×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج05 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

تقدم، لكن رواية لفرات عن الإمام الصادق (عليه السلام) تقول: لما فتح النبي مكة أعطى العباس السقاية، وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة، ولم يعط علياً شيئاً.

فقيل لعلي: لم يعطك النبي (صلى الله عليه وآله) شيئاً.

قال: ما أرضاني بما فعل الله ورسوله..

فأنزل الله تعالى: الخ..

وقد يقال: إن هذه الروايات غير متناقضة، فلعل كل ذلك قد حصل..

لكن التدقيق يعطي: أن الاختلاف موجود، فإن إحدى الروايات تقول: إن المفاخرة كانت مع شيبة بن عبد الدار، أو طلحة بن شيبة، أو شيبة بن طلحة، أو شيبة بن أبي طلحة، حسب اختلاف الروايات الناشئ من اشتباه الرواة بالاسم، أو من النسبة إلى الجد تارة، وإلى الأب أخرى، أو الإستفادة من الاسم في مورد، ومن الكنية في مورد آخر، وما إلى غير ذلك..

نعود فنقول:

إن المفاخرة هل كانت بين شيبة المذكور آنفاً والعباس مع علي (عليه السلام)، أو أن المفاخرة كانت بين العباس وعلي فقط(١).

١- الدر المنثور ج٣ ص٢١٨ والعمدة لابن البطريق ص١٩٣ و ١٩٤ والطرائف ص٥٠ وراجع: ينابيع المودة ص٩٣ والمناقب لابن المغازلي ص٣٢١ و ٣٢٢ ومجمع البيان ج٥ ص١٥ ونور الثقلين ج٢ ص١٩٤ والبرهان (تفسير) ج٣ ص٣٨٤ وتفسير المنار ج١٠ ص٢١٥.

٣٠١

وبعض الروايات زادت: حمزة وجعفراً(١).

وحديث المناشدة يوم الشورى وبعده، وشهادتهم لعلي بذلك(٢). لا يدل على عدم صحة إضافة الحمزة وجعفر، لأن المطلوب هو بيان أنه لم يكن في الشورى غير علي (عليه السلام)، وليس المطلوب حصر نزول الآية به نفي نزولها في حمزة وجعفر.

وثمة مفارقة أخرى بين الروايات، وهي: أن بعضها ذكر أن المفاخرة كانت بين بني شيبة، وبين بني العباس(٣).

الآية.. والإمامة:

وفيما يرتبط بالإمامة نلاحظ:

أولاً: أن علياً (عليه السلام) قد فضل نفسه على العباس (رحمه الله)، وطلحة بن شيبة (أو على شيبة) بما يقتضي أفضليته (عليه السلام) على الأمة بأسرها، حيث قال لهما: أنا أول الناس إيماناً، وأكثرهم جهاداً.

١- الكافي ج٨ ص٢٠٤ وبحار الأنوار ج٣٦ ص٣٥ ونور الثقلين ج٢ ص١٩٣ وغاية المرام ج٤ ص٧٤.

٢- الإحتجاج للطبرسي ج١ ص٢٠٢ وبحار الأنوار ج٣١ ص٣٣٦ وتفسير البرهان ج٣ ص٣٨٣ ونور الثقلين ج٢ ص١٩٤ ومصباح البلاغة للميرجهاني ج٣ ص٢٢١ والمسترشد للطبري ص٣٥٢ وغاية المرام ج٢ ص١٣٢.

٣- تفسير فرات ص١٦٨ والدر المنثور ج٣ ص٢١٨.

٣٠٢

ثم جاءت الآية لتؤكد صحة هذا التفضيل، وتلوم وتقرع من ينكره، فإذا كان (عليه السلام) هو أفضل الأمة، فيكون هو الأحق بالإمامة.

ثانياً: إن الآية التي بعدها، والتي جاءت للتأكيد على مضمونها تضمنت البشارة الإلهية لهذا المؤمن المجاهد برحمة من الله، وبرضوان، وبجنات لهم فيها نعيم مقيم..

ولا يكون هذا إلا لأعظم الناس عناء وفضلاً، والتزاماً بالطاعات، وعصمة لنفسه من المعاصي والمحرمات، إذ لا يمكن أن يعطى ذلك لمن لا يؤمَنُ أن يعصي الله، لأن إعطاءه الأمان يتضمن تشجيعاً له على الحرام، ولا يبقى شيئاً يحجزه عن المعصية.

فالبشارة بالجنة لا تعطى إلا لمن يعلم أن لديه ملكة تحجزه عن المعاصي حتى الصغائر، فكيف إذا كانت المعاصي من الكبائر، وقد تصل إلى حد غصب الخلافة، وشن الحروب على الإمام الحق كما جرى في حربي الجمل وصفين؟!

وهذا يدل على عدم صحة بشارة طلحة والزبير بالجنة، وكذلك الحال بالنسبة لمن قعد عن دفع البغاة على إمام زمانهم.

بين السقاية والعمارة، وبين الإيمان:

إن الآية قابلت بين السقاية والعمارة، وبين الشخص الذي آمن.. ولكن البعض حاول تفسير الآية، فقال: لا معنى لهذه المقابلة إذا أُبقي المعنى على ظاهره، لأن الإنسان لا يقابل بعمل من الأعمال كالسقاية، بل يقابل العمل بالعمل، أو الإنسان ذي العمل بإنسان آخر ذي عمل.

٣٠٣

وذلك يدل: على أنه لا بد من تقدير الكلام بحيث يكون على هذا النحو: أجعلتم أهل سقاية الحاج، وأهل عمارة المسجد، كمن آمن؟! فصارت المقابلة بين إنسانين، فاستقام بذلك السياق.

ونقول:

أولاً: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن التعبير القرآني لم يجعل العمارة والسقاية مقابل المؤمن بالله، ليرد ما أوردوه، بل جعل هذين الفعلين الإختياريين مقابل شخص صدر منه هذا الفعل الإختياري أيضاً..

وإذا كان الفعلان الإختياريان، وهما: السقايةن والعمارة، يراد توصيف الشخص بهما، لإثبات فضيلة وشرف له. فتكون المقابلة الحقيقية بين شخص له عمل السقاية أو العمارة الإختياريين، وبين شحص آخر له عمل إختياري آخر، هو الإيمان والجهاد..

أو يقابل بين عملين: أحدهما: السقاية والعمارة. والآخر: الإيمان والجهاد..

ولعل هذا هو الأولى والأقرب، إن لم نقل: إنه هو الأصوب.

ثانياً: يلاحظ: أنه تعالى قد قابل بين أمرين حازهما علي (عليه السلام)، وهما: الإيمان والجهاد، وأمرين آخرين لم يجمعهما شخص واحد، وهما: السقاية للعباس، والعمارة لشيبة.. وبذلك يكون (عليه السلام) قد امتاز على كل واحد منهما: من حيث الشكل، فجمع خصوصيتين مقابل خصوصية واحدة لهذا، وأخرى لذاك.

ومن حيث المضمون، لدلالة الآية على أن عملهما لم يكن فيه شيء لله،

٣٠٤

بل هو عمل دنيوي جاهلي محض، خال من أية نفحة إلهية، أو أي نظرة إلى اليوم الآخر..

ثالثاً: يلاحظ أيضاً: أن مستوى التضحية في السقاية والعمارة لا يصل إلى مستوى البذل في الجهاد، الذي تبذل فيه الأرواح، ويقصد به الله واليوم الآخر، ويكون منطلقاً من هذا الإيمان، ولا يراد به الدنيا.

رابعاً: يلاحظ: أن الآية ذكرت السقاية والعمارة من دون إشارة للساقي والعامر، لأن المطلوب بيان: أن هذه السقاية خاوية من المعنى الروحي، فهي على حد أفعال أهل الجاهلية.. فلا داعي لفضح الناس بأن ينسبب لهم هذا الأمر الذي يعد منقصة، لأنهم صاروا في جملة المسلمين، الذين يريد تعالى حفظ ماء وجههم، وتهيئة الأجواء لهم، لتصفية نفوسهم، وتزكيتها وإصلاحها..

ولكنه تعالى حين ذكر الطرف الآخر، وهو المجاهد الباذل لنفسه في الله، أشار إلى شخصه، وجعله هو طرف الموازنة، والمقارنة، ليدل على مزيته وفضله، وعظيم منزلته، وسامق مقامه.

حديث النعمان بن بشير:

عن النعمان بن بشير الأنصاري، قال: كنت عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألَّا أعمل عملاً بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج.

وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام.

٣٠٥

وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم.

فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه.

قال: (فدخل بعد الصلاة، فاستفتاه)، فأنزل الله تبارك وتعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ..} إلى قوله: {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(١))(٢).

قال السيد رشيد رضا بعد ذكره للروايات المختلفة: (والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده، وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات، من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه من

١- الآية ١٩ من سورة التوبة.

٢- الفصول المئة ج٢ ص١٨٩ و ١٩٠ وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج٦ ص٣٦ والمعجم الأوسط ج١ ص١٣٤ ومسند الشاميين ج٤ ص١٠٨ وتفسير القرآن للصنعاني ج٢ ص٢٦٨ وجامع البيان ج١٠ ص١٢٢ وتفسير ابن أبي حاتم ج٦ ص١٧٦٧ والجامع لأحكام القرآن ج٨ ص٩٢ ومسند أحمد ج٤ ص٢٦٩ والسنن الكبرى للبيهقي ج٩ ص١٥٨ وراجع: تفسير المنار ج١٠ ص٢١٥ وجامع البيان ج١٠ ص١٢٢ وتفسير القرآن العظيم ج٢ ص٣٥٥ والدر المنثور ج٣ ص٢١٨ ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص١١٥ و (ط دار الكتب العلمية) ص١٠٢ وفتح القدير ج٢ ص٣٤٥ وتفسير الآلوسي ج١٠ ص٦٧.

٣٠٦

أعمال البر البدنية الهينة المستَلَذَّة، وبين الإيمان، والجهاد بالمال، والنفس والهجرة. وهي أشق العبادات النفسية، البدنية، المالية. والآيات تتضمن الرد عليها كلها الخ..(١).

ونقول:

ذكر بعض العلماء الأمور التالية:

أولاً: إن الآيات لم تقارن بين ثلاثة أطراف هي: الجهاد، وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وإنما فاضلت بين طرفين هما: سقاية الحاج، وعمارة المسجد من جهة.. وبين الإيمان بالله، واليوم الآخر والجهاد من جهة أخرى.. أي أن القرآن يريد أن يبطل المقارنة بين هذين الأمرين.

فرواية النعمان بن بشير لا تنسجم مع مضمون الآية.

ثانياً: إن الآية تعتبر أن من يقوم بهذه المفاضلة ظالم معتدٍ، محروم من هداية الله سبحانه.. الأمر الذي يشير إلى أن الإفتخار إنما هو بما كان يحصل في الجاهلية، وهو السقاية والعمارة التي لا يقصد بها الله تعالى..

ورواية النعمان تتحدث عن المفاضلة بين السقاية، التي يقصد بها لله تعالى، والحجابة التي يقصد بها الله تعالى أيضاً، وكذلك الحال بالنسبة للجهاد في سبيل الله تعالى..

فلا يوجد ظلم في سقاية وحجابة كهذه، لكي يصح قوله تعالى: {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

١- تفسير المنار ج١٠ ص٢١٦.

٣٠٧

وهذا دليل قاطع على أن حديث النعمان ـ إن صح ـ فلا ربط له بالآية.

ثالثاً: إن النعمان بن بشير لا يؤتمن على كل ما له مساس بعلي (عليه السلام)، فهو حامل قميص عثمان إلى معاوية(١). وهو عامل يزيد بن معاوية على الكوفة(٢). وقد سماه النبي (صلى الله عليه وآله) غدر، لأنه أعطاه عنقوداً ليوصله إلى أمه، فأكله، ولم يوصله إليها(٣).

ولعلك تقول: إن قوله تعالى بعد هذه الآية يدل على أن الكلام عن

١- مروج الذهب، والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٧ ص٢٥٥ والفصول المهمة لابن الصباغ ج١ ص٣٥٣ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٩٢.

٢- راجع: أنساب الأشراف ص٧٧ والإرشاد للمفيد ج٢ ص٤١ وبحار الأنوار ج٤٤ ص٣٣٦ وروضة الواعظين ص١٧٣ والعوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص١٨٥ وعمدة القاري ج٦ ص١٩٩ وتاريخ مدينة دمشق ج٦٢ ص١٢٢ وراجع: ينابيع المودة ج٣ ص٥٦ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج٢ ص٤ والامامة والسياسة (تحقيق الشيري) ج٢ ص٨ وإعلام الورى ج١ ص٤٣٧ ومطالب السؤول ص٣٩٥ وكشف الغمة ج٢ ص٢٥٣ والفصول المهمة لابن الصباغ ج٢ ص٧٨٩.

٣- سنن ابن ماجة ج٢ ص١١١٧ والمعجم الأوسط ج٢ ص٢٥٣ وتهذيب الكمال ج١٧ ص٢٨١ والوافي بالوفيات ج٢٧ ص٨٦ وسبل الهدى والرشاد ج٧ ص٢٠٥ والإستيعاب (ط دار الجيل) ج٤ ص١٤٩٧ وقاموس الرجال للتستري ج١٠ ص٣٧٥.

٣٠٨

السقاية والحجابة عمل جيد وحسن أيضاً، لكن الجهاد أفضل وأحسن، فلاحظ عبارة: (أعظم درجة) في قوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}(١).

ونجيب:

إن هذا التعبير بكلمة (أعظم) لا يدل على وجود حسن في المفضل عليه أصلاً، فإن المقارنة والمفاضلة تصح بين عملين أحدهما في غاية الحسن، والآخر خال من ذلك بصورة نهائية، وشاهدنا على ذلك قوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ}(٢)، وقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}(٣) مع أن مسجد الضرار لا يصح القيام فيه، وقال: {وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(٤)..

والآيات التي تعتبر بعض الأعمال خيراً من بعضها الآخر كثيرة جداً، فراجع المعجم المفهرس كلمة (خير)، لتجد أنها تستعمل في الآيات الشريفة للتفضيل حتى في مقابل خير موهوم في الطرف الآخر، أو في مقابل نفع دنيوي زائل.

١- الآية ٢٠ من سورة التوبة.

٢- الآية ٢٢١ من سورة البقرة.

٣- الآية ١٠٨ من سورة التوبة.

٤- الآية ٧٣ من سورة طه.

٣٠٩

متى نزلت الآية؟!:

وقد أظهرت الروايات: أن حديث المفاخرة هذا قد كان بعد فتح مكة، وبعد أن جعل النبي (صلى الله عليه وآله) السقاية للعباس (رحمه الله)، والحجابة لبني شيبة..

وإنما أسلم شيبة الذي كان يتولى عمارة المسجد بعد الفتح. فكيف تكون طرفاً في المفاخرة المذكورة. فراجع.

حمزة وعمارة المسجد:

١ ـ ذكرت رواية صحيحة السند، رواها علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (نزلت في علي والعباس وشيبة، قال العباس: أنا أفضل لأن سقاية الحاج بيدي.

وقال شيبة: أنا أفضل، لأن حجابة البيت بيدي.

وقال حمزة: أنا أفضل، لأن عمارة البيت بيدي.

وقال علي: أنا أفضل؛ فإني آمنت قبلكما، ثم هاجرت وجاهدت، فرضوا برسول الله (صلى الله عليه وآله).

فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ..} إلى قوله: {إِنَّ اللهَ

٣١٠

عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}(١))(٢).

٢ ـ رواية أخرى صحيحة السند رواها الكليني، عن أبي علي الأشعري، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}(٣) نزلت في حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة، إنهم فخروا بالسقاية والحجابة، فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}.

وكان علي وحمزة وجعفر (صلوات الله عليهم) الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله(٤).

١- الآيات ١٩ ـ ٢٢ من سورة التوبة.

٢- تفسير القمي ج١ ص٢٨٣ والبرهان (تفسير) ج٣ ص٣٨٢ وتفسير نور الثقلين ج٢ ص١٩٣ وبحار الأنوار ج٢٢ ص٢٨٩ وج٣٦ ص٣٤ والتفسير الأصفى ج١ ص٤٥٧ والتفسير الصافي ج٢ ص٣٢٨ وتأويل الآيات ج١ ص٢٠١ ومجمع البحرين ج٢ ص٣٨٨ وغاية المرام ج٤ ص٧٤.

٣- الآية ١٩ من سورة التوبة.

٤- الكافي ج٨ ص٢٠٤ وبحار الأنوار ج٣٦ ص٣٦ وتفسير نور الثقلين ج٢ ص١٩٣ وتفسير الميزان ج٩ ص٢١٥ وغاية المرام ج٤ ص٧٤ والبرهان (تفسير) ج٣ ص٣٨٢ وقريب منه في تفسير العياشي ج٢ ص٨٩.

٣١١

ونقول:

لا يمكن قبول هذه الرواية بالرغم من صحة سندها.

أولاً: لأن الآية تتحدث عن المؤمن المهاجر المجاهد في سبيل الله تعالى. كما أن الرواية ذكرت: أن علياً (عليه السلام) آمن قبلهم، ثم هاجر وجاهد.. فتكون الآية ـ بناء على هذا ـ قد نزلت بعد الهجرة.

فإذا كان شيبة قد أسلم قبل الفتح، أي في السنة الثامنة للهجرة(١)، بل هو قد أراد أن يغتال النبي (صلى الله عليه وآله) يوم حنين، فقذف الله الرعب في قلبه(٢)، فإن الإشكال في الرواية يصبح واضحاً، لأن حمزة قد استشهد في واقعة أحد في سنة ثلاث بعد الهجرة.. ولم يجتمع هؤلاء الأربعة

١- الإصابة ج٢ ص١٦١ و (ط دار الكتب العلمية) ج٣ ص٢٩٨ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٥٥١ وراجع: المعجم الكبير ج ٧ ص ٢٩٧ وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص١٦٨ والأعلام للزركلي ج٣ ص١٨١ والأنساب للسمعاني ج٣ ص٤٨٧ .

٢- الإصابة ج٢ ص١٦١ و (ط دار الكتب العلمية) ج٣ ص٢٩٩ عن ابن أبي خيثمة، عن مصعب النميري، وذكره ابن إسحاق في المغازي، وأخرجه ابن سعد عن الواقدي، وذكره البغوي. وراجع: بحار الأنوار ج٢١ ص١٦٦ وتفسير القرآن العظيم ج٢ ص٣٥٩ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٥٨٣ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٤ ص٣٨١ وإمتاع الأسماع ج١٤ ص١٦ وإعلام الورى ج١ ص٢٣١ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٦٣٢.

٣١٢

علي (عليه السلام) وحمزة، والعباس، وشيبة.

ولو كان شيبة مشركاً آنئذٍ، فلا معنى لأن يرضى بتحكيم رسول الله في هذه القضية.

ثانياً: لو كان الأمر كذلك، لكان حمزة (رضوان الله تعالى عليه) في جملة الظالمين، الذين يهديهم الله تعالى حسب نص الآية.. مع أن سيد الشهداء في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفضائله، وكلمات الرسول في حقه لا يجهلها أهل المعرفة والتتبع.

ثالثاً: إن رواية القمي جعلت حمزة في الفريق المناوئ لعلي (عليه السلام)!! وراواية الكليني جعلته مع علي (عليه السلام)!!

رابعاً: إن جعفراً لم يجتمع بحمزة بعد الهجرة، بل استشهد حمزة في واقعة أحد، وإنما قدم جعفر إلى المدينة من الحبشة في عام خيبر سنة ست..

خامساً: صرحت بعض الروايات: أن المفاخرة بين عباس وشيبة وعلي (عليه السلام) قد حصلت في مكة في المسجد الحرام، بعد أن أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفاتيح الكعبة لشيبة، والسقاية لعباس (رحمه الله).

٣١٣

الفصل الرابع:

تنفيذ أحكام وتولية حكام..

٣١٤
٣١٥

علي (عليه السلام) يلاحق الحويرث:

قالوا: كان الحويرث بن نقيدر يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد نخس بزينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما هاجرت إلى المدينة، فأهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه.

فبينما هو في منزله قد أغلق عليه بابه، سأل عنه علي بن أبي طالب (عليه السلام).

فقيل: هو بالبادية.

فأخبر الحويرث أنه يُطْلَبُ، فتنحى علي (عليه السلام) عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى آخر، فتلقاه علي (عليه السلام)، فضرب عنقه(١).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٢٤ وراجع: السيرة الحلبية ج٣ ص٨١ و ٩١ و (ط دار المعرفة) ص٣٨ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٣١ والمغازي للواقدي ج٢ ص٨٥٧ وتاريخ الخميس ج٢ ص٩٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٨ ص١٣ وإمتاع الأسماع ج١ ص٣٩٩ والإرشاد ج١ ص١٣٦ والمستجاد من كتاب الإرشاد ص٧٨ وفتوح البلدان ج١ ص٤٦ وسنن الدارقطني ج٢ ص٢٦٣ وتاريخ مدينـة دمشق = = ج٢ ص٣٢ وتهذيب الكمال ج١١ ص١١٤ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٣٣٦ والكامل في التاريخ ج٢ ص٢٥٠ وعيون الأثر ج٢ ص١٩٥ والبداية والنهاية ج٤ ص٣٤١ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٥٦٤ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج٢ ق٢ ص٤٤ وكشف الغمة ج١ ص٢١٨ ونهج الحق وكشف الصدق ص٢٥٠.

٣١٦

وقالوا أيضاً: كان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة، وأم كلثوم بنتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث، فرمى بهما الأرض(١).

وكان (يؤذي) يعظم القول في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وينشد الهجاء فيه، ويكثر أذاه وهو بمكة(٢).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٢٥ عن ابن هشام، وراجع: السير ة الحلبية ج٣ ص٩١ و (ط دار المعرفة) ص٣٨ وتاريخ الخميس ج٢ ص٩٢ عن الإكتفاء، والسيرة النبوية لابن هشام ج٤ ص٨٦٨ والبداية والنهاية ج٤ ص٣٤١ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٥٦٤ وتخريج الأحاديث والآثار ج٣ ص٤٥١.

٢- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٢٥ عن البلاذري، والسيرة الحلبية ج٣ ص٩١ والكامل في التاريخ ج٢ ص٢٥٠ وتاريخ الإسلام ج٤ ص١٨٤ والإرشاد ج١ ص١٣٦ وعيون الأثر ج٢ ص١٩٥ وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٠٦ وشرح إحقاق الحق ج٣٢ ص٣٠٦ وتخريج الأحاديث والآثار ج٣ ص٤٥٢ والدرر لابن عبد البر ص٢٢٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٨ ص١٣ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج٢ ق٢ ص٤٤ وأعيان الشيعة ج١ ص٤٠٩ وكشـف = = الغمة ج١ ص٢١٨ ونهج الحق وكشف الصدق ص٢٥٠.

٣١٧

ونقول:

أخطاء تحتاج إلى تصحيح:

تضمنت النصوص المتقدمة أخطاءاً تحتاج إلى تصحيح، وهي التالية:

الأول: إن الذي حمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسائر الفواطم، وبعض ضعفاء المؤمنين حين الهجرة من مكة إلى المدينة هو علي (عليه السلام)، وليس العباس بن عبد المطلب.

الثاني: إن التي تعرضت للأذى، ونخس بها البعير، وروعت، وجرى عليها ما جرى هي زينب، وليست فاطمة الزهراء، ولا أم كلثوم..

فما معنى قولهم: إن العباس حمل فاطمة، وأم كلثوم من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث؟!

الثالث: إن أم كلثوم ورقية لم يحملهما العباس ولا علي (عليه السلام) إلى المدينة.

الرابع: إن هبار بن الأسود هو الذي نخس بزينب، وأضافت بعض الروايات إليه الحويرث بن نقيدر.. فلعل هذه الرواية هي الصحيحة.

الخامس: ذكرنا: أن الأدلة تسوقنا إلى التأكيد على أن البنت الوحيدة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) هي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، أما أم كلثوم، ورقية، وزينب فقد تربين في بيت النبي، فصح إطلاق عنوان (بنات

٣١٨

النبي) عليهن لأجل ذلك(١)..

إستدراج الحويرث:

يلاحظ: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تحاشى مهاجمة الحويرث في بيته، واستدرجه ليخرج منه، والسبب في ذلك:

أولاً: قد يُخيَّل إلى بعض قاصري النظر أن قتل الحويرث في بيته نقض للأمان الذي أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس حيث تضمن: أن من أغلق بابه فهو آمن.. ويتحرك المغرضون للتشنيع على الإسلام وأهله، واتهام علي (عليه السلام) بنقض الأمان، واتهام النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه تغاضى عن هذا النقض، ومالأ عليه، إن لم يتخذ إجراء ضده (عليه السلام).

مع أن حقيقة الأمر هي:

أن النداء بأن من أغلق بابه فهو آمن لا يشمل الذين أهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمهم. والحويرث هذا منهم.

١- تاريخ الخميس ج٢ ص٩٢ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٢٤ والسيرة الحلبية ج٣ ص٨١ و ٩١ والمغازي للواقدي ج٢ ص٨٥٧ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٣١ ونيل الأوطار ج٨ ص٧٥ وفتح الباري ج٦ ص١٠٤ ونصب الراية ج٤ ص٢٦٣ والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج٢ ص١٢٠ وسير أعلام النبلاء ج٢ ص٢٤٧ ومقدمة فتح الباري ص٢٨٨ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٠ ص٥٢٦ والإصابة ج٥ ص٥١ والأنساب ج٤ ص٥٧٣ وإمتاع الأسماع ج٥ ص٣٤٧ و ٣٤٨.

٣١٩

ثانياً: إنه (عليه السلام) أراد أن يتجنب لحوق أي أذى بغير المجرم، ممن قد يكون حاضراً في ذلك البيت، ولو بمقدار جو الرهبة والخوف الذي يفرض نفسه في مثل هذا الحال.

فعمل (عليه السلام) على استدراج المجرم إلى الخروج من البيت، وأجرى فيه حكم الله، وأمر رسوله (صلى الله عليه وآله).

والأسلوب الذي اتبعه (عليه السلام) لذلك هو أنه سأل عنه بنحو أوصل إليه الخبر بأن ثمة من يبحث عنه، ومن الطبيعي أن يكون بيت الرجل هو الهدف الأول للبحث عنه، فيفتش البيت أولاً، ثم يسأل عنه الجار القريب، والصديق، والقريب، ثم يتوسع في البحث، وفق ما يتوفر من معطيات.

فلما سأل (عليه السلام) عن الحويرث بادر الحويرث إلى الإبتعاد عن هذه النقطة الحساسة، والمقصودة والمرصودة، إلى مكان يكون أكثر أمناً ليتدبر أمره، وفق ما يستجد من معطيات.. فلما خرج من موقعه تلقاه علي (عليه السلام)، فأنزل به العقوبة التي أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بإنزالها به..

قتل علي (عليه السلام) ابن الطلاطل الخزاعي:

وكان الحويرث بن الطلاطل (الحرث بن طلاطل) الخزاعي يؤذي النبي (صلى الله عليه وآله) وقد أهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه، فقتله علي (عليه السلام).. ذكره أبو معشر(١).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٢٥ وتاريخ الخميس ج٢ ص٩٤ ونيل الأوطار ج٨ ص١٧٢ وج١٢ ص٧٠ وفتح الباري ج٨ ص١٠ وشرح الأخبار ج١ ص٣٠٧.

٣٢٠