فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن انت احب اليه ممن يقاتلك معه، فقال له: قد نصحت ويقضي الله.

وأتاه عبدالله بن عباس فقال له: يابن عم أن الناس قد ارجفوا بأنك سائر الى العراق؟ فقال: نعم. قال ابن عباس: فاني أعيذك بالله من ذلك، أتذهب رحمك الله الى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم فان كانوا قد فعلوا فسر اليهم وان كانوا انما دعوك الى

الحرب والقتال فلا آمن أن يغروك ويكذبوك ويستنفروا اليك فيكونوا أشد الناس عليك.

٤٩

قال الحسين: واني استخير الله وأنظر.

ثم عاد ابن عباس اليه فقال: يابن عم أني اتصبر فلا أصبر، أني أتخوف عليك الهلاك وان أهل العراق قوم غدر، فأقم بهذا البلد فانك سيد أهل الحجاز، فان ارادك أهل العراق وأحبوا نصرك فاكتب اليهم أن ينفوا عدوهم ثم سر اليهم والاّ فان في اليمن جبالاً وشعاباً وحصوناً ليس بشيء من العراق مثلها، واليمن ارض طويلة عريضة ولأبيك بها شيعة فأتها ثم ابثث دعاتك وكتبك يأتك الناس.

فقال له الحسين: يابن عم انت الناصح الشفيق ولكني قد ازمعت المسير ونويته.

فقال ابن عباس: فان كنت سائراً فلا تسر بنسائك واصبيتك، فوالله اني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه ينظرون اليه.

ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال له: قرت عينك يابن الزبير بشخوص الحسين عنك وتخليته اياك والحجاز ثم قال:


يالك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

وروى أن ابن عباس خرج من عند حسين وهو يقول:

واحسيناه، أنعى حسيناً لمن سمع

٥٠

وحدّثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا شبابة بن سوار، عن رجل ـ قال أحسبه يحيى بن إسماعيل بن سالم الأزديّ ـ عن الشعبي.

قال: لما اراد الحسين الخروج من مكة الى الكوفة قال له ابن عمر حين اراد توديعه: اطعني وأقم ولا تخرج، فوالله ما زواها الله عنكم! الا وهو يريد بكم خيراً، فلما ودعه قال: استودعك الله من مقتول (قتيل خ).

وحدّثني غير أحمد بن إبراهيم، عن شبابة، عن يحيى بن إسماعيل

عن الشعبي.

ان ابن عمر كان بما له فقدم المدينة، فأخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، فقال له: أين تريد؟ قال: العراق: قال: لا تأتهم لانك بضعة من رسول الله، والله لا يليها منكم أحد أبداً وما صرفها الله عنكم الا هو خير لكم، فقال: هذه بيعتهم وكتبهم. فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: استودعك الله من قتيل والسلام.

وحدّثني الحسين بن علي، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش قال: كتب الاحنف الى الحسين ـ وبلغه انه على الخروج ـ اصبر أن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.

قالوا: وعرض ابن الزبير على الحسين أن يقيم بمكة فيبايعه

ويبايعه الناس، وانما أراد بذلك ان لا يتهمه ويعذر في القول، فقال الحسين: لان اقتل خارجاً من مكة بشبر أحب اليَّ من أن اقتل فيها، ولأن

٥١

أقتل خارجاً منها بشبرين أحب اليَّ من أن أقتل خارجاً منها بشبر.

قالوا: واعترضت الحسين رسل عمرو بن سعيد الاشدق وعليهم أخوه يحيى بن سعيد بن العاصي بن أبي احيحة فقالوا له: انصرف الى اين تذهب. فأبى عليهم وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط، ثم أن حسيناً واصحابه امتنعوا منهم امتناعاً قوياً ومضى الحسين على وجهه فنادوه: يا حسين ألا تتقي الله، أتخرج من الجماعة!

قالوا: ولقى الحسين بالتنعيم عيراً قد أقبل بها من اليمن بعث بها بجير بن ريسان الحميري الى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن وعلى العيرورس وحلل ورسله فيها ينطلقون بها الى يزيد، فأخذها الحسين فانطلق بها معه وقال لاصحاب الابل: لا أكرهكم من أحب أن يمضي معنا الى العراق وفيناه كراه واحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا اعطيناه من الكرى على قدر ما قطع من الارض، فأوفى من فارقه حقه بالتنعيم واعطى من مضى معه وكساهم فيقال انه لم يبلغ كربلا منهم الا ثلاثة نفر فزادهم عشرة دنانير عشرة دنانير وأعطاهم جملاً جملاً وصرفهم.

ولما صار الحسين الى الصفاح لقيه الفرزدق بن غالب الشاعر فسأله عن أمر الناس وراءه فقال له الفرزدق: الخبير سألت، ان قلوب

الناس معك وسيوفهم مع بني أُمية والقضاء من السماء والله يفعل ما يشاء. فقال الحسين: صدقت.

٥٢

وحدّثني أبو مسعود الكوفي، عن عوانة بن الحكم، عن لبطة ابن الفرزدق قال: أخبرني أبي قال:

لقيت الحسين فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية ـ واذاً في لسانه ثقل من برسام كان عرض له بالعراق.

حدّثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الزبير بن الخريت قال:

سمعت الفرزدق قال: لقيت الحسين بذات عرق ـ وهو يريد الكوفة ـ فقال له: ما ترى أهل الكوفة صانعين؟ فان معي حملاً من كتبهم؟

قلت: يخذلونك فلا تذهب، فانك تأتي قوماً قلوبهم معك وأيديهم عليك، فلم يطعني.

قالوا: ولحق الحسين عون بن عبدالله بن جعدة بن هبيرة بذات عرق بكتاب من أبيه يسأله فيه الرجوع ويذكر ما يخاف عليه في مسيره فلم يعجبه.

وبلغ ابن الحنفية شخوص الحسين وهو يتوضأ فبكى حتى سمع وقع دموعه في الطست

وحدّثنا عباس بن هشام بن الكلبي، ثنا معاوية بن الحارث، عن شمر أبي عمرو، عن عروة بن عبدالله الجعفي قال:

٥٣

كان عبدالله بن يسار ـ ويسار هو أبو عقب ـ قدم علينا فقال: أن حسيناً قادم فانصروه. وجعل يحض على القتال معه وكان يقول: يقتلني رجل يقال له عبيدالله فتطلبه ابن زياد فتوارى وتزوج امرأة من مراد فأتاه عبيدالله بن الحر فاستخرجه ثم أتى به السبخة فقتله.

قالوا: ولما بلغ عبيدالله بن زياد اقبال الحسين الى الكوفة بعث الحصين بن تميم بن اسامة التميمي ثم أحد بني جشيش بن مالك بن حنظلة صاحب شرطة حتى نزل القادسية ونظم الخيل بينها وبين خفان وبينها وبين القطقطانة الى لعلع.

وكتب الحسين حين بلغ الحاجز مع قيس بن مسهر الصيداوي من بني اسد الى أهل الكوفة:

"أما بعد، فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملائكم على نصرنا والطلب بحقنا فأثابكم الله على ذلك اعظم الاجر، فاكمشوا أمركم وجدوا فيه فاني قادم عليكم في أيامي ان شاء الله والسلام".

وقد كان مسلم كتب اليه قبل أن يقتل ببضع وعشرين ليلة: "أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله، ان جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين النظر في كتابي".

فلما صار قيس بن مسهر بالقادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به الى ابن زياد فأمره أن يصعد القصر فيلعن عليّاً ويكذب الحسين على

٥٤

القصر! فلما رقيه قال:

أيها الناس أن الحسين بن علي خير خلق الله وقد فارقته بالحاجز فأجيبوه وانصروه، ثم لعن زياداً وابنه واستغفر الله لعلي فأمر ابن زياد فرمي به من فوق القصر فتقطع ومات رحمه الله.

قالوا: وكان زهير بن القين البجلي بمكة، وكان عثمانياً فانصرف من مكة متعجلاً فضمه الطريق وحسيناً يسير، فكان يسايره ولا ينازله ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين اليه في اتيانه، فأمرته امرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله أيبعث اليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه، فلما صار اليه ثم انصرف الى رحله قال لامرأته أنت طالق فالحقي بأهلك فاني لا أحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني والاّ فإنه آخر العهد وصار مع الحسين.

ولقي الحسين ومن معه رجل يقال له بكر بن المعنفة بن رود فأخبرهم بمقتل مسلم بن عقيل وهاني وقال: رأيتهما يجران بأرجلهما في السوق! فطلب الى الحسين في الانصراف، فوثب بنو عقيل فقالوا: والله لا ننصرف حتى ندرك ثارنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فقال حسين:

ما خير في العيش بعد هؤلاء فعلم أنه قد عزم رايه على المسير فقال له عبدالله بن سليم والمدري بن الشمعل الاسديان: خار الله لك، فقال: رحمكما الله ثم سار الى زبالة وقد استكثر من الماء وكان كلما مر بماء اتبعه

٥٥

منه قوم.

وبعث الحسين أخاه من الرضاعة وهو عبدالله بن يقطر الى مسلم قبل أن يعلم أنه قتل، فأخذه الحصين بن تميم وبعث به الى ابن زياد، فأمر أن يعلى به القصر ليلعن الحسين وينسبه واباه الى الكذب!

فلما علا القصر قال: اني رسول الحسين ابن بنت رسول الله اليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي ابن الدعي لعنه الله فأمر به فألقى من فوق القصر الى الارض فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل فذبحه! فقيل له: ويحك ما صنعت! فقال: أحببت أن اريحه.

فلما بلغ الحسين قتل ابن يقطر خطب فقال:

"ايها الناس قد خذلتنا شيعتنا وقتل مسلم وهاني، وقيس بن مسهر و [ابن] يقطر، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف".

فتفرق الناس الذين صحبوه ليرى شيئاً [كذا] فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في اصحابه الذين جاؤا معه من الحجاز.

وأقبل الحسين حتى نزل الاشراف، فلما كان السحر أمر فتيانه

٥٦

فاستقوا من الماء فأكثروا، ثم سار من اشراف فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار فما كان بأسرع من أن طلعت عليهم هوادي الخيل، فلما رأوها من بعيد حسبوها نخلاً ثم تبينوها، فأمر الحسين بأبنيته فضربت وجاء القوم وهم الف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي حتى وقف الحر وخيله مقابلي الحسين وذلك في حر الظهيرة.

فقال الحسين لفتيانه اسقوا القوم وارووهم ورشفوا الخيل ترشيفاً، ففعلوا.

وكان مجيء الحر اليه من القادسية قدمه الحصين بن تميم بين يديه في الف فلم يزل موافقاً للحسين وصلى الحسين فصلى خلفه ثم قال للحر وأصحابه: أن تتقوا الله وتعرفوا الحق لاهله يكن ذلك ارضى لله، وأن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما اتتني به كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم.

فقال له: أما والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكرها، فأخرج الحسين خرجين مملوأين صحفاً فنشرها بين ايديهم.

فقال الحر: فأنا ليس من هؤلاء الذين كتبوا اليك، وقد أمرنا أن نحن لقيناك أن لا نقاتلك وان نقدمك الكوفة على عبيدالله بن زياد.

فقال الحسين: الموت ادنى اليك من ذلك.

ثم قال لاصحابه: قوموا فاركبوا، فركبت النساء، ثم اراد الانصراف وأمر به أصحابه، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين ذلك، فقال

٥٧

الحسين للحر: ثكلتك أمك ما تريد؟ فقال الحر: والله لو غيرك يقولها ما تركت ذكر أُمه، ولكنه والله مالي الى ذكر اُمك

من سبيل إلاّ بأحسن ما أقدر عليه، فقال الحسين: فما تريد؟ قال: أريد أن أقدمك على عبيدالله بن زياد. قال: فاني والله لا أتبعك. فقال الحر : واني والله لا أدعك، فلما ترادا الكلام قال له الحر: لم أؤمر بقتالك وانما امرت أن أقدم بك الكوفة فاذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا تردك الى المدينة يكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب الى الأمير عبيدالله ابن زياد وتكتب أنت الى يزيد بن معاوية أن احببت ذلك أو الى ابن زياد أن شئت فلعل الله أن يرزقني العافية من ان ابتلي بشيء من أمرك.

فتياسر الحسين الى طريق العذيب والقادسية وبينه حينئذ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً، ثم أن الحسين سار في اصحابه والحر بن يزيد يسايره وخطب الحسين عليه السلام فقال:

"إن هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان فأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأنا أحق من غير، وقد أتتني كتبكم وقدمت عليَّ رسلكم، فان تتموا على بيعتكم تصيبوا رشدكم" ووبخهم ما فعلوا بأبيه وأخيه قبله.

فقام زهير بن القين فقال: والله لو كنا في الدنيا مخلدين لاثرنا فراقها في نصرتك ومواساتك، فدعا له الحسين.

وأقبل الحر بن يزيد يقول: يا حسين اذكرك الله في نفسك، فاني

٥٨

اشهد لئن قاتلت لتقاتلن ولئن قوتلت لتهلكن. فقال الحسين: أباالموت تخوفني، أقول كما قال آخو الاوس:

٥٩

سأمضي فما بالموت عار على الفتى اذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبوراً وحالف محرما
فان عشت لم اذمم وان مت لم ألم كفى لك ذلاً أن تعيش وترغما

فلما سمع ذلك الحر بن يزيد انتحى بأصحابه في ناحية عذيب الهجانات ـ وهي التي كانت هجاين النعمان بن المنذر ترعى بها ـ وإذا هم بأربعة نفر مقبلين من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع ابن هلال يقال له الكامل، وكان الاربعة النفر نافع بن هلال المرادي وعمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه ومجمع بن عبدالله العائذي من مذحج. فقال الحر: أن هؤلاء القوم ليسوا ممن أقبل معك فأنا حابسهم او رادهم. فقال الحسين : اذاً امنعهم مما امنع منه نفسي، انما هؤلاء انصاري واعواني وقد جعلت لي أن لا تتعرض لي حتى يأتيك كتاب ابن زياد فكف عنهم.

وسألهم الحسين [عن] الناس فقالوا: أما الاشراف فقد اعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ليستمال ودهم وتستنزل نصائحهم فهم عليك الباً واحداً وما كتبوا اليك الا ليجعلوك سوقاً ومكسباً وأما سائر الناس بعد فأفئدتهم تهوى اليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك.

وكان الطرماح بن عدي دليل هؤلاء النفر، فأخذ بهم على الغريين

٦٠