×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج05 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

(سر في المسلمين إلى باب الحصن، وادعهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يدخلوا في الإسلام، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وأموالهم لهم..

وإما أن يذعنوا للجزية والصلح، ولهم الذمة، وأموالهم لهم.

وإما الحرب.

فإن اختاروا الحرب فحاربهم.

فأخذها وسار بها والمسلمون خلفه، حتى وافى باب الحصن، فاستقبله حماة اليهود، وفي أولهم مرحب يهدر كما يهدر البعير.

فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ثم دعاهم إلى الذمة فأبوا، فحمل عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فانهزموا بين يديه، ودخلوا الحصن، وردوا بابه، وكان الباب حجراً منقوراً في صخر، والباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور كأنه حجر رحى، وفي وسطه ثقب لطيف.

فرمى أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوسه من يده اليسرى، وجعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر دون اليمنى، لأن السيف كان في يده اليمنى، ثم جذبه إليه، فانهار الصخر المنقور، وصار الباب في يده اليسرى.

فحملت عليه اليهود، فجعل ذلك ترساً له، وحمل عليهم فضرب مرحباً فقتله، وانهزم اليهود من بين يديه؛ فرمى عند ذلك الحجر بيده اليسرى إلى خلفه، فمر الحجر الذي هو الباب على رؤوس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر.

قال المسلمون: فذرعنا المسافة التي مضى فيها الباب فكانت أربعين ذراعاً، ثم اجتمعنا على الباب لنرفعه من الأرض، وكنا أربعين رجلاً حتى

٢١

تهيأ لنا أن نرفعه قليلاً من الأرض)(١).

ونقول:

يلاحظ هنا ما يلي:

١ ـ أن الناس يعاملون من ينقض العهود، ويخون المواثيق بحزم وصرامة، ويجرون عليه أحكامهم وقراراتهم، ولا يعطونه بعدها أي خيار، ولا يمنحونه أية فرصة للإختيار. ومع تكرار الخيانات، وظهور تصميم العدو على العدوان، فإنهم يبادرون إلى ضربه ضربة قاضية، وسحق كل مظاهر القدرة لديه، واقتلاعه من جذوره.

ولكن نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يعامل اليهود بهذه الروحية، بل بالعفو والتسامح، وفتح مجال الخيار والاختيار أمامهم، لمجرد إبطال كيدهم، ودفع شرهم، رغم تكرر خياناتهم، وتآمرهم المتواصل عليه، وإصرارهم على نقض العهود والمواثيق.

وقد أظهر النص المتقدم هذه الحقيقة، فإنه عرض عليهم خيارات تمنحهم الحياة، وتعفيهم من العقوبة. وبعضها يجعل لهم حصانةً وحقوقاً تساويهم مع سائر المسلمين، فهو لم يضعهم أمام خيار الموت والفناء، والعقاب والجزاء، بل عرض عليهم أولاً أن يسلموا، فإن فعلوا ذلك حقنوا دماءهم، وأحرزوا أموالهم، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم..

١- بحار الأنوار ج٢١ ص٢٩ والخرائج والجرائح ج١ ص١٦١ وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٣٦٨.

٢٢

فإن أبوا ذلك، فإنه أيضاً لم يسد عليهم باب النجاة، بل فتحه لهم على مصراعيه أيضاً، ومنحهم فرصة أخرى للعيش بأمن وسلام، وتكون أموالهم لهم، ولهم ذمة المسلمين، وحظر عليهم الإحتفاظ بالسلاح، بل يتولى المسلمون حمايتهم، والدفع عنهم، مقابل بدل مالي يعطونه (يسمى جزية).

فإن أبوا ذلك.. وأصروا على العداوة والبغي، فإنهم يكونون هم الذين عرضوا أنفسهم لما لا يحب لهم أن يتعرضوا له.. ورضوا بأن يعاملهم معاملة الأعداء، وبأن يكسر شوكتهم، ويقوض هيمنتهم..

٢ ـ لقد كان اقتلاع باب خيبر بيد رجل واحد كافياً لإقناع اليهود بالكف عن عدوانهم، وإفهامهم أن هذا الدين مؤيد ومنصور من الله، وأن الإيمان بهذا النبي هو الخيار الصائب، وما عداه هلاك وبوار في الدنيا والآخرة.

ولكن ذلك ليس فقط لم يحصل.. وإنما حصل عكسه، حيث ظهر حرصهم على البغي والعدوان، حين حملوا على علي (عليه السلام) مرة ثانية، فحمل عليهم وهزمهم، كما تقدم بيانه.

٣ ـ كما أن رميه (عليه السلام) باب الحصن إلى مسافات بعيدة، دليل آخر على ذلك التأييد الإلهي، وقد كان يفترض أن يكون كافياً لصحوة ضميرهم، واستجابة وجدانهم، وعطف قلوبهم إلى الحق، وإعلان إيمانهم.. لكن ذلك لم يحصل أيضاً..

٤ ـ قول الرواية: إنه (عليه السلام) رمى الباب، فوقع خلف

٢٣

المسلمين.. وكانت المسافة بين موقع علي (عليه السلام)، وموضع سقوط الباب أربعين ذراعاً.. موضع ريب، فإن من غير المعقول أن يكون المسلمون محصورين في هذه المسافة الضيقة جداً، لأنهم كانوا يعدون بالألوف.. حتى لو فرضنا أن قسماً من الجيش كان يقوم بمهمات أخرى.

ولعله لم يكن خلفه سوى طائفة من المسلمين، ممن كان في ضمن الأربعين ذراعاً، أما الآخرون، فكانوا قد قصروا في اللحاق به..

ويؤيد ذلك: ما سيأتي من أن علياً (عليه السلام) قد فتح الحصن وحده.

٥ ـ والأهم من كل ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يغير طريقة تعامله مع اليهود، بل بقي يعتمد سياسة الصفح، والرفق، والتخفيف، فهو بعد كل هذا العناد والتحدي، والإصرار على مواصلة الحرب، لم ينتقم منهم، ولم يعاقبهم على ما فعلوه، بل قبل منهم أن يعملوا في الأرض، وأن يعطوه نصف حاصلها.. وكان يمكنه أن لا يعطيهم شيئاً سوى ما يقيم أودهم، ويحفظ حياتهم..

بل لو أراد أن يجازيهم بأعمالهم لما كانوا يستحقون البقاء على قيد الحياة.

من سمى علياً بحيدرة؟!:

تقدم: أن علياً (عليه السلام) قال في مواجهة مرحب:


أنا الذي سمتني أمي حيدَرَةكليث غابات كريه المنظَرَة

وقال ثابت بن قاسم: في تسمية علي (عليه السلام) بحيدرة، ثلاثة

٢٤

أقوال:

أحدها: أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، والأسد هو الحيدرة.

الثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها) حين ولدته كان أبوه غائباً، فسمته باسم أبيها. فقدم أبوه فسماه علياً.

الثالث: أنه كان لقب في صغره بحيدرة، لأن (الحيدرة) الممتلئ لحماً مع عظم بطن. وكذلك كان علي(١).

وذكر ذلك الحلبي أيضاً، ولكنه لم يشر إلى أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، فراجع(٢).

ثم قال: (ويقال: إن ذلك كان كشفاً من علي كرم الله وجهه، بحيث إن الله أطلع علياً على رؤيا كان مرحب قد رآها في تلك الليلة في المنام: أن أسداً افترسه، فذكَّره علي كرم الله وجهه بذلك، ليخيفه، ويضعف نفسه)(٣).

ونقول:

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٦٣ وقال: (وذكره الشيخ كمال الدين الدميري في شرح المنهاج) وراجع: حياة الحيوان (ط المكتبة الشرفية بالقاهرة) ج١ ص٢٣٧ ولسان العرب (ط سنة ١٤١٦ هـ) ج٣ ص٨٤ و ٨٥ ومجمع البحرين ج٣ ص٢٦١ وتاريخ الخميس ج٢ ص٥٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص١٢.

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٩.

٣- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٩.

٢٥

أولاً: لو صح قولهم: إن لكلمة حيدرة عدة معان، فلماذا يختارون منها ما يوهم الناس بأمور غير محببة؟! كقولهم: الحيدرة: الممتلئ لحماً مع عظم بطن، وكذلك كان علي (عليه السلام). أي أنه لقب بـ (الحيدرة) لعظم بطنه..

مع أنهم يقولون: إن أمه هي التي سمته بذلك حين ولدته، فهل كان عظيم البطن من حين ولادته؟!

وإذا كان قد صرح هو نفسه: بأن أمه قد سمته بحيدرة، وكان ذلك منذ ولادته، فما معنى قولهم: لُقِّب بذلك منذ صغره؟!

فإن اللقب غير الاسم.. والاسم يوضع للمولود من حين يولد، ولحوق اللقب في الصغر قد يتأخر لعدَّة سنوات.

ثانياً: ما معنى قولهم: كان لُقِّب في صغره بـ (الحيدرة)؟ ألا ينافي هذا قول علي (عليه السلام) نفسه:

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه المنظرة

ثالثاً: لماذا لا يذكرون ما قاله ابن الأعرابي: الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس، وما قاله أبو العباس: يعني لغلظ عنقه، وقوة ساعديه؟!

رابعاً: ذكر ابن بري: أن أم علي لم تسم علياً (عليه السلام) حيدرة، بل سمته أسداً(١).

١- لسان العرب (ط سنة ١٤١٦ هـ.) ج٣ ص٨٤ و (نشر أدب الحوزة) ج٤ ص١٧٤ وخـزانـة الأدب للبغـدادي ج٦ ص٦٤ والإمـام علي بن أبي طالب = = (عليه السلام) للهمداني ص٦١٢. وراجع: شرح مسلم للنووي ج١٢ ص١٨٥ والفايق في غريب الحديث ج١ ص٢٣٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٩ ص١٢٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٢ ص١٧ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٨ وينابيع المودة ج٢ ص١٤٤ وغريب الحديث ج١ ص٣٥٠ والصحاح للجوهري ج٢ ص٦٢٥ والنهاية في غريب الحديث ج١ ص٣٥٤.

٢٦

لكنه (عليه السلام) لم يتمكن من ذكر الأسد لأجل القافية، فعبر بمعناه وهو: (حيدرة)، فرد عليه ابن منظور بقوله:

(وهذا العذر من ابن بري لا يتم له، إلا إن كان الرجز أكثر من هذه الأبيات، ولم يكن أيضاً ابتدأ بقوله: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة)، وإلا فإذا كان هذا البيت ابتداء الرجز، وكان كثيراً أو قليلاً، كان (عليه السلام) مخيراً في إطلاق القوافي على أي حرف شاء، مما يستقيم الوزن له به.

كقوله: (أنا الذي سمتني أمي الأسد)، أو (أسداً)، وله في هذه القافية مجال واسع، فنطقه بهذا الاسم على هذه القافية من غير قافية تقدمت، يجب اتباعها، ولا ضرورة صرفته إليها، مما يدل على أنه سمي حيدرة)(١).

١- لسان العرب (ط سنة ١٤١٦ هـ.) ج٣ ص٨٤ و ٨٥ و (نشر أدب الحوزة سنة ١٤٠٥هـ) ج٤ ص١٧٤ والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص٦١٢.

٢٧

الصحيح في هذه القضية:

والصحيح هو: ما رواه المفيد، عن الحسين بن علي بن محمد التمار، عن علي بن ماهان، عن عمه، عن محمد بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، قال:

لما كان يوم خيبر خرج رجل يقال له: مرحب، وكان طويل القامة، عظيم الهامة، وكانت اليهود تقدمه لشجاعته ويساره.

قال: فخرج ذلك اليوم إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فما واقفه قرن إلا قال: أنا مرحب، ثم حمل عليه، فلم يثبت له.

قال: وكانت له ظئر، وكانت كاهنة، تعجب بشبابه، وعظم خلقه.

وكانت تقول له: قاتل كل من قاتلك، وغالب كل من غالبك، إلا من تسمَّى عليك بـ (حيدرة)، فإنك إن وقفت له هلكت.

قال: فلما كثر مناوشته، وجزع الناس بمقاومته، شكوا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وسألوه أن يخرج إليه علياً (عليه السلام)، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام)، وقال له: (يا علي، اكفني مرحباً).

فخرج إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما بصر به مرحب يسرع إليه، فلم يره يعبأ به، أنكر ذلك، وأحجم عنه، ثم أقدم وهو يقول:


أنا الذي سمتني أمي مرحباً ......

فأقبل علي (عليه السلام) وهو يقول:


أنا الذي سمتني أمي حيدَرَةكليث غابات كريه المنظَرَه

٢٨

فلما سمعها منه مرحب هرب ولم يقف، خوفاً مما حذرته منه ظئره، فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود، فقال: إلى أين يا مرحب؟!

فقال: قد تسمى عَلَيَّ هذا القرن بحيدرة!!

فقال له إبليس: فما حيدرة؟!

فقال: إن فلانة ظئري كانت تحذرني من مبارزة رجل اسمه حيدرة، وتقول: إنه قاتلك.

فقال له إبليس: شوهاً لك، لو لم يكن حيدرة إلا هذا وحده لما كان مثلك يرجع عن مثله، تأخذ بقول النساء، وهن يخطئن أكثر مما يصبن؟! وحيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سُدت قومك، وأنا في ظهرك أستصرخ اليهود لك، فرده.

فوالله ما كان إلا كفواق ناقة حتى ضربه علي ضربة سقط منها لوجهه، وانهزم اليهود يقولون: قتل مرحب، قتل مرحب(١).

وقالوا أيضاً: إن ضربته (عليه السلام) على رأس مرحب قدته نصفين، حتى بلغت إلى السرج(٢).

وقد تقدم: أن الكاهنة لا تعلم الغيب، فهي مع أنها كانت كاهنة لا بد أن تكون قد أخذت هذا الخبر عن أحبار اليهود الذين وجوده في كتبهم..

١- بحار الأنوار ج٢١ ص٩ عن الأمالي للمفيد، والأمالي للطوسي ص٤ ومدينة المعاجز ج١ ص١٧٨.

٢- معارج النبوة ص٣٢٣ و ٢١٩ .

٢٩
٣٠

(صلى الله عليه وآله) هو المقصود الحقيقي لمرحب، وأن همة اليهود منصرفة إلى النيل من شخص رسول لله (صلى الله عليه وآله)، وأن لا مشكلة لمرحب مع أحد من الناس إلا معه (صلى الله عليه وآله)..

أما سائر من حضر، فلا يقيم مرحب لهم وزناً، وهو قادر على استيعاب كل حركتهم ضده.

وليشير (صلى الله عليه وآله) أيضاً: إلى أن الذي يكفيه إياه، ويدفعـه عنه هـو خصوص علي (عليه السلام) دون سواه، وإن كانت الدعـاوى عريضة.

ج: الناس يريدون علياً (عليه السلام):

وصرحت الرواية المتقدمة أيضاً: بأن الناس حين جزعوا وعَجَزوُا عن مقاومة مرحب التجأوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وسألوه أن يخرج إليه علياً (عليه السلام)، مع علمهم بشدة مرضه (عليه السلام)، فإن صحت هذه الرواية، فهي تدل على أنهم كانوا يعرفون طرفاً من جهاده (عليه السلام)، وإقدامه وتضحياته في سبيل الله تعالى. ويعرفون أنه لا يتعرض له أحد إلا هلك، ولعل طلبهم هذا يشير إلى أنهم كانوا لا يعرفون بأنه (عليه السلام) مصاب بالرمد..

وهذه الرواية لا تنافي روايات إرسال غير علي (عليه السلام) بالراية قبله، لجواز أن يكون الناس قد طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله) إرسال علي (عليه السلام) بعد فشل الذين كان قد أرسلهم قبل ذلك..

بل قد يكون طلبهم هذا قبل إرسال الآخرين أيضاً، لكن النبي

٣١

الأعظم (صلى الله عليه وآله) آثر أن لا يرسل علياً (عليه السلام) من أول يوم لمصالح رآها..

قاتل مرحب محمد بن مسلمة:

تقدم: أن هناك من يزعم: أن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، وليس علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد روى البيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة، وعن الزهري، وعن ابن إسحاق، وعن محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: واللفظ لابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد الله، قال:

خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، وقد جمع سلاحه يقول: من يبارز؟ ويرتجز:


قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحياناً وحيناً أضرب إذا الليوث أقبلت تجرب
إن حمــاي لـلـحـمـى لا يـقـرب

فأجابه كعب بن مالك:


قد علمت خيبر أني كعب مفرج الغمى جريء صلب
إن شبت الحرب تلتها الحرب معي حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حتى يذل الصعب نعطي الجزاء أو يفيء النهب
بـكـف مـاضٍ لـيـس فـيـه عـتـب

قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد:

٣٢
قد علمت خيبر أني كعب وأنني متى تشب الحرب
ماض على الهول جريء صلب معي حسام كالعقيق عضب
بكف ماضٍ ليس فيه عتب ندككم حتى يذل الصعب

قال: ومرحب: ابن عميرة.

قال جابر: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من لهذا)؟

قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس.

فأمره بأن يقوم إليه، وقال: (اللهم أعنه عليه).

(وفي بعض المصادر: وأعطاه سيفه، فخرج إليه، ودعاه إلى البراز، فارتجز كل منهما).

قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عُمْرية (غمرته) من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، فكلما لاذ منه بها اقتطع صاحبه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن.

ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه، فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة فقطع فخذيه حتى قتله(١).

١- سبل الهـدى والرشـاد ج٥ ص١٢٧ و ١٢٨ والسـيرة الحلبيـة ج٣ ص٣٧ و ٣٨ = = والمغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٥ و ٦٥٦ وتاريخ الخميس ج٢ ص٥٠ و ٥١ عن الإكتفاء وعن مسند أحمد ج٣ ص٣٨٥ ومجمع الزوائد ج٦ ص١٥٠ وبغية الباحث ص٢١٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٥٥ ص٢٦٨ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٢٩٩ عن السيرة النبوية لابن هشام ج٣ ص٧٩٧ والبداية والنهاية ج٤ ص٢١٥.

٣٣

قالوا: ونفَّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) محمد بن مسلمة يوم خيبر سلب مرحب: سيفه، ورمحه، ومغفره، وبيضته(١).

قال الواقدي: (فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه، فيه كتاب لا يدرى ما هو، حتى قرأه يهودي من يهود تيماء، فإذا فيه:

هـذا سـيـف مـرحـب مـن يـذقـه يـعـطـب)(٢).

ويقولون أيضاً: إنه بعد تعذيب كنانة بن أبي الحقيق دفعه (صلى الله عليه وآله) لمحمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود.

وذكروا في توجيه بشارة النبي (صلى الله عليه وآله) لمحمود بن مسلمة هذا بنزول فرائض البنات: أن محمود كان متمولاً، وكان ماله أكثر من

١- مختصر المزني ص٢٧٠ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٨ عنه، وراجع: المغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٦.

٢- المغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٦ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٤١٧ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٤ ص٢١٥ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٣٥٨ والسنن الكبرى للبيهقي ج٦ ص٣٠٩ وشرح السير الكبير ج٢ ص٦٠٦.

٣٤

أموال أخيه محمد. فلما سقطت عليه الرحى في حصن ناعم جعل يقول لأخيه: بنات أخيك لا يتبعن الأفياء، يسألن الناس.

فيقول له محمد: لو لم تترك مالاً لكان لي مال. ولم تكن فرائض البنات قد نزلت.

فلما كان يوم موته، وهو اليوم الذي قتل فيه مرحب، أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) جعيل بن سراقة الغفاري، ليبشر محموداً بأن الله قد أنزل فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله.

فسر بذلك، ومات في اليوم الذي قتل فيه مرحب، بعد ثلاث من سقوط الرحى عليه من حصن ناعم(١).

ونقول:

إن ذلك مكذوب جملة وتفصيلاً، وذلك لما يلي:

أولاً: هناك فاصل زمني كبير بين قتل محمود بن مسلمة وبين قتل مرحب، يصل إلى عشرات الأيام وقد قتل محمود في حصن ناعم لا في حصن القموص.

ثانياً: لا ربط بين البشارة بنزول فرائض البنات، وبين البشارة بقتل مرحب..

ثالثاً: إن الآيات المرتبطة بفرائض البنات كانت قد نزلت قبل ذلك، بسنوات، فراجع..

١- إمتاع الأسماع ص٣١٦ و(ط أخرى) ج١ ص٣١١ والمغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٨.

٣٥

رابعاً: لم يثبت أن قاتل محمود بن مسلمة هو مرحب، إذ يقال: إن قاتله هو ذلك الذي أخذه علي حين فتح الحصن وسلّمه لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه، فقتله به..

ولعله هو كنانة بن أبي الحقيق الذي دفعه النبي (صلى الله عليه وآله) لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه(١)، فإن علياً (عليه السلام) هو الذي أخذ كنانة أيضاً وهو فاتح الحصن، فيصح نسبة تسليمه لابن مسلمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تارة، وإلى علي (عليه السلام) أخرى.

خامساً: دعوى تعذيب كنانة على يد هذا تارة، وذاك أخرى، دليل آخر على وهن هذه الرواية، فإن التعذيب لا يمكن أن يقبله النبي، ولا الوصي، ولا أي من الذين يأتمرون بأمرهما، وقد قدمنا عن قريب وصايا علي (عليه السلام) بقاتله، وعلي هو تلميذ النبي (صلى الله عليه وآله).

سادساً: قال الحاكم النيسابوري والذهبي: الأخبار متواترة بأسناد كثيرة أن قاتل مرحب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)(٢).

وقال الصالحي الشامي:

قلت: جزم جماعة من أصحاب المغازي: بأن محمد بن مسلمة هو الذي

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٤ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٤٠ وشرح السير الكبير للسرخسي ج١ ص٢٨١ وراجع: السير الكبير للشيباني ج١ ص٢١٨ والكامل في التاريخ ج٢ ص٢٢١.

٢- المستدرك للحاكم ج٣ ص٤٣٧ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٧٢ و ٤٠٤.

٣٦

قتل مرحباً.

ولكن ثبت في صحيح مسلم ـ كما تقدم ـ عن سلمة بن الأكوع: أن علياً (عليه السلام) هو الذي قتل مرحباً.

وورد ذلك: في حديث بريدة بن الحصيب، وأبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وعلى تقدير صحة ما ذكره جابر، وجزم به جماعة، فما في صحيح مسلم مقدم عليه من وجهين:

أحدهما: أنه أصح إسناداً.

الثاني: أن جابراً لم يشهد خيبر، كما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما، وقد شهدها سلمة، وبريدة، وأبو رافع. وهم أعلم ممن لم يشهدها.

وما قيل: من أن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، ولم يجهز عليه، ومرَّ به علي (عليه السلام) فأجهز عليه، يأباه حديث سلمة، وأبي رافع، والله أعلم.

وصحح أبو عمر: أن علياً (عليه السلام) هو الذي قتل مرحباً.

وقال ابن الأثير: إنه الصحيح(١).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٧ و ١٢٨ وأسد الغابة ج٤ ص٣٣١ وراجع: نيل الأوطار ج٨ ص٨٧ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٤ ص٢١٤ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٣٥٧.

٣٧

وقال أيضاً: (وقيل: إن الذي قتل مرحباً، وأخذ الحصن علي بن أبي طالب، وهو الأشهر والأصح)(١).

وقال: (الصحيح الذي عليه أهل السير والحديث: أن علياً كرم الله وجهه قاتله)(٢).

وقال الحلبي: (وقيل: القاتل له علي (عليه السلام)، وبه جزم مسلم في صحيحه.

وقال بعضهم: والأخبار متواترة به)(٣).

وقال أيضاً: (وقد يجمع بين القولين: بأن محمد بن مسلمة أثبته، أي بعد أن شق علي كرم الله وجهه هامته، لجواز أن يكون قد شق هامته، ولم يثبته، فأثبته محمد بن مسلمة. ثم إن علياً كرم الله وجهه وقف عليه)(٤).

ثم استدل الحلبي على ذلك بما في بعض السير عن الواقدي، قال: (لما قطع محمد بن مسلمة ساقي مرحب، قال له مرحب: أجهز عليَّ.

فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه أخي.

ومرّ به علي فضرب عنقه، وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله (صلى

١- الكامل في التاريخ ج٢ ص٢١٩.

٢- أسد الغابة ج٤ ص٣٣١ وشرح مسلم للنووي ج١٢ ص١٨٦ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٧٢ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٨.

٣- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٨.

٤- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٩.

٣٨

الله عليه وآله) في سلبه.

فقال محمد: يا رسول الله، ما قطعت رجليه وتركته إلا ليذوق الموت، وكنت قادراً أن أجهز عليه.

فقال علي (عليه السلام): صدق.

فأعطى سلبه لمحمد بن مسلمة)(١).

وقالوا: لعل هذا كان بعد مبارزة عامر بن الأكوع لمرحب، فلا ينافي ما مر عن فتح الباري(٢).

وفي الإستيعاب: (والصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن علياً قاتله)(٣).

الإختصام في سلب مرحب:

ثم إن الحديث عن اختصام علي (عليه السلام) ومحمد بن مسلمة إلى

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٩. وأشار إلى ذلك في الإمتاع ص٣١٥ والمغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٦ وراجع: السير الكبير ج٢ ص٦٠٦ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٤ ص٢١٥ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٣٥٨.

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٩.

٣- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج٣ ص١٣٧٧ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٨ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٨.

٣٩

رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سلب مرحب، مكذوب أيضاً، بدليل:

أنهم رووا: أن علياً (عليه السلام) لم يقدم على سلب عمرو بن عبد ود، وهوأنفس سلب! وحين طالبه عمر بن الخطاب بذلك قال: (كرهت أن أبز السبيَّ ثيابه)(١).

قال المعتزلي: فكأن حبيباً (يعني أبا تمام الطائي) عناه بقوله:

إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب(٢)

كما أنه (عليه السلام) قال لعمرو بن عبد ود حين طلب منه أن لا يسلبه حلته: هي أهون علي من ذلك(٣).

فمن كان كذلك: فهو لا يجاحش على السلب، ولا ينازع فيه أحداً، فضلاً عن أن يرفع الأمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليفصل فيه.

١- شرح النهج للمعتزلي ج١٤ ص٢٣٧ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٥٥.

٢- شرح النهج للمعتزلي ج١٤ ص٢٣٧ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٥٥.

٣- كنز الفوائد للكراجكي ص١٣٧ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٢١٦ و ٢٦٣ وشجرة طوبى ج٢ ص٢٩٠ وأعيان الشيعة ج١ ص٣٩٩ والإرشاد (ط دار المفيد) ج١ ص١١٢ والدر النظيم ص١٦٩ وكشف الغمة ج١ ص٢٠٨.

٤٠