×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج05 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٤١

الفصل الخامس:

قلع باب خيبر في الحديث والتاريخ..

٤٢
٤٣

علي (عليه السلام) قالع باب خيبر:

ومن الأمور التي لا يرتاب منها أحد، وقد شاعت وذاعت بين الناس: قلع علي باب حصن خيبر.

فقد قالوا: (وقتل علي يومئذٍ ثمانية من رؤسائهم، وفر الباقون إلى الحصن، فتبعهم المسلمون. فبينما علي يشتد في أثرهم، إذ ضربه يهودي على يده ضربة سقط منها الترس، فبادر يهودي آخر، فأخذ الترس، فغضب علي، فتناول باب الحصن، وكان من حديد، فقلعه، وترس به عن نفسه)(١).

١- تاريخ الخميس ج٢ ص٥١ وراجع: ذخائر العقبى ص٧٣ ومسند أحمد ج٦ ص٨ والدرر لابن عبد البر ص١٩٨ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٤١١ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٤ ص٢١٦ والسيرة النبوية لابن هشام (ط محمد علي صبيح) ج٣ ص٧٩٨ والمناقب للخوارزمي ص١٧٢والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٣٥٩ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٨ وينابيع المودة ج٢ ص١٦٤ وبحار الأنوار ج٢١ ص٤ و مجمع البيان ج٩ ص٢٠٢ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٣٠١ والكامل في التاريخ ج٢ ص٢٢٠.

٤٤

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود ـ وقد صرحوا بأنه مرحب(١) ـ فطرح ترسه من يده، فتناول علي باباً كان عند الحصن فترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل، حتى فتح الله تعالى عليه الحصن.

ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه(٢).

١- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧ وإمتاع الأسماع ج١ ص٣١٠ وأعيان الشيعة ج١ ص٤٠٥ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٤١٩ وج٨ ص٣٨٩.

٢- السيرة النبوية لابن هشام (ط المكتبة الخيرية بمصر) ج٣ ص١٧٥ و (ط محمد علي صبيح) ج٣ ص٧٩٨ والمناقب للخوارزمي ص١٧٢ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٣٠ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٢ ص٣٠١ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٨ ومطالب السؤول ص٢١٠ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٢ ص١١٠ والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص٧٠ والكامل في التاريخ ج٢ ص٢٢٠ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٤١١ و ٦٢٦ وشرح أصول الكافي ج٦ ص١٣٧ وج١٢ ص٤٩٨ وبحـار الأنـوار ج٢١ ص٤ ومنـاقب أهل البيت = = للشيرواني ص١٤٠ ومستدرك سفينة البحار ج٣ ص١١ ومجمع الزوائد ج٦ ص١٥٢ وفتح الباري ج٧ ص٣٦٧ والدرر لابن عبد البر ص١٩٨ ومجمع البيان ج٩ ص٢٠٢ وتفسير الثعلبي ج٩ ص٥١ والدر النظيم ص١٧٥ وكشف الغمة ج١ ص٢١٢ وعيون الأثر ج٢ ص١٣٩ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٣٥٩ وراجع: الإصابة ج٢ ص٥٠٢.


وراجع: تذكرة الخواص ص٢٧ والبداية والنهاية ج٤ ص١٨٥ و (ط دار إحياء التراث العربي) ج٤ ص٢١٦ وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص٧٤ و ٧٥ والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج١ ص١٨٥ ـ ١٨٨ ومعارج النبوة ص٢١٩ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧ ومسند أحمد ج٦ ص٨ وتاريخ الخميس ج١ ص٥١ عن المنتقى، والتوضيح، عن الطبراني، وأحمد.

٤٥

وعن زرارة، عن الإمام الباقر (عليه السلام): انتهى إلى باب الحصن، وقد أغلق الباب في وجهه، فاجتذبه اجتذاباً، وتترس به، ثم حمله على ظهره، واقتحم الحصن اقتحاماً، واقتحم المسلمون، والباب على ظهره..

إلى أن قال (عليه السلام): ثم رمى بالباب رمياً الخ..(١).

قال الدياربكري: ثم لما وضعت الحرب أوزارها ألقى علي ذلك الباب الحديد وراء ظهره ثمانين شبراً.. وفي هذا قال الشاعر:

١- بحار الأنوار ج٢١ ص٢٢ وج٤١ ص٢٨٠ وإعلام الورى ج١ ص٢٠٨ ومدينة المعاجز ج١ ص١٧٦ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص١٢٥ ونهج الإيمان ص٣٢٤.

٤٦
علي رمى باب المدينة خيبرثمانين شبراً وافياً لم يثلم(١)

غير أن الحلبي قال: (قال بعضهم: في هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر.

قال: وقيل: ولم يقدر على حمله أربعون رجلاً. وقيل: سبعون.

وفي رواية: أن علياً كرم الله وجهه لما انتهى إلى باب الحصن اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده سبعون رجلاً، فكان جهداً أن أعادوه إلى مكانه)(٢).

وقال القسطلاني وغيره: (قلع علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلاً إلا بعد جهد)(٣).

وروى البيهقي من طريقين: عن المطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) عن آبائه، قال: حدثني جابر بن عبد الله: أن علياً (عليه السلام) حمل الباب يوم خيبر، حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها. وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً.

١- تاريخ الخميس ج٢ ص٥١ وراجع: السيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧.

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧ وتاريخ الخميس ج٢ ص٥١ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٨ والإصابة ج٢ ص٥٠٢ والبداية والنهاية ج٤ ص١٨٤ وعن البيهقي، والحاكم.

٣- شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٣٨٣ عن الأنوار المحمدية (ط بيروت) ص٩٨.

٤٧

رجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف(١).

وفي شواهد النبوة: روي أن علياً (عليه السلام) بعد ذلك حمله على ظهره، وجعله قنطرة حتى دخل المسلمون الحصن(٢).

وهذا إشارة إلى وجود خندق كان هناك.

فلما أغلقوا باب الحصن صار أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه، فعالجه حتى فتحه، وأكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الحصن فجعله على الخندق جسراً لهم، حتى عبروا، فظفروا بالحصن، ونالوا الغنائم.

فلما انصرفوا من الحصن أخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) بيمناه، فدحا به أذرعاً من الأرض. وكان الباب يغلقه عشرون رجلاً(٣).

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٨ و ١٢٩ ودلائل النبوة للبيهقي ج٤ ص٢١٢ والسيرة النبوية لابن هشام ج٣ ص٩٠ والبداية والنهاية ج٤ ص١٨٩ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ وراجع: تذكرة الخواص ص٢٧ والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج١ ص١٨٥ ـ ١٨٨ ومعارج النبوة ص٢١٩ وتاريخ الخميس ج٢ ص٥١ عن الحاكم، والبيهقي، وبحار الأنوار ج٢١ ص١٩ وفي هامشه عن المجالس والأخبار ص٦.

٢- تاريخ الخميس ج٢ ص٥١ وراجع: تحف العقول ص٣٤٦.

٣- بحار الأنوار ج٢١ ص١٦ وج٤١ ص٢٨١ والإرشاد للمفيد ج١ ص١٢٨ وعن مناقب آل أبي طالب ج٢ ص١٢٦ ومدينة المعاجز ج١ ص١٧٥.

٤٨

وخُبِّر النبي (صلى الله عليه وآله) عن رميه (عليه السلام) باب خيبر أربعين شبراً، فقال (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده، لقد أعانه عليه أربعون ملكاً(١).

قال الشيخ المفيد (رحمه الله): روى أصحاب الآثار عن الحسن بن صالح، عن الأعمش، عن أبي عبد الله الجدلي قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لما عالجت باب خيبر، جعلته مجناً لي، فقاتلتهم به، فلما أخزاهم الله، وضعت الباب على حصنهم طريقاً، ثم رميت به في خندقهم.

فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلاً.

فقال: ما كان إلا مثل جنتي التي في يدي في غير ذلك المقام(٢).

ولا عجب في ذلك، فإنه هو الذي يقول: إنه ما قلع باب خيبر بقوة جسمانية، ولكن بقوة إلهية(٣).

وقال بعض الصحابة: ما عجبنا ـ يا رسول الله ـ من قوته في حمله ورميه وإتراسه، وإنما عجبنا من إجساره، وإحدى طرفيه على يده!

١- بحار الأنوار ج٢١ ص١٩ وفي هامشه عن مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٧٨.

٢- الإرشاد للمفيد ج١ ص١٢٨ وأعيان الشيعة ج١ ص٣٣٩ والثاقب في المناقب ص٢٥٨ وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص٢٥٧ ومدينة المعاجز ج١ ص١٧١ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٦ و ١٧ وكشف الغمة ج١ ص٢١٥ ونهج الإيمان ص٣٢٣.

٣- ستأتي مصادر ذلك إن شاء الله.

٤٩

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) كلاما معناه: يا هذا، نظرت إلى يده، فانظر إلى رجليه.

قال: فنظرت إلى رجليه، فوجدتهما معلقين، فقلت: هذا أعجب، رجلاه على الهواء؟!

فقال (صلى الله عليه وآله): ليستا على الهواء، وإنما هما على جناحي جبرئيل(١).

ونقول:

لا مجال لاعتبار هذا من الخرافة، فإن الله تبارك وتعالى يفعل أعظم من ذلك لمن يشاء من عباده المخلصين والمجاهدين. وقد قال تعالى في كتابه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(٢).

وأن يضع جبريل جناحه تحت قدمي علي (عليه السلام) هو أحد مفردات تثبيت الأقدام، ومن أجلى مظاهر النصر الإلهي.

التشكيك غير المنطقي:

قال القسطلاني: قال شيخنا: (قال بعضهم: وطرق حديث الباب كلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء)(٣).

١- بحار الأنوار ج٤١ ص٢٨١ عن روض الجنان.

٢- الآية ٧ من سورة محمد.

٣- تاريخ الخميس ج٢ ص٥١ عن المواهب اللدنية وراجع: السيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧.

٥٠

وفي بعضها قال الذهبي: إنه منكر.

وفي الإمتاع: وزعم بعضهم: أن حمل علي كرم الله وجهه الباب لا أصل له، وإنما يروونه عن رعاع الناس، وليس كذلك.

ثم ذكر جملة ممن خرجه من الحفاظ)(١).

ونقول:

إن لنا هنا العديد من الوقفات، نجملها فيما يلي:

خبر قلع الباب صحيح:

وتقدم أنهم زعموا: أن خبر قلع باب خيبر بعضه فيه جهالة، وبعضه فيه انقطاع، وبعضه ضعيف أو منكر..

بل فيهم من يقول: طرق حديث الباب كلها واهية، أو يقول: حديث الباب لا أصل له، أو أنه يروي عن رعاع الناس..

ونقول:

أولاً: إذا ثبت حديث قلع الباب أو غيره من طريق أهل البيت (عليه السلام) فذلك يكفينا عن كل حديث، لأن أهل البيت هم سفينة نوح، وهم أحد الثقلين الذين لن يضل من تمسك بهما.

ثانياً: لقد روى حديث قلع باب خيبر محدثوا أهل السنة، وأثبته علماء

١- إمتاع الأسماع ج١ ص٣١٠ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧. وراجع: كشف الخفاء للعجلوني ج١ ص٢٣٢

٥١

المسلمين في كتبهم، وذكروا أن أربعين أو سبعين رجلاً عَجَزوا عن حمله.. فإذا كان هذا الحديث مكذوباً أو مختلقاً، فمعنى ذلك اتهام محدثي أهل السنة وعلمائهم بالكذب والإختلاق، لأنهم قد رووه وتناقلوه بأسانيدهم وفي مصادرهم.. لأن رواية هذا الحديث لا تنحصر بشيعة أهل البيت (عليهم السلام).

ثالثاً: ضعف سند الحديث لا يبرر الحكم عليه بأنه مكذوب أو موضوع، لأن الكذاب والوضاع لا يكون جميع ما يرويه مكذوباً، بل يكون الكثير أو ربما أكثر ما يرويه صحيحاً، ولكنه يدخل فيه بعض الموضوعات أو التحريفات التي توافق أغراضه.

إذ لو كان جميع ما يقوله الوضاع والكذاب موضوعاً لم يجد من يروي عنه، فلا معنى للحكم الجازم بكذب حديث قلع الباب حتى لو فرضنا أن راويه يتهم بالكذب أو بالوضع..

رابعاً: لقد حكموا على بعض طرق الحديث: بأن فيه انقطاعاً.

وقالوا عن خبر آخر: إن رجاله ثقات، باستثناء شخص واحد هو ليث بن أبي سليم، مع أنه وإن ضعَّف الكثيرون منهم ليثاً هذا، ولكن آخرين منهم قد أثنوا عليه، ووصفوه بالصلاح والعبادة، وبغير ذلك، ولم يصفه أحد بالكذب، ولا بالوضع على الإطلاق..

بل غاية ما قالوه عنه: إنه ضعيف في الحديث، أو مضطرب الحديث، أو ليِّن الحديث، أو نحو ذلك.. وذكروا هم أنفسهم أن سبب قولهم هذا: هو أنه اختلط في آخر عمره.

٥٢

فذلك يدل على: أنه في نفسه ليس من رعاع الناس، وإليك طائفة من كلماتهم فيه، نأخذها من كتاب تهذيب التهذيب متناً وهامشاً.

قال الذهبي: أحد العلماء، كوفي.

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق، اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه، فترك.

وقال العجلي: جائز الحديث.

وقال عبد الوارث: من أوعية العلم.

وقال ابن معين: منكر الحديث، صاحب سنة.

وقال عثمان ابن أبي شيبة: صدوق ضعيف الحديث.

وقال ابن شاهين: في الثقات.

وقال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيِّئ الحفظ، كثير الغلط.

وقال البزار: كان أحد العُبَّاد، إلا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحداً ترك حديثه..

وقال ابن سعيد: كان رجلاً صالحاً عابداً.. وكان ضعيفاً في الحديث..

ثم ذكر: أنه كان يسأل عطاء، وطاووساً، ومجاهداً، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد.

وقال ابن حِبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل الخ..

وقال الدارقطني: صاحب سنة، يكتب حديثه، إنما أنكر عليه الجمع

٥٣

بين عطاء، وطاووس، ومجاهد حسب..

وسئل عنه يحيى، فقال: لا بأس به.

وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه.

وقال محمد: ليث صدوق، يهم.

وقال فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك.

وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: ليث عن طاووس أحب إلي من سلمة بن وهرام عن طاووس.

قلت: أليس تكلموا في ليث؟!

قال: ليث أشهر من سلمة. ولا نعلم روى عن سلمة إلا ابن عيينة، وربيعة.

فهذه العبارات وأمثالها أفادت: أن اختلاطه في آخر عمره هو السبب في تكلمهم في حديثه، أما هو نفسه فقد وصفوه بأجل الأوصاف كما رأينا..

فإذا حصل الإطمئنان: بأن ما رواه إنما رواه قبل الإختلاط، خصوصاً إذا تأيدت صحته من طرق أخرى، كما في رواية عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، وكذلك غيرها من الطرق التي ذكرها البيهقي في دلائل النبوة، وما أورده في الإمتاع، فإن الرواية تصبح صحيحة، ولا يكون رواتها من الرعاع، وليس فيها انقطاع ولا جهالة، ولا غير ذلك.

رابعاً: ذكر العلماء: أن تعدد طرق الحديث يعد من الشواهد التي

٥٤

توصله إلى درجة الحسن(١).

وقال الزرقاني: (..ومن القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلاً)(٢).

خامساً: ما معنى وصف رواة هذا الحديث بأنهم من رعاع الناس.. وفيهم جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام)، وفيهم أبو رافع، وعبد الله بن حسن، وسواهم ممن يعتمد عليهم نفس هؤلاء الجارحين ويصفونهم بالأوصاف الحميدة، ويثنون عليهم الثناء الجميل، ويعظمونهم؟!

اختلافات لا أثر لها:

إن الروايات المتعارضة هي تلك التي يكون موضوعها ومحمولها واحداً ذاتاً، وزماناً ومكاناً، وجهةً، وشرطاً وإضافة، وقوة، وفعلاً، وفي الكل والجزء وغير ذلك.. ولكن إحداها تثبت هذا المحمول لذلك الموضوع، والأخرى تنفيه..

وفي مثل هذه الحال لا بد من طرح الروايتين، إن لم يمكن ترجيح إحداهما بمرجح مقبول ومعقول، وطرح الأخرى، أو إذا لم يمكن الأخذ بهما معاً بإسقاط التناقض، باكتشاف الخلل في أحد العناصر التي يتحقق بها التنافي، بشرط أن لا يكون جمعاً تبرعياً اقتراحياً، ليس له شاهد يؤيده.

١- راجع: نسيم الرياض ج٣ ص١٠ و ١١ وتحفة الأحوذي ج٢ ص٣٧٢.

٢- شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج٦ ص٤٩٠.

٥٥

وقد نجد في أحاديث ما جرى في خيبر بعض الروايات التي يظن لأول وهلة أنها متناقضة، فإذا تأمل فيها الباحث اكتشف أنها ليست كذلك، ونذكر منها ما يلي:

١ ـ أربعون أم سبعون:

تقدم: أن الذين حاولوا حمل الباب الذي أخذه علي (عليه السلام) بيده هم ثمانية رجال، وفي أخرى أنهم أربعون، وفي ثالثة: سبعون رجلاً.. فقد يتخيل أن ثمة تناقضاً..

ويمكن الجواب بأن من الممكن أن تكون هناك أكثر من محاولة لحمل ذلك الباب، أو لتحريكه، فحاول ثمانية رجال، ثم أربعون، وفي مرة ثالثة حاول سبعون، فعجزوا جميعاً عن حمله..

فلا يمكن إحراز توفر عناصر التناقض في هذا المورد، ليكون ذلك من موجبات ضعف أو سقوط الرواية عن الإعتبار..

٢ ـ باب واحد أو بابان..

وفي بعض الروايات: أن علياً (عليه السلام) اقتلع باب الحصن، وبعضها الآخر يقول: إن ترسه طرح من يده، فوجد عند الحصن باباً، فأخذه فترس به عن نفسه.

ويجاب: بأن الروايتين صريحتان بالإختلاف الموجب لدفع الشبهة، فإحداهما: تصرح بأنه قد اقتلع باب الحصن حين كان يهاجمه.. والأخرى: تصرح بأنه وجد باباً عند الحصن فترس به عن نفسه، أي قبل اقتلاع باب

٥٦

الحصن.. ولا مانع من حصول كلا الأمرين.

وبذلك تنحل الإختلافات الأخرى التي تقول: تارة إن الباب من الحجر تارة، وإنه من الحديد تارة أخرى..

ولعل بعض الرواة قد خلط في توصيفه للباب المقتلع بما هو وصف للباب الملقى على الأرض، أو عكس ذلك.

ولعل إحدى الروايتين، التي تقول: إنه لم يستطع الثمانية أن يقلبوه ناظرة إلى أحد البابين، والأخرى تتحدث عن عجز الأربعين والسبعين عن الباب الآخر..

٣ ـ المناداة من السماء:

وكذلك الحال بالنسبة للمناداة من السماء:


لا سـيــف إلا ذو الفَـقـارولا فتـى إلا عــلي

حيث ذكرت روايات أن ذلك كان في أحد، وأخرى إنه كان في بدر، وثالثة إنه كان في خيبر، أو غيرها..

فظهر التناقض بين هذه الأخبار..

ونجيب: بأنه لا مانع من أن يكون النداء بذلك من السماء قد حصل في المواطن الثلاثة: بدر، وأحد، وخيبر.. وسواها.. إذ لم تصرح أية واحدة منها بنفي حصول ذلك في غير موردها.. بل اقتصرت على التنويه بحصول ذلك في الواقعة التي تتحدث عنها..

٥٧

لا سيف إلا ذو الفقار في المواطن الثلاثة:

قلنا: إن الروايات ذكرت أن الناس سمعوا تكبيراً من السماء في ذلك اليوم، وسمعوا نداء يقول:

لا سيف إلا ذو الفقارولا فتى إلا علي

ورووا أيضاً: أن علياً (عليه السلام) لما شطر مرحباً شطرين نزل جبرئيل من السماء متعجباً، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ممَّ تعجبت؟!

فقال: إن الملائكة تنادي في صوامع جوامع السماوات:

لا سيف إلا ذو الفقارولا فتى إلا علي(١)

وذكر أحمد في الفضائل: أنهم سمعوا تكبيراً من السماء في ذلك اليوم، وقائلاً يقول:

لا سيف إلا ذو الفقارولا فتى إلا علي

فاستأذن حسان بن ثابت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينشد شعراً، فأذن له، فقال:

جبريل نادى معلناًوالنقع ليس بمنجلي

١- بحار الأنوار ج٢١ ص٤٠ عن مشارق أنوار اليقين، وراجع: حلية الأبرار للبحراني ج٢ ص١٦١ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٣١٩ ومجمع النورين ص١٧٨ و ١٩٤ وشجرة طوبى ج٢ ص٢٩٢.

٥٨
والمسلمون قد احدقوا حول النبي المرسل
لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي(١)

قال سبط ابن الجوزي: (فإن قيل: قد ضعَّفوا لفظة: لا سيف إلا ذو الفقار.

قلنا: الذي ذكروه: أن الواقعة كانت في يوم أحد.

ونحن نقول: إنها كانت في يوم خيبر). وكذا ذكر أحمد بن حنبل في الفضائل.

وفي يوم أحد، فإن ابن عباس قال: لما قتل علي (عليه السلام) طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين صاح صائح من السماء:

لا سيف إلا ذو الفقارولا فتى إلا علي

قالوا: في أسناد هذه الرواية عيسى بن مهران، تكلم فيه، وقالوا: كان شيعياً.

أما يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء)(٢).

وقيل: إن ذلك كان يوم بدر. والأول أصح.

١- راجع: الإحتجاج للطبرسي ج١ ص١٦٧ ونهج الإيمان لابن جبر ص١٧٧ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٦ ص١٧ والسيرة النبوية لابن هشام ج٣ ص٥٢ والغدير ج٢ ص٥٩ وج٧ ص٢٠٥ وتذكرة الخواص ص١٦.

٢- الغدير للأميني ج٢ ص٦٠ عن تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص١٦.

٥٩
٦٠