×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج05 / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

بهم من أذى.. فلماذا يختارون طريق المنابذة التي لا تجر عليهم سوى البلاء والبوار، والخراب والدمار؟!..

وها هم يلمسون هذا الرفق، لدى المسلمين منذ اللحظة الأولى، ممن ذاقوا طعم ذباب سيفه طيلة سنين..

والإنسان يميل بطبعه إلى الراحة، والسلامة.. فلماذا يصرون على ما فيه تعب وشقاء، وجهد وبلاء؟!..

فهذا الحزم والحسم إذا رافقه ذلك الرفق واللين، فهو رفق القوي، الحازم، الذي لم يكن رفقه قراراً فرضته الإستجابة لضرورات الضعف، والتغلب على المشكلات، بل هو رفق نابع من عمق ذاته، وهو مقتضى طبعه، وليس رفق المصلحة الذي يمكن أن يتحول إلى قسوة وشراسة، إذا اختلفت الظروف، وتبدلت المصالح..

إعطاء الراية لقيس بن سعد..:

وقد ذكرت النصوص: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخذ الراية من سعد، وأعطاها لولده قيس..

ونحن لا نرى في هذا ما يتناقض مع ما تقدم من إعطائها لعلي (عليه السلام).. إذ يمكن أن تكون مهمة علي (عليه السلام) تنتهي حين إيصاله الراية إلى الركن، وغرزها عنده.. ثم تكون بعد ذلك لقيس بن سعد بن عبادة، باعتبار أنها إذا اعطيت لابن سعد، فكأنها لم تخرج عن سعد نفسه، لأن ولده منه..

٢٦١

ولو أنه (عليه السلام) أخذ الراية من سعد، وأعطاها لقيس مباشرة، لفهم ذلك على أنه إجراء بحق سعد، ولكنه حين أخذ منها، وحملها حتى غرزها عند الركن، ظهر أن المطلوب هو حمل الثلاثة: علي، وسعد، وقيس لها بهذا المقدار الذي تحقق.

علي (عليه السلام) وأم هاني يوم الفتح:

ويقولون: بلغ علياً (عليه السلام): أن أم هاني بنت أبي طالب آوت ناساً من بني مخزوم، منهم: الحارث بن هشام، وقيس بن السائب، (وعند الواقدي: عبد الله بن ربيعة)، فقصد (عليه السلام) نحو دارها مقنَّعاً بالحديد، فنادى: (أخرجوا من آويتم).

فجعلوا يذرقون كما تذرق الحبارى، خوفاً منه.

فخرجت إليه أم هانئ ـ وهي لا تعرفه ـ فقالت: يا عبد الله، أنا أم هانئ، بنت عمِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأخت علي بن أبي طالب، إنصرف عن داري.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أخرجوهم).

فقالت: والله لأشكونَّك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فنزع المغفر عن رأسه، فعرفته، فجاءت تشتد حتى التزمته، وقالت: فديتك، حلفت لأشكونك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال لها: (إذهبي، فبري قسمك، فإنه بأعلى الوادي).

قالت أم هانئ: فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في قبة

٢٦٢

يغتسل، وفاطمة (عليها السلام) تستره، فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلامي، قال: (مرحباً بك يا أم هانئ وأهلاً).

قلت: بأبي أنت وأمي، أشكو إليك ما لقيت من علي (عليه السلام) اليوم.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (قد أجرتُ من أجرتِ).

فقالت فاطمة (عليها السلام): (إنما جئت يا أم هانئ تشتكين علياً (عليه السلام) في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله)؟!

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (قد شكر الله لعلي (عليه السلام) سعيه، وأجرتُ من أجارت أم هانئ، لمكانها من علي بن أبي طالب)(١).

وعند الواقدي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن حين تكلمت أم هانئ مع فاطمة (عليها السلام)..

ثم جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأجار لأم هاني من أجارت، ثم طلب من فاطمة (عليها السلام) أن تسكب له غسلاً، فاغتسل، ثم صلى

١- بحار الأنوار ج٢١ ص١٣١ و ١٣٢ وج٤١ ص١٠ و ١١ وإعلام الورى ج١ ص٢٢٤ و ٢٢٥ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٧٦ ومستدرك سفينة البحار ج٨ ص١١١ والإرشاد للمفيد ج١ ص١٣٧ و ١٣٨ وكشف الغمة ج١ ص٢١٨ والدر النظيم ص١٨٠ والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص٧٩ وراجع: المغازي للواقدي ج٢ ص٨٢٩ و ٨٣٠.

٢٦٣

ثمان ركعات(١).

وعن الحارث بن هشام قال: لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة، دخلت أنا وعبد الله بن أبي ربيعة دار أم هانئ، ثم ذكر: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أجاز جوار أم هانئ.

قال: فانطلقنا، فأقمنا يومين، ثم خرجنا إلى منازلنا، فجلسنا بأفنيتها لا يعرض لنا أحد. وكنا نخاف عمر بن الخطاب، فوالله إني لجالس في ملاءة مورَّسة(٢) على بابي ما شعرت إلا بعمر بن الخطاب، فإذا معه عدة من المسلمين، فسلم ومضى.

وجعلت أستحي أن يراني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأذكر رؤيته إياي في كل موطن مع المشركين، ثم أذكر بره ورحمته وصلته، فألقاه وهو داخل المسجد، فلقيني بالبشر، فوقف حتى جئته، فسلمت عليه، وشهدت بشهادة الحق، فقال: الحمد لله الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإسلام.

قال الحارث: فوالله ما رأيت مثل الإسلام جُهل(٣).

١- المغازي للواقدي ج٢ ص٨٣٠.

٢- مورسة: مصبوغة بلون أحمر.

٣- سبل الهدى و الرشاد ج٥ ص٢٤٩ و ٢٥٠ عن الواقدي، والمغازي للواقدي ج٢ ص٨٣١ والسيرة الحلبية ج٣ ص١٠٢ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٥٥ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٢٧٧ و ٢٧٨ وتاريخ مدينة دمشق ج١١ ص٤٩٥ و ٤٩٦ وتهذيب الكمال ج٥ ص٢٩٨.

٢٦٤

وعن أم هانئ ـ رضي الله عنها ـ قالت: لما كان عام يوم الفتح فرَّ إليَّ رجلان من بني مخزوم فأجرتهما.

قالت: فدخل عليَّ عليٌّ فقال: أقتلهما.

قالت: فلما سمعته يقول ذلك أغلقت عليهما باب بيتي، ثم أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بأعلى مكة، فلما رآني رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحَّب وقال: (ما جاء بك يا أم هانئ).

قالت: قلت: يا رسول الله، كنت أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي (عليه السلام) قتلهما.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (قد أجرنا من أجرت).

ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غسله، فسترته فاطمة (عليها السلام)، ثم أخذ ثوباً فالتحف به، ثم صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمان ركعات سبحة الضحى(١).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٣١ وفي هامشه عن: صحيح مسلم (صلاة المسافرين) (٨٢) وعن أبي داود (٢٧٦٣) وعن مسند أحمد ج٦ ص٣٤١ و ٣٤٢ و ٣٤٣ والسنن الكبرى للبيهقي ج٩ ص٧٥ ومستدرك الحاكم ج٤ ص٤٥ والسيرة الحلبية ج٣ ص٩٣ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٤١ وراجع: المغازي للواقدي ج٢ ص٨٣٠ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٤ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٥٥٦ والبداية والنهاية ج٤ ص٣٤٣ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٥٦٨.

٢٦٥

لكن في الحلبية وغيرها: فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟!

إلى أن قال: وفي الرواية الأولى: فلما اغتسل أخذ ثوبه وتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى.

ثم أقبل علي، فقال: مرحباً يا أم هاني، ما جاء بك؟!.

فأخبرته الحديث.

فقال: (أجرنا من أجرت الخ..)(١).

ونقول:

هل تدل ملاحقة علي (عليه السلام) لهذين الرجلين على أن قتالاً كان يجري يوم الفتح، وتكون مكة قد فتحت بالسيف، وتحت وطأة القتال؟!..

وكيف نوفق بين هذا وبين قولهم: إنه (صلى الله عليه وآله) أعلن بالأمان لأهل مكة، وعين لهم مواضع للتواجد فيها، ومنها المسجد، ودار أبي سفيان، وراية أبي رويحة، ومن دخل داره، وأغلق بابه إلخ..

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إن عدم لجوء ذينك الرجلين إلى مواضع الأمان التي حددها لهم

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٩٣ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٤١ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٤ وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٠ ص٧٨ والبداية والنهاية ج٤ ص٣٤٣ والسيرة النبوية لابن هشام ج٤ ص٨٦٩ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٥٦٨.

٢٦٦

رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يدل على أنهما لم يلتزما بما قرره الرسول، وأنهما كانا في وضع قتالي، انتهى بهما إلى اللجوء إلى جوار أم هاني..

ثانياً: صرح بعضهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد أهدر دم هذين الرجلين: وهما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، فلم يكونا مشمولين لأمان رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ويشهد لذلك ثناء النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) وتصويبه في ملاحقته هذين الرجلين، وتصريحه بصرف النظر عن قتلهما، إكراماً لأم هاني، ولكن أيضاً لقربها من علي (عليه السلام)، فقد قال (صلى الله عليه وآله): (قد شكر الله سعيه، وأجرت من أجارت أم هاني، لمكانها من علي(١)، وقال لها: قد آمنا من آمنت، وأجرنا من أجرت، فلا نقتلهما)(٢).

فقوله (صلى الله عليه وآله): (فلا نقتلهما) يشير إلى أنه (صلى الله عليه

١- بحار الأنوار ج٢١ ص١٣١ و ١٣٢ وج٤١ ص١٠ و ١١ وإعلام الورى ج١ ص٢٢٤ و ٢٢٥ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٧٦ ومستدرك سفينة البحار ج٨ ص١١١ والإرشاد للمفيد ج١ ص١٣٧ و ١٣٨ وكشف الغمة ج١ ص٢١٨ والدر النظيم ص١٨٠ والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص٧٩ وراجع: المغازي للواقدي ج٢ ص٨٢٩ و ٨٣٠

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص٩٣ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٤١ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٥٦٨.

٢٦٧

وآله) كان مصمماً على قتلهما، وأنهما لم يكونا داخلين في الأمان الذي أطلقه في الناس بشرط الدخول إلى المسجد، أو إلى بعض المواضع الأخرى..

فلا يصح قول بعضهم هنا: (إرادة علي كرم الله وجهه قتل الرجلين اللذين أمنتهما أخته أم هاني لعله تأول فيهما شيئاً، أو جرى منهما قتال له. وتأمين أم هاني لهما من تأكيد الأمان الذي وقع للعموم)(١).

نعم، لا يصح ذلك للأسباب التالية:

١ ـ قد ظهر مما قدمناه آنفاً: أن علياً (عليه السلام) لم يكن متأولاً في ملاحقته لهذين الرجلين، بل هو يجري فيهما حكم الله وحكم رسوله، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي أهدر دمهما، وكان مصمماً على قتلهما لولا شفاعة أم هاني..

٢ ـ لم يكن هناك أمان عام للناس، بل كان هناك أمان لمن يدخل المسجد، ودار أبي سفيان، ويغلق بابه، ويلتجئ إلى راية أبي رويحة..

٣ ـ لو كان هناك أمان عام لاحتجت به أم هاني على علي (عليه السلام)، ولم تحتج إلى شكواه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

مقارنة ذات مغزى:

تقدم: أن علياً (عليه السلام) يصر على قتل رجلين أجارتهما أخته، ولا يقبل شفاعتها فيهما، ولا يراجع هو النبي (صلى الله عليه وآله) في أمرهما

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٨٤ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٢٧.

٢٦٨

حتى جاءت إجارتهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه.

وفي المقابل نجد عثمان يصر على النبي (صلى الله عليه وآله) في العفو عن ابن أبي سرح، بل هو يخبئه في بيته..

ثم يكرر عثمان التماسه العفو، ويعرض عنه النبي (صلى الله عليه وآله) مرة بعد أخرى، حتى استجاب له النبي (صلى الله عليه وآله) على مضض، وظهر عتبه على المسلمين لعدم مبادرتهم إلى قتل ابن أبي سرح قبل ذلك..

كما أنه يخبئ معاوية بن المغيرة، ويضرب زوجته بتهمة أنها دلت عليه حتى تموت من ذلك الضرب..

توضيحات نحتاجها:

واللافت هنا: أن علياً (عليه السلام) يأتي إلى دار أخته مقنعاً بالحديد، ولا يعرِّف أخته بنفسه في بادئ الأمر، ولكنه لا يقتحم الدار، مراعاة للحرمة، ثم هو لا يريد أن يروع أهلها، بل ينادي من خارج الدار: أخرجوا من آويتم!

فخرجت إليه أخته، فلم يبادر إلى تعريفها بنفسه، بل تركها تعرِّف هي بنفسها، بأنها بنت عم النبي (صلى الله عليه وآله)، وأخت علي (عليه السلام)، ثم تأمره بالانصراف عن دارها..

ولكن علياً (عليه السلام) يصرّ على موقفه، ويعيد النداء: أخرجوهم.

فلم تضعف، ولم تتراجع، بل قالت له: والله، لأشكونك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

٢٦٩
٢٧٠

علي (عليه السلام) يحطم الأصنام:

قال الصالحي الشامي: عن علي (عليه السلام) قال: انطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أتى بي إلى الكعبة، فقال: (اجلس)، فجلست بجنب الكعبة، فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على منكبي، فقال: (انهض)، فنهضت، فلما رأى ضعفي تحته قال: (اجلس)، فجلست.

ثم قال: (يا علي، اصعد على منكبي)، ففعلت، فلما نهض بي خيّل إلي: لو شئت نلت أفق السماء.

فصعدت فوق الكعبة، وتنحى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: (ألق صنمهم الأكبر)، (وفي نص آخر: لما ألقى الأصنام، لم يبق إلا صنم خزاعة(١)) وكان من نحاس، موتد بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (عالجه)، ويقول لي: (إيه إيه) {جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}(٢).

فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه.

وقيل: إن هذا الصنم كان من قوارير صفر، (وقيل: من نحاس(٣)).

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٨٦ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٣٠ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٦.

٢- الآية ٨١ من سورة الإسراء.

٣- راجع: نظم درر السمطين ص١٢٥ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٣٦ وتأويل الآيات ج١ ص٢٨٦ وغاية المرام ج٤ ص٣١١ وشرح إحقاق الحق ج٢٣ ص٣٦٢.

٢٧١

وفي نص آخر: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): ارم به، فحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى صعد، فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون، ويقولون: ما رأينا أسحر من محمد(١).

(ثم إن علياً (عليه السلام) أراد أن ينزل، فألقى نفسه من صوب الميزاب، تأدباً وشفقة على النبي (صلى الله عليه وآله).

ولما وقع على الأرض تبسم، فسأله النبي (صلى الله عليه وآله) عن تبسمه.

فقال: لأني ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع، وما أصابني ألم.

قال: كيف يصيبك ألم وقد رفعك محمد، وأنزلك جبريل)؟!(٢).

وفي نص آخر: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي، اصعد على منكبي، واهدم الصنم.

فقال: يا رسول الله، بل اصعد أنت، فإني أكرمك أن أعلوك.

فقال (صلى الله عليه وآله): إنك لا تستطيع حمل ثقل النبوة، فاصعد أنت..

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٨٦ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٣٠ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٦ وتخريج الأحاديث والآثار ج٢ ص٢٨٧ وجوامع الجامع ج٢ ص٣٨٩.

٢- تاريخ الخميس ج٢ ص٨٦ عن الزرندي، والصالحاني، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص٢٠٢ وراجع: شرح الأخبار ج٢ ص٣٩٥ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٤٠٣ وبحار الأنوار ج٣٨ ص٧٨ ومستدرك سفينة البحار ج٦ ص٢٧٤ ونهج الإيمان ص٦٠٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٦٩٢ وج١٨ ص١٦٢ و ١٦٣ و ١٦٨.

٢٧٢

إلى أن قال: ثم نهض به.

قال علي (عليه السلام): فلما نهض بي، فصعدت فوق ظهر الكعبة الخ..(١).

وجاء في نص آخر قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): لو أن ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة وأنا حي ما قدروا، ولكن قف يا علي، فضرب بيده إلى ساقيه، فرفعه حتى تبين بياض إبطيه، ثم قال: ما ترى يا علي؟!

قال: أرى أن الله قد شرفني بك، حتى لو أردت أن أمس السماء لمسستها الخ..(٢).

وفي نص آخر: قال علي (عليه السلام): أراني كأن الحجب قد ارتفعت، ويخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طوبى لك تعمل للحق، وطوبى لي أحمل للحق(٣).

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٨٦ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٢٩.

٢- المناقب لابن المغازلي ص٢٠٢ والمناقب المرتضوية ص١٨٨ وبحار الأنوار ج٣٨ ص٨٦ وكشف اليقين ص٤٤٧ والطرائف ص٨٠ والعمدة لابن البطريق ص٣٦٤ و ٣٦٥ وغاية المرام ج٦ ص٢٧٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٦٨٧ وج١٨ ص١٦٤.

٣- تاريخ الخميس ج٢ ص٨٦ وإحقاق الحق (الملحقات) ج١٨ ص١٦٢.

٢٧٣

كسر الأصنام في الشعر:

وقال بعض الشعراء، وقد نسب القندوزي الحنفي هذا الشعر إلى الإمام الشافعي، ونسبه عطاء الله بن فضل الله الحسيني الهروي في الأربعين إلى حسان بن ثابت:

قيل لي: قل في عليٍّ مدحاً ذكره يخمد ناراً مؤصده
قلت لا أقدم في مدح امرئ ضل ذو اللب إلى أن عبده
والنبي المصطفى قال لنا ليلة المعراج لما صعده
وضع الله بظهري يده فأحسَّ القلب أن قد برده
وعلي واضع أقدامه في محل وضع الله يده(١)

وفي حديث يزيد بن قعنب عن فاطمة بنت أسد: أنها لما ولد علي (عليه السلام) في جوف الكعبة، وأرادت أن تخرج به هتف بها هاتف: يا فاطمة سميه علياً، فهو علي..

إلى أن قال عن علي (عليه السلام): وهو الذي يكسر الأصنام، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي الخ..(٢).

١- تاريخ الخميس ج٢ ص٨٧ وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص١٣٩ و (ط دار الأسوة) ج١ ص٤٢٣ وإحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٦٨٣ وج١٨ ص١٦٣ وشجرة طوبى ج٢ ص٣٠٦ والغدير ج٧ ص١٢.

٢- الأمالي للصـدوق ص١٩٤ و ١٩٥ وعلـل الشرائـع ج١ ص١٣٥ و ١٣٦ ومعاني = = الأخبار ص٦٢ وروضة الواعظين ص٧٦ و ٧٧ والمحتضر للحلي ص٢٦٤ والجواهر السنية للحر العاملي ص٢٢٩ وبحار الأنوار ج٣٥ ص٨ و ٩ والأنوار البهية ص٦٧ و ٦٨ وشجرة طوبى ج٢ ص٢١٧ والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص٦٣٥ وبشارة المصطفى ص٢٧ وكشف الغمة ج١ ص٦١ وكشف اليقين ص١٩ ـ ٢١ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٥٦ عن بشائر المصطفى، وعن تجهيز الجيش للدهلوي العظيم آبادي (مخطوط) ص١١٠.

٢٧٤

وفي بعض المصادر: أنه (عليه السلام) جمع الحطب، وأوقد ناراً، ثم وضع قدمه على عضد النبي (صلى الله عليه وآله)، وصار يأخذ الأصنام عن جدار الكعبة، ويلقيها في النار(١).

ونقول:

لا بد لنا من الوقفات التالية:

لماذا علي (عليه السلام)؟!:

وقد لوحظ: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوكل مهمة كسر الأصنام لعلي (عليه السلام)، ولم يوكل بها غيره، ولا تولاها (صلى الله عليه وآله) بنفسه، ولو بأن يشير إليها فتتهاوى بصورة إعجازية، كما حصل لعلي (عليه السلام)..

ولعل سبب ذلك: أن تولي علي والنبي (صلى الله عليه وآله) تحطيم

١- أنيس الجليس للسيوطي (ط سنة ١٢٩١ هـ) ص١٤٨ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١٨ ص١٦٧.

٢٧٥

الأصنام يقطع الطريق على اتهام غيرهما بأنه قد بالغ في التشفي، وأمعن وتجاوز الحد في إجراء التوجيهات التي صدرت، وقد كان يكفي اقتلاعها وإبعادها عن المكان، دون أن يعمل على تهشيمها بهذه الطريقة المهينة..

وقد يدّعى: أن همَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان مصروفاً إلى الهيمنة على مكة، وقهر قريش، ولعله كان لا يمانع في أن يعتقد الناس بأن لهذه الأصنام شيئاً من التأثير في حياتهم، أو هو على الأقل لا يمانع في اقتنائها للذكرى، أو للتلذذ بجمال صنعها، أو لأي سبب آخر..

فجاء تحطيمها بيد علي (عليه السلام) تحت سمع وبصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليدلنا على أن وجودها كله مبغوض له تعالى.. ولا يجوز الإحتفاظ بها تحت أي عنوان من العناوين..

تحطيم الأصنام أكثر من مرة:

قد دلتنا الرواية التي ذكرناها قبل الهجرة، عن علي (عليه السلام)، وقد جاء فيها: (ونزلت من فوق الكعبة، وانطلقت أنا والنبي (صلى الله عليه وآله) نسعى حتى توارينا بالبيوت، وخشينا أن يرانا أحد) ـ قد دلتنا ـ على أن تكسير الأصنام قد حدث مرتين:

إحداهما: قبل الهجرة.

والأخرى: في فتح مكة.

فراجع ما ذكرناه في فصل سابق تحدثنا فيه عن أحداث ما قبل الهجرة.

٢٧٦

ينوء بثقل النبوة:

وقد ذكرت الروايات السابقة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) طلب من علي (عليه السلام) أن يجلس ليصعد هو على ظهر علي.. ففعل ذلك، وإذ به ينوء بثقل النبوة..

فهنا سؤالان:

أحدهما: ألم يكن (صلى الله عليه وآله) يعلم بأن للنبوة ثقلاً ينوء به علي (عليه السلام)؟! فإن كان يعلم، فما هي الحكمة في أن يطلب ذلك من علي (عليه السلام)؟!

الثاني: هل للنبوة ثقل؟! وهل هو ثقل مادي؟! أم ماذا؟!

ونجيب بما يلي:

بالنسبة للسؤال الأول نقول:

لا ريب في معرفة النبي (صلى الله عليه وآله) بأن للنبوة ثقلاً ينوء به علي (عليه السلام).. ولذلك فنحن نرجح الروايات الأخرى التي تقول: إن علياً (عليه السلام) هو الذي طلب من النبي أن يصعد على ظهره، إجلالاً منه للنبي (صلى الله عليه وآله)، فأخبره (صلى الله عليه وآله) بأن للنبوة ثقلاً يمنع من ذلك، لأنه ينوء به (عليه السلام)..

بل نحن لا نستطيع أن نقول: إن علياً (عليه السلام) كان يجهل هذا الأمر أيضاً، ولكنه أراد هو والنبي (صلى الله عليه وآله) التصريح بذلك، ليعلم الناس: أن صعوده على ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتنافى مع التكريم والإجلال والتعظيم، إذ لولا هذا البيان لدخل في وهم بعض

٢٧٧

الناس، ما لا يجوز توهمه في حق علي (عليه السلام)..

أو لعله نظر إلى قانون البداء، فلعله اقتضى إظهار معنى في علي (عليه السلام) اقتضى تمكينه (عليه السلام) من النهوض بثقل النبوة..

وبالنسبة للسؤال الثاني نقول:

ليس بإمكاننا تحديد ماهية هذا الثقل، ولكننا نعلم: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يركب الراحلة والفرس، وغيرهما، ويراه الناس..

ثم هو يعلن لهم: أنه لو اجتمعت ربيعة ومضر على أن يحملوا بضعة منه وهو حي لما قدروا على ذلك.. مما يعني: أن للنبوة في مضمونها المعنوي خصوصية تحتم التدخل الإلهي لتعجيز البشر عن حمل النبي (صلى الله عليه وآله) وهو حي، ربما لأن هذا قد يثير خطرات تسيء إلى معنى النبوة.

ونحن وإن كنا ننزه علياً (عليه السلام) عن مثل تلك الخطرات، لأنه هو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) في طهره وسائر صفاته، ولكننا لا ننزه غيره عنها ممن يرى ويسمع.

هل يخيَّل لعلي (عليه السلام)؟!:

تقدم: أن علياً (عليه السلام) قال: خيل إليَّ: لو شئت نلت أفق السماء، أو نحو ذلك.

والمراد بالتخييل لعلي (عليه السلام): إراءته عين الواقع، إذ لا تخييل للمعصوم من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) خارج دائرة إراءة الحقائق.

فإن كان (عليه السلام) قد عبر بكلمة (خيل إلي) فذلك بهدف الرفق

٢٧٨

ببعض ضعفاء النفوس، الذين يصعب عليهم إدراك هذه الحقائق على ما هي عليه..

علماً بأن بعض النصوص لم ترد فيها كلمة: (خيّل إليَّ)، وذكرت أنه لو أراد أن ينال السماء لنالها.

ويشير إلى ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): رفعك محمد، وأنزلك جبريل، فإن من يكون هذا حاله، لو أراد أن ينال السماء لنالها.

تعمل للحق، وأحمل للحق:

وقول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): طوبى لك، تعمل للحق، وأحمل للحق، يشير إلى أن تحطيم الأصنام لم يكن بدافع التشفي من الذين كانوا يعبدونها، ولا الرغبة في الإستئثار بجميع ثمرات النصر، أو الحرص على الإمساك بجميع مفردات الغلبة، وإنما أملاه عليه واجب الحق، والدين، والإخلاص لله تعالى، والتماس رضاه، وبث اليأس في أهل الشرك والبغي..

علي (عليه السلام) يؤذن على ظهر الكعبة:

وزعموا: أنه لما حان وقت الظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلالاً أن يؤذن فوق الكعبة، ليغيظ بذلك المشركين، وكانت قريش فوق رؤوس الجبال.

ونقول:

إن ذلك موضع ريب، والصحيح: هو أن علياً (عليه السلام) هو الذي

٢٧٩

فعل ذلك، بدليل:

أولاً: قد صرحوا: بأن النبي (صلى الله عليه وآله) دخل البيت يوم الفتح وقت الظهر(١)، فإذا كان الوقت ظهراً، وكان (صلى الله عليه وآله) مشغولاً هو وعلي (عليه السلام) بإزالة الصور من داخل الكعبة، ومن على ظهرها، فمن أولى من علي (عليه السلام) بالأذان من على ظهر الكعبة في اللحظات الأولى، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يكون بلال قد أذن بعد ذلك في المسجد، أو من على ظهر الكعبة.

ثانياً: عن يزيد بن قعنب، أن فاطمة بنت أسد: قالت: لما ولد علي (عليه السلام) في جوف الكعبة، وأرادت أن تخرج هتف بها هاتف: يا فاطمة، سميه علياً، فهو علي.. إلى أن قال ذلك الهاتف: (هو الذي يكسر الأصنام، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي إلخ..).

وروى ابن الشيخ الطوسي هذا المضمون، عن العباس ويزيد بن قعنب، وفيه: وهو أول من يؤذن فوق ظهر بيتي، ويكسر الأصنام إلخ..(٢).

١- الخرائج والجرائح ج١ ص٩٧ و ١٦٣ وبحار الأنوار ج٢١ ص١١٧ و ١١٩ وجامع أحاديث الشيعة ج٤ ص٦٩٨ ومستدرك الوسائل ج٤ ص٣٨.

٢- راجع: روضة الواعظين ص٧٧ وبحار الأنوار ج٣٥ ص٩ و ٣٧ وعلل الشرائع ج١ ص١٦٤ ومعاني الأخبار ص٦٢ و ٦٣ والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص١٩٢ والأمالي للطوسي ج٢ ص٣١٨ وإحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٥٧ عن كتاب تجهيز الجيش للدهلوي.

٢٨٠