×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج04 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

ونقول:

لماذا أهمل هؤلاء الإشارة إلى صاحب الراية العظمى، مع تصريحهم باسم حامل لواء المهاجرين، وبإسم حامل لواء الأنصار، مع أننا:

١ ـ قدمنا في حرب أحد أن علياً (عليه السلام) كان صاحب لواء (وراية) النبي (صلى الله عليه وآله) في بدر وفي كل مشهد.

٢ ـ ورد في احتجاج الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) على معاوية وابن العاص، والوليد الفاسق قوله: "ثم لقيكم يوم أحد، ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله، ومعك ومع أبيك راية الشرك"(١).

٣ ـ روى الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: "كانت راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع علي (عليه السلام) في المواقف كلها: يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، ويوم الأحزاب، ويوم فتح مكة.

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلها، ويوم فتح مكة، وراية المهاجرين مع علي (عليه السلام)(٢).

وهذا يدل على أن قولهم: كانت راية المهاجرين يوم الأحزاب مع زيد

١- كفاية الطالب ص٣٣٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٢٨٩ والغدير ج١٠ ص١٦٨ عنه، وجمهرة الخطب ج٢ ص٢٣ وأعيان الشيعة ج١ ص٥٧٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١١ ص٢١٢ وج٢٦ ص٥٤١.

٢- إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص١٩١ و (ط مؤسسة آل البيت) ج١ ص٣٧٤ وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج٤٢ ص٧٢.

٢١

بن حارثة غير صحيح.

الغطرسة القرشية، والحكمة المحمدية:

وعن علي (عليه السلام) قال: "فقدمت قريش، فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوها إلى الله عز وجل، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى، ولا يزيدها ذلك إلا عتواً"(١).

ونقول:

ليس غريباً على قريش هذا العتو، وهذه الغطرسة، ما دامت تقيس الأمور بمقاييس مادية، وترى القوة في أنفسها، والضعف في المسلمين، الذين جاءت لاستئصالهم، وإبادة خضرائهم، ولكن هذا العتو وتلك الغطرسة سرعان ما تلاشت، ليحل محلها الضعف والخنوع، والخيبة القاتلة، كما سنرى.

وليس غريباً أيضاً: أن نجد النبي (صلى الله عليه وآله) ومن موقع الشعور بالمسؤولية يعتمد الأسلوب الإنساني، ويستثير العاطفة الناشئة عن صلات القربى ولحمة النسب، والتي تكون لها هيمنة حقيقية على الإنسان، ولا بد أن تجتاح لمعاتها وهزاتها الجامحة كل كيانه، وكل وجوده. ثم هو

١- الخصال ج٢ ص٦٨ باب السبعة، و (ط مركز النشر الإسلامي) ص٣٦٨ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٤٤ وج٣٨ ص١٧٠ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٣ ص١٢٥ وحلية الأبرار ج٢ ص٣٦٣ وغاية المرام ج٤ ص٣١٩.

٢٢

(صلى الله عليه وآله) يقرن ذلك بالدعوة إلى الله عز وجل، الذي هو مصدر الخير والقوة والبركات.

وحين لا تستجيب لداعي الرحم، ولا لداعي الله، وتصرّ على الإستجابة للهوى وللشيطان، فلا يبقى خيار سوى التصدي لها، وإسقاط هذا العنفوان الرديء والرذل، وتمريغ أنفها برغام الذلة والخزي والهوان.. وهكذا كان.

حراسة العسكر:

قال القمي: "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجوز الخندق، ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائماً وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه..

ومسجد أمير المؤمنين (عليه السلام) هناك معروف، يأتيه من يعرفه، فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشابة(١)"(٢).

١- غلوة نشاب: أي مقدار رمية سهم.

٢- راجع: تفسير القمي ج٢ ص١٨٦ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٣٠ ومستدرك الوسائل ج١٠ ص٢٠٠ وجامع أحاديث الشيعة ج١٢ ص٢٧٤ والصافي ج٤ ص١٧٨ وج٦ ص٢٨ ونور الثقلين ج٤ ص٢٥٤.

٢٣

ونقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات هي التالية:

ضرورة الحراسة:

إن من البديهيات ضرورة الحذر من العدو المحارب، وحرمانه من فرصة تسديد ضربات هنا وهناك، من شأنها إرباك الجيش الإسلامي، أو إحداث ثغرات خطيرة فيه، وإلحاق الأذى بمعنوياته، وبثقته بقدارته، وطمأنينته إلى حسن تدبير القائمين على الأمور فيه.

ولم يكن يتولى الحراسة في حرب الخندق أشخاص عاديون، بل كان يتولاها قائد الجيش كله، وحامل لوائه وأميره الذي لم يكن فقط قادراً على اتخاذ القرار المناسب، ثم يأمر وينهى، بل كان يقرر ثم يباشر التنفيذ بنفسه، ثم هو في نفس الوقت لا يترك الفرصة تمر، ولا يمنح العدو أية قدرة على إتخاذ أي قرار آخر سوى الفرار، أو مواجهة الموت المحتم..

وكان لا بد لهذه الحراسة من أن تتواصل لتستغرق الزمان كله، لأن ذلك يعطي العدو الفرصة السانحة، ويجعل من الغفلة العارضة أو المنظمة منفذاً وسبباً لتضييع الجهد، وحمل النصر للعدو.

ولذلك كان لا بد من مواصلة الحراسة في الليل كله، لأن الليل هو وقت الهجعة اللذيذة، والغفلة القاهرة، لا سيما بعد أن يأخذ الملل والتعب مأخذهما.

والليل أيضاً هو الذي يمنح العدو الغطاء والوقاء، ويمكنه من تسديد ضرباته وفق ما يحلو له، وفي المكان الذي يختاره.

٢٤

من أجل ذلك نقول:

إنها لا بد أن تكون حراسة غير خاضعة لحدود الزمان والمكان، فلا تستقر في نقاط بعينها، لأنها في هذه الحال تمنح العدو فرصة التخطيط لإختراقها، أو لتحاشيها..

كما أن إطلاقها هذا يضيع على العدو الإحساس بالأمن، في أي من حالاته، ويجعله يتوقع المفاجآت، فيشغله ذلك بالعمل على تحاشيها، والإهتمام بحفظ نفسه قبل أن يفكر بأي تحرك خارج هذا النطاق، حيث لا بد أن يتوقع أن يفاجأ بدوريات الحراسة في كل إتجاه..

رصد العدو قتالياً:

كما أن المهمة التي اضطلع بها علي (عليه السلام) لم تقف عند حدود الحراسة، بل تعدت ذلك إلى الرصد الدقيق لتحركات العدو..

ولم يكن ذلك مجرد رصد يهتم بنقل مشاهداته إلى القيادة لكي تتخذ هي القرار، بل هو الذي يرصد، ثم يقرر، ثم يباشر التنفيذ..

والذي يتولى الرصد ليس إنساناً عادياً، بل هو قائد الجيش كله، الذي لن يجد معلومات أصح مما يحصل هو بنفسه عليه، ويراه بعينيه، ويسمعه بأذنيه.. ولن يحسن أحد تنفيذ ما يريده، ويرسم خطته أكثر منه، ولا يحتاج في المستجدات إلى انتظار القرار من أحد.. وهو أيضاً رصد دائم ومتواصل.

وكان الموضع الذي يستقر فيه لممارسة مهمته، موقعاً متقدماً جداً، قد لا يجرؤ على الوصول إليه أحد سواه.. وإن بلغه أحد، فلن يجرؤ على الإستقرار فيه طوال الليل.

٢٥

مسجد في موضع صلاة علي (عليه السلام):

وقد بقي المسجد في ذلك المكان الذي كان علي (عليه السلام) يرصد ويصلي فيه طوال الليل ـ بقي ذلك الشاهد الصادق على هذه التضحيات الجسام من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد صمد هذا المسجد عشرات أو مئات الأعوام.

ولكن هل تركته الفئة الوهابية، أم هدمته متذرعة بأعذار واهية، لممارساتها المتواصلة لمحو آثار الإسلام، حيث هدمت قبور أهل البيت، وأزالت المساجد، ومحت الآثار الدالة على جهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجهاد وصيه، والشاهدة على تضحيات الأخيار من أصحابه، والصفوة من أهل بيته؟!

وإذا كان لا يزال باقياً، فهل سيستمر بمرأى ومسمع منهم، ولا سيما إذا علموا أن لعلي (عليه السلام) أي أثر فيه؟!

الراصد المصلي:

ويواجهنا هنا سؤال يقول:

ذكروا: أن علياً (عليه السلام) أصاب رجله في غزوة أحد سهم صعب، فأمر (صلى الله عليه وآله) بإخراجه منها حين اشتغال علي (عليه السلام) بالصلاة، فأخرجوه من رجله، فقال بعد فراغه من الصلاة: إنه لم يلتفت لما جرى(١).

١- إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٦٠٢ عن المناقب المرتضوية الكشفي الحنفي ص٣٦٤.

٢٦

وفي نص آخر: كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يصلي، فإذا اشتغل بالصلاة، وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك، فيقول لولده الحسن (عليه السلام): إن هي إلا فعلتك يا حسن(١).

وفي نص ثالث: أن الزهراء "عليها السلام" هي التي أشارت عليهم بذلك(٢).

وفي نص آخر: أن ذلك كان في حرب صفين، وأنهم أخرجوه حال سجوده(٣).

ولا مانع من أن تتكرر الواقعة، فإنه (عليه السلام) قد خاض حروباً كثيرة، لعلها تعد بالعشرات، ولم يكن يجرؤ أحد على الإقتراب منه، فكان رشقه بالسهام هي الطريقة الممكنة لإلحاق الأذى به (عليه السلام)..

فلنا بعد هذا أن نسأل: كيف يمكن رصد حركة العدو من قبل من هو مشغول بالصلاة، إذا كان هذا هو حال الراصد في صلاته؟!

ونجيب:

أولاً: بأن الله تعالى قد أجاب عن ذلك في آية قرآنية مباركة، هي قوله

١- إرشاد القلوب ص٢١٧ وحلية الأبرار ج٢ ص١٧٩.

٢- المحجة البيضاء ج١ ص٣٩٧ و ٣٩٨ وجامع السعادات ج٣ ص٢٦٣.

٣- الحدائق الناضرة ج٧ هامش ص٢٤٢ وأسرار الشهادة (ط سنة ١٣١٩هـ) ص٢٥٥.

٢٧

تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(١).

وقد جعل الله تبارك وتعالى حديث التصدق بالخاتم في حال الركوع مبرراً للإعلان عن أخطر منصب، وأجلّ مقام، يرتبط بمستقبل ومصير البشرية بأسرها، لا في جيل بعينه، وإنما في الأجيال المتعاقبة كلها إلى يوم القيامة..

مع أن هذا التصدق إنما حصل من نفس هذا الذي استخرجت السهام من جسده وهو يصلي، ولم يشعر بذلك..

ثانياً: إن هذا التصدق لا يتنافى مع تلك الصلاة، فإنهما معاً من سنخ واحد، فهما عيش مع الله، وتفكير بما يرضيه، فهو لم يفكر في الدنيا، ولا اهتم لزبارجها وبهارجها.. بل انصرف إلى عبادة الله..

ثالثاً: بل هو (عليه السلام) قد مارسهما معاً في آن واحد، ومن الممكن توضيح ذلك بالإشارة إلى أن من يشرف على الجنة، فإنه يرى أشجارها، وأنهارها، وحورها، وقصورها بنظرة واحدة.

كما أن من يعيش في واحات الرضى والقرب الإلهي، فإنه يشعر ويحس ويرى، ويتفاعل مع كل ما تحويه تلك الواحات، فهو يسبح الله، ويبكي خوفاً منه، ويفرح بكونه في مقام الزلفى، ويرجو أن يحصل على المزيد من منازل الكرامة في آن واحد أيضاً.

١- الآية ٥٥ من سورة المائدة.

٢٨
٢٩

الفصل الثاني:

عمرو في المواجهة.. نصوص.. وآثار

٣٠

٣١

علي (عليه السلام) يسد طريق الهرب:

وذُكر أنه لما عبر عمرو بن عبد ود ومن معه الخندق أمر النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام)، بأن يمضي بمن خف معه ليأخذ الثغرة عليهم، وقال: "فمن قاتلكم عليها فاقتلوه"(١).

فخرج (عليه السلام) في نفر من المسلمين حتى أخذ الثغرة، وسلمها إليهم، فوقف عمرو، وطلب البراز(٢).

١- شرح الأخبار ج١ ص٢٩٤.

٢- راجع المصادر التالية: مناقب آل أبي طالب ج١ ص١٩٨ والإرشاد للمفيد ص٥٢ و (ط دار المفيد) ج١ ص٩٨ وكشف الغمة للأربلي ج١ ص٢٠٧ و ٢٠٣ والكامل في التاريخ ج٢ ص١٨١ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٢٣٩ ومجمع البيان ج٨ ص٣٤٢ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٥٣ وتاريخ الخميس ج١ ص٤٨٧ وعيون الأثر ج٢ ص٦١ والسيرة النبوية لابن هشام ج٣ ص٢٣٥ و (ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج٣ ص٧٠٨ وتهذيب سيرة ابن هشام ص١٩٣ ودلائل النبوة للبيهقي ج٣ ص٤٣٧ والبدء والتاريخ ج٤ ص٢١٨ وبهجة المحافل ج١ ص٢٦٦ والإكتفاء للكلاعي ج٢ ص١٦٦ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٢٠٢ وتاريخ= = الإسلام للذهبي (المغازي) ص٢٣٩ و (ط دار الكتاب العربي) ص٢٩٠ وإعلام الورى (ط دار المعرفة) ص١٠٠ و (ط مؤسسة آل البيت) ج١ ص١٩٢ وشرح الأخبار ج١ ص٢٩٤ والدرر لابن عبد البر ص١٧٤ والجامع لأحكام القرآن ج١٤ ص١٣٤ وقصص الأنبياء للراوندي ص٣٤٢ وسبل الهدى والرشاد ج٤ ص٣٧٨ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١٨ ص١٠٨ عن مختصر سيرة الرسول لابن عبد الوهاب الحنبلي الوهابي (ط المطبعة السلفية في القاهرة) ص ٢٨٥.

٣٢

وقد وصف علي (عليه السلام) قريشاً: "..وفارسها وفارس العرب عمرو بن ود يهدر كالبعير المغتلم..

إلى أن قال: والعرب لا تعد لها فارساً غيره"(١).

مبارزة علي (عليه السلام) لعمرو:

ونذكر هنا طائفة من النصوص التي تصف ما جرى بين علي وعمرو بن عبد ود ومن معه. وقد آثرنا أن نستعيرها من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)(٢)، فنقول:

١- الخصال ج٢ ص٣٦٨ و (ط مركز النشر الإسلامي) ص٣٦٨ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٤٤ وج٣٨ ص١٧٠ والإختصاص ص١٦٧ وشرح الأخبار ج١ ص٢٨٧ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٣ ص١٢٦ وحلية الأبرار ج٢ ص٣٦٣ وغاية المرام ج٤ ص٣١٩.

٢- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) (الطبعة الخامسة) ج١١ ص١٢٠ ـ ١٣٦.

٣٣

ذكروا: أن عمرو بن عبد ود جعل يدعو للبراز وكان قد أعلم(١)، لكي يرى مكانه.. وهو يعِّرض بالمسلمين.

فقال (صلى الله عليه وآله) على ما في الروايات: من لهذا الكلب؟!

فلم يقم إليه أحد.

فلما أكثر، قام علي (عليه السلام)، فقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأمره بالجلوس، انتظاراً منه ليتحرك غيره.

وأعاد عمرو النداء والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير، لمكان عمرو، والخوف منه وممن معه، ومن وراءه.

فقال عمرو: أيها الناس، إنكم تزعمون: أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار؟ أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة، أو يقدم عدواً له إلى النار؟.

فلم يقم إليه أحد.

فقام علي (عليه السلام) مرة أخرى، فقال: أنا له يا رسول الله، فأمره بالجلوس.

فجال عمرو بفرسه مقبلاً مدبراً. وجاءت عظماء الأحزاب، ووقفت من وراء الخندق، ومدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو: أن أحداً لا يجيبه قال:


ولقد بححت من النداءبجمعهم هل من مبارز

١- أعلم: أي ميز نفسه بعلامة، لكي يراه الأقران، وهو يدلل على شجاعته، وأنه غير هائب من أحد.

٣٤


ووقـفــت مـذ جبـن المـشجـعمـوقــف القــرن المـنـاجـز
إنـي كذلــــك لــــم أزلمتســرعاً قـبــل الهـزاهـــز
إن الـشــجاعــة فــي الفـتىوالجـود مـــن خــيـــر الغرائز

فقام علي (عليه السلام)، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في مبارزته.

فلما طال نداء عمرو بالبراز، وتتابع قيام أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادن مني يا علي.

فدنا منه، فقلده سيفه (ذا الفقار)، ونزع عمامته من رأسه، وعممه بها، وقال: امض لشأنك.

فلما انصرف، قال: اللهم أعنه عليه(١).

١- راجع المصادر التالية: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٩ ص٦٣ و ٦٤ والإرشاد للمفيد ص٥٩ و ٦٠ وعيون الأثر ج٢ ص٦١ و (ط مؤسسة عز الدين ـ بيروت) ج٢ ص٣٩ وإعلام الورى ص١٩٤ و ١٩٥ والمغازي للواقدي ج٢ ص٤٧٠ و ٤٧١ وحبيب السير ج١ ص٣٦١ وراجع: مناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٣٥ وبحار الأنوار ج٣٩ ص٤ و ٥ وج٤١ ص٨٨ و ٨٩ وج٢٠ ص٢٢٥ ـ ٢٢٨ و ٢٠٣ و ٢٠٥ و ٢٥٤ ـ ٢٥٦ وتفسير القمي ج٢ ص١٨١ ـ ١٨٥ وكشف الغمة ج١ ص٢٠٤ والسيرة النبوية لدحلان ج٢ ص٦ و ٧ والسيرة الحلبية ج٢ ص٣١٩ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٦٤١ وشجرة طوبى ج٢ ص٢٨٧ ـ ٢٨٨ والطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص٦٨ و إمتاع الأسماع ج١ ص٢٣٦ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٦٤ وسبل الهدى والرشاد ج٤ ص٣٧٧.

٣٥

ولكن ابن شهرآشوب قال: إن عمرواً جعل يقول: هل من مبارز؟! والمسلمون يتجاوزون عنه.

فركز رمحه على خيمة النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: ابرز يا محمد.

فقال (صلى الله عليه وآله): من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟!

فنكل الناس عنه.

إلى أن قال: روي: أنه لما قتل عمرو أنشد علي (عليه السلام):


ضربتـه بـالسيف فوق الهـامـةبـضربة صارمـــة هــدامــة
أنـا علي صاحب الصمصــامةوصـاحب الحوض لدى القيامة
أخـو رسول الله ذي العـلامــةوقال إذ عـمـمـنـي عـمامــة
أنـت الـذي بـعـدي لـه الإمامة(١)

والمفارقة هنا أن علياً هو الذي يقتل عمرواً الذي نكل عنه أبو بكر الذي طلب الإمامة واستأثر بها لنفسه بالقوة والقهر..

وعن حذيفة قال: فألبسه رسول الله (صلى الله عليه وآله) درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه بعمامته السحاب على رأسه تسعة أكوار، ثم قال: تقدم.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لما ولى: اللهم احفظه من بين يديه،

١- مناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٣٥ و (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص٣٢٤ وبحار الأنوار ج٤١ ص٨٨.

٣٦

ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه(١).

ويضيف البعض: "أنه رفع عمامته، ورفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه، وقال: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحرث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب. {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}(٢)"(٣).

١- مجمع البيان ج٨ ص٣٤٣ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص١٣٢ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٠٣ و ٢٢٦ وشواهد التنزيل (ط سنة ١٤١١ هـ.ق) ج٢ ص١١ وينابيع المودة ص٩٥ و (ط دار الأسوة) ج١ ص٢٨٤ وشرح الأخبار ج١ ص٣٢٣ وشجرة طوبى ج٢ ص٢٨٨ وتفسير القمي ج٢ ص١٨٣ وجوامع الجامع ج٣ ص٥٢ والصافي ج٤ ص١٧٦ وج٦ ص٢٦ ونور الثقلين ج٤ ص٢٥١ وتأويل الآيات ج٢ ص٤٥١ وغاية المرام ج٤ ص٢٧٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٢٠ ص٦٢٥ وج٣١ ص٢٣٤.

٢- الآية ٨٩ من سورة الأنبياء.

٣- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٩ ص٦١ وج ١٣ ص٢٨٣ و ٢٨٤ وكنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج١ ص٢٩٧ و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص١٣٧ والسيرة النبوية لدحلان ج٢ ص٦ وتاريخ الخميس ج١ ص٤٨٧ والسيرة الحلبية ج٢ ص٣١٩ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢١٥ وج٣٨ ص٣٠٠ و ٣٠٩ وج٣٩ ص٣ وكنز العمال ج١٢ ص٢١٩ وج١٠ ص٢٩٠ و (ط مؤسسة الرسالة) ج١١ ص٦٢٣ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٢٢١ و (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص٦٢ = = ومستدركات علم رجال الحديث ج٥ ص٢٠٠ ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص١٥٢ وفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عقدة ص٧٩ والمناقب للخوارزمي ص١٤٤ وكشف الغمة ج١ ص٣٠٠ وتأويل الآيات ج١ ص٣٢٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٧ ص٤٤ وج١٧ ص١١٢ وج٢٠ ص٦٢٤ و ٦٢٦ وج٢٣ ص٦٤٨ وج٣١ ص٣٩٤.

٣٧

وتصور لنا رواية عن علي (عليه السلام) الحالة حين عبور الفرسان الخندق، فهو يقول: "وفارسها وفارس العرب يومئذٍ عمرو بن عبد ود، يهدر كالبعير المغتلم، يدعو إلى البراز، ويرتجز، ويخطر برمحه مرة، وبسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع فيه طامع، فأنهضني إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعممني بيده، وأعطاني سيفه هذا ـ وضرب بيده إلى ذي الفقار ـ فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواك إشفاقاً عليَّ من ابن عبد ود، فقتله الله عز وجل بيدي، والعرب لا تعد لها فارساً غيره"(١).

ونحن نشك في الفقرة التي تذكر أن نساء المدينة بواك على علي (عليه السلام) حين خرج إلى عمرو.. فإن نساء المدينة لم يحضرن إلى ذلك المكان، إلا إن كان المقصود كل النساء اللواتي حضرن مع أزواجهن كما هو عادة كثير منهم.

١- راجع: الخصال ج٢ ص٣٦٨ و (ط مركز النشر الإسلامي) ص٣٦٨ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٤٤ وج٣٨ ص١٧٠ والإختصاص ص١٦٦ و ١٦٧ وشرح الأخبار ج١ ص٢٨٧ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٣ ص١٢٦ وحلية الأبرار ج٢ ص٣٦٣ وغاية المرام ج٤ ص٣١٩.

٣٨

ويذكر البعض: أنه (صلى الله عليه وآله): "أدناه، وقبله، وعممه بعمامته، وخرج معه خطوات كالمودع له، القلق لحاله، المنتظر لما يكون منه. ثم لم يزل (صلى الله عليه وآله) رافعاً يديه إلى السماء، مستقبلاً لها بوجهه، والمسلمون صموت حوله، كأن على رؤوسهم الطير الخ.."(١).

برز الإسلام كله إلى الشرك كله:

وقال (صلى الله عليه وآله) حينئذٍ: برز الإسلام أو الإيمان كله، إلى الشرك كله(٢).

فخرج له علي (عليه السلام) وهو راجل، وعمرو فارساً، فسخر به

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٣ ص٢٨٥ والعثمانية للجاحظ ص٣٣٢ وغاية المرام ج٤ ص٢٧٢ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٢٠ ص٦٢٦.

٢- راجع: كشف الغمة ج١ ص٢٠٥ وإعلام الورى ص١٩٤ ومناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٣٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٣ ص٢٦١ و ٢٨٥ وج١٩ ص٦١ والطرائف لابن طاووس ص٣٥ و ٦٠ وكنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج١ ص٢٩٧ و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص١٣٧ ومجمع البيان ج٨ ص٣٤٣ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢١٥ و ٢٧٣ وج٣٩ ص٣ ونهج الحق ص٢١٧ وشجرة طوبى ج٢ ص٢٨٨ والعثمانية للجاحظ ص٣٢٤ و ٣٣٣ وتأويل الآيات ج٢ ص٤٥١ وينابيع المودة ج١ ص٢٨١ و ٢٨٤ وغاية المرام ج٤ ص٢٧٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٦ ص٩ وج١٦ ص٤٠٤ وج٢٠ ص١٤٠ و ٦٢٥ وج٣١ ص٢٣٤.

٣٩

عمرو، ودنا منه علي(١)، ومعه جابر بن عبد الله الأنصاري "رحمه الله"، لينظر ما يكون منه ومن عمرو(٢).

وفي بعض الروايات: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه: أيكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة؟! والجنة اعظم خطرا من السلطة، ومن المناصب الدنيوية والأموال وكل ما في الدنيا ولكنهم زهدوا بها.

فلم يجبه منهم أحد هيبة لعمرو، واستعظاماً لأمره. فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثلاث مرات، والنبي (صلى الله عليه وآله) يأمره بالجلوس(٣).

وحسب نص ابن إسحاق، وغيره من المؤرخين: خرج عمرو بن عبد ود، وهو مقنع بالحديد، فنادى: من يبارز؟!

فقام علي بن أبي طالب، فقال أنا (له) يا نبي الله.

١- إمتاع الأسماع ج١ ص٢٣٢ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٣٧١.

٢- راجع: الإرشاد للمفيد ص٥٩ و ٦٠ و (ط دار المفيد) ج١ ص١٠٠ و ١٠١ وحبيب السير ج١ ص٣٦١ وكشف الغمة ج١ ص٢٠٣ وإعلام الورى ص١٩٤ و (ط مؤسسة آل البيت) ج١ ص٣٨١ والدر النظيم ص١٦٤ والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص٧٠ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢٥٥ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٦٤ و ٣٩٥.

٣- كنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج١ ص٢٩٧ و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص١٣٧ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢١٥.

٤٠