×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحسين (عليه السلام) والسنة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ثم ظعن بهم في الجوف وخرج بهم على البيضة الى عذيب الهجانات وكان يقول وهو يسير:


يا ناقتي لاتذعري من زجري وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر حتى تجلى بكريم النجر
أتى به الله بخير أمر ثمت ابقاه بقاء الدهر

فدنا الطرماح بن عدي من الحسين فقال له: والله لانظر فما أرى معك كبير أحد! ولو لم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين اراهم ملازمين لك مع الحر لكان ذلك بلاء، فكيف وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة مملوأة رجالا، فسألت عنهم فقيل عرضوا ليوجهوا الى الحسين ـ أو قال: ليسرحوا ـ فنشدتك الله ان قدرت ان لا تتقدم اليهم شبراً إلاّ فعلت وعرض عليه أن ينزله اجا أو سلمى أحد جبلي طيء، فجزأه خيراً ثم ودعه ومضى الى اهله، ثم أقبل يريده فبلغه مقتله فانصرف.

حدّثنا سعدويه، ثنا عباد بن العوام، حدّثني حضين، حدّثني هلال بن اساف قال:

أمر ابن زياد فأخذ ما بين طريق واقصة الى طريق الشام الى طريق البصره فلا يترك أحد يلج ولا يخرج، فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام يريد يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول، فنزل كربلاء وكان في من بعث اليه عمر بن سعد بن أبي وقاص، وشمر بن ذي الجوشن، وحصين ابن نمير، فناشدهم الحسين أن يسيروه الى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلاّ حكم ابن زياد، وكان ابن زياد ممّن بعث اليه الحر بن يزيد الحنظلي، فقال: ألا تقبلون ما يسألكم من إتيان يزيد، فوالله لو سألكم

٦١

هذا الترك والديلم ما كان ينبغي أن تمنعوهم اياه، فضرب الحر وجه فرسه وصار مع الحسين، فلما دنا منه سلم عليه وعلى أصحابه وقاتل اصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل.

قالوا: ومضى الحسين الى قصر ابن مقاتل فنزل به، فاذا هو بفسطاط مضروب، فسأل عن صاحبه فقيل له عبيدالله بن الحر الجعفي. فبعث اليه رسولاً يدعوه، فقال للرسول: اني والله ما خرجت من الكوفة الا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، فان قاتلته كان ذلك عند الله عظيماً وان كنت معه اول قتيل في غير غناء، ووالله لا أراه ولا يراني.

فانتعل الحسين وأتاه فدعاه الى الخروج معه وأعاد عليه القول الذي قاله لرسوله، فقال الحسين: فاذا أمنتعت من نصرتي فلا تظاهر عليَّ. فقال: أما هذا فكن آمناً منه، ثم انه اظهر الندم على تركه نصرة الحسين فقال في ذلك شعراً سنكتبه في موضعه أن شاء الله تعالى.

وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة الحسين لابن الحر، وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم له ابن الحر، فلما خرج من عند ابن الحر سلم على الحسين وقال: والله ما اخرجني من الكوفة إلاّ ما أخرج هذا من كراهة قتالك والقتال معك، ولكن الله قد قذف في قلبي نصرتك وشجعني على المسير معك. فقال له الحسين: فاخرج معنا راشداً محظوظاً.

وأقبل الحسين حتى دخل رحله فخفق برأسه خفقة فرأى في منامه

٦٢

قائلاً يقول: القوم يسرون والمنايا تسري اليهم. ثم سار فلم يزل يتياسر حتى صار الى نينوى فاذا راكب قد أقبل على نجيب له من الكوفة فلما انتهى اليه سلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين: ثم دفع الى الحر كتاباً من ابن زياد فيه:

"أما بعد، فجعجع بالحسين حيث يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ولا تنزله إلاّ العراء في غير حصن وعلى غير ماء".

فقال الحر: هذا كتاب الامير عبيدالله، وقرأه وأخذهم بالنزول فأنزلهم في غير قريه وعلى غير ماء، وسألوه أن ينزلوا بنينوا والغاضرية فأبى ذلك عليهم، فأشار عليه زهير بن القين بن الحارث البجلي أن يقاتلهم فقال: هؤلاء ايسر علينا فنقاتلهم حتى ننحاز الى بعض هذه القرى التي على الفرات فلم يفعل ونزل، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة احدى وستين.

فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في اربعة آلاف وكان عبيدالله بن زياد اراد توجيه عمر بن سعد الى دستبي لان الديلم كانوا اخرجوا اليها وغلبوا عليها فولاه ا لري ودستبي فعسكر للخروج اليها بحمام أعين [كذا] فلما ورد أمر الحسين على ابن زياد أمره أن يسير الى الحسين فاذا فرغ منه سار الى عمله فاستعفاه عمر من قتال الحسين فقال: نعم اعفيك على أن ترد عهدنا على الري ودستبي. فقال له انظرني يومي هذا، فجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة

٦٣

ـ وهو ابن اخته ـ فقال له: يا خال ان سرت الى الحسين أثمت بربك وقطعت رحمك فوالله لان تخرج من دينك ومالك خير من أن تلقى الله بدم الحسين.

ثم أتى عمر بن سعد، ابن زياد فقال: اما أن تخرج الى الحسين بجندنا وأما أن تدفع الينا عهدنا فألح عليه في الاستعفاء وألح ا بن زياد بمثل مقالته، فشخص عمر بن سعد الى الحسين في أربعة آلاف حتى نزل بازائه ثم بعث اليه يسأله عن سبب مجيئه، فقال: كتب الىَّ أهل الكوفة في القدوم فأما اذ كرهوني فاني انصرف، وكان رسول عمر اليه قرة بن قيس الحنظلي، فقال له حبيب بن مظهر: ويحك يا قرة أترجع الى القوم الظالمين ؟ فقال: اصير الى صاحبي بالجواب ثم ارى رأيي.

وكتب عمر بن سعد الى ابن زياد بقول الحسين فقال ابن زياد:


الآن اذ علقت مخالبنا به ترجو النجاة ولات حين أوان

وكتب الى عمر: أعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية هو وجميع اصحابه فاذا فعل ذلك رأينا رأينا فلم يفعله.

قالوا: ولما سرح ابن زياد عمر بن سعد من حمام أعين أمر الناس فعسكروا بالنخيلة وأمر أنه لا يتخلف أحد منهم وصعد المنبر فقرظ معاوية وذكر احسانه وادراره الاعطيات وعنايته بأهون الثغور وذكر اجتماع الالفة به وعلى يده وقال:

٦٤

ان يزيد ابنه المنفيل [كذا] له السالك لمناهجه المتحذي لمثاله وقد زادكم مائة مائة في اعطياتكم فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلاّ خرج فعسكر معي فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا مستخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة.

ثم خرج ابن زياد فعسكر وبعث الى الحصين بن تميم وكان بالقادسية في أربعة آلاف فقدم النخيلة في جميع من معه ثم دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي ومحمد بن الاشعث بن قيس والقعقاع ابن سويد بن عبدالرحمان المنقري واسماء بن خارجة الفزاري وقال: طوفوا فيى الناس فمروهم بالطاعة والاستقامة وخوفوهم عواقب الاُمور والفتنة والمعصية وحثوهم على العسكرة ; فخرجوا فعذروا وداروا بالكوفة ثم لحقوا به غير كثير ابن شهاب فانه كان مبالغاً يدور بالكوفة يأمر الناس بالجماعة ويحذرهم الفتنة و الفرقة ويخذل عن الحسين.

وسرح ابن زياد ايضاً حصين بن تميم في أربعة آلاف الذين كانوا معه الى الحسين بعد شخوص عمر بن سعد بيوم أو يومين ووجه ايضاً الى الحسين حجار بن ابجر العجلي في الف وتمارض شبث بن ربعي! فبعث اليه فدعاه وعزم عليه أن يشخص الى الحسين في الف ففعل، وكان الرجل يبعث في الف فلا يصل إلاّ في ثلاثمائة وأربعمائة واقل من ذلك كراهة منهمم لهذا الوجه.

ووجه ايضاً يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم في الف أو اقل.

٦٥

ثم أن ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث وأمر القعقاع ابن سويد بن عبدالرحمان بن بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل فوجد رجلاً من همدان قد قدم يطلب ميراثاً له بالكوفة فأتى به ابن زياد فقتله. فلم يبق بالكوفة محتلم إلاّ خرج الى العسكر بالنخيلة.

ثم جعل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين الى المائة غدوة وضحوة ونصف النهار وعشية من النخيلة يمد بهم عمر بن سعد وكان عمر يكره أن يكون هلاك الحسين على يده فلم يكن شيء أحب اليه من أن يقع الصلح. ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر مخافة لان يلحق الحسين مغيثاً له ورتب المسالح حولها وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي.

ورتب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدحة فكان خبر ما قبله يأتيه في كل وقت، وهم عمّار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيدالله بن زياد في عسكره بالنجيلة فلم يمكنه ذلك فلطف حتى لحق بالحسين فقتل معه.

وقال حبيب بن مظهر للحسين: أن هاهنا حياً من بني اسد اعراباً ينزلون النهرين وليس بيننا وبينهم إلاّ روحة ـ أفتأذن لي في أتيانهم ودعائهم لعل الله يجر بهم اليك نفعاً أو يدفع عنك مكروهاً؟ فاذن له في ذلك فأتاهم فقال لهم اني ادعوكم الى شرف الآخرة وفضلها وجسيم

٦٦

ثوابها، انا ادعوكم الى نصر ابن بنت نبيكم فقد اصبح مظلوماً، دعاه اهل الكوفة لينصروه فلما اتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلوه.

فخرج معه منهم سبعون.

وأتى عمر بن سعد رجل ممن هناك يقال له: جبلة بن عمرو فأخبره خبرهم فوجه ازرق بن الحارث الصيداوي في جيل فحالوا بينهم وبين الحسين. ورجع ابن مظهر الى الحسين فأخبره الخبر فقال: الحمد لله كثيراً.

وكان فراس بن جعدة بن هبيرة المخزوميى مع الحسين وهو يرى أنه لا يخافلف فلما رأى الامر وصعوبته هاله ذلك فأذن له الحسين في الانصراف فانصر ليلاً!

وجاء كتاب ابن زياد الى عمر بن سعد ان حل بين حسين واصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي المظلوم عثمان.

فبعث خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين واصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يستقوا منه وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام.

وناداه عبدالله بن حصين الأزديّ: حسين ألا تنظر الى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً فمات بالعطش كان يشرب حتى يبغر فما

٦٧

يروي فما زال ذاك دأبه حتى لفظ نفسه.

فلما اشتد على الحسين العطش بعث العباس بن علي بن أبي طالب وأُمه أم البنين بنت حزام من بني كلاب في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وبعث معهم بعشرين قربة فجاؤا حتى دنوا من الشريعة واستقدم امامهم نافع بن هلال المرادي ثم الجملي فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي وكان على منع الماء: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال قال: مجيء ما جاء بك؟ قال : جئنا لنشرب من هذا الماء الذي خلأتمونا عنه، قال: اشرب هنيئاً قال: أفأشرب والحسن عطشان ومن ترى من اصحابه؟!

فقال: لا سبيل الى سقي هؤلاء انما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فأمر اصحابه باقتحام الماء ليملأوا قربهم فثار اليهم عمرو بن الحجاج واصحابه فحمل عليهم العباس ونافع بن هلال فدفعوهم ثم انصرفوا الى رحالهم وقد ملاؤا قربهم، ويقال: انهم حالوا بينهم وبين ملائها فانصرفوا بشيء يسير من الماء.

ونادى المهاجرين أوس التميمي: يا حسين ألا ترى الى الماء يلوح كانه بطون الحيات والله لا تذوقه أو تموت! فقال: اني لارجو ان يوردينه الله ويحليكم عنه.

ويقال: ان عمرو بن الحجاج قال: ياحسين هذا الفرات تلغ فيه الكلاب وتشرب منه الحمير والخنازير والله لا تذوق منه جرعه حتى تذوق الحميم في نار جهنم!

قال: وتواقف الحسين وعمر بن سعد خلوين فقال الحسين اختاروا مني الرجوع الى المكان الذي اقبلت منه وان اضع يدي في يد

٦٨

يزيد فهو ابن عمي ليرى رأيه فيَّ وأما ان تسيروني الى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلاً من أهله لي ماله وعليَّ ما عليه.

ويقال أنه لم يسأله إلاّ أن يشخص الى المدينة فقط.

فكتب عمر بن سعد الى عبيدالله بن زياد بما سأل، فأراد عبيدالله ان يجيبه الى ذلك فقال له شمر بن ذي الجوشن الكلابي ثم الضبابي: لا تقبلن إلاّ أن يضع يده في يدك فانه ان لم يفعل ذلك كان أولى بالقوة والعز وكنت اولى بالضعف والعجز، فلا ترض إلاّ بنزوله على حكمك هو واصحابه فان عاقبت كان ذلك لك وان غفرت كنت أولى بما يفعله، لقد بلغني أن حسيناً وعمر يجلسان ناحية من العسكر يتناجيان ويتحادثان عامة ليل، فقال ابن زياد: نعم ما رأيت فاخرج بهذا الكتاب الى عمر ابن سعد فلتعرض على حسين واصحابه النزول على حكمي فان فعلوا ابعث بهم اليَّ سلماً وأن هم أبو اقاتلهم فان فعل فاسمع له واطع وان أبي أن يقاتلهم فانت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث اليَّ برأسه!

وكان كتابه الى عمر: أما بعد فاني لم ابعثك الى حسين لتطاوله وتمنيه السلامة وتكون له عندي شافعاً فانظر فان نزل حسين واصحابه على الحكم فابعث بهم اليَّ سلماً وان أبوا فازحف اليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فانهم لذلك مستحقون، وان قتلت حسيناً فأوطيء الخيل صدره وظهره لنذر نذرته! وقول قلته فانه عاق شاق قاطع ظلوم، فان فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وان انت ابيت فاعتزل علمنا وجندنا وخل

٦٩

بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر وأمر الناس فانا قد أمرناه فيك بأمرنا والسلام.

فلما أوصل شمر الكتاب اليه قال عمر: يا أبرص ويلك لا قرب الله دارك ولا سهل محلتك وقبحك وقبح ما قدمت له والله اني لاظنك ثنيته عن قبول ما كتبت به اليه.

فقال عمر: لا ولا كرامة، ولكني أتولى الامر!

قال: فدونك، فجعل عمر شمراً على الرجالة ونهض بالناس عشية الجمعة ووقف شمر فقال اين بنو اختنا ـ يعني العباس وعبدالله وجعفر وعثمان بني علي بن أبي طالب وأُمهم أُم البنين بنت حزام بن ربيعة الكلابي الشاعر ـ فخرجوا اليه فقال: لكم الامان!

فقالوا له: لعنك الله ولعن امانك أتومننا وابن بنت رسول الله لا أمان له؟!

ثم أن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وابشري، فركب في الناس وزحف نحو الحسين واصحابه بعد صلاة العصر والحسين جالس أمام بيته محتبياً سيفه فقال العباس بن علي: يا أخي أتاك القوم فنهض فقال يا عباس اركب ـ بنفسي أنت ـ يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما بدا لكم وما تريدون؟

فأتاهم العباس في عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظهر فسألوهم عن أمرهم: فقالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم، فانصرف العباس وحده راجعاً فأخبر الحسين بقولهم وقال لهم حبيب بن مظره والله لبئس

٧٠

القوم عند الله غداً قوم قتلوا ذرية نبيهم وعترته وعباد أهل المصر. فقال له عزرة بن قيس: انك لتزكي نفسك. وقال عزرة لزهير بن القين: كنت عندنا عثمانياً فما بالك؟ فقال: والله ما كتبت الى الحسين ولا ارسلت اليه رسولاً ولكن الطريق جمعني واياه، فلما رأيته ذكر ت به رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعرفت ما تقدم عليه من غدركم ونكثكم من حق رسول الله. فبعث الحسين اليهم يسألهم أن ينصرفوا عنه عشيتهم حتى ينظر في أمره وانما اراد أن يوصي أهله ويتقدم اليهم فيما يريد.

فأقبل عمر بن سعد على الناس فقال: ما ترون؟

فقال عمر بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله لو كان هؤلاء من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي أن تجيبهم اليها، وقال له قيس بن الاشعث بن قيس: أجبهم الى ما سألوا فلعمري لنصبحنك بالقتال غداً.

فقال: والله لو أعلم انهم يفعلون ما أخرتهم فانصرفوا عنه تلك العشية.

وعرض الحسين على النساء ومن معه أن يتفرقوا ويجعلوا الليل جملاً وقال: انما يطلبونني وقد وجدوني وما كانت كتب من كتب اليّ فيما أظن إلاّ مكيدة لي وتقرباً الى ابن معاوية بي.

فقالوا: قبح الله العيش بعدك، وقال مسلم بن عوسجة الاسدي: انخليك ولم نعذر الى الله فيك؟ في اداء حقك لا والله حتى اكسر رمحي في صدورهم وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن سلاحي معي لقذفتهم بالحجارة دونك.

وقال له سعيد بن عبدالله الحنفي نحو ذلك فتكلم اصحابه بشبيه

٧١

لهذا الكلام، وكان مع الحسين حوى مولى أبي ذر الغفاري فجعل يعالج سيفه ويصلحه ويقول:


يا دهر اف لك من خليل كم لك بالاشراق والاصيل
من طالب وصاحب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل
وانما الامر الى الجليل وكل حي سالك سبيلي

ورددها حتى حفظت وسمعتها زينب بنت علي فنهضت اليه تجر ثوبها وهي تقول: واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة امي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي.

فقال الحسين: يا أخيه لا يذهبن بحلمك الشيطان.

قالت: أتغتصب نفسك أغتصاباً، ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وهو يعزيها ويصبرها.

ثم أمر اصحابه ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا بعض الاطباب في بعض وان يقفوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن ايمانهم وشمائلهم وقد حفت بهم البيوت الوجه الذي يأتيهم عدوهم منه.

ولما جنّ الليل على الحسين واصحابه قاموا الليل كله يصلون ويسبحون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون.

٧٢

مقتل الحسين بن علي
(عليهما السلام)

قالوا: فلما صلى عمر بن سعد الغداة ـ وذلك يوم السبت ويقال يوم الجمعة عاشوراء ـ خرج فيمن معه من الناس، وعبأ الحسين اصحابه صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً فجعل زهير بن القين في ميمنة اصحابه وحبيب بن مظهر في ميسرة اصحابه واعطى رايته العباس بن علي اخاه وجعل البيوت في ظهورهم، وكانوا حفروه في ساعة من الليل فصار كالخندق ثم القوا فيه ذلك القصب والحطب وقالوا إذا غدوا فقاتلوا الهبنا فيه النار لئلا يأتونا من ورائينا ففعلوا.

وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن الضبابي وعلى الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وعلى الرجالة شبث بن ربعي الرياحي واعطى الراية دريداً مولاه. وأمر الحسين بفسطاط فضرب فأطلى فيه بالنورة ثم أتى بجفنة او صحفة فميث فيها مسك وتطيب منه ودخل برير بن خضير الهمداني فأطلى بعده ومس من ذلك المسك، وتحنط الحسين وجميع اصحابه وجعلت النار تلتهب خلف بيوت الحسين واصحابه، فقال شمر بن ذي الجوشن: يا حسين تعجلت النار. فقال: أنت تقول هذا يا ابن راعية المعزى انت والله أولى بها صلياً. فقال مسلم بن عوسجة: يا ابن رسول الله ألا أرميه بسهم فانه قد أمكنني؟ فقال الحسين لا ترمه فاني اكره أن أبدأهم وكان مع الحسين فرس يدعى لاحقاً يقال أن عبيدالله بن الحر اعطاه اياه حين لقيه فحمل عليه ابنه علي بن الحسين ثم دعا براحلته فركبها ونادى بأعلى

٧٣

صوته: أيها الناس اسمعوا قولي، فتكلم بكلام عدد فيه فضل أهل بيته ثم قال: أتطلبوني بقتيل منكم قتله أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة جرحتها.

فجعلوا لا يكلمونه، ثم نادى: يا شبث بن ربعي، يا حجار ابن ابجر يا قيس بن الاشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا اليَّ أن قد اينعت الثمار واخضر الجناب وطمت الحمام، وانما تقدم على جند لك مجند.

قالوا: لم نفعل! ثم قال: ايها الناس اذ كرهتموني فدعوني أنصرف الى مأمني. فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك فانهم لن يروك إلاّ ما تحب!فقال: انك اخو اخيك اتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل الذي غره أخوك والله لا اعطي بيدي اعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد.

عباد الله اني عذت بربي وربكم أن ترجمون وان لم تؤمنوا لي فاعتزلون. فبكين اخواته فسكتهن ثم قال: لا يبعد الله ابن عباس وكان نهاه أن يخرجهن معه وقال له(١) زهير بن القين:

عباد الله ان ولد فاطمة احق بالنصر والود من ولد سمية فان لم تنصروهم فلا تقتلوهم وخلوا بين هذا الرجل وبين أبن عمه يزيد فلعمري أن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.

فرماه شمر بسهم وقال: اسكت اسكت الله نامتك، فقال له زهير: ابشر بالحر في يوم القيامة، فقال له شمر: ان الله قاتلك وقاتل اصحابك عن

١- الظاهر: لهم، وهو الاصح.

٧٤

ساعة، وكلمهم برير بن خضير وغيره ووعظوهم وذكروا غرورهم الحسين بكتبهم، وقال الحر بن يزيد اليربوعي وهو الذي كان يساير الحسين ويوافقه: والله لا اختار النار على الجنّة ثم ضرب فرسه وصار الى الحسين فقتل معه وقال له حسين حين صار اليه: انت والله الحر في الدنيا والآخرة.

وفي الحر بن يزيد يقول الشاعر:


لنعم الحر حر بني رياح وحر عند مختلف الرماح

واقبل الحر على أهل الكوفة وهو عند الحسين فقال: لامكم الهبل والعبر دعوتموه حتى إذا اتاكم اسلمتموه فصار في ايديكم كالاسير قد حلأنموه ونساءه واصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس ويتمرغ فيه خنازير السواد لبسئما خلفتم به محمداً في ذريته فدعوا هذا الرجل يمضي في بلاد الله، أما

أنتم مؤمنون بنبوة محمد مصدقون ولا بالمعاد موقنون فحملت عليه رجالة لهم فرمته بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين وزحف عمر بن سعد نحوهم ونادى يا دويد ادن رايتك فأدناها ثم وضع عمر سهماً في كبد قوسه ورمى وقال: اشهدوا اني أول من رمى. فلما رمى عمر ارتمى الناس وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى ابن زياد فدعوا الى المبارزة فقال عبدالله بن عمر الكلبي: أبا عبدالله رحمك الله أئذن لي اخرج اليهما، فخرج رجل آدم طوال شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين فشد عليهما فقتلهما وهو يقول:


ان تنكروني فأنا بن كلب حسبي بيتي في كليب حسبي
اني امرؤ ذو مرة وعصب ولست بالخوان عند النكب

٧٥

اني زعيم لك أم وهب بالطعن فيهم مقدماً والضرب

ضرب غلام مؤمن بالرب

فأقبلت اليه أمرأته فقالت: قاتل بأبي انت وأمي عن الحسين ذرية محمد، فأقبل يردها نحو النساء.

وحمل عمرو بن الحجاج الزبيدي وهو في الميمنة، فلما دنا من الحسين واصحابه جثوا على الركب واشرعوا الرماح نحوه ونحو اصحابه فلم يقدم خليهم على الرماح ورجعت فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالاً وجرحوا آخرين.

وحمل شمر من قبل الميسرة في الميسرة فاستقبلوهم بالرماح

٧٦

فلم يقدم الخيل عليهم فانصرفوا فرموهم بالنبل حتى صرعوا منهم رجالاً وجرحوا آخرين، وقال رجل من بني تميم يقال له عبدالله بن حوزة وجاء حتى وقف بحيال الحسين فقال: ابشر يا حسين بالنار!

فقال: كلا اني اقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، ثم قال: من هذا؟ قالوا ابن حوزة: قال: حازه الله الى النار، فاضطرب به فرسه في جدول فتعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الارض ونفر الفرس فجعل يمر برأسه على كل حجر واصل شجرة حتى مات، ويقال: بقيت رجله اليسرى في الركاب فشد عليه مسلم بن عوسجة الأسدي فضرب رجله اليمنى فطارت ونفر به فرسه يضرب به كل شيء حتى مات.

وبارز يزيد بن معقل برير بن خضير فضرب بريراً ضربة خفيفة وضربه برير ضربة قدت المغفر وجعل ينضنض سيفه في دماغه.

وحمل رضي بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً فاعتركا ساعة ثم أن بريراً قعد على صدره فقال رضي: اين أهل المصاع والدفاع؟ فحمل كعب بن جابر بن عمرو الأزديّ بالرمح فطعنه في ظهره فلما وجد برير مس الرمح عض انف رضى فقطع طرفه، وشد عليه كعب فضربه بسيفه حتى قتله، فلما رجع كعب بن جابر قالت له أخته النوار بنت جابر: اعنت على ابن فاطمة! وقتلت بريراً سيد القراء! لقد أتيت عظيماً!! والله لا اصمك ابداً.

وخرج عمرو بن قرظة بن كعب الانصاري يقاتل دون الحسين

وهو يقول:

٧٧

قد علمت كتيبة الانصار اني سأحمي حوزة الذمار

اضرب غير نكس شار

وقاتل حتى قتل.

وكان الزبير بن قرظة بن كعب اخوه مع عمر بن سعد فنادى: يا حسين يا كذاب يابن الكذاب! أضللت أخي وغررته، حتى قتلته، فقال حسين: إن الله لم يضل أخاك ولكنه هداه وأضلك. فقال: قتلني الله ان لم أقتلك! وحمل على الحسين فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه فاستنفذه وقراً بعد. وقال بعضهم اسم ابن قرظة الذي كان مع عمر بن سعد علي، والاول قول الكلبي.

وقتل الحر بن يزيد رجلين بارزاه أحدهما من شقرة من بني تميم يقال له يزيد بن سفيان والآخر من بني زبيد ثم من بني قطيعة يقال له مزاحم بن حريت فقال عمرو بن الحجاج حين رأى ذلك: يا حمقى اتدرون من تقاتلون؟ انما تقاتلون نقاوة فرسان أهل المصر وقوماً مستقتلين مستميتين فلا يبرزن لهم منكم أحد بأنهم قليل وقل ما يبقون، والله لو لم ترموهم الا بالحجارة لقتلتموهم، فقال عمر صدقت هذا الرأي ونادى الا لا يبارزن رجل منكم رجلاً من اصحاب الحسين.

ثم ان عمرو بن الحجاج حمل على الحسين من نحو ميمنة عمر بن سعد مما يلي الفرات واضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الاسدي

أول اصحاب الحسين فلم يلبث أن مات فصاحت جارية له: يابن

٧٨

عوسجتاه يا سيداه وكان الذي قتله مسلم بن عبدالله الضبابي وعبدالرحمان ابن خشكارة البجلي.

وسر اصحاب عمرو بن الحجاج بقتل مسلم! فقال لهم شبث بن ربعي: ويحكم اتفرحون بقتل مسلم، والله لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تنام خيول المسلمين أفيقتل منكم مثله وتفرحون!!

وحدّثنا عمر بن شبه، ثنا أبو أحمد الزبيري، حدّثني عمي الفضيل ابن الزبير، عن أبي عمر البزار، عن محمد بن عمرو بن الحسن ابن علي، عن أبيه قال:

كنا مع الحسين بنهري كربلا فجاءنا رجل فقال: اين حسين؟ قال: ها أنا اذ. قال: ابشر بالنار تردها الساعة! قال: أبشر برب رحيم وشفيع مطاع، فمن أنت؟ قال: شمر بن ذي الجوشن. فقال الحسين: الله أكبر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: اني رأيت كأن كلباً ابقع يلغ في دماء أهل بيتي.

قال: ثم قتل الحسين فحمل رأسه الى يزيد وحملنا فأقعدني يزيد في حجره واقعد ابناً له في حجره ثم قال لي تصارعه؟ فقلت: أعطني سكيناً واعطه سكيناً ودعني واياه! فقال: ما تدعون عداوتنا صغاراً وكباراً وحمل شمر في الميسرة فثبتوا له وطاعنوه ونادى اصحابه فحملوا على الحسين واصحابه من كل جانب وقتل عبدالله بن عمير الكلبي

فجعلت امرأته تبكي عند رأسه، فأمر شمر غلاماً يقال له رستم

٧٩

فضرب رأسها بعمود حتى شدخه فماتت مكانها.

قالوا: وركب الحسين دابة له ووضع المصحف في حجره بين يديه فما زادهم ذلك إلاّ اقداماً عليه.

ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من الرامية فرشقوا الحسين واصحاب بالنبل حتى عقروا خيولهم فصاروا رجالة كلهم.

واقتتلوا نصف النهار أشد قتال وابرحه وجعلوا لا يقدرون على اتيانهم إلاّ من وجه واحد لاجتماع ابنيتهم وتقاربها ولمكان النار التي أوقدوها خلفهم.

وأمر عمر بتخريق ابنيتهم وبيوتهم فأخذوا يخرقونها برماحهم وسيوفهم.

وحمل شمر في الميسرة حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى : عليَّ بالنار حتى احرق هذا البيت على أهله! فصحن النساء وولولن وخرجن من الفسطاط فقال الحسين: ويحك اتدعو بالنار لتحرق بيتي على اهلي.

وقال شبث بن ربعي: يا سبحان الله ما رأيت موقفاً اسوأ من موقفك ولا قولاً أقبح من قولك، فاستحيا شمر منه.

وحمل عليه زهير بن القين في عشرة نفر فكشفه واصحابه عن

٨٠