×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج05 / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

٢٨١

الفصل الثالث:

الحجابة والسقاية..

٢٨٢
٢٨٣

مفتاح الكعبة:

وحين فتحت مكة بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) إلى عثمان بن طلحة، فأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم أمنعه منه، فصعد إلى السطح، فتبعه عليّ (عليه السلام) ولوى يده، وأخذ المفتاح منه قهراً، وفتح الباب(١).

فلما نزل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا..}(٢). أمره (صلى الله عليه وآله) أن يدفع المفتاح إليه، متلطفاً به، (ويعتذر إليه. وقال له: قل له: خذوها يا بني طلحة بأمنة الله، فاعملوا فيها بالمعروف، خالدة تالدة الخ..)(٣).

فجاء علي (عليه السلام) بالمفتاح متلطفاً، فقال له: أكرهت وآذيت، ثم

١- تاريخ الخميس ج٢ ص٨٧ و ٨٨ والسيرة الحلبية ج٣ ص٩٨ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٤٩ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٤٠٤ وبحار الأنوار ج٢١ ص١١٦.

٢- الآية ٥٨ من سورة النساء.

٣- راجع: تاريخ الخميس ج٢ ص٨٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٧ ص٢٨٢ وكشف الخفاء ج١ ص٣٧٤ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٨ ص٣٨٨ وإمتاع الأسماع ج١ ص٣٩٤ وج١٣ ص٣٨٤ وعيون الأثر ج٢ ص٢٠٠.

٢٨٤

جئت ترفق؟!

فقال (عليه السلام): لأن الله أمرنا بردها عليك.

فأسلم، فأقره النبي (صلى الله عليه وآله) في يده(١).

وذكر نص آخر: أن عثمان بن طلحة ادعى: أنه هو الذي جاء بالمفتاح إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٢).

فقام علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة بيده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية!

(وفي رواية: أن العباس تطاول يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم. أي منهم علي (عليه السلام))(٣).

١- راجع: السيرة الحلبية ج٣ ص٩٨ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٤٩ وبحار الأنوار ج٢١ ص١١٦ و ١١٧ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٤٠٤ و ٤٠٥.

٢- راجع: المصنف للصنعاني ج٥ ص٨٣ والمصنف لابن أبي شيبة ج٨ ص٥٢٩ و ٥٤١ والدرر لابن عبد البر ص٢٢٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٧ ص٢٧٩ وكنز العمال ج٢ ص٣٨٤ وج١٠ ص٥٣٥ ومواهب الجليل ج٤ ص٥٠٥ ومجمع الزوائد ج٦ ص١٧٧ والمعجم الكبير للطبراني ج٩ ص٦١ وفتح الباري ج٣ ص٣٧١ وعمدة القاري ج٩ ص٢٤٣ ومسند الحميدي ج٢ ص٣٠٤.

٣- راجع هذه الفقرة في: السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٠ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٥٢ وعيون الأثر ج٢ ص٢٠٠ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٤ وفي هامشه عن البداية والنهاية ج٤ ص٣٠١.

٢٨٥

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين عثمان بن طلحة؟!

فدعي، فقال: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء).

قالوا: وأعطاه المفتاح ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مضطبع(١) بثوبه عليه، وقال: (غيبوه. إن الله تعالى رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام)(٢).

وعن ابن جريح: أن علياً (عليه السلام) قال للنبي (صلى الله عليه وآله): اجمع لنا الحجابة والسقاية، فنزلت: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا..}(٣).

فدعا عثمان، فقال: (خذوها يا بني شيبة خالدة مخلدة).

وفي لفظ: (تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)(٤).

١- اضطبع: أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن وغطى به الأيسر.

٢- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٤ عن ابن سعد والواقدي، والسيرة الحلبية ج٣ ص١٠٠ و ١٠١ وراجع: المغازي للواقدي ج٢ ص٨٣٧ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٥ و ٨٨ وعن البداية والنهاية ج٤ ص٣٠١.

٣- الآية ٥٨ من سورة النساء.

٤- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٤ و ٢٤٥ عن ابن عائذ، والأزرقي، وراجع: السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٠ ومواهب الجليل ج٤ ص٥٠٥ وشرح مسلم للنووي ج٩ ص٨٣ ومجمع الزوائد ج٣ ص٢٨٥ وفتح الباري ج٨ ص١٥ وعمدة القاري ج٤ ص٢٤٨ والمعجم الأوسط ج١ ص١٥٦ وج١١ ص٩٨ والإستيعاب (ط دار الجيل) ج٣ ص١٠٣٤ والطبقات الكبرى لابن سعد ج٢= = ص١٣٧ والكامل لابن عدي ج٤ ص١٣٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٨ ص٣٨٣ و ٣٨٨ و ٣٨٩ وأسد الغابة ج٣ ص٣٧٢ وسير أعلام النبلاء ج٣ ص١٢ وميزان الإعتدال ج٢ ص٥١٠ وذكر أخبار إصبهان ج١ ص٢٤٨ وإمتاع الأسماع ج١ ص٣٩٤ وج١٣ ص٣٨٤ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٤ ص٨٣ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٧ ص٢٨٢ وكنز العمال ج١٢ ص٢٢٢ وكشف الخفاء ج١ ص٣٧٤ وتفسير الواحدي ج١ ص٢٧٠ وتفسير الآلوسي ج٥ ص٦٣ وتفسير السمعاني ج١ ص٤٤٠ والدر المنثور ج٢ ص١٧٥ والمحرر الوجيز ج٢ ص٧٠ وتفسير الرازي ج١٠ ص١٣٨ والجامع لأحكام القرآن ج٥ ص٢٥٦ وتفسير الثعالبي ج١ ص١٠٤ وج٢ ص٢٥٢.

٢٨٦

وعن الزهري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج من البيت قال علي (عليه السلام): (إنا أُعطينا النبوة والسقاية والحجابة، ما قوم بأعظم نصيباً منَّا).

فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع المفتاح إليه وقال: (غيبوه)(١). فلذلك يغيب المفتاح(٢).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٤ و ٢٤٥ عن عبد الرزاق، والطبراني. ومواهب الجليل ج٤ ص٥١١ ومجمع الزوائد ج٦ ص١٧٧ والمصنف للصنعاني ج٥ ص٨٤ والمعجم الكبير للطبراني ج٩ ص٦٢ وكنز العمال ج١٤ ص١٠٨ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٨ ص٣٩٠.

٢- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٤ عن الفاكهي، ومواهب الجليل ج٤ ص٥١١= = وفتح الباري ج٨ ص١٥ والمعجم الكبير للطبراني ج٢ ص١٢٥ وكنز العمال ج١٤ ص١٠٧.

٢٨٧

وعند الحلبي: أن علياً (عليه السلام) أخذ المفتاح وقال: يا رسول الله، إجمع لنا الحجابة مع السقاية.

فقال (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): أكرهت وآذيت، وأمره (صلى الله عليه وآله) أن يرد المفتاح على عثمان ويعتذر إليه، فقد أنزل الله في شأنك. أي أنزل الله عليه ذلك وهو في جوف الكعبة. وقرأ عليه الآية، ففعل ذلك علي)(١).

وسياق هذه الرواية يدل: على أن علياً كرم الله وجهه أخذ المفتاح على أن لا يرده لعثمان، فلما نزلت الآية أمره (صلى الله عليه وآله) أن يرد المفتاح لعثمان..(٢).

وعن ابن جريح، عن ابن مليكة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح: (إنما أعطيتكم ما تُرزؤون، ولم أعطكم ما تَرزؤون).

يقول: (أعطيتكم السقاية، لأنكم تغرمون فيها، ولم أعطكم حجابة البيت).

١- السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٠ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٥٢ وتخريج الأحاديث والآثار ج١ ص٣٢٩ وأسباب نزول الآيات ص١٠٥ وتفسير البغوي ج١ ص٤٤٤ والعجاب في بيان الأسباب ج٢ ص٨٩٣ وتفسير أبي السعود ج٢ ص١٩٣.

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٠ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٥٢.

٢٨٨

قال عبد الرزاق: أي أنهم يأخذون من هديته(١).

وعند الحلبي: إنما أعطيكم ما تبذلون فيه أموالكم للناس، أي وهو السقاية، لا ما تأخذون منه من الناس أموالهم، وهي الحجابة، لشرفكم، وعلو مقامكم(٢).

واللافت هنا: أن الواقدي يذكر نفس هذه القضية، بعين ألفاظها، وينسبها إلى العباس، لا إلى علي (عليه السلام)(٣).

وحديث طلب العباس من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجمع لبني هاشم السقاية والحجابة مروي عن ابن أبي مليكة أيضاً(٤).

١- المصنف للصنعاني ج٥ ص٨٤ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٥ عن عبد الرزاق، والمعجم الكبير للطبراني ج٩ ص٦٢ ومجمع الزوائد ج٦ ص١٧٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٨ ص٣٨٧ وفتح الباري ج٣ ص٣٩٣ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٥.

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٠ و (ط دار المعرفة) ج٣ ص٥٢.

٣- راجع: المغازي ج٢ ص٨٣٣ وتاريخ الخميس ج٢ ص٨٥ عن البحر العميق.

٤- راجع: المصنف للصنعاني ج٥ ص٨٥ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٤٥ عنه، وراجع عن غير أبي مليكة: كنز العـمال ج١٤ ص١٠٨ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٨ ص٣٨٧ و ٣٨٩ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٣ ص٥٢ وتفسير ابن زمنين ج١ ص٣٨١ وفتح الباري ج٣ ص٣٩٣ وزاد المسير ج٢ ص١٤٣ وتفسير القرآن العظيم ج١ ص٥٢٨ وتنوير المقباس ص٧٢ والعجاب في بيان = = الأسباب ج٢ ص٨٩٢ والدر المنثور ج٢ ص١٧٤ ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص٧١ و (ط دار الكتب العلمية) ص٦٠ وتفسير الآلوسي ج٥ ص٦٣ وكتاب المنمق لابن حبيب ص٢٨٧.

٢٨٩

ونقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة، نذكر منها ما يلي:

أكرهت وآذيت:

تقدم أنهم زعموا: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام)، حين طلب منه أن يجمع لهم الحجابة إلى السقاية: أكرهت وآذيت، وأمره أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة.

ونقول:

أولاً: تقدم: أن عثمان بن طلحة هو الذي قال لعلي (عليه السلام) أكرهت وآذيت، فإنه لما تمنع عثمان من دفع المفتاح إليه لحقه إلى سطح الكعبة ولوى يده، وأخذ المفتاح منه..

ثانياً: حتى لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي قال ذلك لعلي (عليه السلام)، فإنه لا غضاضة فيه عليه، لأنه إكراه وأذى يحبه الله ورسوله، لأنه جاء في سياق تنفيذ أمر الرسول الذي كان عثمان بن طلحة بصدد التمرد عليه، وهو ذنب كبير يدعو علياً (عليه السلام) إلى فرض الطاعة عليه..

ثالثاً: اعطاء المفتاح لبني شيعته يجعل لهم نوع ولاية نصرف فيه.. مع

٢٩٠

أنه تعالى قال: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَ المُتَّقُونَ}(١).

أعطيتكم ما ترزؤون:

وقد قرر (صلى الله عليه وآله): أنه أعطى بني هاشم، ما يوجب بذل أموالهم فيه، وهو السقاية.. أما الحجابة فأعطاها لبني شيبة، لأنها تجلب لهم المنافع، لأنه (صلى الله عليه وآله) أراد بذل هذه المنافع لهم، لكي يتألفهم على الإسلام، ويسلّ سخيمتهم، ولو أنه أعطى الحجابة لبني هاشم، لوجد الحاسدون والطامعون، والمفسدون والمنافقون الفرصة لتعميق الشرخ بين هؤلاء وهؤلاء، وربما يتهمون النبي (صلى الله عليه وآله) بمحاباة أهل قرابته، وابتغاء المنافع لهم، وتخصيصهم بالمغانم، والمناصب.

والعباس، وإن كان يفكر بأن يستفيد من الحجابة، ويحصل على بعض المنافع، ولكن علياً لم يكن يفكر بهذه الطريقة حين طلب الحجابة، بل أراد أن يهيء الجو لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ليظهر هذه الحقيقة، حتى لا يشعر بنو شيبة، أو غيرهم بأن إعطاءه الحجابة لهم يدل على تميزهم في الدين، وعلى أن لهم موقعاً دينياً، استحقوه دون بني هاشم، أو لأجل خصوصيات وخصال خير، كامنة في حقيقة ذاتهم.. مثل الطهارة، أو الإخلاص، أو العلم، أو ما إلى ذلك..

١- الآية ٣٤ من سورة الأنفال.

٢٩١

الأمر بأداء الأمانات:

وتقدم: أن قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(١) نزل في مناسبة إعطاء مفتاح الكعبة لبني شيبة.

غير أننا نقول:

١ ـ إن هذه الآية وردت في سورة النساء التي انتهى نزولها قبل فتح مكة بعدة سنوات..

ودعوى أن الآية ألحقت في موضعها من تلك السورة في فتح مكة.. لا شاهد لها، ولا دليل عليها سوى الإدعاء والتحكُّم.

٢ ـ عن زيد بن أسلم، قال: أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر، وفي من ولي من أمور الناس شيئاً(٢).

٣ ـ عن شهر بن حوشب قال: (نزلت في الأمراء خاصة {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا})(٣).

١- الآية ٥٨ من سورة النساء.

٢- الدر المنثور ج٢ ص١٧٥ عن ابن المنذر وآخرين، والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٧١ وراجع: التبيان للطوسي ج٣ ص٢٣٣ وجامع البيان ج٥ ص٢٠٠ وتفسير ابن أبي حاتم ج٣ ص٩٨٦ وأحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٢٥٩ وتفسير العز بن عبد السلام ج١ ص٣٣٠.

٣- الدر المنثور ج٢ ص١٧٥ عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، وراجع: عمدة القاري ج١٢ ص٢٢٧ وتفسير ابن أبي حاتم ج٣ ص٩٨٦ وتفسير القرآن العظيم ج١ ص٥٢٨.

٢٩٢

٤ ـ عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، قال: يعني السلطان، يعطون الناس.

تناقضات تحتاج إلى حل:

إن الروايات التي ذكرت أن علياً (عليه السلام) طلب الحجابة لنفسه، أو لبني هاشم تحتاج إلى تمحيص، لأنها تعاني من إشكالات، تصعِّب على الباحث الإطمئنان إلى صحتها، فلاحظ ما يلي:

١ ـ ذكرت إحدى تلك الروايات: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أعطى المفتاح لعثمان بن طلحة، ثم طلبه علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان المفتاح في يده فأعطاه إلى عثمان في هذه اللحظة.

وروايات أخرى تقول: بل إن علياً (عليه السلام) ذهب إليه، وأخذ المفتاح منه بالقوة.

فهل أخذ عثمان المفتاح قبل طلب علي (عليه السلام) أم بعده؟!

ويمكن الجواب بأنه بعد أن أخذ علي (عليه السلام) المفتاح من عثمان، حضر إلى مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجرى ما جرى.

٢ ـ هل قال النبي (صلى الله عليه وآله) أدعو لي عثمان، فدعوه، فأعطاه المفتاح، حين طلب علي الحجابة، أم أعطاه إياه حين كلمه العباس؟!

وقد يجاب: بأن علياً (عليه السلام) والعباس قد كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر، على التوالي، فأرسل إلى عثمان، فأعطاه المفتاح.

٢٩٣

٣ ـ هل نزلت آية الأمر بأداء الأمانات لحظة استلام النبي (صلى الله عليه وآله) المفتاح قبل دخول الكعبة؟! أم نزلت حين كان النبي (صلى الله عليه وآله) داخل الكعبة؟!

٤ ـ هل طلب العباس من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجعل الحجابة له، قبل دخوله (صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة؟! أم كان ذلك بعد خروجه منها؟!

٥ ـ ومما يؤكد الشبهة في صحة ما نسب لعلي (عليه السلام): أن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن طمس الصور في داخل الكعبة أخذ بعضادتي بابها وخطب، وقال في خطبته: (إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما).

فكيف يصح من العباس أن يطلب السدانة والسقاية بعد ذلك؟! أي بعد أن وضع مفتاح الكعبة في كمه، وتنحى ناحية المسجد، ورد الحجابة والسقاية إلى أهليهما.

٦ ـ ينسب إلى علي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أعطينا النبوة، والسقاية والحجابة.. ما قوم بأعظم نصيب منا.. مع أن الروايات المتقدمة تقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يعطه الحجابة..

٧ ـ على أنه لو كانت الحجابة حقاً لبني شيبة، فلماذا يرسل النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) ليأخذ المفتاح منه رغماً عنه؟!.. ألا يدل ذلك على أنه كان غاصباً لما لا حق له به؟!، وقد استرجعه منه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بواسطة علي (عليه السلام).

٢٩٤

٨ ـ وفي جميع الأحوال نقول:

إن كانت الحجابة حقاً لبني شيبة، فإن حشر اسم علي (عليه السلام) في هذه القضية، يكون في غير محله، ولا بد من البحث عن مبررات ذلك، فلعله يراد إظهاره (عليه السلام) طامعاً بأمر دنيوي، ليتساوى مع غيره في هذه الجهة.. ولعله.. ولعله..

وإن كانت الحجابة لبني هاشم، فلا بد أن يكونوا قد تنازلوا عنها تكرماً وتفضلاً لمصلحة حاضرة، مثل التأليف بطلب من رسول الله (صلى الله عليه وآله). ويكون أخذ المفتاح من عثمان بن أبي شيبة في بداية الأمر في محله..

وبذلك لا يبقى مجال للقول: بإن الروايات قد دلت على أن الحجابة لم تعط لبني هاشم. ولعله استعادها من بني شيبة، وردها لبني هاشم أصحابها الحقيقين.

بل قد يقال: إن المقصود بكلام علي (عليه السلام) هو أن أمر الحجابة والسقاية أصبح لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولبني هاشم، ولهم هم أن يعطوه لهذا ثم ينتزعونه منه ليعطوه لغيره..

فإعطاء الحجابة لبني شيبة ليس معناه سقوط حق بني هاشم فيها..

أو يقال: المقصود هو: أن أمر الحجابة يعود البت فيه لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيصح لبني هاشم أن يقولوا: أعطينا الحجابة، كما صح لهم أن يقولوا: أعطينا النبوة، مع أن النبوة خاصة برسول الله (صلى الله عليه وآله) دون كل أحد..

٢٩٥

مفاخرة شيبة والعباس وعلي (عليه السلام):

عن ابن عباس، وعن الحارث الأعور قالا: افتخر شيبة بن عبد الدار والعباس بن عبد المطلب، فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة، نفتحها إذا شئنا، ونغلقها إذا شئنا، فنحن خير الناس بعد رسول الله.

وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فنحن خير الناس بعد رسول الله، (فقال: ظ) إذ مر عليهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأراد أن يفتخر، فقالا له: يا أبا الحسن! أنخبرك بخير الناس بعد رسول الله؟! ها أنا ذا.

فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة، نفتحها إذا شئنا ونغلقها إذا شئنا، فنحن خير الناس بعد النبي.

وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فنحن خير الناس بعد رسول الله.

فقال لهما أمير المؤمنين (عليه السلام): ألا أدلكما على من هو خير منكما؟!

قالا له: ومن هو؟!

قال: الذي ضرب رقبتكما حتى أدخلكما في الإسلام قهراً.

قالا: ومن هو؟!

قال: أنا.

فقام العباس مغضباً حتى أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره

٢٩٦

بمقالة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلم يرد النبي (صلى الله عليه وآله) شيئاً.

فهبط جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد! إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ..}(١).

فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) العباس، فقرأ عليه الآية، وقال: يا عم قم فاخرج، هذا الرحمان، يخاصمك في علي بن أبي طالب (عليه السلام)(٢).

ولكن نصاً آخر عن السدي يقول:

(قال عباس بن عبد المطلب: أنا عم محمد (صلى الله عليه وآله) وأنا صاحب سقاية الحاج، فأنا أفضل من علي [بن أبي طالب. أ].

[و] قال عثمان بن طلحة وبنو شيبة: نحن أفضل من علي [بن أبي طالب. أ، ر] فنزلت هذه الآية: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ

١- الآية ١٩ من سورة التوبة.

٢- تفسير فرات ص١٦٥ و ١٦٦ وراجع ص١٦٧ و ١٦٨ وبحار الأنوار ج٣٦ ص٣٦ عنه، والفصول المهمة لابن الصباغ ص١٢٤ والبرهان (تفسير) ج٣ ص٣٨٤ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٦٩ و (ط المكتبة الحيدرية) ج١ ص٣٤٣ وتفسير العياشي ج٢ ص٨٩ وشجرة طوبى ج١ ص١٥٣ وراجع: تفسير نور الثقلين ج٢ ص١٩٤ وشواهد التنزيل ج١ ص٣٢٩ وتأويل الآيات ج١ ص٢٠٠ وغاية المرام ج٤ ص٧٦ ومجمع البيان ج٥ ص٢٧ و ٢٨ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١٤ ص٦٠٩ وسفينة النجاة للتنكابني ص٣٦٠.

٢٩٧

الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ} علي بن أبي طالب [(عليه السلام). ب] {لَا يَسْتَوُونَ..}، {الَّذِينَ آَمَنُوا} علي {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ}(١))(٢).

عن جعفر عن أبيه [(عليهما السلام). ر] قال: لما فتح النبي [ر: رسول الله] (صلى الله عليه وآله) مكة أعطى العباس السقاية، وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة، ولم يعط علياً شيئاً.

فقيل لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): إن النبي (صلى الله عليه وآله) أعطى العباس السقاية، وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة، ولم يعطك شيئاً.

قال: [فقال. ر، ب]: ما أرضاني بما فعل الله ورسوله.

[قال: أ، ب] فأنزل الله [تعالى هذه الآية: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ..} إلى {أَجْرٌ عَظِيمٌ}(٣)، نزلت في علي بن أبي طالب (عليه

١- الآيات ١٩ ـ ٢١ من سورة التوبة.

٢- تفسير فرات ص١٦٧ وبحار الأنوار ج٣٦ ص٣٧ عنه، وراجع ج٤١ ص٦٣ وشواهد التنزيل للحسكاني ج١ ص٣٢٥ و ٣٢٧ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١٤ ص٦٠٨ وجامع البيان ج١٠ ص١٢٤.

٣- الآيات ١٩ ـ ٢٢ من سورة التوبة.

٢٩٨

السلام)(١).

ونقول:

إن ملاحظة الروايات المختلفة يعطي:

اختلاف الروايات:

إن ثمة اختلافاً في بعض نصوص الرواية مثل: أن علياً (عليه السلام) مر على المتفاخرين، فأرادا أن يفتخرا عليه، فقال لهما: إنه خير منهما، لأنه ضرب رؤوسهما حتى أدخلهما في الإسلام قهراً. كما في رواية الحارث الأعور وابن عباس.

١- تفسير فرات ص١٦٨ و ١٦٩ وبحار الأنوار ج٣٦ ص٣٧ عنه. وقصة الإفتخار هذه مروية عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام، وعبيد الله بن عبدة، وعروة وجابر، وعن الكلبي والحارث الأعور، والسدي. ورواها السيوطي في الدر المنثور ج٣ ص٢١٨ عن ابن مردويه، وعبد الرزاق، وابن عساكر، وأبي نعيم، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن جرير، وابن أبي شيبة عن ابن عباس، وأنس، والشعبي، والحسن القرظي، وأسباب نزول الآيات ص١٨٢ عن بعض هؤلاء، ونقله في ينابيع المودة عن النسائي وجماعة آخرين. وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج٨ ص٩١ والتفسير الكبير للرازي ج٤ ص٤٢٢ وتفسير الخازن ج٢ ص٢٢١ وتفسير النسفي ج٢ ص٢٢ والفصول المهمة لابن الصباغ ص١٢٣ وتفسير القرآن العظيم، ونظم درر السمطين، وغير ذلك.

٢٩٩
٣٠٠