×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلف الصالح / الصفحات: ٦١ - ٨٠

دعوى معارضات أخرى

وأيضاً قد يقول قائل: إنّ حديث الثقلين معارض بحديث: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء), إشارة إلى عائشة، أو حديث: (أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم)، أو حديث: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ)، أو حديث: (تمسّكوا بعهد ابن اُم عبد)، أو حديث: (اهتدوا بهدى عمّار)(١).

نقول: كلّ هذه الأحاديث يتراوح أمرها بين الضعف والوضع, فهي ليست حجّة من حيث السند, فضلاً عن دعوى المعارضة بها.

أمّا حديث (خذوا شطر دينكم...) فقد وهّاه جمع من علماء وحفّاظ أهل السنّة ونصّوا على أنّه من الأحاديث الّتي لا سند ولا أصل له, نذكر منهم: الذهبي, والمزي, وابن كثير, وابن قيم الجوزية, والملا عليّ القاري, وابن حجر العسقلاني, والسيوطي, وغيرهم (٢).

وحديث (اقتدوا بالّلذين من بعدي...) يعدّ من الأحاديث الساقطة المعلولة, فقد أعلّه أبو حاتم, وقال البزار وابن حزم عنه: ((لا يصح))، وأيضاً ضعّفه الترمذي والعقيلي والنقاش والدارقطني, وصرّح الذهبي وابن حجر العسقلاني والهروي ببطلانه(٣).

١- وردت هذه الدعاوى وما قبلها في كتب مختلفة متفرّقة عند أهل الخلاف, فاُنظر على سبيل المثال: ((مختصر التحفة الاثني عشرية)): ١٧٤.

٢- اُنظر: الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة ١: ٥٨، تحفة الأحوذي ١٠: ٢٥٩، مرقاة المفاتيح ١١: ٣٣٨، الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ١: ١٩٠، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ١: ٣٩٩، المصنوع ١: ٩٨، المقاصد الحسنة ١: ٣٢١، النخبة البهية ١: ٥٥، نقد المنقول ١: ٥١.

٣- اُنظر: فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٢: ٧٣، سنن الترمذي ٥: ٣٣٦، ميزان الاعتدال ١: ١٤٢ و١٠٥و ٣: ٦١٠، لسان الميزان ١: ١٨٨ و٢٧٢ و٥: ٢٣٧، تلخيص الحبير ٤: ١٩٠، جامع التحصيل ١: ١٨٦، الكامل في ضعفاء الرجال ٢: ٢٤٩, ٣٨٩.

٦١

وأمّا حديث (أصحابي كالنجوم...), فهو من الأحاديث الموضوعة عند: أحمد ابن حنبل, والمزني, والبزار, وابن القطان, والدارقطني, وابن حزم, والبيهقي, وابن عبد البر, وابن الجوزي, والذهبي, وابن قيم الجوزية, وابن حجر العسقلاني, وغيرهم (١).

وحديث (أعلمكم بالحلال والحرام...) من الأحاديث الّتي قدح فيها الذهبي وابن عبد الهادي والمناوي(٢).

وحديث (تمسّكوا بعهد ابن اُم عبد) من الأحاديث الضعيفة السند لمحل قبيصة بن عقبة في أحد طرقه, قال الذهبي: ((قال ابن معين هو ثقة إلا في حديث الثوري))، وقال: ((قال ابن معين ليس بذلك القوي. وقال: ثقة في كلّ شيء إلا في سفيان))(٣).

وقبيصـة يـروي هــذا الحديث عن سفيـان الثوري كمـا في اُسد الغـابة لابن الأثير(٤). وأيضاً لمحل (عبد الملك بن عمير) المشهور بالتدليس, المضطرب الحديث, الكثير الغلط, الضعيف جدّاً(٥). ولمحل (مولى ربعي) المجهول.

وفي الطريق الآخر أبو الزعراء(٦), قال البخاري: ((لا يتابع في حديثه))(٧). ورواة هذا الحديث عند الترمذي عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء هم: يحيى بن سلمة،

١- اُنظر: التقرير والتحبير ٣: ١٣٢، جامع بيان العلم ٢: ٩٠، الكامل في ضعفاء الرجال ٢: ٣٧٦ و٣٧٧، لسان الميزان ٢: ١١٨ و١٣٧، تفسير البحر المحيط ٥: ٥١١، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ١: ٢٨٣، ميزان الاعتدال ١: ٤١٣ و٢: ١٠٢ و٦٠٥، إعلام الموقعين ٢: ٢٤٢، تلخيص الحبير ٤: ١٩٠ و١٩١.

٢- اُنظر: ميزان الاعتدال ٢: ١٧٦، فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١: ٥٨٩.

٣- ميزان الاعتدال ٣: ٣٨٣.

٤- اُسد الغابة ٣: ٢٥٨.

٥- اُنظر: تهذيب التهذيب ٦: ٤١١، ميزان الاعتدال ٢: ٦٦٠، طبقات المدلّسين ١: ٤١، الأنساب للسمعاني ٤: ٤٤٤، في (القبطي).

٦- اُسد الغابة ٣: ٢٥٨.

٧- تهذيب التهذيب ٦: ٥٦.

٦٢

ابن كهيل وعنه ابنه إسماعيل وعنه ابنه إبراهيم(١)، وهؤلاء بأجمعهم مجروحون عند أئمّة الحديث والرجال من أهل السنّة, وبالأخص: يحيى بن سلمة فإنّه الأشدّ ضعفاً فيهم, لذا قال الترمذي بعد أن خرّجه: ((هذا حديث غريب من حديث ابن مسعود, لا نعرفه إلا من يحيى بن سلمة بن كهيل, ويحيى بن سلمة يضعّف في الحديث))(٢).

والمتحصّل: أنّ هذه الأحاديث لا يصلح أيّ شيء منها لمعارضة حديث الثقلين (الكتاب والعترة) الصحيح المتواتر.

وأمّا دعوى المعارضة بحديث (واهتدوا بهدى عمّار)(٣) فهي غير تامة؛ لأنّ هذا الحديث إن صح فهو على المدّعي لا له, ذلك أنّ الصحابي الجليل عمّار بن ياسر معروف بتشيّعه لأمير المؤمنين(عليه السلام) واتّباعه له, حتّى أنّه قد لازم أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى آخر يوم في حياته, واستشهد بين يديه في معركة (صفّين), وواقعه (رضوان الله عليه) يعدّ مصداقاً حقيقياً لاتّباع الكتاب والعترة فلا تعارض.

وفي هذا المعنى روى الحاكم في المستدرك عن خالد العرفي قال: دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة فقلنا يا أبا عبد الله: حدّثنا ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الفتنة. قال حذيفة: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (دوروا مع كتاب الله حيث ما دار). فقلنا: فإذا اختلف الناس فمع من نكون؟ فقال: اُنظروا الفئة الّتي فيها ابن سمية فانزلوها فإنّه يدور مع كتاب الله. قال قلت: ومن ابن سمية؟ قال: أوماتعرفه؟ قلت: بيّنه لي. قال:

١- سنن الترمذي ٥: ٣٣٦ مناقب عبد الله بن مسعود.

٢- نفس المصدر ٥: ٣٣٧.

٣- كما في مختصر التحفة الاثني عشرية: ١٧٤.

٦٣

عمّار بن ياسر, سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول لعمّار: (يا أبا اليقظان لن تموت حتّى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق)(١).

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد عن سيار بن الحكم أنّه قال: قالت بنو عبس لحذيفة: إنّ أمير المؤمنين عثمان قد قتل فما تأمرنا؟ قال: آمركم أن تلزموا عمّاراً. قالوا: إنّ عمّاراً لا يفارق عليًاّ. قال: إنّ الحسد هو أهلك الجسد وإنّما ينفركم من عمّار قربه من عليّ, فو ا لله لعليّ أفضل من عمّار أبعد ما بين التراب والسحاب, وأنّ عمّاراً لمن الأحباب, وهو يعلم أنّهم إن لزموا عمّاراً كانوا مع عليّ(٢).

وأيضاً قد تثار أمام هذا الحديث العظيم الشأن شبهات أخرى كهذه الّتي تقول: إنّ المراد بـ (عترتي) في حديث الثقلين عموم أقارب النبيّ(صلى الله عليه وآله) لا خصوص أمير المؤمنين والزهراء(عليهما السلام) والأئمّة من ذريتهما(عليهم السلام)(٣).

وفي الردّ على هذه الدعوى نقول: إنّها مردودة لغةً وشرعاً.

أمّا اللغة: قال الجوهري في الصحاح: ((عترة الرجل: نسله ورهطه الأدنون))(٤).

وقال ابن الأثير في النهاية بعد ذكره لحديث الثقلين: ((عترة الرجل: أخصّ أقاربه))(٥).

وعن الفراهيدي في كتاب العين قال: ((وعترة الرجل: أصله. وعترة الرجل أقرباؤه من ولده وولد ولده وبني عمّه دنيا))(٦).

١- رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين في موردين ٢: ١٦٢ و٣: ٤٤٢، قال في الأوّل: (هذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة أخرجا بعضها ولم يخرجاه بهذا اللفظ), وقال في الثاني: (هذا حديث صحيح عال ولم يخرجاه), ووافقه الذهبي.

٢- مجمع الزوائد ٧: ٢٤٣ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني ورجاله ثقات)).

٣- كما في مختصر التحفة الاثني عشرية: ١٧٤.

٤- الصحاح ٢: ٧٣٥.

٥- النهاية في غريب الحديث ٣: ١٧٧.

٦- كتاب العين ٢: ٦٦.

٦٤

وقال ابن منظور في لسان العرب بعد أن روى حديث الثقلين ونقل كلام ابن الأثير المتقدّم: ((وقال ابن الأعرابي: العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه قال: فعترة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ولد فاطمة البتول(عليها السلام)))(١).

وقال الفيروزآبادي في القاموس: ((العِترة بالكسر... نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممّن مضى وغبر))(٢).

وقال الزبيدي في التاج: ((وإنّ عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولد فاطمة(رضي الله عنها) هذا قول ابن سيده, وقال أبو عبيد وغيره: عترة الرجل واُسرته وفصيلته: رهطه الأدنون, وقال ابن الأثير: عترة الرجل أخصّ أقاربه, وقال ابن الأعرابي: عترة الرجل ولده وذريته وعقبه من صلبه, قال: فعترة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ولد فاطمة البتول(عليها السلام)))(٣).

وأمّا شرعاً: فقد بيّن النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) في أحاديث متضافرة متواترة مراده بـعـتـرتـه بــأنّـهم أهـل بيتــه, وبـيّـن مــراده بـأهـل بيتـه بـأنّهـم عليّ وفـاطـمـة والحسـن والحسيـن(عليهم السلام)(٤). وهذا المعنى ممّا اعترف به علماء أهل السنّة وأقرّوا به في كتبهم.

قال المناوي الشافعي في فيض القدير: ((وعترتي أهل بيتي تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً, وهم أصحاب الكسـاء الّـذين أذهب الله عنهـم الرجـس وطـهـّرهم تطهيـراً))(٥).

١- لسان العرب ٤: ٥٣٨.

٢- القاموس المحيط ٢: ٨٤.

٣- تاج العروس ٣: ٣٨٠.

٤- اُنظر صحيح مسلم ٧: ١٢١، مسند أحمد ١: ١٨٥ و٤: ١٠٧، فتح الباري ٧: ١٠٤، سنن الترمذي ٤: ٢٩٤ و٥: ٣٠٢، المستدرك على الصحيحين ٢: ٤٥١, فيما صححه الحاكم ووافقه الذهبي.

٥- فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٣: ١٩.

٦٥
 السلف الصالح مركز الأبحاث العقائدية (ص ٦٦ - ص ٩٥)
٦٦

له زين العابدين: قنوطك من رحمة الله الّتي وسعت كلّ شيء أعظم عليك من ذنبك, فقال الزهري: ألله أعلم حيث يجعل رسالته, فرجع إلى أهله))(١).

وأمّا ما فسّره زيد بن أرقم - كما في الرواية الواردة في صحيح مسلم - بأنّ أهل بيته(صلى الله عليه وآله) هو خصوص من حرم الصدقة بعده, وهم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس(٢).

فنقول عن هذا التفسير من زيد بأنّه لا يعدو أن يكون رأياً رآه, وهو ليس بحجّة؛ لأنّه لم يصدر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله), بل الصادر عنه(صلى الله عليه وآله) هو ما تضافر نقله في تنصيصه(صلى الله عليه وآله) على أنّ المراد بأهل بيته هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) دون غيرهم(٣).

قال الحافظ الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) بعد ذكره لحديث الثقلين وتفسير زيد المتقدّم: ((قلت: إنّ تفسير زيد (أهل البيت) غير مرضي؛ لأنّه قال أهل البيت من حرم الصدقة بعده, يعني بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله), وحرمان الصدقة يعم زمان حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبعده وهم لا ينحصرون في المذكورين, فإنّ بني المطلب يشاركونهم في الحرمان؛ ولأنّ آل الرجل غيره على الصحيح, فعلى قول زيد يخرج أمير المؤمنين(عليه السلام) عن أن يكون من أهل البيت, بل الصحيح: أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنان(عليهم السلام), كما رواه مسلم بإسناده عن عائشة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج ذات غداة

١- المرقاة في شرح المشكاة ١١: ٣٠٨.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٢٣.

٣- تقدّمت الإشارة إلى بعض مصادره ونضيف إلى ما تقدّم: المعجم الكبير ٣: ٥٥, وفي مواضع اُخرى مختلفة منه، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١١٣، مسند أبي يعلى ١٢: ٤٥١ و١٣: ٤٧٠، مصنف ابن أبي شيبة ٧: ٥٠١، كتاب السنّة: ٥٨٩، نصب الراية ١: ٧١، تفسير الطبري ٢٢: ١٠، أسباب النزول للواحدي: ٢٣٩، تفسير ابن كثير ٣: ٤٩١، الدر المنثور للسيوطي ٥: ١٩٧, وغيرهم.

٦٧

وعليه مرط مرجل من شعر أسود, فجاء الحسن بن عليّ فأدخله, ثمّ جاء الحسين فأدخله معه, ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها, ثمّ جاء عليّ فأدخله, ثمّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}. وهذا دليل على أنّ أهل البيت هم الّذين ناداهم الله بقوله: ((أهل البيت)) وأدخلهم الرسول (رسول الله(صلى الله عليه وآله)) في المرط. وأيضاً روى مسلم باسناده أنّه لمّا نزلت آية المباهلة دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام) وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)))(١).

والرأي الآخر القائل بإدخال زوجاته(صلى الله عليه وآله) في مفهوم (أهل بيته) من معنى (العترة) في حديث الثقلين (٢), هو أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه لغة وشرعاً, وقد تقدّم البيان اللغوي لمعنى كلمة (العترة), ولم نجد من أهل اللغة أحداً ينصّ على دخول الأزواج في معناها.

وقد تقدّم أيضاً التفسير الشرعي لهذه الكلمة من الحضرة النبوية المقدّسة ذاتها, وأنّه(صلى الله عليه وآله) أراد بها أهل بيته الكرام, وقد زادها(صلى الله عليه وآله) بياناً حين نصّ على مراده من أهل بيته بأعيانهم.

قال الآلوسي في تفسيره: ((وأخبار إدخاله(صلى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وابنيهما (رضي الله تعالى عنهم), تحت الكساء, وقوله عليه الصلاة والسلام: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي) ودعائه لهم, وعدم إدخال اُمّ سلمة أكثر من أن تحصى, وهي مخصصة لعموم أهل البيت بأيّ معنى كان. فالمراد بهم مَن شملهم الكساء, ولا يدخل فيهم أزواجه))(٣). (انتهى).

١- كفاية الطالب: ٥٤.

٢- فيما نقله المباركفوري في تحفة الأحوذي ١٠: ١٩٦ عن التوربشتي الّذي قال: ((أنّه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه)) انتهى.

٣- روح المعاني ٢٢: ١٤ و١٥.

٦٨

٢ ـ حديث السفينة:

الدليل الثاني من أدلة السنة الشريفة في وجوب متابعة أهل البيت(عليهم السلام) هو الحديث المعروف بـ(حديث السفينة) والّذي ورد فيه قول النبيّ(صلى الله عليه وآله): (مَثلُ أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه, من ركبها نجا, ومن تخلّف عنها غرق)(١).

وبحسب دلالة هذا الحديث الشريف يكون الأئمّة من آل البيت(عليهم السلام) هم الأئمّة الهداة؛ لأنّهم المنجون الوحيدون من الغرق في بحر الضلالات, كما كانت سفينة نوح في قومه السفينة الوحيدة المنجية من الكرب العظيم.

قال المناوي: ((مثل أهل بيتي (زاد في رواية: فيكم) مثل سفينة نوح (في رواية: في قومه) من ركبها نجا (أي: خلص من الاُمور المستصعبة) ومن تخلّف عنها غرق (وفي رواية: هلك). ومن ثمّ ذهب قوم إلى أنّ قطب الأولياء في كلّ زمن لا يكون إلا منهم. ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة جدّهم وأخذ بهدي علمائهم, نجا من ظلمة المخالفات, ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم, وهلك في معادن الطغيان))(٢).

وقال الملا علي القاري: ((ألا إنّ مثل أهل بيتي (أي: شَبَهُهم) فيكم مثل سفينة نوح (أي: في سببية الخلاص من الهلاك إلى النجاة) من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك. فكذا من التزم محبتهم ومتابعتهم نجا في الدارين, وإلا فهلك فيهما))(٣).

١- حلية الأولياء ٤: ٣٠٦، فضائل الصحابة لابن حنبل ٢: ٧٨٥، المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٧٣ و٣: ١٦٣ وصححه، المعجم الكبير ٣: ٤٥ و٤٦ و١٢:٣٧، الجامع الصغير ١: ٣٧٣ و٢: ٥٣٣، وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة ٢: ٦٧٥ ((وجاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً إنّما مثل أهل بيتي...))، واُنظر هنا أيضاً الجزء الرابع من ((نفحات الأزهار)) لتطّلع بالتفصيل على رواة هذا الحديث من الصحابة والتابعين والعلماء من أهل السنّة على مرّ القرون مع الوقوف على تراجمهم.

٢- فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥: ٥١٧.

٣- مرقاة المفاتيح ١١: ٣٢٧.

٦٩

وفي هذا الحديث أيضاً توجد دلالة ثانية, وهي الدلالة على الفرقة الناجية من فرق المسلمين الّتي عناها رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقوله: (تفترق اُمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة, كلّها في النار, والناجية منها واحدة)(١). فالفرقة الناجية من الغرق في بحر الضلالات هي الفرقة الّتي تركب سفينة أهل البيت(عليهم السلام).

وليس المراد من ركوب سفينة أهل البيت(عليهم السلام) كما دلّ عليه حديث السفينة المتقدّم, سوى اتّباعهم والاهتداء بهدي علمائهم وهم الأئمّة(عليهم السلام), والأخذ بعلومهم في فهم أحكام الدين الّتي هي امتداد لعلم وفهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) حسبما ينصّ عليه الحديث الشريف الآتي: (من سرّه أن يحيا حياتي, ويموت مماتي, ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوالِ عليّاً من بعدي, وليوالِ وليّه, وليقتدِ بالأئمّة من بعدي, فإنّهم عترتي, خلقوا من طينتي, رزقوا فهمي وعلمي, فويل للمكذّبين بفضلهم من اُمتي, القاطعين فيهم صلتي, لا أنالهم الله شفاعتي)(٢).

والمعنى المذكور هو الّذي نصّ عليه الإمام الشافعي في أبياته المعروفة الّتي رواها له أبو بكر شهاب الدين الشافعي في كتابه (رشفة الصادي) حين قال:


ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهممذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجاوهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهمكما قد أمرنا بالتمسك بالحبل
إذا افترقت في الدين سبعون فرقةونيفاً على ما جاء في واضح النقل
ولم يك بناجٍ منهم غير فرقةفقل لي بها ذا الرجاحة والعقل
أفي الفرقة الهلاك آل محمّد؟أم الفرقة اللاتي نجت منهم؟ قل لي

١- اُنظر: سنن الترمذي ٤: ١٣٤ و١٣٥, وسنن أبي داود ٢: ٣٩٠, وسنن ابن ماجة ٢: ١٣٢١ و ١٣٢٢, وسنن الدارمي ٢: ٢٤١, ومسند أحمد بن حنبل ٢: ٣٢, ٤: ١٠٢ والمستدرك على الصحيحين ١: ٤٧ و٢١٧, وقد صحّحه الترمذي والحاكم فيما تقدّم من كتبهم, وادّعى السيوطي تواتره كما في فيض القدير ٢: ٢٧ وكذلك الكتاني في نظم المتناثر: ٤٧.

٢- رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ١: ٨٦ بسند صحيح, وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢: ٢٤٠, والمتقي الهندي في كنز العمال ١٢: ١٠٤ يرويه عن الطبراني والرافعي عن ابن عباس.

٧٠

فإن قلت في الناجين فالقول واحدرضيت بهم لا زال في ظلّهم ظلّي
رضيت عليّاً لي إماماً ونسلهوأنت من الباقين في أوسع الحل(١)

وهذا هو ابن تيمية - مع شدّة نصبه وعداوته للأئمة(عليهم السلام)وشيعتهم، وسعيه لإنكار فضائل أهل البيت(عليهم السلام) - يعترف ويقول: (( ولا يعاونون (آل البيت) أحداً على معصية، ولا يزيلون المنكر بما هو أنكر منه، ويأمرون بالمعروف، فهم وسط في عامة الأمور، ولهذا وصفهم النبي(صلى الله عليه وآله) بأنّّهم: الطائفة الناجية، لمّا ذكر اختلاف أمّته وافتراقهم))(٢). (انتهى).

وبهذا المعنى أيضاً ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الهداة المنجون, قال(صلى الله عليه وآله): (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق, وأهل بيتي أمان لاُمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب, اختلفوا فصاروا حزب إبليس)(٣). وهذا الحديث دلالته واضحة بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الأئمّة الهداة, وأنّهم علامة الحقّ الواجب اتّباعها, وذلك بدليل صيرورة المخالف لهم- أيّ مخالف - من حزب إبليس.

١- رشفة الصادي: ٥٧.

٢- حقوق آل البيت: ٤٤.

٣- رواه الحاكم في المستدرك ٣: ١٦٣ وصححه, وابن حجر في الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٥ و٦٧٥, والطبراني في المعجم الكبير ٧: ٢٢ وفيه: (النجوم جعلت أماناً لأهل السماء وأنّ أهل بيتي أمان لاُمتي), وروى السيوطي في الجامع الصغير ٢: ٦٨٠ مثله.

٧١

قال المناوي الشافعي: (((وأهل بيتي أمان لاُمتي) شبههم بنجوم السماء وهي الّتي يقع بها الاهتداء وهي الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات, فكذلك بهم الاقتداء, وبهم الأمان من الهلاك))(١).

ولا ينبغي الشك بأنّ المراد بأهل البيت(عليهم السلام) في هذا الحديث والأحاديث الاُخرى الواردة بهذا التعبير هم أصحاب الكساء والتسعة المعصومين من ذرية الحسين (عليهم السلام أجمعين), فقد نصّ على ذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله) ببيان واضح لا لبس فيه, وفي هذا يروي مسلم في صحيحه عن عائشة, قالت: خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن عليّ فأدخله, ثمّ جاء الحسين فدخل معه, ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها, ثمّ جاء عليّ فأدخله, ثمّ قال:{إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}))(٢).

وبهذا المعنى قال أكثر المفسّرين وأعلام الجمهور, فقد ذكر ابن تيمية فيما رواه عن أم سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله): ((إنّ هذه الآية لمّا نزلت أدار النبيّ(صلى الله عليه وآله) كساءه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين, فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً))(٣).

وعن ابن حجر قال: ((إنّ أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين))(٤).

وأخرج الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك في حديث صحيح عن ابن عباس قال: ((... وأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة وحسن

١- فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦: ٣٨٦.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٣٠ باب فضائل أهل بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله).

٣- حقوق آل البيت :١٠.

٤- الصواعق المحرقة ٢: ٤٢١.

٧٢

وحسين فقال: {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}... الآية))(١).

وبملاحظتنا لدلالتي القول والفعل الصادرين عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في الأحاديث المتقدّمة من حيث إدارته(صلى الله عليه وآله) للكساء على المذكورين خاصّة, وتلاوته للآية الكريمة في أثناء ذلك, وتعريفه للجزئين في قوله: (هؤلاء أهل بيتي) الدال بلاغياً - والنبيّ(صلى الله عليه وآله) سيّد البلغاء لا يتكلّم إلا وفق مقتضى الحال لا يزيد في ذلك ولا ينقص عليه - على إرادة التعيين والقصر(٢), يثبت بأنّ المراد بأهل البيت هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام), دون غيرهم.

وقد يسأل سائل هنا ويقول: ولكنّكم تقولون بأنّ الأئمّة التسعة المعصومين من أولاد الحسين(عليه السلام) هم أيضاً داخلون في مصطلح (أهل البيت), فكيف استفدتم ذلك, وهم لم يذكروا في حديث الكساء؟

نقول: قد استفدناه من نصّ أحد المعصومين الّذين نزلت بحقّهم آية التطهير على شخص المعصوم الآخر الّذي يليه, وهو ما يتداوله الشيعة الإمامية في هذا الجانب بتضافر وتواتر في كتبهم الحديثية الّتي حفظت تراث أهل البيت(عليهم السلام) وأحاديثهم. والأحاديث الواردة بهذا الشأن عند الإمامية تطابق وتوافق تماماً من حيث الانتساب والعدد والصفات ما رواه الجمهور بحقّ هؤلاء الأئمّة, وقد نقلنا فيما تقدّم بما صرّح به البعض عن محققي أهل السنّة في دلالة تلك الأحاديث على الأئمة الاثني عشر من أئمة أهل البيت(عليهم السلام), ونعني بذلك الأحاديث الواردة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة لا غير.

١- الحاكم في مستدركه ٣: ١٤٣, والذهبي في ذيل المستدرك في نفس الجزء والصفحة, وصرّح كلّ منهما بصحته على شرط الشيخين.

٢- اُنظر: الإتقان في علوم القرآن: ٥٨٣ في دلالة تعريف الجزئين على إفادة الحصر والتعيين.

٧٣

وهذه الأحاديث التي وعدنا القارئ الكريم بالحديث عنها فيما سبق قد جاء محل الوفاء بذلك الآن، لذا سنخصص الصفحات القادمة لما يكشف اللثام عن هذه الأحاديث الصحيحة والمتضافرة الطرق في متون أهل السنة ومصادرهم.

٧٤

الخلفاء الاثنا عشر

من المسائل الّتي حار فيها أهل السنّة ولم يجدوا تفسيراً صحيحاً لها، هي المسألة الّتي يثيرها الحديث المعروف بحديث (الخلفاء من بعدي اثنا عشر) بصيغه المتعددة الواردة عن خاتم الرسل(صلى الله عليه وآله)، حتّى ألّف بعض الباحثين كتاباً بهذا المعنى, جعل أحد فصوله المسألة المذكورة(١)، مقلّباً النظر في إيجاد التفسير المناسب عند أهل السنّة لهذه الأحاديث.

وهذه الأحاديث لا يمكن لأهل السنّة والجماعة إنكارها أو ردّها؛ لأنّها مبثوثة في الكتب المعتبرة عندهم والّتي يشهدون بوثاقتها واعتبارها كصحيح البخاري ومسلم, ومسند أحمد، وسنن أبي داود, وسنن الترمذي، ومعاجم الطبراني وغيرها.. فهذه الأحاديث يرويها مثلاً البخاري من ثلاثة طرق, وأحمد من طرق عدّة تبلغ الثلاثين, وهكذا غيرهم.

إلا أنّ المشكلة الّتي تواجه شرّاح هذه الأحاديث عند أهل السنّة - كما سنلاحظ - أنّهم لم يجدوا لها معنىً يعتدون به بحسب مذاهبهم ومشاربهم الّتي يشربونها!!

ولنذكر في البداية شيئاً من ألفاظ هذه الأحاديث, ثمّ نذكر بعد ذلك أقوال بعض الشرّاح عنها, لننتهي إلى القول الفصل في المراد منها, وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأحاديث تعدّ من الأحاديث الشريفة الصحيحة القليلة المتّفق عليها عند السنّة والشيعة معاً وبلا خلاف!!

١- ألّف الشيخ عليّ آل محسن كتاباً تحت عنوان ((مسائل خلافية حار فيها أهل السنّة)), وقد تطرّق للمسألة المشار إليها أعلاه تحت عنوان: من هم الأئمّة الاثنا عشر عند أهل السنّة؟! اُنظر ص ٧ وما بعدها من الكتاب المذكور.

٧٥

١ ـ أخرج البخاري وأحمد والبيهقي وغيرهم عن جابر بن سمرة, قال: سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: (يكون اثنا عشر أميراً) فقال كلمة لم أسمعها, فقال أبي: إنّه قال: (كلّهم من قريش)(١).

٢ ـ أخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبيّ(صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: (إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة). قال: ثمّ تكلّم بكلام خُفي عليَّ. قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كلّهم من قريش)(٢).

٣ ـ أخرج مسلم أيضاً - واللفظ له - وأحمد عن جابر بن سمرة, قال: سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً), ثمّ تكلّم النبيّ(صلى الله عليه وآله) بكلمة خفيت عليَّ, فسألت أبي ماذا قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فقال: (كلّهم من قريش)(٣).

٤ ـ أخرج مسلم أيضاً وأحمد والطيالسي وابن حبّان والخطيب التبريزي وغيرهم عن جابر بن سمرة, قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: ((لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة)), ثمّ قال كلمة لم أفهمها, فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: (كلّهم من قريش)(٤).

١- صحيح البخاري ٨: ١٢٧ كتاب الأحكام، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٩٠، دلائل النبوة للبيهقي ٦: ٥١٩.

٢- صحيح مسلم ٦: ٣ كتاب الإمارة, باب الناس تبع لقريش, والخلافة في قريش.

٣- صحيح مسلم ٦: ٣ كتاب الإمارة, باب الناس تبع لقريش, والخلافة في قريش، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٩٨ و١٠١.

٤- صحيح مسلم ٦: ٣ كتاب الإمارة, باب الناس تبع لقريش, والخلافة في قريش، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٩٠ و١٠١, مسند أبي داود الطيالسي: ١٠٥ و١٨٠، مشكاة المصابيح ٣: ١٦٨٧ وقال: متفق عليه، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨: ٢٣٠.

٧٦

٥ ـ وأخرج مسلم - واللفظ له - وأحمد عن جابر بن سمرة, قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة, أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة, كلّهم من قريش)(١).

٦ ـ أخرج أحمد - واللفظ لغيره - والحاكم, والهيثمي عن الطبراني والبزّار: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: (لا يزال أمر اُمتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة). وخفض بها صوته, فقلت لعمي وكان أمامي: ما قال يا عم؟ قال: (كلّهم من قريش)(٢).

إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة(٣).

علماء السنّة حيارى حيال هذه الأحاديث

لقد حاول علماء أهل السنّة جاهدين تفسير هذه الأحاديث بما يتفق ومذاهبهم, فذهبوا ذات اليمين وذات الشمال لا يهتدون في ذلك إلى شيء, حتّى أعوزتهم الحجّة فاضطروا إلى الاعتراف بعجزهم عن تفسيرها بما يتفق ومذاهبهم في الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

قال ابن الجوزي في (كشف المشكل): ((هذا الحديث قد أطلتُ البحث عنه, وتطّلبت مظانّه, وسألت عنه, فما رأيت أحداً وقع على المقصود به..))(٤).

١- صحيح مسلم ٦: ٤ كتاب الإمارة, باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٨٦ و٨٨ و٨٩, سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢: ٦٩٠.

٢- مسند أحمد ٥: ٩٧, ١٠٧ إلا أنّ فيه: لا يزال هذا الأمر صالحاً، المستدرك ٣: ٦١٨، مجمع الزوائد ٥: ١١٩٠ قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح, ورواه عن جابر في ص ١٩١ وقال: رجاله ثقات.

٣- راجع على سبيل المثال: فيما صححه الألباني من صحيح سنن أبي داود ٣: ٨٠٧، واُنظر سنن الترمذي ٣: ٣٤٠، المعجم الكبير للطبراني ٢: ١٩٠ وما بعدها.

٤- كشف المشكل ١: ٤٤٩، وذكر ابن حجر هذه العبارة في فتح الباري ١٣: ١٨٣.

٧٧

ونقل ابن بطال عن المهلب قوله: ((لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث - يعني بشيء معين - ))(١).

وقال أبو بكر ابن العربي: ((ولم أعلم للحديث معنى))، وهذا نصّ كلامه في شرح الحديث: ((روى أبو عيسى عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش). صحيح, فعددنا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من ملك الحسن, معاوية, يزيد بن معاوية, معاوية بن يزيد, مروان, عبد الملك بن مروان, الوليد, سليمان, عمر بن عبد العزيز, هشام بن عبد الملك, يزيد بن عبد الملك, مروان ابن محمّد بن مروان, السفّاح, المنصور, المهدي, الهادي, الرشيد, الأمين, المأمون, المعتصم, الواثق, المتوكّل, المنتصر, المستعين, المعتز, المهتدي, المعتمد, المعتضد, المكتفي, المقتدر, القاهر, الراضي, المتقي, المستكفي, المطيع, الطائع, القائم, المهتدي وأدركته سنة أربع وثمانين وأربعمائة وعهد إلى المستظهر أحمد ابنه, وتوفي في المحرم سنة ست وثمانين, ثمّ بايع المستظهر لابنه أبي منصور الفضل, وخرجت عنهم سنة خمس وتسعين.

وإذا عددنا منهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان بن عبد الملك, وإذا عددناهم بالمعنى, كان معنا منهم خمسة: الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز!

ولم أعلم للحديث معنى, ولعلّه بعض حديث. وقد ثبت أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: (كلّهم من قريش)))(٢).

ولا نريد هنا أن نستعرض كلّ من تعرّض من علماء أهل السنّة لهذا الحديث أو أراد أن يبدي رأياً فيه, إذ إنّ كلّ الآراء والمحاولات الّتي أبدوها باءت بالفشل في الوصول للتفسير الصحيح للحديث, وهم قد اعترفوا بذلك كما أشرنا إليه(٣).

١- فتح الباري ١٣: ١٨٢.

٢- شرح ابن العربي على صحيح الترمذي ٩: ٦٨ ـ ٦٩.

٣- ويمكن مطالعة جملة وافرة من هذه الآراء والردود عليها في كتاب ((مسائل خلافية حار فيها أهل السنّة)): ١٢ ـ ٣٤.

٧٨

إلا أنّ الّذي يستوقف المتابع هو: لماذا يذهب الشرّاح من أهل السنّة في هذا الحديث الصحيح ذات اليمين وذات الشمال ثمّ لا يهتدون إلى شيء ويتركوا الأحاديث الصحيحة الواردة في كتبهم والّتي تعينهم على التفسير الصحيح والمتين لهذا الحديث, مع أنّا وجدنا بعضهم قد استعان حتّى بالتوراة المحرّفة في سبيل الوصول إلى تفسير ما لهذا الحديث ولم يفلح(١), والحال أنّ تفسير الحديث بالحديث خير لهم من تفسير الحديث بالظن أو التوراة المحرّفة؟!

والطريف في هذا الأمر أيضاً أنّهم لم يجدوا في كتبهم الحديثية شيئاً يعينهم على تفسير الحديث بحسب مذهبهم في الخلافة, بل على العكس, تراهم يروون في كتبهم الحديثية أحاديث صحيحة تنافي ما توصّلوا إليه من تفسير الحديث - ولو توسلاً - حين يحملونه على الخلفاء الأربعة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله), وحين يضمّون إلى ذلك جملة من الحكّام الأمويين والعباسيين بغية الوصول إلى تمام العدد الوارد في الحديث!

فهم مثلاً تجدهم يروون أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: (الخلافة ثلاثون سنة, ثمّ تكون بعد ذلك ملكاً)(٢).. وهو يناقض ما ذهبوا إليه من تعيين بعض الأسماء للخلافة من الحكام الأمويين والعباسيين!

أو هذا الحديث: ((قال سعيد, فقلت له [أي: لسفينة راوي الحديث]: إنّ بني اُمية يزعمون أنّ الخلافة فيهم. قال: كذبوا بنو الزرقاء, بل هم ملوك من شرّ الملوك))(٣).

١- اُنظر البداية والنهاية ٦: ٢٨٠ لتقف على تفسير أبي الجلد للحديث, والّذي صرّح ابن كثير بأنّ أبا الجلد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدّمة, ثمّ ذكر ما يفيد ذلك من التوراة المتداولة بأيدي أهل الكتاب.

٢- اُنظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١: ٧٤٢ ح ٤٥٩ ينقل تصحيحه عن: الحاكم والذهبي وابن حبّان وابن حجر وابن جرير الطبري وابن تيمية.

٣- سنن الترمذي ٣: ٣٤١ قال: حديث حسن، تحفة الأحوذي ٦: ٣٩٧, قال المباركفوري: وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي, قال الحافظ في الفتح بعد ذكر الحديث: أخرجه أصحاب السنن وصحّحه ابن حبّان وغيره (انتهى).

٧٩

ولا نظن أحداً يختلف بأنّ (الملوك) هم غير (الخلفاء) الّذين عناهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أحاديثه المتقدّمة.. وأيضاً أنّ (شرّ الملوك) لا يتلائم بأيّ حال من الأحوال مع قوله(صلى الله عليه وآله): (لا يزال الإسلام عزيزاً), فيما رواه مسلم وأحمد والطيالسي وابن حبّان والخطيب التبريزي وغيرهم من طرق الحديث.. الأمر الّذي يعني عدم انطباق الحديث على الحكّام الأمويين, وحتّى لو استثنينا عمر بن عبدالعزيز منهم يبقى العدد ناقصاً بشكل كبير, ممّا يعني عدم وجود تفسير صحيح لهذه الأحاديث بحسب مدرسة الخلفاء أو ما يسمّى بمدرسة أهل السنة والجماعة.

بل لايوجد تفسير صحيح لهذا الحديث الشريف سوى عند مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) الّتي ينتمي إليها الشيعة الإمامية, فهذه المدرسة تفسّره وتستدل على صحة تفسيرها إيّاه من مصادر وكتب أهل السنّة أنفسهم، وهذا هو سرّ قوّة هذه المدرسة وحجّتها البالغة؛ إذ جعل المولى سبحانه حججها على خصومها من كتبهم نفسها, وهذه الميزة تفتقر إليها كلّ الفرق الّتي تنتمي للإسلام, إذ تقول هذه المدرسة: إنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لا غير, ويستدلون على ذلك - كما أشرنا - بما رواه أهل السنّة أنفسهم في كتبهم.

فقد روى أحمد في مسنده والطبراني في معجمه الكبير بسند صحيح أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: (إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي, وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)(١).

١- مسند أحمد ٥: ١٨٢، المعجم الكبير ٥: ١٥٣ أخرجه مختصراً، مجمع الزوائد ٩: ١٦٢ و٨: ١٧٠ قال الهيثمي: رواه أحمد وإسناده جيد, وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، الدر المنثور ٢: ٦٠.

٨٠