×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلف الصالح / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الله ورسوله(صلى الله عليه وآله), وإلى هذه الحقيقة أشار النبيّ(صلى الله عليه وآله) في حديث آخر واضح وصريح, وكأنّه(صلى الله عليه وآله) يفسّر لنا هذه الآية بعينها حين قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني)(١).

ولعل قائل يقول هنا: إنّ ما ذكرتموه هنا من استدلال- عند الجواب عن السؤال الثاني - إنّما هو بخصوص ولاية عليّ(عليه السلام) وعصمته فقط, فكيف بالاستدلال على بقية ولاة الأمر في الاُمّة إلى يوم القيامة, والّذين يشترط عصمتهم أيضاً بحسب الآية المتقدّمة؟

نقول: إنّ هذا ما ستجيبنا عنه السنة النبوية الآتي ذكرها، كما في حديث الثقلين المشهور المتواتر، والأحاديث النبوية الصحيحة الأخرى, فلنتابع بقية الأدلة.

أدلّة التشيّع من السنّة الشريفة

١ ـ حديث الثقلين:

قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً, وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)(٢).

١- هذا الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه ١٣١:٣, والذهبي في تلخيص المستدرك في نفس الصفحة, وصرّّح كلّ منهما بصحته على شرط الشيخين، وأخرجه أيضاً ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) ٤٢: ٣٠٧.

٢- حديث الثقلين - الكتاب والعترة - من الأحاديث القليلة المتواترة عند المسلمين, رواه من الصحابة ثلاثون, ومن أئمّة الحديث على مختلف القرون المئات, وقد تعددت ألفاظه بلحاظ تعدد المناسبات الّتي ذكر النبيّ ( صلى الله عليه وآله) فيها هذا الحديث - كما ينص على ذلك ابن حجر في الصواعق - , وألفاظ الحديث تدل بمضمونها العام على وجوب (الأخذ) و (التمسك) و (الاتّباع) للثقلين.. ويمكن مراجعة الحديث بمختلف ألفاظه في: صحيح مسلم ٧: ١٢٣ كتاب الفضائل، باب فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، سنن الترمذي ٥: ٣٢٨، مصابيح السنة ـ للبغوي ـ : ٢٧٧:٢، المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٨ صححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي بشيء، خصائص أمير المؤمنين ـ للنسائي ـ : ٩٣، كنز العمال ١: ١٧٢، سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ للألباني ـ ٤: ٣٥٥.

٤١

وفي هذا الحديث الشريف دلالات متنوّعة وإفادات مختلفة سنستعرض منها ما ينفعنا في المقام إن شاء الله تعالى:

الدلالة الأولى: قرن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث الشريف أهل بيته(عليهم السلام) بالكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وكذلك تصريحه(صلى الله عليه وآله) بعدم افتراقهم عنه, ومن البديهي أنّ صدور أية مخالفة للشريعة, سواء كانت عن عمد أم سهو أم غفلة, تعتبر افتراقاً عن القرآن في هذا الحال وإن لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحياناً, كما في الغافل والساهي, والحديث ظاهر, بل نصّ في عدم افتراقهما - أي: الكتاب والعترة- حتّى يردا الحوض, وهذا دليل العصمة كما أشرنا إليه سابقاً في حقّ عليّ(عليه السلام).

وهذا المعنى الّذي ذكرناه هنا هو الّذي استفاده أيضاً جماعة من أقطاب أهل السنّة وإن كان ذلك منهم ببيان آخر إلا أنّ المؤدّى واحد كما سنلاحظ ذلك, قال ابن حجر الهيتمي في (المنح المكية في شرح القصيدة الهمزية): ((وفي الحديث: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي, كتاب الله وعترتي), فليتأمل كونه قرنهم بالقرآن في أنّ التمسك بهما يمنع الضلال ويوجب الكمال))(١). فالّذي يمنع الضلال ويوجب الكمال عند التمسك به لابدّ أن يكون معصوماً شأنه في ذلك شأن القرآن المعصوم الّذي اقترن معه والّذي هو بالإجماع يمنع الضلال ويوجب الكمال, فتدبّر.

١- المنح المكية في شرح القصيدة الهمزية: ١٨٢ بواسطة نفحات الأزهار ٤٦٣:١.

٤٢

وإلى هذا المعنى أيضاً أشار جلال الدين السيوطي حين قال في خطبة كتابه (الأساس): ((الحمد لله الّذي وعد هذه الاُمّة المحمّدية بالعصمة من الضلالة ما إن تمسكت بكتابه وعترة نبيّه, وخصَّ آل البيت النبوي من المناقب الشريفة ما قامت عليه الأحاديث الصحيحة بساطع البرهان وجليّه))(١).

وقال ابن حجر أيضاً في كتابه (الصواعق المحرقة) بعد أن ذكر الحديث: ((ثمّ الّذين وقع الحث عليهم منهم إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنّة نبيّه ورسوله, إذ هم الّذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض, ويؤيّده الخبر السابق: (لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم), وتميّزوا بذلك على بقية العلماء؛ لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً, وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة, وقد مرّ بعضها))(٢).

وقال السندي في شرحه للحديث: ((وفيه من تأكّد أخبار كونهم على الحق كالقرآن وصونهم أبداً عن الخطأ كالوحي المنزل مالا يخفى على الخبير..))(٣).

الدلالة الثانية: اعتبر التمسك بهما معاً عاصماً من الضلالة دائماً وأبداً, وهو دليل الوجوب على التمسك بهما, والّذي يعني اتّباعهما وعدم التخلّف عنهما مطلقاً.

وهذه الاستفادة من الحديث قد صرّح بها أيضاً جماعة من علماء الجمهور.

قال الدهلوي في (التحفة الاثنا عشرية): ((هذا الحديث - أي: حديث الثقلين- ثابت عند الفريقين: أهل السنّة والشيعة, وقد علم منه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمرنا في المقدّمات الدينية والأحكام الشرعية بالتمسّك بهذين العظيمين القدر, والرجوع إليهما في كلّ أمر, فمن كان مذهبه مخالفاً لهما في الاُمور الشرعية اعتقاداً وعملاً

١- اُنظر نفحات الأزهار ٢: ٢٦٩.

٢- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.

٣- دراسات اللبيب: ٢٣٣ بواسطة نفحات الأزهار ٢٦٩:٢.

٤٣

فهوضال, ومذهبه باطل لا يعبأ به, ومن جحد بهما غوى, ووقع في مهاوي الردى))(١). انتهى.

وقال الحكيم الترمذي: ((حض على التمسّك بهم؛ لأنّ الأمر لهم معاينة, فهم أبعد عن المحنة))(٢).

وقال النووي: ((قوله(صلى الله عليه وآله): (وأنا تارك فيكم ثقلين), فذكر كتاب الله وأهل بيته. قال العلماء: سمّيا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما, وقيل: لثقل العمل بهما))(٣).

وقال ابن الأثير: (((إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي), سمّاهما ثقلين؛ لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل. ويقال لكلّ شيء خطير نفيس: ثُقل, فسماهما ثقلين لقدرهما وتفخيماً لشأنهما))(٤).

وقال السندي في شرحه للحديث: ((وفيه من تأكّد أخبار كونهم على الحق كالقرآن وصونهم أبداً عن الخطأ كالوحي المنزل ما لا يخفى على الخبير...))(٥).

وقال القاري: ((والمراد بالأخذ بهم: التمسّك بمحبتهم, ومحافظة حرمتهم, والعمل برواياتهم, والاعتماد على مقالتهم)) (٦).

وقال شهاب الدين الخفاجي: ((أي: تمسّكتم وعملتم واتبعتموه))(٧).

١- اُنظر مختصر التحفة الاثني عشرية: ٥٢، والدهلوي هو شاه عبد العزيز (١١٥٩ - ١٢٣٩) كبير علماء الهند من أهل السنّة في عصره.

٢- فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢: ٢٢٠.

٣- صحيح مسلم بشرح النووي ١٥: ١٨٠.

٤- النهاية في غريب الحديث ١: ٢١٦.

٥- دراسات اللبيب: ٢٣٣ بواسطة نفحات الأزهار ٢: ٢٦٩.

٦- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١١: ٣٠٧.

٧- نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ٣: ٤١٠.

٤٤

وقال المباركفوري عند شرحه للحديث الوارد في صحيح الترمذي: (((فاُنظروا كيف تخلّفوني), بتشديد النون وتُخفّف, أي: كيف تكونون بعدي خلفاء, أي: عاملين متمسّكين بهما))(١).

وقال المناوي الشافعي في (فيض القدير): ((وفي هذا مع قوله أوّلاً (إنّي تارك فيكم) تلويح, بل تصريح بأنّهما كتوأمين خلّفهما ووصّى أمّته بحسن معاملتهما وإيثار حقّهما على أنفسهم والاستمساك بهما في الدين...))(٢).

وقال التفتازاني بعد أن ذكر الحديث: ((ألا يرى أنّه(صلى الله عليه وآله) قرنهم بكتاب الله تعالى في كون التمسّك بهما منقذاً عن الضلالة, ولا معنى للتمسّك بالكتاب إلا الأخذ به بما فيه من العلم والهداية, فكذا في العترة))(٣).

وقال ابن حجر في(الصواعق المحرقة): ((تنبيه: سمّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) القرآن وعترته - وهي بالمثناة الفوقية: الأهل والنسل والرهط الأدنون - ثقلين؛ لأنّ الثقل كلّ نفيس خطير مصون, وهذان كذلك, إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية, ولذا حث(صلى الله عليه وآله) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم...))(٤).

الدلالة الثالثة: قوله(صلى الله عليه وآله): (وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض) دليل على وجودهما وبقائهما إلى يوم القيامة, وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) لن يفارقوا القرآن ولن يفارقهم مدّة عمر الدنيا, وهذا يعني وجود إمام منهم وجب التمسّك به في كلّ زمان,

١- تحفة الأحوذي في شرح الترمذي ١٠: ١٩٧.

٢- فيض القدير شرح الجامع الصغير٣: ٢٠.

٣- شرح المقاصد ٣: ٥٢٩.

٤- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.

٤٥

وهو المعنى الّذي أشار إليه النبيّ(صلى الله عليه وآله) في الحديث المعروف: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(١).

وإلى هذا المعنى أيضاً يشير شرّاح الحديث المذكور.

قال العلامة الزرقاني المالكي في شرح المواهب: ((قال السمهودي: هذا الخبر- أي: حديث الثقلين - يفهم وجود من يكون أهلاً للتمسك به من عترته في كلّ زمن إلى قيام الساعة حتّى يتوجّه الحث المذكور على التمسك به كما أنّ الكتاب كذلك, فلذا كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض))(٢).

وهذا المعنى الّذي أشار اليه الزرقاني عن السمهودي هنا هو نفسه الّذي نصَّ عليه أيضاً ابن حجر في الصواعق المحرقة حين قال: ((وفي أحاديث التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع مستأهل فيهم للتمسك به إلى يوم القيامة, كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك, ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما سيأتي, ويشهد لذلك الخبر السابق: (في كلّ خلف من اُمتي عدول من أهل بيتي)))(٣).

نقول: وبملاحظة هذا الحديث, أعني حديث الثقلين الّذي صرّح بالتلازم الوجودي لأهل البيت(عليهم السلام) مع القرآن الكريم إلى يوم القيامة, ومن ثمّ ملاحظة تصريحه(صلى الله عليه وآله)في أحاديث اُخر - روتها الصحاح والسنن والمسانيد - بوجود اثني

١- هذا الحديث ورد بألفاظ مختلفة نذكر منها قوله(صلى الله عليه وآله): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) رواه مسلم في صحيحه ٦: ٢٢ كتاب الإمارة, وأيضاً: (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية), رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة: ٤٨٩ حديث ١٠٥٧ قال الألباني عنه: إسناده حسن ورجاله ثقات.. وأمّا الحديث المذكور أعلاه فقد ذكره التفتازاني في كتابه (شرح المقاصد) ٣: ٤٧٦.

٢- شرح المواهب ٧: ٨, فيض القدير ٣: ١٩.

٣- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.

٤٦

عشر خليفة في الاُمّة يتولّون مهام قيادة الاُمّة من بعده إلى يوم القيامة، يتبيّن لنا بوضوح - عند الجمع بين هذه الأحاديث - أنَّ أئمّة أهل البيت هم الخلفاء الاثني عشر الّذين عناهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بحديثه, وهؤلاء الأئمّة هم الّذين تجهر الشيعة الإمامية بالاعتقاد بهم وموالاتهم, ولم يدّع أحد من الفرق الإسلامية بموالاة هذا العدد والاعتقاد به سوى هذه الطائفة الّتي تطابق أقوالها وأفعالها النصوص النبوية الصريحة ... فتدبّر وتأمّل جيداً.

قال تعالى : {ِمَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور ٍ& ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}(١).

ومن تلك الروايات المشار إليها، ما رواه مسلم في صحيحه, وأحمد في مسنده, أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة, أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة, كلّهم من قريش)(٢).

وأيضاً روى مسلم في صحيحه عن النبي(صلى الله عليه وآله): (لا يزال هذا الدين منيعاً عزيزاً إلى اثني عشر خليفة... كلّهم من قريش)(٣).

وقد صرّح بعض علماء الجمهور بهذه الحقيقة - الّتي أشرنا إليها بعد الجمع بين الأحاديث النبوية الصحيحة - نقلاً عن بعض المحققين بأنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر الوارد ذكرهم في الأحاديث النبوية هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لا غير.

قال الحافظ سليمان البلخي الحنفي: ((قال بعض المحققين: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده(صلى الله عليه وآله) اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح

١- سورة الملك: ٣ - ٤.

٢- صحيح مسلم ٦: ٤ كتاب الإمارة, باب الناس تبع لقريش, والخلافة في قريش, مسند أحمد بن حنبل ٥: ٨٦, ٨٨, ٨٩, سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢: ٦٩٠.

٣- صحيح مسلم ٦: ٤ كتاب الإمارة, باب الناس تبع لقريش, والخلافة في قريش, مسند أحمد بن حنبل ٥: ٩٨ , ١٠١.

٤٧

الزمان وتعريف الكون والمكان, علم أنَّ مراد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من حديثه هذا: الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته وعترته, إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر (وهم أربعة), ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم عن اثني عشر (وهم ثلاثة عشر) ولظلمهم الفاحش, إلا عمر ابن عبد العزيز, ولكونهم غير بني هاشم؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال (كلّهم من بني هاشم) في رواية عبد الملك عن جابر))(١).

ونقول: بل ورد في بعض طرق حديث الثقلين نفسه ما يدل على أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الخلفاء الّذين عناهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) عند حديثه فيمن يخلفه بعده.

كما في رواية أحمد الّتي رواها بسند صحيح في مسنده, والطبراني في المعجم الكبير كلاهما عن زيد بن ثابت, قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ـــ أو ما بين السماء إلى الأرض ـــ وعترتي أهل بيتي, وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)(٢).

دعوى المعارضة

قد يقول قائل: إنّ حديث الثقلين - الكتاب والعترة - معارض بحديث (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وسنّتي).

١- ينابيع المودّة ٣: ٢٩٢, وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في الصفحات القادمة وبشيء من التفصيل عن هذه الأحاديث الّتي رواها مسلم وغيره عن الخلفاء الاثني عشر.

٢- مسند أحمد ٥: ١٨٢, المعجم الكبير ٥: ١٥٣, قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ١٧٠ و٩: ١٦٢: ((رواه الطبراني ورجاله ثقات)), و ((رواه أحمد وإسناده جيد)).

٤٨

فنقول: إنّ هذا الحديث - الكتاب والسنّة - لم يروه أصحاب الصحاح الستة المعروفة عند أهل السنّة، هذا أوّلاً.

وثانياً: إنّه غير مخرّج في شيء من المسانيد المعتبرة كمسند أحمد بن حنبل.

وثالثاً: قد صرّح غير واحد من علماء أهل السنّة بغرابته, كقول الحاكم في المستدرك: ((ذكر الاعتصام بالسنّة في هذه الخطبة غريب))(١), وقول السجزي: ((غريب جداً))(٢).

ومع هذا سوف نتابع هذا الحديث سنداً ودلالة, لننظر مدى صلاحيته لمعارضة حديث الثقلين - الكتاب والعترة - المشهور المتواتر!

فمن حيث السند، نجد أنّ أوّل رواة الحديث هو مالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة١٧٩هـ، رواه في كتاب ((الموطأ)) مرسلاً من غير سند. وقد جاء في حقّ (الموطأ) نفسه, عن السيوطي قال: ((قال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة: أحصيت ما في موطأ مالك, فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفاً, وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلاً, وفيه نيف وسبعون حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها, وفيه أحاديث ضعيفة وهاها جمهور العلماء))(٣).

ومن رواة هذا الحديث ابن هشام, رواه في (السيرة النبوية) من دون سند معتمداً على رواية ابن إسحاق له. وابن إسحاق مقدوح مجروح عند أكثر العلماء الأعلام عند أهل السنّة(٤).

١- المستدرك على الصحيحين ١: ١٧٢.

٢- اُنظر كنز العمال ١: ١٨٨.

٣- تدريب الراوي ١: ١١١ بتصرف يسير.

٤- لاحظ ترجمته في الكتب الرجالية.

٤٩

وممّن رواه أيضاً الحاكم في المستدرك عن ابن عباس, وفي سنده إسماعيل ابن أبي أويس وهو ابن اُخت مالك ونسيبه, قال ابن حجر العسقلاني في التهذيب: ((قال معاوية بن صالح عن ابن معين: هو وأبوه ضعيفان. وعنه أيضاً: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث. وعنه: مخلط, يكذب, ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: غير ثقة. وقال اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدّي إلى تركه, ولعله بان له ما لم يبن لغيره؛ لأنّ كلام هؤلاء كلّهم يؤول إلى أنّه ضعيف. وقال ابن عدي: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد.. وقال العقيلي في الضعفاء: ثنا اُسامة الرفاف بصري: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن أبي اُويس يسوى فلسين. وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح.. وقال ابن حزم في المحلى: قال أبو الفتح الأزدي: حدّثني سيف بن محمّد أنّ ابن أبي اُويس كان يضع الحديث.. وقال سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي اُويس يقول: ربّما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم))(١).

ورواه الحاكم ثانية عن طريق أبي هريرة. وفي سنده: صالح بن موسى الطلحي الكوفي, قال ابن حجر في التهذيب: ((قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أيضاً: صالح وإسحاق ابنا موسى: ليسا بشيء, ولا يكتب حديثهما. وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: ضعيف الحديث على حسنه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث جدّاً, كثير المناكير عن الثقات. قلت: يكتب حديثه؟ قال: ليس يعجبني حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث عن سهيل بن أبي صالح. وقال النسائي: لا يكتب حديثه, ضعيف. وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد وهو عندي ممّن لا يتعمّد الكذب ولكن يشبه

١- تهذيب التهذيب ١: ٢٧١ و٢٧٢.

٥٠

عليه ويخطئ وأكثر ما يرويه في جدّه من الفضائل ما لا يتابعه عليه أحد. وقال الترمذي: تكلّم فيه بعض أهل العلم. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه وقال: ما أدري, كأنّه لم يرضه. وقال العقيلي: لا يتابع على شيء من حديثه. وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتّى يشهد المستمع لها أنّها معمولة أو مقلوبة, لا يجوز الاحتجاج به. وقال أبو نعيم: متروك, يروي المناكير))(١).

وأيضاً رواه البيهقي في السنن بالسندين المتقدّمين عن ابن عباس وأبي هريرة, وقد عرفت حالهما.

ورواه ابن عبد البر في (التمهيد). وفي سنده غير واحد من المجروحين, ولكننا سنكتفي بذكر (كثير بن عبد الله) الّذي يروي هذا الخبر عن أبيه عن جدّه, وبهذا السند وصل ابن عبد البر خبر الموطأ(٢). قال عنه ابن حجر في التهذيب: ((قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث, ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في المسند ولم يحدّثنا عنه. وقال أبو خيثمة: قال لي أحمد: لا تحدّث عنه شيئاً. وقال الدوري عن ابن معين: لجدّه صحبة, وهو ضعيف الحديث. وقال مرّة: ليس بشيء. وكذا قال الدارمي عن ابن معين أيضاً: ليس بشيء. وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: كان أحد الكذّابين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على جهة التعجّب. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال أبو نعيم: ضعّفه عليّ بن المديني. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث, يستضعف. وقال ابن

١- تهذيب التهذيب ٤: ٣٥٤ و٣٥٥.

٢- قال السيوطي في (تنوير الحوالك)٢: ٢٠٨ ((وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف, عن أبيه, عن جدّه)) انتهى.

٥١

السكن: يروي عن أبيه عن جدّه أحاديث فيها نظر. وقال الحاكم: حدّث عن أبيه عن جدّه نسخة فيها مناكير. وقال ابن عبد البر: ضعيف, مجمع على ضعفه))(١).

وأيضاً رواه القاضي عياض في (الألماع في ضبط الرواية وتقييد الأسماع) بسند فيه غير واحد من الضعفاء والمجروحين. فإنّ (شعيب بن إبراهيم) راوية كتب (سيف بن عمر) وهو أحد رواة السند جرحه ابن عدي وقال: ((ليس بالمعروف))(٢).

و(أبان بن إسحاق الأسدي) ــ الراوي الآخر ــ قال الأزدي فيه: ((متروك الحديث))(٣).

و(الصباح بن محمّد الأحمسي) لم يرو عنه إلا الترمذي, فقد روى عنه مرّة عن ابن مسعود حديثاً واستغربه. وكان ممّن يروي الموضوعات عن الثقات, وقال العقيلي: ((حديثه وهم, ويرفع الموقوف))(٤).

ويكفينا في ردّ هذه الرواية وجود (سيف بن عمر) في إسنادها الّذي جاءت بحقّه مختلف عبارات الجرح والتوهين(٥).

هذه هي أقدم المصادر للخبر المذكور وما عداها يعود إليها، وهي - كما ترى - لا يصح الاحتجاج بها فضلاً عن المعارضة, وقد قال العلماء: إنّ المعارضة فرع الحجّة, أي: أن يكون الخبر حجّة من حيث السند كي تصح المعارضة به بعد ذلك.

وقد تقدّمت بنا الإشارة سابقاً إلى تواتر حديث الثقلين - الكتاب والعترة - وتضافره, فالحديث قد رواه: مسلم بن حجاج, وأحمد بن حنبل, والترمذي, وأبو

١- تهذيب التهذيب ٨: ٣٧٧ و٣٧٨.

٢- أنظر لسان الميزان ٣: ١٤٥.

٣- تهذيب التهذيب ١: ٨١.

٤- تهذيب التهذيب ٤: ٣٥٨.

٥- تهذيب التهذيب ٤: ٢٥٩.

٥٢

داود, وابن ماجة, والنسائي, والحاكم, والطبري, والطبراني... ومئات من الأئمّة والحفّاظ في القرون المختلفة, يروونه عن أكثر من ثلاثين صحابياً وصحابية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بطرق كثيرة, وقد أفرد بعض كبار العلماء كتاباً جمع طرقه.

ولعل المتبصّر والعارف بعلم الحديث والرواة ومشاربهم يجد أنّ هذا الحديث - أي: حديث الكتاب والعترة - قد دلّ بوضوح على وجوب اتّباع الاُمّة لأئمّة العترة من أهل البيت(عليهم السلام) في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية, وأنّه لثبوته سنداً ووضوحه دلالة قد ألجأ بعض المتعصّبين بعد اليأس من الخدشة في سنده أو دلالته أو تحريف لفظه ومتنه إلى وضع خبر الوصية بالكتاب والسنّة بعنوان (الثقلين) زعماً منه بأنّه سيعارض به حديث الثقلين المقطوع الصدور, إلا أنّه قد تبيّن لنا - والحمد لله - أنّ الخبر (كتاب الله وسنّتي) موضوع مصنوع, لما عرفناه من اشتمال سنده على جملة من الكذّابين والوضّاعين, ولكن على فرض أن يكون للخبر أصل, فيمكن القول إنّه ليس هناك أية منافاة بين الوصية بالكتاب والسنّة, والوصية بالكتاب والعترة, إذ لا خلاف بين المسلمين في وجوب الالتزام والعمل بالكتاب والسنّة النبوية الشريفة, غير أنّ حديث (الكتاب والعترة) مفاده وجوب أخذ السنّة من العترة النبوية لا من غيرهم, وهذا هو الّذي يقتضيه الجمع بين الحديثين على فرض صحة حديث كتاب الله وسنّتي, وهذا هو الّذي فهمه علماء الحديث وشرّاحه, ومن هنا نرى المتقي الهندي ـ مثلاً ـ يورد كلا الحديثين تحت عنوان الباب الثاني: في الاعتصام بالكتاب والسنّة, فراجع وتدبّر(١)!

١- كنز العمال ١: ١٧٢.

٥٣

وقد يقول قائل: إنّ حديث الثقلين (الكتاب والعترة) معارض بحديث: (عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسّكوا بها وعضّوا عليه بالنواجذ).

نقول: إنّ المتتبع لسند هذا الحديث يجد فيه جملة من المجروحين المطرودين عند نقّاد أهل السنّة ورجال الحديث, فقد رواه أبو داود في سننه بهذا السند:

((حدّثنا أحمد بن حنبل, نا الوليد بن مسلم, نا ثور بن يزيد, حدّثني خالد بن معدان, حدّثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن ساريه...))(١).

ويكفي أن تطّلع في رجال هذا السند على حال اثنين من رجاله فقط, وهما: ثور بن يزيد, والوليد بن مسلم.

أمّا ثور بن يزيد فهو من المنافقين لبغضه عليّاً (عليه السلام), قال ابن حجر العسقلاني: ((وكان جدّه قتل يوم صفين مع معاوية, فكان ثور إذا ذكر عليّاً قال: لا أحبّ رجلاً قتل جدّي))(٢). وقد صح الحديث عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: ((لعهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق))(٣). وقد ذمّه مالك والأوزاعي وابن المبارك(٤).

وأمّا الوليد بن مسلم, قال الذهبي: ((قال أبو مسهر: الوليد مدلّس, وربّما دلّس عن الكذّابين)). وقال: ((قال أبو عبد الله الآجري: سألت أبا داود عن صدقة بن خالد

١- سنن أبي داود ٢: ٣٩٣.

٢- تهذيب التهذيب ٢: ٣٠.

٣- صحيح مسلم ١: ٦١.

٤- تهذيب التهذيب ٢: ٣٢.

٥٤

قال: هو أثبت من الوليد بن مسلم, الوليد روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل, منها عن نافع أربعة))(١).

وقال ابن حجر بترجمته: ((وقال الإسماعيلي: أخبرت عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: كان الوليد رفاعاً, وقال المروزي عن أحمد: كان الوليد كثير الخطأ, وقال حنبل عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممّن يأخذ عن أبي السفر حديث الأوزاعي وكان أبو السفر كذّاباً, وقال مؤمل بن إهاب عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يحدّث حديث الأوزاعي عن الكذّابين ثمّ يدلّسها عنهم... وقال الدارقطني: كان الوليد يرسل, يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي, فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع وعن عطاء))(٢).

وأيضاً رواه الترمذي بالسند التالي:

((حدّثنا عليّ بن حجر أخبرنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية...))(٣).

ويكفي أن نطّلع فيه على حال اثنين من رجال السند المذكور, وهما: خالد بن معدان, وبقية بن الوليد.

أمّا خالد بن معدان، فكفانا أن نعرف أنّه كان من أعوان يزيد بن معاوية وصاحب شرطته كما قال الطبري بترجمته: ((حدّثني الحارث عن الحجّاج قال: حدّثني أبو جعفر الحمداني عن محمّد بن داود قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: كان خالد بن معدان صاحب شرطة يزيد بن معاوية))(٤).

١- ميزان الاعتدال ٤: ٣٤٧.

٢- تهذيب التهذيب ١١: ١٣٥.

٣- سنن الترمذي ٤: ١٥٠.

٤- المنتخب من ذيل المذيل: ١٢١، تاريخ مدينة دمشق ١٦: ١٩٥.

٥٥

وأمّا بقية بن الوليد, قال ابن الجوزي في حديث: ((وقد ذكرنا أنّ بقية كان يروي عن المجهولين والضعفاء, وربّما أسقط ذكرهم وذكر من رووا له عنه))(١). وقال: ((قال ابن حبان: لا يحتج ببقية))(٢). وقال: ((بقية مدلّس يروي عن الضعفاء, وأصحابه لا يسوون حديثه ويحذفون الضعفاء منه))(٣).

وقال الذهبي بترجمته: ((وقال غير واحد: كان مدلّساً, فإذا قال عن, فليس بحجّة. قال ابن حبان: سمع من شعبة ومالك وغيرهما أحاديث مستقيمة, ثمّ سمع من أقوام كذّابين عن شعبة ومالك, فروى عن الثقات بالتدليس ما أخذ عن الضعفاء. وقال أبو حـاتم: لا يحتج بـه. وقـال أبو مسهـر: أحـاديث بقيـة ليست نقيـة فكن منها على تقية))(٤).

وقال ابن حجر بترجمته: ((قال يحيى بن معين: كان يحدّث عن الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدّث عن الثقات))(٥). وقال الزبيدي: ((وبقية بن الوليد محدّث ضعيف يروي عن الكذّابين ويدلّسهم))(٦).

وأمّا السند الثاني الّذي يروي الترمذي به هذا الحديث، هو: ((الحسن بن عليّ الخلال وغير واحد قالوا: نا أبو عاصم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان...))(٧).

فبالإضافة لما ذكرناه عن ثور بن يزيد وخالد بن معدان، فإنّ أبا عاصم راوي الخبر عن ثور في هذا السند مطعون فيه أيضاً, فقد تكلّم فيه القطان, قال الذهبي

١- الموضوعات ١: ١٠٩.

٢- نفس المصدر ١: ١٥١.

٣- نفس المصدر ١: ٢١٨.

٤- ميزان الاعتدال ١: ٣٣١.

٥- تهذيب التهذيب ١: ٤١٧.

٦- تاج العروس ١٠: ٤١, مادة (بقى).

٧- سنن الترمذي ٤: ١٥٠ حديث ٢٨١٧.

٥٦

بترجمته: ((وقال النباتي: ذكر لأبي عاصم أنّ يحيى بن سعيد يتكلّم فيك, فقال: لست بحي ولا ميت إذا لم اُذكر))(١).

وأيضاً الحسن بن عليّ الخلال وهو الحلواني راوي الخبر عن أبي عاصم مقدوح كذلك, قال ابن حجر العسقلاني: ((وقال أبو داود: كان عالماً بالرجال وكان لا يستعمل علمه. وقال أيضاً: وكان لا ينتقد الرجال)).

وقال ابن حجر أيضاً: ((وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أنّ الحلواني قال لا اُكفّر من وقف في القرآن. قال داود: فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني فقال: يرمى في الحش, من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر. وقال الإمام أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه, ولم يحمده, ثمّ قال: بلغني عنه أشياء أكرهه, وقال مرّة: أهل الثغر عنه غير راضين, أو ما هذا معناه))(٢).

وأيضاً ممّن روى هذا الحديث ابن ماجة في سننه وقد رواه بالسند التالي:

((حدّثنا عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان الدمشقي, ثنا الوليد بن مسلم, ثنا عبد الله بن العلا - يعني ابن زبر - حدّثني يحيى بن أبي المطاع: قال سمعت العرباض ابن سارية يقول...))(٣).

وعن هذه الرواية لابن ماجة نقول - إضافة لما ذكرناه سابقاً عن الوليد بن مسلم, الوارد ذكره في هذا السند أيضاً - : إنّ يحيى بن أبي المطاع راوي الحديث عن العرباض في السند, مجهول عند ابن القطان, وقد تكلّم كبار العلماء في لقائه العرباض واستنكروه.

قال الذهبي: ((وقد استبعد دحيم لقيه العرباض, فلعله أرسل عنه, فهذا في الشاميين كثير الوقوع, يروون عمّن لم يلقوهم))(٤). وقال ابن حجر: ((وقال أبو زرعة

١- ميزان الاعتدال ٢: ٣٢٥.

٢- تهذيب التهذيب ٢: ٢٦٢.

٣- سنن ابن ماجة ١: ١٥.

٤- ميزان الاعتدال ٤: ٤١٠.

٥٧

لدحيم تعجباً من حديث الوليد بن سليمان قال: صحبت يحيى بن أبي المطاع, كيف يحدّث عبد الله بن العلاء بن زبر عنه أنّه سمع العرباض مع قرب عهد يحيى؟ قال: أنا من أنكر الناس لهذا, والعرباض قديم الموت. قلت: وزعم ابن القطان أنّه لا يعرف حاله))(١). وقال في التقريب: ((وأشار دحيم إلى أنّ روايته عن العرباض بن سارية مرسلة))(٢).

وأمّا عبد الله بن العلاء راوي الخبر عن يحيى فإنّه أيضاً لا يخلو عن قدح, قال الذهبي في (ميزان الاعتدال): ((وقال ابن حزم: ضعّفه يحيى وغيره))(٣).

وأمّا السند الآخر الّذي يروي به ابن ماجة الحديث المذكور، هو: ((حدّثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السواق قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي أنّه سمع العرباض بن سارية يقول...))(٤).

وفيه معاوية بن صالح, قال الذهبي: ((قال ابن حاتم: لا يحتج به, ولم يخرج له البخاري, وليّنه ابن معين))(٥)، وقال: ((قال الليث بن عبده قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا حدّث بحديث معاوية بن صالح زجره يحيى بن سعيد, وكان ابن مهدي لا يبالي))(٦). وقال ابن حجر: ((وقال ابن أبي خيثمة والدوري في تاريخهما عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه. وقال: قال الدوري عن ابن معين: ليس بمرضي, هكذا نقله ابن أبي حاتم عن الدوري, وليس ذلك في تاريخه, وقال الليث بن عبده

١- تهذيب التهذيب ١١: ٢٤٥.

٢- تقريب التهذيب ٢: ٣١٥.

٣- ميزان الاعتدال ٢: ٤٦٤.

٤- سنن ابن ماجة ١: ١٦.

٥- ميزان الاعتدال ٤: ١٣٥.

٦- نفس المصدر ٤: ١٣٥.

٥٨

قال يحيى بن معين كان ابن مهدي إذا تحدّث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى ابن سعيد وقال: ايش هذه الأحاديث؟ وقال عليّ بن المعايني عن يحيى بن معين: ما كنّا نأخذ عنه. وقال: قال أبو صالح الفراء عن أبي إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يروى عنه))(١).

وروى ابن ماجة الحديث المذكور أيضاً بسند آخر، رجاله: ((يحيى بن حكيم, ثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي, ثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو عن العرباض بن سارية...))(٢).

وفيه: بالإضافة إلى ثور بن يزيد وخالد بن معدان, عبد الملك بن الصباح قال الذهبي: ((متهم بسرقة الحديث))(٣). وقال ابن حجر: ((وقال الخليلي عبد الملك بن الصباح عن مالك متهم بسرقة الحديث))(٤).

نقول: بلحاظ ما تقدّم بيانه من الأسانيد المتهالكة لهذا الحديث فقد تبيّن بطلانه، وقد صرّح بذلك الحافظ ابن القطان(٥), إذ جاء عن ابن حجر عند ترجمته لعبد الرحمن بن عمرو السلمي, راوي الخبر عن العرباض قوله: ((له في الكتب حديث واحد في الموعظة صححه الترمذي. قلت: وابن حبان والحاكم في

١- تهذيب التهذيب ١٠: ١٨٩.

٢- سنن ابن ماجة ١: ١٧.

٣- ميزان الاعتدال ٢: ٦٥٦.

٤- تهذيب التهذيب ٣٥٤:٦.

٥- قال الذهبي في تذكرة الحفاظ ٤: ١٤٠٧ ((ابن القطان الحافظ العلامة الناقد قاضي الجماعة... قال الآبار في ترجمته: كان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدّهم عناية بالرواية, رأس طلبة مراكش... قال ابن مسعدي: كان معروفاً بالحفظ والإتقان ومن أئمّة هذا الشأن, مصري الأصل مراكشي الدار, كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية))، وقال السيوطي في طبقات الحفاظ ١: ٤٩٨ ((ابن القطان الحافظ الناقد العلامة قاضي الجماعة... كان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدّهم عناية في الرواية, معروفاً بالحفظ والإتقان)).

٥٩

المستدرك, وزعم ابن القطان الفاسي: أنّه لا يصح لجهالته))(١). وليس الحديث الّذي أشار إليه إلا حديث (عليكم بسنّتي...) وقد زعموا أنّه(صلى الله عليه وآله) قال هذا الكلام في سياق وعظه للأصحاب كما هو الظاهر من سياق الرواية.

فالحديث - حسب القواعد الاُصولية للتعارض - لا يصلح أن يعارض حديث الثقلين الّذي ثبت صدوره باعتراف كبار أئمّة أهل السنّة, والوارد بالطرق الصحيحة المتكاثرة جدّاً في كتبهم.

وعلى فرض التسليم بصحته, فإنّنا ينبغي أن نفسّر (الخلفاء) الوارد ذكرهم في الحديث بأئمة العترة الطاهرة من أهل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله), وذلك لأنّه(صلى الله عليه وآله) أطلق في إحدى طرق حديث الثقلين على عترته بأنّهم خليفته في أمّته من بعده, وأيضاً لكونهم هادين مهديين لما صرّح به(صلى الله عليه وآله) بعدم افتراقهم عن القرآن إلى يوم القيامة, وهو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه(٢).

فقد روى أحمد في مسنده والطبراني في الكبير بسند صحيح عن زيد بن ثابت أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: (إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)(٣).

١- تهذيب التهذيب ٦: ٢٣٨.

٢- قال تعـالى: {وإنّه لَكِتَابٌ عَزِيزُ !لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (سورة فصلت: الآيتين ٤١ و٤٢).

٣- مسند أحمد ٥: ١٨٢، المعجم الكبير ٥: ١٥٣, قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ١٧٠, ٩: ١٦٢: ((رواه الطبراني ورجاله ثقات)), و((رواه أحمد وإسناده جيد)).

٦٠