×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج03 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

يجرؤا على رفع رؤوسهم لمراقبة حركة العدو من بعيد.

يريد أن يقول لهم: إن في هؤلاء القلة القليلة غنى عنهم ـ حتى لو كانوا في غاية الضعف بسبب جراحهم، وحتى لو كانوا قد هزموا قبل ذلك..

كما أنه يريد أن يعرفهم حجم رعب عدوهم، حتى لا تستحكم عقدة الخوف فيهم.. من جهة، وأن يؤكد هذه العقدة نفسها في قلوب أعدائهم، حتى لا يظنوا بأنفسهم أنه كان يمكنهم أن يفعلوا شيئاً ذا بال، وليتأكد لديهم أن ما جرى من نكسة للمسلمين لن يتكرر بعد الآن، وإنما كان أمراً عارضاً لا يصح أن يقاس عليه..

٥ ـ إن التعبير الذي أوردناه عن بحار الأنوار عن تفسير النعماني، قد دل على: أن النبي "صلى الله عليه وآله" خرج من حرب أحد سليماً معافى، لم ينله قتل ولا جرح، وهذا يؤكد ما روي عن الإمام الصادق "عليه السلام" أنه قال: إنه لا صحة لما يقال من أن رباعيته "صلى الله عليه وآله" قد كسرت يوم أحد(١).

٦ ـ إن علياً "عليه السلام" هو الذي ضرب عنق أبي عزة الجمحي بأمر من رسول الله "صلى الله عليه وآله".. ثم كان هو الذي قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.

١- راجع: بحار الأنوار ج٢٠ ص٧٣ و ٩٦ وإعلام الورى ص٨٣ و (ط مؤسسة آل البيت) ج١ ص١٧٩ ومعاني الأخبار ص٤٠٦ .

٣٠١

وهو الذي قتل حملة اللواء التسعة، أو الأحد عشر(١).. وقتل.. وقتل.. ولم يكن "صلى الله عليه وآله" يريد لأي كان من الناس أن يقوم بهذا الأمر، لأن قبيلة المقتول لن تترك ذلك القاتل دون أن تلحق به الأذى، وتأخذ بثارها منه، ولو في بعض من يمت إليه بصلة قربى.

فكان "صلى الله عليه وآله" يؤثر أن لا تتسع الثارات بين القبائل، وأن يحصر الأمور في فئة بعينها، وهم أهل بيته، وفي شخص بعينه، وهو علي "عليه السلام"، فتحمل هو وأهل بيته ثقل هذه المسؤولية، وهدفوا نحورهم للعرب دون كل أحد..

ولولا هذا لم يمكن أن ينتظم للمسلمين أمر، بل سوف تشيع الأحقاد بين القبائل، وتسعى كل قبيلة للثأر لقتيلها من القبيلة الأخرى، وسيختلط الحابل بالنابل، وتتمزق أوصال مجتمع أهل الإسلام، ويتسع الخرق على الراقع..

٧ ـ ثم إنه "صلى الله عليه وآله" أمر علياً "عليه السلام" بأن يأتيه بزوجة عثمان، لأنه كان يعلم أن عثمان لا يجرؤ على مواجهة علي "عليه السلام"..

٨ ـ والأهم من ذلك كله.. تلك الأوامر الصارمة لعلي "عليه السلام": أنه إن حال بينه وبينها أحد فليحطمه بالسيف..

وذلك لأن الذي يفعل ذلك إنما يرد ويتمرد على الله ورسوله، ويريد

١- ونظن: أن حملة اللواء كانوا تسعة، ثم ألحق بهم "عليه السلام" اثنين آخرين لعلهما أرادا أخذ اللواء، فلم يمكنهما من ذلك.

٣٠٢

أن يكون جباراً في الأرض، ويمارس الظلم والبغي على من لا ناصر له..

ولنفترض صحة الرواية التي تقول: إن زوجة عثمان دلت على ذلك الكافر المحارب، فإنها تكون بذلك قد عملت بواجبها الشرعي، وزوجها هو الذي خالف حكم الله، بإيوائه العدو المحارب لله، ولرسوله..

على أنه لم يكن لدى عثمان أي دليل يدينها به، بل هي مجرد ظنون وأوهام، لا ندري كيف سوغت له هذا الظلم الفاحش، الذي وصل به إلى حد قتلها، وهي مسلمة.. بذلك الكافر، كما أنها قد تربت في بيت النبي "صلى الله عليه وآله" بل يدعي اتباع عثمان أنها بنت النبي "صلى الله عليه وآله" على الحقيقة؟!

٩ ـ واللافت هنا: أننا لم نسمع لعمر بن الخطاب حساً، حتى كأنه لم يحضر هذه الوقائع، فأين كان عنها يا ترى، ولماذا لم نسمع له هديراً وزئيراً على عثمان.. ولم نجده يقول ويلح في القول: دعني اقتله يا رسول الله!! تماما كما قال ذلك في قصة حاطب بن أبي بلتعة، والحكم بن كيسان، وأبي سفيان، وذي الخويصرة، وذي الثدية، وابن أبي، وشيبة بن عثمان، وأعرابي من بني سليم، وغيرهم..

غضب علي (عليه السلام) من طلحة:

ومن آثار حرب أُحد على بعض الناس الذين تسطر لهم الفضائل، ما ذكره السدي في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا

٣٠٣

يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(١) من أنه لما أصيب النبي "صلى الله عليه وآله" بأحد.. قال عثمان: لألحقن بالشام، فإن لي به صديقاً من اليهود، فلأخذن منه أماناً، فإني أخاف أن يدال علينا اليهود.

وقال طلحة بن عبيد الله: لأخرجن إلى الشام، فإن لي به صديقاً من النصارى، فلأخذن منه أماناً، فإني أخاف أن يدال علينا النصارى.

قال السدي: فأراد أحدهما أن يتهود، والآخر أن يتنصر.

قال: فأقبل طلحة إلى النبي "صلى الله عليه وآله"، وعنده علي "عليه السلام"، فأستأذنه طلحة في المسير إلى الشام، وقال: إن لي بهما [بها] مالاً، آخذه ثم أنصرف.

فقاله له النبي "صلى الله عليه وآله": عن مثلها من حال تخذلنا؟! وتخرج، وتدعنا!! فأكثر على النبي "صلى الله عليه وآله" من الإستئذان، فغضب علي "عليه السلام"، وقال: يا رسول الله، إئذن لابن الحضرمية، فوالله لا عزَّ من نصره، ولا ذل من خذله.

فكف طلحة عن الإستئذان عند ذلك؛ فأنزل الله تعالى فيهم: {أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}(٢)، يعني أولئك.

يقول: إنّه يحلف لكم أنّه مؤمن معكم، فقد حبط عمله بما دخل فيه من

١- الآية ٥١ من سورة المائدة.

٢- الآية ٥٣ من سورة المائدة.

٣٠٤

أمر الإسلام حتى نافق فيه(١).

ونقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات عديدة، نشير إليها ضمن العناوين التالية:

لماذا اليهود؟! ولماذا النصارى؟!:

أول ما لفت نظرنا هنا: أن عثمان وطلحة لم يذكرا المشركين بشيء!! بل اقتصرا على ذكر اليهود والنصارى، كجماعتين يمكن أن تعود لهما الغلبة على بلاد الحجاز. في حين أن الضربة التي تلقاها المسلمون في أحد كانت من المشركين، ولا تزال قوتهم هي المهيمنة على أكثر البلاد والعباد في تلك المنطقة، فكأن عثمان وطلحة كانا أمام احتمالات وأمور يرون أنه لا بدّ من مراعاتها:

أولها: أن صورة الشرك في المنطقة قد اهتزت، وفقدت تأثيرها إلى حدّ كبير، بسبب ما جرى في بدر، بل في أحد نفسها، حيث اضطروا فيها إلى الفرار تحت تأثير ضربات علي "عليه السلام".

ولو كانوا منتصرين لأكملوا مهمتهم، وتوجوا نصرهم بالتخلص من النبي "صلى الله عليه وآله" ومن الذين معه بصورة نهائية، ولو حصل ذلك. فهو غايـة أمانيهم، وأغلى منجزاتهم، وأعظمها وأجلها خطراً وأثـراً بنظرهم!!

١- نهج الحق (مطبوع مع دلائل الصدق) ج٣ ق١ ص٢٠٤.

٣٠٥

الثاني: إن هيبة النصارى لا تزال قائمة، ولم يحدث بعد أي احتكاك بينهم وبين المسلمين، ليمكن تكوين تصور عن مسار الأمور بين الفريقين.

وما جرى في مؤتة لم يشهده كثير من الناس، ولا عرفوا تفاصيله، بعد أن ضيع خالد على المسلمين النصر فيه.. ولكن مؤتة لم تكن قد حصلت بعد، لأنها كانت في السنة الثامنة للهجرة، وإنما كانت أُحد في الثالثة.

الثالث: إن اليهود، وإن تعرضت بعض جماعاتهم لنكسة قوية، ولكن ذلك لا يعني أن تسير الأمور بنفس الإتجاه الذي سارت فيه مع تلك الجماعة، لأن عمدة قوتهم لا تزال على حالها. وإنّما ترك اليهود نصرة تلك الجماعة بسبب تحاسدهم فيما بينهم، ولأنهم كانوا لا يزالون يأملون بأن تكفيهم قوى الشرك المتواجدة في المنطقة، والتي تقودها قريش أمر محمد وصحبه، وتنتهي الأمور إلى ما يشبه الغنيمة الباردة بالنسبة إليهم.

وقد آثر عثمان: أن يحتفظ بعلاقته مع اليهود، لأنه لاحظ حضورهم المباشر في المنطقة. ولعل إدعاءاتهم، وإخباراتهم الغيبية عن أنفسهم، وعن دورهم، وعما تؤول إليه الأمور قد خدعت طلحة وسواه، ومناهم أمراً ظهرت بوادره في حرب الجمل.. ولعل هذا الأمر الذي أطمعوهم به قد فهمه اليهود من إخبارات النبي "صلى الله عليه وآله" للزبير: بأنه يقاتل علياً وهو له ظالم. وهذا الأمر بالذات هو الذي جعل طلحة وغيره يبحثون عن صداقات وعلاقات، وربما تحالفات مع اليهود، أو مع النصارى..

ولعل طلحة قد لاحظ أيضاً: أن مسار الأحداث لا يطمئنه إلى تمكن اليهود والمشركين من حسم الأمر لصالحهم، فآثر اللجوء إلى القوة الأعظم،

٣٠٦

والتي يشعر معها بالأمن أكثر، بسبب بعدها عن مناطق القتال من جهة، ولأجل أنه توهم أن انقضاضها على المنطقة بعد ضعف القوى المتحاربة فيها سينتهي بحسم الأمور لصالحها.

إشتباه الأمر على السدي:

ثم إننا لا نوافق السدي على قوله: فأراد أحدهما أن يتهود، وأراد الآخر أن يتنصر، فإن اللجوء إلى صديق من اليهود أو النصارى، لأخذ الأمان منه، لو كانت لليهود، أو للنصارى دولة.. لا يعني الدخول في دينه.

إلاّ أن يكون السدي قد أخذ هذا الأمر من نص آخر، صرح بعزمهما على التنصر والتهود.

إن لي بها مالاً:

ثم إن ما جعله طلحة ذريعة للحصول على الأذن بالسفر إلى الشام وهو أن له بها مالاً، قد كان في غاية السخافة.. وقد أسقطه "صلى الله عليه وآله" عن الاعتبار بكلمة واحدة. فإن من البديهي:

أولاً: أن المال لا يفوته بالتأجيل، ولا سيما إذا كان لمدة يسيرة، كشهر وشهرين.

ثانياً: حتى لو فات ذلك المال، لأجل ما هو أهم، مما يرتبط بالمصير للدين وأهله، فما هي المشكلة في ذلك؟! أليس من الأحكام العقلية الظاهرة تقديم الأهم على المهم؟!

٣٠٧

وكل عاقل يرى: أن حفظ الدين، والذود عن حياض الإسلام، وتأمين سلامة المسلمين أهم من المال.. بل قد يجب بذل النفس في هذا السبيل، فكيف بالمال؟!

ثالثاً: هناك شكوك لا بدّ من أن تراود الخاطر حول مدى صحة هذا الإدعاء الذي أطلقه طلحة حول أصل وجود مالٍ له بالشام!! وعند من؟! وكيف حصل ذلك؟!

رابعاً: إنّه "صلى الله عليه وآله" اكتفى بإيكال الأمر إلى وجدان وعقل وإدراك الطرف الآخر، حين قال له: "عن مثلها من حال تخذلنا"؟! فإنّه "صلى الله عليه وآله" قد عرض له الواقع، وأحضرها أمامه، ليكون هو بما يملك من عقل وتمييز، ووجدان الذي يحكم على قراره هذا.

وقد ضمّن النبي "صلى الله عليه وآله" كلامه هذا تطبيق مفهوم الخاذل على من يرى هذا الواقع وتلك الحال، ثم يعرض عنه لينشغل بأمور شخصية ودنيوية لا قيمة لها.

ولكن طلحة تعامى عن رؤية ذلك، وأصرّ على ممارسة ذلك الخذلان، وإن كان ثمن ذلك وقوع الكارثة، حتى بالنبي "صلى الله عليه وآله" نفسه، وبدينه، وبالمؤمنين.

إئذن لابن الحضرمية:

ورغم وضوح الأمر إلى حد كبير، ومع تصريح النبي "صلى الله عليه وآله" لطلحة: بأن فعله هذا يدخل في دائرة الخذلان، فإن طلحة، واصل إصراره وإلحاحه على رسول الله "صلى الله عليه وآله" حتى لم يعد أمام

٣٠٨

رسول الله "صلى الله عليه وآله" أي سبيل لردع هذا الرجل عن موقفه الذي لا بدّ من ردعه عنه.. لأن التصريح النبوي بالإذن له، وخروجه بالفعل من المدينة إلى الشام سوف يترك أثراً بالغ السلبية على معنويات الناس. وسيهز ثباتهم من الأعماق، فإحتاج إلى تدخل شخص آخر يساعد على كسر هذا الإصرار، ليمكن ردع هذا الرجل، بطريقة مثيرة له، تظهر للناس حجمه الواقعي من جهة، وتعرفهم بتصميمه على خذلان النبي "صلى الله عليه وآله" من جهة أخرى حين قال للنبي "صلى الله عليه وآله": ائذن لابن الحضرمية، فوالله لا عز من نصره، ولا ذل من خذله.

أي أنّه "عليه السلام" بكلمته هذه قد حل المشكل، وحقق مراد رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فهو "عليه السلام" لم يقدم بين يدي الله ورسوله، بل أكد ما يريده رسول الله "صلى الله عليه وآله" وقد تضمن كلامه:

ألف: إظهار الإستهانة بمن يحرص على خذلان رسول الله "صلى الله عليه وآله"، ويستهين بالدين وأهله، طمعاً منه بالدنيا، فطلب منه أن يأذن له، وأن لا يكترث لغيابه لكي لا يظن بنفسه أن وجوده هو الذي يحفظ الدين وأهله.

ب: إنّه قد نسب طلحة إلى أمه الحضرمية، ربما لأنّه أراد أن يبعده عن قريش، وعمّا تفخر به على سائر العرب من خِلالٍ ومآثر، وما لها من قداسة فيهم، بسبب سدانة البيت، وغير ذلك..

ج: إنّه قد صرح له ـ وكان المطلوب التصريح ـ: بأنّه بموقفه هذا سببه

٣٠٩

أنه يتعمد خذلان الإسلام وأهله، وأن هذا هو مقصوده الحقيقي من استئذانه، ولذلك قال له "عليه السلام": لا عز من نصره، ولا ذل من خذله.

وأفهمه بذلك: أن محاولته هذه مكشوفة ومعروفة، وذلك يعني: أن طلحة سوف يتحمل مسؤولية إصراره هذا، وسيبقى ذلك وصمة عار على جبينه، وعلى ذريته، في حياته، وبعد مماته.

"فكف طلحة عن الإستئذان عند ذلك".

حبطت أعمالهم:

وقد صرحت الآية التي نزلت في هذه المناسبة بحبط أعمال هذا الفريق الذي يقسم: إنّه مع المسلمين، ثم يظهر أنّه على خلاف ذلك.

ومن المعلوم: أن الكفر هو الذي يحبط الأعمال، فدل ذلك على أن هؤلاء قد تورطوا في أمر عظيم، لا بدّ لهم من الخروج منه، وقد نبهتهم الآية القرآنية إلى لزوم المبادرة إلى ذلك.

العزة لله ولرسوله وللمؤمنين:

وقد بات واضحاً: أن طلحة كان يريد أن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأنه يطلب بذلك العزة، وقد قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلهِ

٣١٠

جَمِيعاً}(١).

فبينت له الآية: أنه مخطئ في هذا التفكير، وأن عليه أن يتراجع عنه.

مناقشات.. وردود:

وقد حاول بعضهم رد الرواية المذكورة، فذكر أموراً عديدة لا تصلح كلها لذلك، فلاحظ ما يلي:

١ ـ الآية نزلت في ابن أبي:

قال ابن روزبهان ما ملخصه: اتفق جميع أهل التفسير على أن الآية نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أُبي، حين قال عبادة: إني تركت كل مودة وموالاة كانت لي مع اليهود، ونبذت كل عهد لي كان معهم.

وقال عبد الله بن أُبي: لا أترك مودة اليهود، وموالاتهم، وعهدهم إلخ.. فنزلت آية النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء(٢).

ويجاب:

أولاً: قد يقال: إن كلام ابن أبي إنما هو في ابقاء مودته لليهود، وحفظ عهوده معهم، والآية تنهي عن المبادرة إلى اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فكأنها تنهي عن إحداث ذلك بعد أن لم يكن.

١- الآية ١٣٩ من سورة النساء.

٢- إبطال الباطل (مطبوع ضمن دلائل الصدق) ج٣ ق ١ ص٢٠٤ ـ ٢٠٥.

٣١١

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن الآية ضربت القاعدة، وجاءت بحكم كلي، ينطبق على المورد المذكور وعلى غيره.

غير أننا نقول:

الآية لا تنطبق على قصة عبادة من جهتين:

إحديهما: أنّها تحدثت عن خصوص اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ولم تذكر موضوع حفظ العهد معهم ونبذه.

الثانية: إنّ الآية تحدثت عن اليهود والنصارى، وحديث عبادة إنّما ذكر اليهود دون غيرهم.

ولو كان المراد ضرب القاعدة في اليهود والنصارى أيضاً لكان اللازم التعميم إلى المجوس، وإلى غيرهم من الكفار أيضاً.

ثانياً: لم يتفق المفسرون على نزول الآية في عبادة بن الصامت، وابن أبي، فعن عكرمة في تفسير الآية قال: كان طلحة والزبير يكاتبان النصارى، وأهل الشام إلخ..(١).

وروي عن السدي ما تقدم(٢).

قال الشيخ محمد حسن المظفر "رحمه الله": "وبالجملة: طلحة في قول عكرمة والسدي، ممن نزلت فيه الآية، واختلفا في الآخر، فقال عكرمة هو

١- الدر المنثور ج٢ ص٢٩١ عن ابن جرير، وابن المنذر.

٢- وراجع: الدر المنثور، عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، ولكنه لم يسم الرجلين الذين خافا أن يدال اليهود والنصارى.

٣١٢

الزبير، وقال السدي: هو عثمان"(١).

٢ ـ طلحة بريء:

زعم بعضهم: أن ما ذكرته هذه الرواية مكذوب على طلحة، لأنه في أُحد حمى وجه رسول الله "صلى الله عليه وآله" من السيف بيده، وقطعت يده، ومن المقررات أنّه ابتلي يوم أحد بما لم يبتل به أحد من المسلمين(٢).

ونقول:

أولاً: لم يذكر أحد أن يد طلحة قطعت في أُحد، ولا في غيرها، بل ذكروا: أن أصبعه شلت.

ثانياً: دلت النصوص على فرار طلحة في أُحد، فراجع.

ثالثاً: قال العلامة الشيخ محمد حسن المظفر "رحمه الله" عن وقاية طلحة وجه النبي "صلى الله عليه وآله" بالسيف: "لم أجد في أخبارهم ذكر السيف، وإنّما رووا عنه أنّه وقاه بالسهم"(٣).

رابعاً: قولهم: إن طلحة قد ابتلي بما لم يبتل به أحد من المسلمين، غير ظاهر الوجه، ولا سيما مع ما ذكرناه من فراره في ذلك اليوم، بالإضافة إلى

١- دلائل الصدق ج٣ ق١ ص٢٠٢.

٢- راجع: كنز العمال للهندي ج ١٣ ص٢٠١ وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٦٠.

٣- دلائل الصدق ج٣ ق١ ص٢٠٧.

٣١٣

ما جرى على حمزة رضوان الله تعالى عليه وعلى سائر الشهداء، والجرحى وما أكثرهم فقد كانوا ستين أو سبعين كما ظهر في غزوة حمراء الأسد.

هذا ما جرى على أمير المؤمنين "عليه السلام"، الذي يقول عنه أنس بن مالك كما تقدم:

"أُتي رسول الله "صلى الله عليه وآله" بعلي "عليه السلام" يومئذٍ، وفيه نيف وسبعون جراحة، من طعنة وضربة، ورمية، فجعل رسول الله "صلى الله عليه وآله" يمسحها، وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن"(١).

٣ ـ براءة عثمان:

وقد استدل بعضهم على عدم صحة الرواية التي نتحدث عنها: بأن عثمان كان قد تزوج ببنت رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فكيف يتركها، ويغض النظر عن سوابقه في الإسلام، ويتهود هرباً من إدالة اليهود؟!

وأي ملك كان يهودياً في الشام، ويمكن أن يستولي على الحجاز؟!

ولِم لم يرجع إلى أبي سفيان ليأخذ الأمان منه، وهو ابن عمه؟ ورئيس قريش(٢).

ونجيب:

أولاً: قد أثبتنا: أن عثمان لم يتزوج بنات الرسول "صلى الله عليه وآله"،

١- مجمع البيان ج٢ ص٥٠٩ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٣.

٢- إبطال الباطل لابن روزبهان (مطبوع مع دلائل الصدق) ج٣ ق١ ص٢٠٣.

٣١٤

بل تزوج بنتين ربيتا في بيت رسول الله "صلى الله عليه وآله"، ولا أقل من وجود الشك في ذلك.

ثانياً: إن زواجه هذا ـ لو صحّ ـ فهو لا يمنعه من التوسل بما يرى أنّه يحفظ له حياته، كما دلّ عليه فراره في أحد، فإنه لم يعد إلا بعد ثلاثة أيام.

ثالثاً: إن المطلوب: هو أن يلجأ إلى يهودي ذي نفوذ، ويأخذ منه أماناً يرضاه منه يهود الحجاز لو ظهروا على الحجاز، ولا يجب أن يكون هذا اليهودي ملكاً في الشام، أو في غيرها.

رابعاً: إن رجوعه إلى أبي سفيان غير مأمون العواقب، لأن رجوعه هذا لا بدّ أن يظهر ويشتهر، وهو لم يكن مطمئناً إلى نجاح أبي سفيان في معاركه مع المسلمين، وإذا انتصر النبي "صلى الله عليه وآله" فستحل بالذي يمالئ أبا سفيان الكارثة.

أما بالنسبة للشام، فيمكنه أن يتستر بالتجارة، ثم يفعل ما يشاء من دون حسيب أو رقيب!

٣١٥
٣١٦

الفصل السابع:

.. إلى بني النضير..

٣١٧
٣١٨

كتاب مفاداة سلمان بخط علي (عليه السلام) :

ويذكر هنا الكتاب الذي كتبه النبي "صلى الله عليه وآله" في مفاداة سلمان من عثمان بن الأشهل، فإن النبي "صلى الله عليه وآله" أملاه وعلي "عليه السلام" كتبه، وكان من الشهود عليه، وهو مؤرخ بالسنة الأولى للهجرة..

وفي هذا الكتاب بعض المآخذ ذكرناها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي "صلى الله عليه وآله" غير أننا نذكِّر بما يلي:

١ ـ إن الكتاب، يصرح بأن النبي "صلى الله عليه وآله" هو الذي كاتب عثمان بن الأشهل، فالمفروض أن يكون الدافع للفداء هو النبي "صلى الله عليه وآله"، وهذا هو صريح الكتاب.. وهو ما حصل بالفعل.

٢ ـ إنه "صلى الله عليه وآله" جعل ولاءه لنفسه وأهل بيته، ولم يدع أحد من زوجات النبي أن لها نصيباً من ولاء سلمان، أفلا يعتبر هذا إشارة إختصاص أهل البيت بغير الزوجات أيضاً؟!

تأدية المال لأصحابه:

وتذكر الروايات: أنه "صلى الله عليه وآله" هو الذي أدى فداء سلمان،

٣١٩

في اتجاهين:

أحدهما: في غرس النخل المطلوب في الفداء.

فإن النبي "صلى الله عليه وآله" باشر غرس النوى بنفسه، وكان علي "عليه السلام" يعينه.

وكان "صلى الله عليه وآله" قد أمر سلمان بأن يُفَقِّرَ لها، ولا يضع منها شيئاً، حتى يكون النبي "صلى الله عليه وآله" هو الذي يضعها بيده، فغرسها "صلى الله عليه وآله"، فحملت من عامها(١).

١- راجع: الثقات لابن حبان ج١ ص٢٥٦ و ٢٥٧ وتاريخ الخميس ج١ ص٤٦٨ وحلية الأولياء ج١ ص١٩٥ وتاريخ بغداد ج١ ص١٦٩ وراجع ١٦٣ و١٦٤ وطبقات المحدثين بأصبهان ج١ ص٢٠٩ ـ ٢٢٣ ودلائل النبوة لأبي نعيم (ط ليدن) ص٢١٣ ـ ٢١٩ والسيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٢٢٨ ـ ٢٣٦ وأسد الغابة ج٢ ص٣٣٠ و الطبقات الكبرى لابن سعد ج٤ ص١٩٧ ـ ١٩٩ عن أبي يعلى، والمصنف للصنعاني ج٨ ص٤١٨ و ٤٢٠ وتهذيب الأسماء ج١ ص٢٢٧ ومجمع الزوائد ج٩ ص٣٣٥ و ٣٣٧ و ٣٤٠ وقاموس الرجال ج٤ ص٤٢٧ و ٤٢٨ وأنساب الأشراف (سيرة النبي "صلى الله عليه وآله") ج١ ص٤٨٦ و ٤٨٧ وبحار الأنوار ج٢٢ ص٢٦٥ و ٣٦٧ و ٣٩٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٨ ص٣٥ و ٣٩ والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج٢ ص٥٧ وصفة الصفوة ج١ ص٣٥٢ و ٥٣٣ عن أحمد، وفي هامشه عن ابن هشام، وعن الطبراني في الكبير، وعن الخصائص للسيوطي ج١ ص٤٨ عن دلائل البيهقي، ونفس الرحمن ص٢ ـ ٦ عن قصص الأنبياء للراوندي، وعن المنتقى للكازروني وعن السـيرة الحلبيـة، = = وعن السيرة النبوية لابن هشام، وراجع: مسند أحمد ج٥ ص٤٣٨ و ٤٣٩ و ٤٤٠ و ٤٤١ و ٤٤٤.

٣٢٠