×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج04 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

٣٠١
٣٠٢

نصوص الفصل السابق في وقفات:

وبعد.. فإن لنا هنا وقفات عديدة مع النصوص التي تقدمت في الفصل السابق، نقتصر منها على ما يلي:

ابن الصباغ ينقل عن صحيح مسلم:

قال ابن الصباغ: "وفي صحيح مسلم: قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فتساورت لها، وحرصت عليها حتى أبديت وجهي، وتصديت لذلك ليتذكرني..

ثم قال: قالوا: وإنما كانت محبة عمر لما دلت عليه من محبته الله ورسوله، ومحبتهما له، والفتح"(١).

ونقول:

إن العبارة الأخيرة ربما تجعل ذريعة للقول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) حين منع عمر من الراية يكون قد اتهم عمر بشيء لا يحب أحد أن يتهم به..

١- الفصول المهمة لابن الصباغ ص٣٨ و (ط دار الحديث) ج١ ص٢١٨ عن أبي السعادات اليافعي في المرهم، وكتاب الأربعين للماحوزي ص١٨١ و ٢٨٧.

٣٠٣

ثم إن سائر الروايات قد اقتصرت على القول: بأن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ.

قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى لها(١).

فدعا (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام)، فأعطاه إياها، وقال: امش، ولا تلتفت.

فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟!

١- صحيح مسلم (ط محمد علي صبيح) ج٧ ص١٢١ ومسند الطيالسي ص٣٢٠ والتاج الجامع للأصول ج٣ ص٣٢٦ ومسند أحمد ج٢ ص٣٨٤ وعن صحيح البخاري ج٧ ص٥٤٤ (٤٢٠٩ و ٤٢١٠) والخصائص الكبرى ج١ ص٢٥١ و ٢٥٢ وخصائص علي بن أبي طالب للنسائي ص٧ والطبقات لابن سعد (ط دار الثقافة الإسلامية مصر) ج٣ ص١٥٦ ومعارج النبوة ص٢١٩ وراجع: سبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٤ ودلائل النبوة للبيهقي ج٤ ص٢٠٥ وجامع الأصول ج٩ ص٤٧٢ وتذكرة الخواص ص٢٤ والبداية والنهاية ج٤ ص١٨٤ و ١٨٥ وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص٧٤ و ٧٥ والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج١ ص١٨٤ ـ ١٨٨ والنهاية لابن الأثير ج٢ ص٤٢٠ وينابيع المودة ج١ ص١٥٤ وبحار الأنوار ج٣٩ ص١٢ و ١٣ وشرح صحيح مسلم للنووي ج١٥ ص١٧٦ والديباج على مسلم ج٥ ص٣٨٧ ورياض الصالحين للنووي ص١٠٨ والجوهرة في نسب علي بن أبي طالب وولده ص٦٨ وشرح أصول الكافي للمازندراني ج٦ ص١٣٦ وج١٢ ص٤٩٤ وتاريخ الخميس ج٢ ص٤٨.

٣٠٤

قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم ومالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله(١).

فهل كانت لدى ابن الصباغ نسخة من صحيح مسلم تختلف عن النسخة التي وصلت إلينا؟

أم أن أحداً قد كتب في هامش نسخته توضيحاً لكلام عمر، فظنه ابن الصباغ جزءاً من الرواية، فأدرجه فيها؟!

أو أن ابن الصباغ نفسه قد شرح كلمة عمر بالنحو المتقدم، لكن نساخ كلامه قد أسقطوا (بعض الكلمات)؟!

إن كل ذلك محتمل.. ويؤيد هذا الاحتمال الأخير: أن الماحوزي نقل كلام ابن الصباغ بإضافة ما يدل على أنه كان بصدد توضيح كلام عمر،

١- صحيح مسلم (ط محمد علي صبيح) ج٧ ص١٢١ ومسند الطيالسي ص٣٢٠ والتاج الجامع للأصول (ط مصر) ج٣ ص٣٢٦ ومسند أحمد ج٢ ص٣٨٤ والخصائص للنسائي ص٧ والطبقات لابن سعد (ط دار الثقافة الإسلامية) ج٣ ص١٥٦ ومستدرك الحاكم ج٣ ص٣٨ والمعجم الصغير (ط دهلي) ص١٦٣ وتذكرة الخواص ص٢٤ و ٢٥ والبداية والنهاية ج٤ ص١٨٤ و ١٨٥ والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج١ ص١٨٤ ـ ١٨٨.

٣٠٥

فراجع(١).

اللهم لا مانع لما أعطيت:

١ـ ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أرسل عمر إلى اليهود مرتين:

إحداهما: قبل أبي بكر.

والثانية: بعده.

فهل فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ليسقط دعاوى عمر لنفسه الشدة والصلابة؟!

أو أنه أراد بذلك أن يسد الطريق على الأعذار التي قد يتعلل بها عمر لهزيمته في المرة الأولى؟! أو أنه قصد الأمرين معاً؟!

٢ ـ هل كان إرسال أبي بكر لمهاجمة الحصن الخيبري، لكي لا يدعي محبوه له الشجاعة النادرة، لمجرد أنه قال لعمر: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد مات بعد أن كان عمر قد أنكر موته في غياب أبي بكر، أو لأنه كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) في العريش، أو نحو ذلك.

وقد ظهر من هزيمته، وهزيمة صاحبه هنا، بالإضافة إلى هزائمهما في قريظة، وأحد، وحنين، وسواهما، ونكولهما عن عمرو بن عبد ود في الخندق.. ظهر أن هذا هو طبعهما الحقيقي.. وأن توثبهما للراية حين أعطاها

١- كتاب الأربعين للماحوزي ص١٨١ و ١٨٩.

٣٠٦

النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي في خيبر لم يكن في محله، بل كان توثباً لما يريدان أن يحصلا عليه من دون مخاطر..

ولربما يكون ادِّعاء هذا التوثب قد جاء متأخراً منهما، ليستردا بعض ماء الوجه الذي فقداه بهزيمتهما في اليومين الأولين.

وعلى كل حال، فإن هذين الرجلين كانا قد أثبتا بصورة عملية، وبنحو قد تكرر، وتقرر أنهما ليسا من السنخ الذي يفتح الله على يديه الحصون، وتقر بقلع أبوابها العيون..

بل الذي يقوم بهذه المهمات الجسام، هو من نزل فيه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}(١).

ومن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ومن هو كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه..

وهو ذلك الذي لا مطمع له بالدنيا، ولا أرب له بشيء من حطامها، ومن يرضى بما قسم الله تعالى له، ويرى أن ما به من نعمة فمن الله، وفق ما صرح به حين قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت".

أبشر يا محمد بن مسلمة:

وذكرت بعض روايات الواقدي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) دفع

١- الآية ٢٠٧ من سورة البقرة.

٣٠٧

لواءه إلى أحد المهاجرين، فرجع، ولم يصنع شيئاً، فدفعه إلى آخر، فكذلك.. فدفع لواء الأنصار إلى رجل منهم، فرد كتائب اليهود إلى الحصن.. فخرج ياسر ومعه جماعته، فكشف الأنصارحتى انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وعرض (صلى الله عليه وآله) الإسلام على أهل خيبر، مقابل أن يحرزوا أموالهم ودماءهم، فرفضوا، فقال (صلى الله عليه وآله): لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله(١)، ليس بفرار(٢).

ونقول:

١ ـ قد تكتم الراوي على أسماء المهاجريَّيْنِ، والأنصاري، وإن كان قد ألمح إلى الأنصاري بما يفهم منه أنه سعد بن عبادة.

٢ ـ رغم أن الأنصاري قد رد اليهود إلى حصونهم، فقد ظهر أن الراوي يرغب بأن يساويه مع ذينك المهاجريَّيْنِ، حيث ذكر أنه كان يؤنب أصحابه على ما جرى له..

٣ ـ إن الراوي قد أبهم التعابير، لكي لا يفهم الناس فرار المهاجريَّيْنِ، مع أنه يذكر أنه صار يستبطئ أصحابه، بدلاً من كلمة "يجبِّن".. وكأنه يريد أن يجعل التبعة على الأصحاب، لا على قائدهم.

١- في الإمتاع ص٣١٤ لم يذكر كلمة "ويحب الله ورسوله".

٢- المغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٣ و٦٥٤ وإمتاع الأسماع ص٣١٣ و٣١٤ و (ط دار الكتب العلمية) ج١٣ ص٣٣٣ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٤.

٣٠٨

٤ ـ إنه نسب اللواء الذي أعطي للمهاجري إلى رسول الله، ولكنه بالنسبة للأنصاري، قال: أعطاه لواء الأنصار، ليعطي ميزة للمهاجري بأن رسول الله من فئته.. وبأن اللواء الذي أعطاه إياه هو اللواء الأعظم.

ولكنه وقع في محذور نسبة الفرار بلواء الجيش كله إلى المهاجريَّيْنِ.. أما الأنصاري، فإنما فر بلواء الأنصار وحسب، فما عمله المهاجريَّان يكون في غاية القبح، لأن فِرارهما ينسب لرسول الله، وللجيش كله، وفرار الأنصاري ينحصر به وبقومه.

مع أنه قد أقر للأنصاري بتحقيق إنجاز هام عجز عنه المهاجريان، وهو أنه رد كتائب اليهود إلى حصنهم..

الأرمد يطحن:

وفي بعض النصوص: أنه لما سأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن علي (عليه السلام) قالوا: هو في الرحل يطحن.

قال: وما كان أحدكم ليطحن؟! فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر(١).

١- مسند أحمد ج١ ص٣٣١ والخصائص للنسائي (ط التقدم بمصر) ص٨ وفي (طبعة أخرى) ص٦٣ والمستدرك للحاكم ج٣ ص١٣٢ وكفاية الطالب (ط مكتبة الغري) ص١١٦ وراجع: العمدة لابن البطريق ص٨٥ و ٢٣٨ وذخائر العقبى ص٨٧ وحلية الأبرار ج٢ ص وبحار الأنوار ج٣٨ ص٢٤١ وج٤٠ ص٥٠ وخلاصة عبقات الأنوار ج٧ ص١١٢ و ٢٩٢ والمراجعات ص١٩٦ والغدير ج١ ص٥٠ وج٣ ص١٩٥ ومواقف الشيعة ج٣ ص٣٩٣ وعن مجمع الزوائد ج٩ ص١١٩ وكتاب السنة لابن عاصم ص٥٨٩ والسنن الكبرى ج٥ ص١١٣ وعن خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص١١٨ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٢ ص٩٨ و ٩٩ و ١٠١ وج٤٦ ص١٥٠ وسير أعلام النبلاء ج٣ ص٦٨ وعن الإصابة لابن حجر ج٤ ص٤٦٧ وعن البداية والنهاية ج٧ ص٣٧٤ والمناقب للخوارزمي ص١٢٥.

٣٠٩

ونلاحظ: أنه (عليه السلام) حتى وهو أرمد، لا يكاد يبصر، لا يكون اتكالياً على غيره في خدمته لنفسه، وللمقاتلين بالاستناد إلى رمد عينيه، بل يكون هو العامل، الذي يختار عملاً يقدر على أدائه، مما فيه فائدة للجيش، الذي هو بصدد دفع أعداء الله تعالى.

في حين أن غيره سارع إلى الحضور في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله)، وكثير منهم مستشرف للراية طامعاً وآملاً بالفوز بها، حين عرف أن حاملها سوف يفتح الله على يديه، وأن ذلك سوف يكون وساماً ربما يكون له تأثيره في تبوء المقامات، وتحقيق الطموحات..

وكأن استشراف هؤلاء الطامعين للراية إنما كان للوعد بالفتح الذي أطلقه رسول الله (صلى الله عليه وآله).. رغم فرارهم بها بالأمس وقبله..

ولعلهم ظنوا: أن الفتح سيأتي على سبيل الإعجاز، ومن دون تعب، ونصب، وتضحية.. ذاهلين عن أن الفتح إنما يكون على يدي الكرار غير الفرار.

ومن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه..

٣١٠

ومن لا يريد بهذا الجهاد أن يحصل لنفسه على المكاسب أو المناصب الدنيوية..

ومن يلتزم بحرفية أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يتعداها.

ومن لا يعتبر إعطاء الراية له والفتح على يديه مكسباً دنيوياً.. بل هو عطاء إلهي على قاعدته التي اطلقها (عليه السلام) في هذا الموقف بالذات، حين قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت"(١).

ومهما يكن من أمر، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قد لامهم على تركهم علياً يطحن، ومبادرتهم إلى مجلسه (صلى الله عليه وآله)، لأنه رأى أن مبادرتهم هذه، واستشرافهم للراية أيهم يعطاها سعي للدنيا، وطلب لها..

وما كان أحراهم لو اشتغلوا بالطحن، فإنه سيكون نافعاً لهم في دنياهم وفي آخرتهم، التي هم أحوج إليها من أي شيء آخر..

ولو أنهم افسحوا المجال لعلي (عليه السلام) ليحضر، لكان حضوره (عليه السلام) في ذلك المجلس هو المرضي لله، لأن حضوره سيكون من أجل الآخرة، وللعمل على حل العقدة، ونصرة أهل الحق.. ولأجل ذلك استحقوا اللوم من النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنهم أوكلوا الطحن إلى علي (عليه السلام)، وكان الحري بهم أن يتولوه عنه.

كما أن هذا اللوم الذي وجهه النبي (صلى الله عليه وآله) لهم يعطي أن

١- قد ذكرنا مصادر هذه الكلمة في موضع آخر، فراجع.

٣١١

عليهم أن يعرفوا أقدار الناس، وأقدار أنفسهم، وأن يضعوا الأمور في مواضعها، وأن يوكلوا كل عمل إلى أهله.. فلا يوكلوا الطحن واستقاء الماء، وحراسة النساء إلى القادة والذادة، وعلماء الأمة وربانييها.

علام أقاتلهم؟!:

وثمة سؤال يقول:

ألم يكن علي (عليه السلام) يعلم هدف القتال في خيبر، فلماذا إذن وقف وسأل النبي (صلى الله عليه وآله) قائلاً: علام أقاتلهم؟!..

ونجيب:

بأن سؤاله هذا إنما هو لتعريف الذين جاؤا من أجل الغنائم، وأرادوا الحصول على الراية، للحصول على الإمارة والشهرة، والسمعة، والرفعة في الدنيا، فإنهم قد أخطأوا الطريق، والغاية على حد سواء..

ويزيد هذا الخطأ فداحة وقباحة، إذا كانوا يسعون إلى فرض إسلامهم على غيرهم بالقهر والقوة، وبالسيف، لا بالحجة والبرهان.

وقد لوحظ هنا: أنه (عليه السلام) لم يقل للنبي (صلى الله عليه وآله): أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين؟!

بل قال: "حتى يكونوا مثلنا"، لأن السؤال الأول يجاب عنه بنعم أو بلا.. لكن كلمة "مثلنا" قد مهدت لبيان ذلك الأمر الحساس الذي يراد إفهامه للناس، وهو أنه بعد أن أقيمت الحجة عليهم، واصبحوا مجرد معاندين وجاحدين، يمارسون البغي والعدوان، صار المطلوب مستوى معيناً من المثلية، وهي الدرجة التي توجب حقن دمائهم، وهي قول لا إله

٣١٢

إلا الله، محمد رسول الله..

أما سائر المراتب والدرجات فهي إنما تحصل بالسعي الدؤوب من قبل الأفراد أنفسهم، كل بحسب حاله وقدراته، ودرجات معرفته، وطبيعة ظروفه، وأحواله.

تعريف اليهود حق الله وحق الرسول:

وثمة أمر آخر، وهو: أنه (صلى الله عليه وآله) طلب من علي أن يعرف اليهود حق الله وحق رسوله..

وهذا الطلب يدل على أن الأمر قد تجاوز حدود إقامة الحجة، فقد أثبتت الدلائل القاطعة لهم الألوهية والرسولية له (صلى الله عليه وآله).. وهم الآن في مقام جحد حق الله وحق رسوله، وهذا القتال في خيبر إنما هو على هذا..

ما هو حق الله، وحق الرسول؟!:

إن حق الله على الناس هو: توحيده، وطاعته، وعبادته، وحق الرسول هو القبول منه وعنه، وتوقيره، ونصرته، والشهادة والإعتراف له بالرسولية..

أما تعريفهم بأوامر الله ونواهيه، وشرائعه، فيأتي في مرحلة لاحقة، حيث يطلب منهم هم أن يسعوا لذلك من خلال تقواهم، وخوفهم منه، ورغبتهم بما عنده سبحانه..

كما أن معرفة سائر ما يرتبط بالنبي والنبوة، فإن الدواعي الباطنية هي التي تدفع للحصول عليه.

٣١٣

هداية الناس هدف نبيل:

ثم إنه (صلى الله عليه وآله) عقب كلامه عن حق الله وحق رسوله ببيان مسؤوليات الناس تجاه إخوانهم في الإنسانية، فإن على رأس هذه المسؤوليات العمل على هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فلا يكون همُّ الفاتحين لحصون خيبر هو فتح الحصون والحصول على الأموال والسبايا، والغلبة، وقهر الرجال، بل يكون همهم هو إعزاز الناس، وفتح قلوبهم للحق، وإنقاذهم من ضلالاتهم، وجهالاتهم.

توحيد اليهود مشوب بالشرك:

إن قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، يشير إلى أن توحيد اليهود مشوب بالشرك، أو بغيره من المعاني التي تنافي التوحيد الخالص، ولو بمستوى عبادة الذات، والمال، والسلطان، فضلاً عن قولهم: عزير ابن الله، واعتقادهم بالتجسيم الإلهي، وقولهم: {أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً}(١). وقولهم: {اجْعَلْ لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}(٢)، وقولهم: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ }(٣)، ونسبة العجز، والظلم إليه وغير ذلك..

وقد جعل (صلى الله عليه وآله) حفظ الأنفس والأموال منوطاً بالشهادتين،

١- الآية ١٥٣ من سورة النساء.

٢- الآية ١٣٨ من سورة الأعراف.

٣- الآية ٦٤ من سورة المائدة.

٣١٤

لأن للكفر وللإيمان مراتب، فأشد وأقبح مراتب الكفر، الإلحاد والشرك، فإن الشرك ظلم عظيم.

ثم يلي هذه المرتبة مرتبة الذين يفرقون بين الله ورسله، ويقولون: نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض أولئك هم الكافرون حقاً.

وهناك أيضاً مرتبة الإعتراف بوجود الله، وإنكار النبوة الخاتمة، وإن اعترفوا أيضاً بأن له رسلاً وكتباً وشرائعَ، وثواباً، وعقاباً، كما هو حال أهل الكتاب.

ولذلك كان لهؤلاء أحكام تختلف عن أحكام المشركين والملحدين، فيجوز التزويج متعة بالكتابية، ولا يجوز تزويجهم. ويصح اعتبارهم من أهل الذمة وعقد العهد معهم، ويمنع التعرض لهم في ممارساتهم الدينية، وفق حدود وقيود..

فإذا ارتقوا في إيمانهم، وشهدوا الشهادتين، وقبلوا الإسلام ديناً، حقنت دماؤهم وأموالهم، وجاز التزوج منهم والتزويج لهم، وتحل ذبائحهم، ويحكم بطهارتهم، ويرثون، ويورثون.

فإن قبلوا الإمامة زادت امتيازاتهم على ذلك أيضاً، فحرمت غيبتهم، ووجبت لهم حقوق الأخوة الإيمانية، وإن طلق أحدهم وفق المذاهب الأخرى لم يقبل منه، فلا يمضى الطلاق بالثلاث، ويحكم بفساد طلاقه إن كان بلا شهود.

فإذا صار من أهل العدالة صحت الصلاة خلفه، وجاز إشهاده على الطلاق، وغيره.

٣١٥

ثم إن الواحد منهم يتدرج في مراتب الفضل والكمال، فللعالم فضله، وللتقي مقامه، وقد يصير التقي العالم ولياً من الأولياء.. وقد اصطفى الله تعالى الأنبياء من هؤلاء.. ثم تدرج الأنبياء في مراتب الفضل، فالرسول أفضل من النبي بلا رسالة، وأولو العزم من الرسل أفضل من غيرهم، وأصحاب الشرائع افضل من سائر أولي العزم، والنبي الخاتم، وهو نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) أفضل من جميع الخلق..

وللأئمة أيضاً درجاتهم في الفضل، وافضلهم الأئمة الإثنا عشر، وأفضلهم علي "عليهم السلام".. بل هو أفضل الخلق على الإطلاق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

وعلى كل حال، فإن للإمامة مراتبها، وأعظمها مرتبة الإمامة للنبوة الخاتمة أيضاً.. ولكل خصوصية مقامها وأحكامها التي تناسبها..

هل قاتل الشيخان؟!:

زعمت النصوص المتقدمة: أن أبا بكر وعمر قاتلا في خيبر قتالاً شديداً، وقد جهدا فلم يفتح لهما..

وهذا غير صحيح:

أولاً: إن قول النبي (صلى الله عليه وآله): لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله عليه، فيه تعريض ظاهر، يصل إلى حد الإتهام لمن سبق علياً (عليه السلام) بأنهم فرارون، وبأنهم لا يحبون الله ورسوله..

بل بعض النصوص تذكر: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: هكذا تفعل

٣١٦

المهاجرون والأنصار؟! حتى قالها ثلاثاً ـ لأعطين الراية إلخ..(١).

وفي بعضها: فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: ما بال أقوام يرجعون منهزمين، يجبنون أصحابهم؟(٢).

فلو كان أبو بكر وعمر قد قاتلا حتى جهدا لم يصح هذا التعريض منه بهما وبمن معهما، بل كان يجب الإشادة بهما، وإغداق الأوسمة عليهما وعليهم، وذلك يدل على أن هزيمتهم لم تكن بسبب قوة اليهود، بل بسبب الجبن والتخاذل، الأمر الذي الحق ضرراً بالغاً بروحية المسلمين..

ثانياً: ويدل على ذلك: أن الأصحاب كانوا يتبادلون الإتهامات حول ما حدث، كما دلت عليه النصوص المتقدمة.

ثالثاً: في بعض النصوص ما يشير إلى أن عمر بن الخطاب لم يصل إلى العدو، بل سار بالراية غير بعيد، ثم رجع يجبِّن أصحابه ويجبنونه، فقال (صلى الله عليه وآله): ليست هذه الراية لمن حملها، جيئوني بعلي(٣)..

١- بحار الأنوار ج٢١ ص١٢ وج٣٢ ص٣٤٤ والإحتجاج للطبرسي ج٢ ص٦٤.

٢- الخرائج والجرائح ج١ ص١٥٩ وبحار الأنوار ج٢١ ص٢٨.

٣- الإرشاد للمفيد ج١ ص٢٦ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٥ وراجع: مدينة المعاجز ج١ ص١٧٤.

٣١٧

يحب الله ورسوله:

قلنا فيما سبق: أن كلام النبي (صلى الله عليه وآله) حول الراية قد تضمن تعريضاً بمن انهزم بها، لأن لحب الله تعالى وحب رسوله آثاره ومؤثراته، وشواهده وملامحه، ولم نجد شيئاً منها في الذين أخذوا الراية قبل علي (عليه السلام).

فحب الله وحب رسوله يفرضان إيثار رضاهما على النفس، وعلى المال، وعلى الجاه، وعلى أي شيء من حطام الدنيا.

وقد أظهر الفارون أنهم يؤثرون سلامة أنفسهم، أو حفظ مصالحهم على رضا الله ورسوله، فارتكبوا إثم الفرار من الزحف، والتفريط بدين الله، وبعباد الله، وبسلامة رسول الله، مع علمهم بأن هذا الفرار يُطْمِعُ الأعداء بالمسلمين، ويسقط روح الصمود والتصدي لدى الأولياء، وأين هذا مما يدعونه من حب الله ورسوله، وإيثار الجهاد في سبيله؟!

علي (عليه السلام) يحبه الله ورسوله:

وإذا كان علي (عليه السلام) يحب الله ورسوله، وقد صدقته شواهد الإمتحان، على قاعدة:


كل من يدعي لمــا هـو فيـه صدقته شواهد الإمتـحــان

فإنه إن قام بما يدعوه إليه ذلك الحب، من التماس رضا الله في كل شيء، والتزام طاعة رسوله، والوفاء والتضحية، وبذل النفس والمال وكل شيء في هذا السبيل.. فلا بد أن يحبه الله ورسوله، قبل، ومع، وبعد ذلك.. لأن الله

٣١٨

يحب من يحبه، ويعمل بما يرضيه.

وقد تضمن هذا التعريض بالفارين تحذير لهم ولغيرهم بأن عليهم أن يلتزموا طريق الصدق والإخلاص لله في أعمالهم، وإلا فمن الممكن أن يتعرضوا لمثل هذا الإمتحان العسير.. حين لا بد من ممارسة هذا الحق لتحصين الساحة من حدوث إخلالات كبيرة وخطيرة.

كرار غير فرار:

وقد وصف (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام): بأنه كرار غير فرار ـ بصيغة التكثير ـ ليفيد: أن الكر على الأعداء هو طبيعة وخلق في علي (عليه السلام).. لكن طبيعة غيره هي الفرار، وهو كثير الصدور منهم..

وقد تجلت كثرة الكر منه (عليه السلام)، وكثرة الفر منهم في مواطن عديدة، مثل: بدر، وأحد، والنضير، والخندق، وقريظة، وغير ذلك..

لا يولى الدبر:

ثم أكد صفة الرجل الذي يحب الله ورسوله.. وصفة الذين فروا بالراية بقوله: لا يولي الدبر.. وهذا التعبير من شأنه أن يزيد في نفور السامع من هذا العمل.. ويجعل الناس يتذكرون فرارهم في اليومين السابقين أفراداً وجماعات.

واللافت هنا: أن هذا الكرار بالذات سوف يأخذ معه نفس هؤلاء الذين فروا بالأمس مع قادتهم، وسوف يفرون هم وقادتهم عنه مرة أخرى

٣١٩

أيضاً كما ورد في النصوص.

لا يرجع حتى يفتح الله عليه:

١ ـ وربما يخطر في بال أحد من الناس أن الذي لا يولي الدبر قد لا يتمكن من تحقيق النصر، فيرجع خالي الوفاض.. وهذا الرجوع لا يعد هزيمة.. فأخبر (صلى الله عليه وآله): أنه (عليه السلام) لا يرضى حتى بهذا الرجوع، بل هو يصر على تحقيق النصر والفتح، ولا يرجع بدونه..

٢ ـ ويلاحظ هنا: أنه (صلى الله عليه وآله) لم ينسب الفتح إلى علي (عليه السلام)، فلم يقل: لا يرجع حتى يفتح حصنهم، أو حتى ينتصر عليهم، بل هو ينسب الفتح إلى الله، من حيث أن علياً بجهده وجهاده يستحق اللطف والكرامة الإلهية، فيجعل الله تعالى الفتح على يديه..

وكيف لا يعطيه الله هذه الكرامة، وهو يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وهو كرار غير فرار، وهو لا يولي الدبر؟!

فمن الطبيعي بعد هذا أن تكون النتيجة هي هذا التشريف، والتكريم الإلهي، فكأنها من الأمور التي تكون قياساتها معها.

لا يخزيه الله أبداً:

وجاء في بعض النصوص أيضاً قوله (صلى الله عليه وآله): لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً.. مما يعني: أن هزيمة أولئك كانت من القبح بحيث تعد من مفردات الخزي. وهو أمر لا تنحسر آثاره وتبعاته بسهولة، بل يبقى يلاحق فاعليه بكوابيسه المخيفة، والمؤذية، ويلقي بكلاكله الثقيلة عليهم

٣٢٠