×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج05 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الثاني: إن هذا النداء يتضمن تعريضاً بأولئك الهاربين، ويبين أن سيوفهم ليست سيوفاً حقيقة، وإنما هي أشكال سيوف.. لأن السيف لا بد أن يجد موقعه في رقاب أهل البغي والطغيان، والجحود، ودوره في الذب عن الحق وأهله، فإذا لم يحصل ذلك فإن وجوده يكون كعدمه.. فيصح نفي صفة السيف عنه..

الثالث: إن الفتوة والرجولة، تعني القوة، والمنعة، والقوة تؤثر فيما عداها وتفعل فيه، والضعف منفعل ومحل لظهور الأثر.. فإذا أصبحت القوة بلا أثر، فإن وجودها أيضاً كعدمها.. ولذلك صح النداء:


لا سيف إلا ذو الفقارولا فتى إلا علي

الرابع: إن أهم سبب للعناد والجحود، والمكابرة لدى المشركين واليهود هو الشعور بالقوة، والإعتماد على الكثرة في العدد، وعلى حسن العدة وتوفرها. وقد أظهرت الحروب التي سلفت، ابتداء من بدر، مروراً بأحد، وحمراء الأسد، والنضير، وقينقاع، والخندق وقريظة، وظهر الآن في خيبر: أن ما اعتمد عليه المشركون واليهود في هذه المواطن وسواها لم يكن مفيداً، ولا مؤثراً، بل سقط كله تحت أقدام رجل واحد اسمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان نصيب أهل الكثرة والعدة والعدد هو الفناء، والدمار، والسقوط والبَوار، وظهر لهم أن الله أكبر من كل شيء عندهم، وأن كل ما سوى الله يباب وسراب..

اهتزاز حصن خيبر:

ورووا: أنه لما اقتلع علي (عليه السلام) باب خيبر اهتز الحصن كله،

٦١

حتى سقطت صفية عن سريرها، فشجها جانب السرير(١). وهي كرامة صنعها الله تعالى لعلي (عليه السلام)، كان لا بد أن يعرف بها يهود خيبر كلهم، لتقوم بذلك الحجة عليهم.. وليتناقل الناس هذا الحدث الكبير، ويعرف النساء والرجال، والصغار والكبار.. ليحيي من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.

وذلك منه تعالى لطف بالأحياء منهم، لأنه يتضمن فتح باب الهداية لهم..

وكان اهتزاز الحصن كله هو الوسيلة الفضلى التي لا مجال للريب فيها والأداة الأصلح لهذا التعريف.. كما هو ظاهر لا يخفى..

ما قلعته بقوة جسمانية:

ورووا أيضاً: أن علياً (عليه السلام) قال: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، ولكن بقوة إلهية(٢).

١- معارج النبوة ص٣٢٣ و ٢١٩ ومشارق أنوار اليقين ص١٧٠ وحلية الأبرار ج٢ ص١٦١ ومدينة المعاجز ج١ ص٤٢٥ وبحار الأنوار ج٢١ ص٤٠ وشجرة طوبى ج٢ ص٢٩٣ ومستدرك سفينة البحار ج٧ ص٥٧٦ .

٢- المواقف للإيجي ج٣ ص٦٢٨ و ٦٣٨ وتاريخ الخميس ج٢ ص٥١ عن شرح المواقف، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢٠ ص٣١٦ والطرائف لابن طاووس ص٥١٩ وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم ص٢٥٧ وكتاب الأربعين للشـيرازي ص٤٣٠ وبحـار الأنـوار ج٥٥ ص٤٧ وج٧٠ ص٧٦ وج٨٤ = = ص٣٢ وج٩٩ ص١٣٨ ومناقب أهل البيت (عليه السلام) للشيرواني ص٢٢٢ والدر النظيم ص٢٧١ وكشف اليقين ص١٤١.

٦٢

وفي نص آخر: أن عمر سأل علياً (عليه السلام) قال: يا أبا الحسن، لقد اقتلعت منيعاً، وأنت ثلاثة أيام خميصاً، فهل قلعتها بقوة بشرية؟!

فقال (عليه السلام): ما قلعتها بقوة بشرية، ولكن قلعتها بقوة إلهية، ونفس بلقاء ربها مطمئنة رضية(١).

وجاء في رسالته (عليه السلام) لسهل بن حنيف قوله: (والله، ما قلعت باب خيبر، ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوة جسدية، ولا حركة غذائية، لكنني أيدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضيئة، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء الخ..)(٢).

ونقول:

١ ـ إن أمير المؤمنين (عليه السلام) عرف نفسه فعرف ربه، عرف في نفسه الضعف، فعرف أن القوة من الله، وعرف في نفسه الحاجة، فعرف الله تعالى بالغنى، وعرف نفسه بأنها مخلوقة، فعرف ربه بالخالقية، وهكذا.. فاستمد كل كمالاته منه تعالى.

ولأجل ذلك نلاحظ: أنه حين قلع باب خيبر، وجعله ترساً، أو جعله

١- بحار الأنوار ج٢١ ص٤٠ عن مشارق أنوار اليقين.

٢- الأمالي للصدوق ص٣٠٧ و (ط مؤسسة البعثة) ص٦٠٤ وبحار الأنوار ج٢١ ص٢٦ ونهج السعادة ج٥ ص٢١.

٦٣

جسراً، يعبر عليه الناس.. كان أشد تذكراً لله تعالى، ورؤية لنعمه، وإحساساً بكرمه، وألطافه، وأعمق شعوراً بفضله عليه، فجاء اعترافه بهذه الحقيقة التي يراها رأي العين بمثابة الشكر والتعظيم له تعالى، وليعلمنا أن على الإنسان أن لا يغتر بنفسه، وأن يستكين ويخضع أمام عظمة ربه تبارك وتعالى..

٢ ـ إن قوله هذا (عليه السلام) يهدف إلى إبعاد شبح الغلو فيه، بتقويض مبررات هذا الغلو، لأن مبرر الغلو هو توهم أن يكون (عليه السلام) قد قلع الباب بقوته الجسدية.. وهذا درس آخر للناس، يتضمن أن عليهم أن لا يأخذوا الأمور على ظواهرها، بل لا بد من التدبر والتفكر، ووضع كل شيء في موضعه. ولا غرو فإنه (عليه السلام) كان يهتم بالحفاظ على صفاء الإيمان، ونقاء العقيدة من أية شائبة أو عائبة..

٣ ـ إنه (عليه السلام) أوضح: أن الإطمئنان بلقاء الله تعالى، يهون على النفس الإنسانية الإقدام على كل أمر تعرف أن فيه رضا الله تعالى.. أما من أخلد إلى الأرض، فإنه لن يحقق شيئاً، ولن يقدم على شيء ذي بال. بل هو سوف يعيش الضعف والهروب، والفشل الذريع، والخيبة القاتلة، والخزي في الدنيا، والخسران في الآخرة..

القموص ليس آخر ما فتح:

وقد صرحت بعض الروايات: بأن حصن القموص ليس هو آخر الحصون التي فتحها الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام). بل هناك قلعة أخرى فتحت بعده، يقول النص:

(ولما فتح علي حصن خيبر الأعلى بقيت لهم قلعة فيها جميع أموالهم،

٦٤

ومأكولهم. ولم يكن عليها حرب بوجه من الوجوه.

فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) محاصراً لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم، فقال: يا محمد، تؤمنني على نفسي، وأهلي، ومالي، وولدي، حتى أدلك على فتح القلعة؟!

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أنت آمن، فما دلالتك؟!

قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع؛ فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة، فيخرج ويبقون بلا ماء، ويسلمون إليك القلعة طوعاً.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أو يحدث الله غير هذا وقد أمناك..

فلما كان من الغد ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغلته، وقال للمسلمين: اتبعوني.

وسار نحو القلعة، فأقبلت السهام والحجارة نحوه، وهي تمر عن يمنته ويسرته، فلا تصيبه ولا أحداً من المسلمين شيء منها حتى وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى باب القلعة.

فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار مع الأرض، وقال للناس: ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة)(١).

ونقول:

تستوقفنا هنا أمور عديدة، نكتفي منها بما يلي:

١- الخرائج والجرائح ج١ ص١٦٤ و ١٦٥ وبحار الأنوار ج٢١ ص٣٠ و ٣١ عنه.

٦٥

١ ـ إن هذه الرواية إذا صحت، فإنها تكون حجة على اليهود، تفرض عليهم التخلي عن اللجاج والعناد، وتوجب عليهم قبول الحق.. وتكون أيضاً آية للمسلمين، تقوي من ثباتهم، وتربط على قلوبهم. وتعرفهم بأن الله سبحانه يرعى نبيه (صلى الله عليه وآله)، ويحفظه، ويسهل له العسير، وأن انتصاره ليس متوقفاً على أحد منهم، ولا منوطاً بهم.

فإذا فروا، فإن فرارهم يحرمهم من الخيرات والبركات، ويوجب لهم المذلة في الدنيا، والخسران في الآخرة..

٢ ـ إنه (صلى الله عليه وآله) لم يعمل بمشورة اليهودي، واستعاض عنها بإظهار هذا الأمر الخارق للعادة، ليسهل على الناس تحصيل القناعة بهذا الدين، والدخول في زمرة أهل الإيمان، والتخلي عن الإستكبار والجحود..

٣ ـ إنه (صلى الله عليه وآله) رغم عدم عمله بمشورة ذلك اليهودي، لكنه لم يلغ الأمان الذي أعطاه إياه، بل هو قد صرح بأنه ملتزم به، وحافظ له..

٤ ـ نحتمل جداً أن تكون هذه القضية هي الرواية الصحيحة التي أوردناها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، أبواب غزوة خيبر، وفيها: أن بعض اليهود دل النبي (صلى الله عليه وآله) على دبول (أي جدول، أو نفق) لليهود تحت الأرض، وأنهم سوف يخرجون منه..

وربما تكون أيضاً هي الأصل للرواية الأخرى التي تزعم: أن النبي

٦٦

(صلى الله عليه وآله) قد سمم لهم المياه التي يشربون منها. وقد عبرنا عن شكنا بصحة هذه الرواية أيضاً.

وللرواية الثالثة التي تقول: إنه (صلى الله عليه وآله) رمى حصن النزار بكف من تراب فساخ، ولم يبق له أي أثر. وذلك بعد قتال وحصار..

تواتر حديث جهاد علي (عليه السلام) في خيبر:

لقد روى حديث جهاد علي (عليه السلام) في خيبر جم غفير، وجماعة كثيرة، منهم:

١ ـ علي أمير المؤمنين (عليه السلام).

٢ ـ الحسن المجتبى (عليه السلام).

٣ ـ سهل بن سعد.

٤ ـ حسان بن ثابت.

٥ ـ بريدة الأسلمي.

٦ ـ سويد بن غفلة.

٧ ـ أبو ليلى الأنصاري.

٨ ـ عبد الرحمن بن أبي ليلى.

٩ ـ ابن عباس.

١٠ ـ عمر بن الخطاب.

١١ ـ أنس بن مالك.

١٢ ـ أبو هريرة.

٦٧

١٣ ـ سلمة بن الأكوع.

١٤ ـ سعد بن مالك.

١٥ ـ عمران بن حصين.

١٦ ـ الضحاك الأنصاري.

١٧ ـ أبو سعيد الخدري.

١٨ ـ أبو رافع.

١٩ ـ ابن عمر.

٢٠ ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

٢١ ـ عامر بن سعد.

٢٢ ـ سعد بن أبي وقاص.

٢٣ ـ حذيفة.

ومعنى ذلك: أن هذا الحديث متواتر، والحديث المتواتر قطعي الصدور، ولا ينظر في رجال أسناده.

علي (عليه السلام) يفتح خيبر وحده:

تؤكد النصوص المتقدمة على أن علياً (عليه السلام) هو الذي فتح خيبر دون سواه، فقد ذكرت: أنه لما خرج أهل الحصن، بقيادة الحارث أخي مرحب، هاجموا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (فانكشف

٦٨

المسلمون، وثبت علي)(١).

ويقول علي (عليه السلام) مخاطباً يهودياً سأله عن علامات الأوصياء:

(إنَّا وردنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدينة أصحابك خيبر، على رجال من اليهود وفرسانها، من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال، من الخيل، والرجال، والسلاح، وهم في أمنع دار، وأكثر عدد، كل ينادي، ويدعو، ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه.

حتى إذا احمرت الحدق، ودعيت إلى النزال، وأهمت كل امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض، وكل يقول: يا أبا الحسن، انهض.

فأنهضني رسـول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، ولا يثبت لي فارس إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم، مسدداً عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده)(٢).

١- راجع: إمتاع الأسماع ج١ ص٣١٠ و ٣٣٣ والسيرة الحلبية ج٣ ص٣٧ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٧٣٧ والمغازي للواقدي ج٢ ص٦٥٣ و ٦٥٤ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص١٢٥ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٣٨٦ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٧١ و ٤٠٣.

٢- بحار الأنوار ج٢١ ص٢٧ وج٣٨ ص١٧١ والخصال ج٢ ص١٦ و (ط مركز = = النشر الإسلامي) ص٣٦٩ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٣ ص١٢٧ والإختصاص للمفيد ص١٦٨ وحلية الأبرار ج٢ ص٣٦٤.

٦٩

وهذا صريح في: أن الذين كانوا مع علي (عليه السلام) قد هربوا عنه، وبقي (عليه السلام) وحده، وبالتالي يكون (عليه السلام) قد أخذ المدينة وحده.

ثم إن في هذا النص الذي ذكرناه إشارات عديدة، منها:

١ ـ قد يقال: إنه (عليه السلام) ذكر: أن اليهود لم يكونوا وحدهم في خيبر، بل كان معهم فرسان، من قريش، ومن غيرها. وقد بقوا يحاربون معهم إلى النهاية.. مع أن اليهود لم يكن معهم أحد من قريش..

ويجاب:

أولاً: لعل بعض فرسان قريش التحقوا بهم لمساعدتهم..

ثانياً: لعل كلمة: من قريش ومن غيرها، أريد بها توضيح المراد من الذين وردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كان فيهم من قريش وغيرها، وكلهم سمع عن فرسان اليهود، وأخذتهم الرهبة منهم.

٢ ـ أن أعداد مقاتلي خيبر كانت كبيرة جداً، حتى إنه (عليه السلام) يصفهم بأمثال الجبال من الرجال، والخيل، والسلاح، وبأنهم قد قاتلوا المسلمين بأكثر عدد، وأمنع دار..

٣ ـ أن رغبة اليهود ومن معهم في الحرب كانت جامحة وقوية بصورة غير عادية..

٧٠

٤ ـ يظهر من كلامه (عليه السلام): أن عدد القتلى من المسلمين لم يكن قليلاً، حيث قال: فلم يبرز من أصحابي أحد إلا قتلوه.

٥ ـ أن المسلمين تضايقوا إلى حدّ أن كلاً منهم قد أهمته نفسه.

٦ ـ أنهم كانوا يرون: أن أحداً سواه (عليه السلام) لا يستطيع كشف هذه الغمة عنهم، فكانوا يحثونه على مباشرة الحرب، رغم ما هو فيه من رمد في العين، وصداع في الرأس.

٧ ـ أنه (عليه السلام) قد طحن ذلك العدو طحناً، حتى أدخلهم إلى جوف حصنهم.

٨ ـ أنه (عليه السلام) قد اقتلع باب حصنهم، ودخل وحده، ولم يشاركه المسلمون في ذلك، فإن كانوا قد شاركوه فإنما كان ذلك بعد سكون رياح الحرب.. وانحسار كل خطر.

٩ ـ والأهم من ذلك: تأكيده (عليه السلام) على أنه هو الذي فتح خيبر، وأن أحداً غير الله تعالى لم يعنه على ذلك.

فلا يصح قولهم: (وقام الناس مع علي حتى أخذ المدينة).

لأن الناس بعد أن قاموا معه انهزموا أمام اليهود من أهل الحصن.

ولكن حين هاجمهم علي (عليه السلام)، وأخذ باباً كان عند الحصن، ثم قتل (عليه السلام) مرحباً وسائر الفرسان، انهزم اليهود إلى داخل حصنهم، فاقتلع (عليه السلام) بابه، وهاجمهم، فثاب إليه المسلمون، وحمل (عليه السلام) باب الحصن بيده، وصار المسلمون يصعدون عليه، ويمرون إلى الحصن، فلما حصل له ما أراد ألقاه خلف ظهره ثمانين شبراً..

٧١

فلم يساعده المسلمون في الفتح، كما تحاول بعض الروايات أن تدَّعيه، بل الحقيقة، كل الحقيقة هي: أن علياً (عليه السلام) قد فتح الحصن وحده، ومن دون مساعدة أحد.

ولأجل ذلك: نسب النبي (صلى الله عليه وآله) الفتح إلى علي (عليه السلام) كما تقدم. فقال: لا يرجع حتى يفتح الله على يديه.

كما أن نفس روايات الفتح فيها تصريحات عديدة بأنه (عليه السلام) هو الذي أخذ المدينة، ولا تشير طائفة منها إلى مشاركة أحد له في ذلك، فراجع النصوص في مصادرها تجد صحة ذلك.

بل هو (عليه السلام) قد فتح الحصن قبل أن يلحق آخر الناس بأولهم، كما صرحت به بعض الروايات(١).

وفي نص آخر: عن عبد الله بن عمر، قال: (فلا والله ما تتامت الخيل

١- الإصابة ج٢ ص٥٠٢ و (ط دار الكتب العلمية) ج٤ ص٤٦٦ والمصنف لابن أبي شيبة ج٨ ص٥٢١ وكنز العمال ج١٠ ص٤٦٣ وبحار الأنوار ج٢١ ص٢٢ وإعلام الورى ج١ ص٢٠٧ ومسند أحمد ج٥ ص٣٥٨ ومجمع الزوائد ج٦ ص١٥٠ والسنن الكبرى للنسائي ج٥ ص١١٠ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٣٠٠ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٤٣٧ وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص٥٥ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٤١١ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٤٢٢ ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للكوفي ج٢ ص٥٠٩.

٧٢

حتى فتحها الله عليه)(١).

وتقدم: أنهم قالوا في الحديث الوارد في تفسير قوله تعالى: {..وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}(٢): (أجمعوا على أنه فتح خيبر، وكان ذلك بيد علي بن أبي طالب بإجماع منهم).

وهذا، وسواه يجعلنا نعتقد: أن ذلك من الواضحات، فلا حاجة إلى تكثير النصوص والمصادر.

جراح علي (عليه السلام) في خيبر:

عن علي (عليه السلام) قال: جرحت في وقعة خيبر خمساً وعشرين جراحة، فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما رأى ما بي بكى. وأخذ من دموع عينيه، فجعلها على الجراحات، فاسترحت من ساعتي(٣).

ونقول:

دل هذا الخبر على ما يلي:

أولاً: إن هذه الرواية لم تتضمن أمراً غير مألوف، فإن ما ذكرته من كثرة جراح علي (عليه السلام) في خيبر لا توجب الريب فيها، فقد كان

١- مجمع الزوائد ج٩ ص١٢٣ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٤٠٦.

٢- الآية ١٨ من سورة الفتح.

٣- كمال الدين وتمام النعمة ص٥٤٢ وبحار الأنوار ج٥١ ص٢٢٨ ومستدرك سفينة البحار ج٢ ص٤٨ وإلزام الناصب ج١ ص٢٧٠.

٧٣

(عليه السلام) وكأنه يقاتلهم وحده، حيث سبق الجميع إليهم. ولم يكن أحد أقرب إليهم منه، وقد لحقوا به، وقد فتحها.. ولا بد أن تناله سهامهم ورماحهم، وحتى سيوفهم. فلماذا لا تصيبه الجراحات الكثيرة، وهو يواجه عشرات، بل مئات الرجال؟!

ثانياً: إن للأنبياء، والأوصياء، والأولياء، وأدعيتهم، ولمساتهم، ولريقهم وعرقهم، وكل ما هو منهم آثاراً لا يمكن إنكارها في الشفاء، وفي سائر الأحوال، وفوائد جليلة وكبيرة، في الكثير الكثير من الموارد والحالات..

فما ورد في هذه الرواية من تغير حال علي (عليه السلام) بمجرد جعل النبي (صلى الله عليه وآله) من دموع عينيه على الجراحات، ليس بالأمر المستغرب، فكم لهذا الأمر من نظير في حياته (صلى الله عليه وآله).

ثالثاً: إن ذلك يسقط مقولات من ينكر التبرك والإستشفاء، بالأنبياء وبآثارهم، وريقهم، ودموعهم، وعرقهم.

رابعاً: يلاحظ: أن علياً (عليه السلام) لم يقل: فشفيت من ساعتي. بل قال: فاسترحت من ساعتي، فالله تعالى يريد الكرامة الإلهية، والبركات النبوية من جهة، ثم هو نيله ثواب الجهاد، ومعانات آلام الجراح من جهة أخرى.

اللمسات الأخيرة:

قال العليمي المقدسي: كان فتح خيبر في صفر على يد علي (عليه السلام)(١).

١- الأنس الجليل (ط الوهبية) ص١٧٩.

٧٤

وعن آية: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ..}(١) قال جابر: (أولى الناس بهذه الآية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنه تعالى قال: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}(٢) أجمعوا على أنه فتح خيبر. وكان ذلك بيد علي بإجماع منهم)(٣).

وفي هذه المناسبة يقول حسان بن ثابت:

وكان علي أرمد العين يبتغيدواءً فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلةفبورك مرقياً وبورك راقيا
وقال سأعطي راية القوم فارساًمكيناً شجاعاً في الحروب مجاريا
يحب إلهي والإله يحبهبه يفتح الله الحصون الأوابيا
فخص لها دون البرية كلهاعلياً وسماه الولي المؤاخيـا(٤)

والبيت الأوسط حسب رواية المفيد كما يلي:

١- الآية ١٨ من سورة الفتح.

٢- الآية ١٨ من سورة الفتح.

٣- كفاية الطالب (ط الغري) ص١٢٠ عن الخوارزمي، وراجع: بحار الأنوار ج٣٦ ص١٢١ والمناقب للخوارزمي ص٢٧٦ وكشف الغمة ج١ ص٣١١ وغاية المرام ج٤ ص٢٨٨.

٤- الفصول المهمة لابن الصباغ ص١٩ و (ط دار الحديث) ج١ ص٢١٧ والإرشاد للمفيد ج١ ص٦٤ و ١٢٨ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٦ ورسائل المرتضى ج٤ ص١٠٤ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٢٠ ومصادر كثيرة أخرى.

٧٥
وقال سأعطي الراية اليوم صارماًكمياً محباً للرسول مواليـا(١)

وجاء في خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، قوله: منها قوله (صلى الله عليه وآله):

لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ويقاتل جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثم لا ترد رايته حتى يفتح الله عليه(٢).

١- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج١ ص١٢٨ ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص٣٢٠ ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للكوفي ج٢ ص٤٩٩ وروضة الواعظين ص١٣١ ورسائل المرتضى ج٤ ص١٠٦ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٦ وج٣٩ ص١٦وج٤١ ص٨٧ وإعلام الورى ج١ ص٣٦٥ والدر النظيم ص١٧٦ و ٣٩٨.

٢- راجع: خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي ص٦١ وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص٢٠٨ و (ط دار الأسوة) ج٢ ص٢١٢ والثقات لابن حبان ج٢ ص٣٠٣ والسنن الكبرى للنسائي ج٥ ص١١٢ والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص١١٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٤ ص٤١٢ وج١٥ ص٦٣٢ وج١٦ ص٢٥٠ وج٢١ ص٤٨٠ وج٢٣ ص١٢٣ وج٢٦ ص٤٨٧ وج٣٠ ص١٨١ وج٣١ ص٢٨٤ وج٣٢ ص٢٦٦.

٧٦
٧٧

الفصل السادس:

فدك.. وحديث رد الشمس..

٧٨
٧٩

حدود فدك:

فدك: قرية بالحجاز ـ بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة ـ أفاءها الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) في سنة سبع للهجرة صلحاً، فكانت خالصة له (صلى الله عليه وآله). وفيها عين فوارة، ونخل كثير.

روى عبد الله بن حماد الأنصاري: أن دخْلها كان أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة(١).

وفي رواية غيره: سبعين ألف دينار(٢).

حديث فدك:

زعموا: أن أهل فدك لما سمعوا ما جرى في فتح حصن الناعم في خيبر

١- بحار الأنوار ج١٧ ص٣٧٩ وج٢٩ ص١١٦ ومستدرك سفينة البحار ج٨ ص١٥٢ و ج٩ ص٤٧٨ ومجمع النورين ص١١٧ و ١١٨ واللمعة البيضاء ص٣٠٠ والخرائج والجرائح ج١ ص١١٣.

٢- كشف المحجة ص١٢٤ وسفينة البحار ج٧ ص٤٥ وبحار الأنوار ج٢٩ ص١٢٣ ومستدرك سفينة البحار ج٨ ص١٥٢ و ج٩ ص٤٧٨ ومجمع النورين ص١١٨ واللمعة البيضاء ص٣٠٠.

٨٠