×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج08 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فمن لا يتورع أن يقول بغير علم بحضرة الرسول، وفي مورد صرح النبي (صلى الله عليه وآله) بالنهي عن القول فيه بغير علم.. لا بد أن يكون بعد رحيله (صلى الله عليه وآله) عن الدنيا أكثر جرأة على هذا الأمر، ولن يردعه رادع، ويمنعه مانع (إيماني أو وجداني) عن اقتحام جراثيم جهنم، إلا إن رأى أن أموره ستختل، وأن مصلحته الدنيوية تقضي عليه بالتريث أو الإنسحاب..

٢ ـ إن هذا الإمتحان قد هدف إلى كشف حال رواد التمرد على شرع الله، ونقض التدبير الإلهي والنبوي، حين اتلعوا أعناقهم إلى أخطر وأجل وأعظم مقام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مدَّعين لأنفسهم الأهلية له، ويعدون العدة للإستيلاء عليه.

ولم يكن صاحب الحق قادراً على مواجهتهم بأكثر من الحجة والدليل، لأن في التعدي عن هذا الأسلوب تفريطاً بأمن الناس، وقد يفسح المجال لاختلال الأمور، وحصول الردة.

أما سائر الناس، فلعل الكثيرين منهم لا يملكون الحجة التي تفي بدفع ادعاءات أولئك الطامحين.. أو أنهم يخشون من مواجهتهم ـ ولو بالحجة ـ على مصالحهم أو أمنهم. ولعل بعضهم يغض الطرف عما يجري، لأنه يرى نفسه منتفعاً من هذا الجو الذي أثاروه وأوجدوه..

ليهنئك الحكمة والعلم:

وقد هنأ النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) بالحكمة أولاً، ثم بالعلم ثانياً. والحكمة تحتاج إلى توفيق وتعليم، وهي هبة إلهية، لا ينالها

٢١

إلا الأوحدي من الناس عن جدارة واستحقاق. وليست مجرد تقديرات وإدراكات عقلية، كما ربما يتوهمه المتوهمون.

ولذلك يقول تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}(١).

ويقول: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}(٢).

وقال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}(٣). والآيات المصرحة بتوقيفية الحكمة كثيرة.

وقدم النبي (صلى الله عليه وآله) التهنئة بالحكمة، لأنها محض عطاء إلهي..

أما العلم، فقد ينال البشر شيئاً منه مهما كان ضئيلاً بوسائلهم التي منحهم الله إياها مما اقتضته خلقتهم، مثل: العقل والفطرة، وغير ذلك..

ولعل التهنئة بالحكمة هنا يشير: إلى أن الإجابة على السؤال هنا مرهونة بالحكمة بالدرجة الأولى، ثم بالعلم.. وهذا ما لم يكن يملكه سوى أمير المؤمنين (عليه السلام). كما أظهرته هذه الواقعة وسواها..

١- الآية ٢ من سورة الجمعة.

٢- الآية ١٢ من سورة لقمان.

٣- الآية ٢٦٩ من سورة البقرة.

٢٢
٢٣

الفصل الثالث:

بذل علي (عليه السلام) والإمامة..

٢٤
٢٥

ويؤثرون على أنفسهم:

١ ـ قال ابن شهرآشوب (رحمه الله): تفسير أبي يوسف: يعقوب بن سفيان، وعلي بن حرب الطائي، ومجاهد بأسانيدهم، عن ابن عباس وأبي هريرة، وروى جماعة عن عاصم بن كليب عن أبيه ـ واللفظ له ـ عن أبي هريرة: أنه جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أزواجه، فقلن: ما عندنا إلا الماء.

فقال (صلى الله عليه وآله): من لهذا الرجل الليلة؟!

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا يا رسول الله، فأتى فاطمة وسألها: ما عندك يا بنت رسول الله؟!

فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، لكنا نؤثر ضيفنا به.

فقال علي (عليه السلام): يا بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، نومي الصبية واطفئي المصباح. وجعلا يمضغان بألسنتهما.

فلما فرغ من الأكل أتت فاطمة بسراج، فوجد الجفنة مملوءة من فضل الله، فلما أصبح صلى مع النبي (صلى الله عليه وآله).

فلما سلم النبي (صلى الله عليه وآله) من صلاته نظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). وبكى بكاء شديداً، وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عجب

٢٦

الرب من فعلكم البارحة، اقرأ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي مجاعة. {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}. يعني: علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام) {فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}(١))(٢).

قال الحميري:


قائل للنبي إني غريب جايع قد أتيتكم مستجيرا
فبكى المصطفى وقال: غريب لا يكن للغريب عندي ذكورا
من يضيف الغريب قال علي: أنا للضيف فانطلق مأجورا
ابنة العم هل من الزاد شيء فأجابت أراه شيئاً يسيرا
كف بر قال: اصنعيه فإن الله قد يجعل القليل كثيرا
ثم أطفي المصباح كي لا يراني فأخلي طعامه موفورا
جاهد يلمظ الأصابع والضيف يراه إلى الطعام مشيرا
عجبت منكم ملائكة الله وأرضيتم اللطيف الخبيرا
ولهم قال: يؤثرون على أنفسهم، قال: ذاك فضلاً كبيرا(٣)

١- الآية ٩ من سورة الحشر.

٢- بحار الأنوار ج٤١ ص٢٨ وص ٣٤ وج٣٦ ص٥٩ ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج٢ ص٨٧ والأمالي للطوسي ص١١٦ وعن كنز جامع الفوائد، وشواهد التنزيل ج٢ ص٢٤٦ ومجمع البيان ج٩ ص٢٦٠.

٣- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج٢ ص٨٧ و ٨٨ و(ط المكتبة الحيدرية) ج ١ ص٣٤٧ و ٣٤٨.

٢٧

٢ ـ روت الخاصة والعامة، منهم: ابن شاهين المروي، وابن شيرويه الديلمي، عن الخدري وأبي هريرة: أن علياً أصبح ساغباً، فسأل فاطمة طعاماً.

فقالت: ما كانت إلا ما أطعمتك منذ يومين، آثرت به على نفسي، وعلى الحسن، والحسين.

فقال: ألا أعلمتني، فأتيتكم بشيء؟!

فقالت: يا أبا الحسين، إنى لأستحي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر عليه.

فخرج واستقرض من النبي ديناراً، فخرج يشتري به شيئاً.

فاستقبله المقداد قائلاً ما شاء الله.

فناوله علي الدينار، ثم دخل المسجد، فوضع رأسه، فنام، فخرج النبي، فإذا هو به، فحركه وقال: ما صنعت؟!

فأخبره، فقام وصلى معه فما قضى النبي صلاته، قال: يا أبا الحسن، هل عندك شيء نفطر عليه، فنميل معك؟!

فأطرق لا يجيب جواباً حياء منه. وكان الله أوحى إليه أن يتعشى تلك الليلة عند علي.

فانطلقا حتى دخلا على فاطمة، وهي في مصلاها، وخلفها جفنة تفور دخاناً، فأخرجت فاطمة الجفنة، فوضعتها بين أيديهما.

فسأل علي (عليه السلام): أنى لك هذا؟!

٢٨

قالت: هو من فضل الله ورزقه، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

قال: فوضع النبي كفه المبارك بين كتفي علي، ثم قال: يا علي، هذا بدل دينارك. ثم استعبر النبي باكياً وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا لمريم.

وفي رواية الصادق (عليه السلام): أنه أنزل الله فيهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}(١).

قال الحميري:


وحدثنا عن حادث الأعور الذي تصدقه في القول منه وما يروي
بأن رسول الله نفسي فداؤه وأهلي ومالي طاوي الحشا يطوي
لجوع أصاب المصطفى فاغتدى إلى كريمته والناس لاهون في سهو
فصادفها وابني علي وبعلها وقد أطرقوا من شدة الجوع كالنضو
فقال لها: يا فطم قومي تناولي ولم يك فيما قال ينطق بالهزو
هدية ربى إنه مترحم فقامت إلى ما قال تسرع بالخطو
فجاءت عليها الله صلى بجفنة مكرمة باللحم جزواً على جزو
فسموا وظلوا يطعمون جميعهم فَبَخْ بَخْ لهم نفسي الفداء وما أحوي
فقال لها: ذاك الطعام هدية من الله جبريل أتاني به يهوى
ولم يك منه طاعماً غير مرسل وغير وصي خصه الله بالصفـو

١- الآية ٩ من سورة الحشر.

٢٩
٣٠

فسمعه علي (عليه السلام)، فقال: نصيبي.

فأعطاه إياه، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعطاه الرجل، ثم قال: يا علي، إن الله جعلك سباقاً للخير، سخَّاء بنفسك عن المال. أنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة. والظلمة هم الذين يحسدونك، ويبغون عليك، ويمنعونك حقك بعدي(١).

قالوا: الفرع: المال الطائل. والعالية: مكان بأعلى أراضي المدينة، ويبدو أن القطيفة كانت مطرزة بأسلاك الذهب(٢).

ونقول:

١ ـ إن الفقر ليس عيباً، إلا حين يكون سببه الكسل، والإتكال على جهد الآخرين، أو غير ذلك من أسباب تشير إلى خلل في المزايا الروحية والإنسانية.. ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) ولا علي (عليه السلام) إلا القمة في الفضل والكمال، والأخلاق الفاضلة، والمزايا النبيلة..

والأسباب التي اقتضت نزول الآية المباركة مرة أو أكثر تبين أن هذا الفقر قد كشف لنا عن أفضل المزايا، وأعظم الفضائل في هؤلاء الذين نأوا بأنفسهم عن الدنيا وزخارفها، ولم يهتموا لها إلا بالمقدار الذي فرضه الله تعالى عليهم..

٢ ـ إن النبي (صلى الله عليه وآله) حين أراد مساعدة ذلك الجائع لم

١- بحار الأنوار ج٣٦ ص٦٠ عن كنز جامع الفوائد.

٢- بحار الأنوار ج٤١ ص٣١ و ٣٢.

٣١

يبادر إلى دق أبواب الأغنياء، وطلب المساعدة منهم، بل بدأ بنفسه، وببيوته..

٣ ـ إنه (صلى الله عليه وآله) لم يذهب بنفسه إلى تلك البيوت لسؤال أزواجه عن شيء من الطعام، بل أرسل إليهن من يسألهن عن ذلك.. فلم يعد هناك أية فرصة لتوهم أي نوع من أنواع حب الإستئثار بشيء، مهما كان الدافع إلى ذلك معقولاً ومقبولاً، وكافياً لتبرير المنع..

٤ ـ وبعد أن ظهر أن بيوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالية إلا من الماء، لم يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله) في أمره للناس شخصاً بخصوصه، فلم يطلب من علي (عليه السلام) مثلاً أن يتولى سد حاجته، بل أطلق الخطاب لكل من حضر، وقال: من لهذا الرجل الليلة؟!

ولعل سبب ذلك: أنه (صلى الله عليه وآله) أراد أن ينيل علياً (عليه السلام) ثواب المبادرة والإختيار، وثواب البذل والعطاء، والإيثار، ولكي لا يتوهم أحد أنه (عليه السلام) قد رضي بما فرض عليه حياء، أو اتباعاً وطاعة. ولا يعلم إن كان وراءها حرص واندفاع، أو ليس وارءها شيء من ذلك.

٥ ـ واللافت هنا: أن فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي التي اقترحت إيثار ذلك الجائع بقوت ولديها، مع أن الأم تكون عادة أحرص على طعام أبنائها وتوفيره لهم.

٦ ـ ربما يسأل سائل عن أنه كيف جاز للزهراء وعلي (عليهما السلام) أن يجيعا ولديهما، ويتصرفا بحقهما تصرفاً يعرضهما للأذى أو الضرر. أو

٣٢

يوقعهما في تعب ومشقة؟!

ويمكن أن يجاب:

أولاً: بأن الحسنين (عليهما السلام) كانا منسجمين مع تصرف أبويهما، ولا يرضيان بالإحتفاظ بالطعام لنفسيهما، وإبقاء ذلك الرجل جائعاً.

وصغر سنهما لا يعني أنهما يريان أنفسهما في منأى عن التكاليف الإلهية، فإن التكليف الذي هو منوط بالسن، إنما لوحظ السن فيه بالنسبة لنا نحن. أما الأنبياء وأوصيائهم، فلعل الأمر ليس منوطاً بالسن، بل بالقدرة والعلم والإدراك. وهذا متحقق فيهم (عليهم السلام) بأقصى الدرجات، كما يدل عليه قول عيسى (عليه السلام) حين ولادته: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}(١)، كما تدل عليه أجوبتهم على أدق المسائل في حال صغرهم، بالإضافة إلى شواهد أخرى..

ولأجل ذلك تقول الرواية: إن الآية المباركة نزلت في الأربعة: علي وفاطمة والحسنين (عليهم السلام)، فراجع..

ثانياً: إننا وإن لم نعرف الوجه في هذا التصرف، فلا نشك في صحة ومشروعية، فإننا إنما نأخذ التشريع منهم (عليهم السلام)، وتكفينا عصمتهم الثابتة بنص القرآن للإجابة على على أي سؤال، وإزالة أية شبهة..

٧ ـ إن تعدد الوقائع المروية في بيان شأن نزول قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ

١- الآيتان ٣٠ و ٣١ من سورة مريم.

٣٣

عَلَى أَنْفُسِهِمْ}(١) في علي (عليه السلام) لا يوجب خللاً في الروايات، لإمكان صحة جميعها، وتكرر نزول الآية في هذه الواقعة وتلك.. وهذا معروف ومألوف..

فلا عجب إذا كانت آية الإيثار قد نزلت في قضية الرجل الجائع، وإيثارهم إياه بطعام الإمامين: الحسن والحسين (عليهما السلام).. ثم نزلت في مناسبة إيثار علي (عليه السلام) بالحلة التي كساه إياها الرسول (صلى الله عليه وآله) ذلك الذي جاءه يشكو عريه وعري أهل بيته..

ثم نزلت في إيثاره (عليه السلام) المقداد بالدنيار الذي استقرضه.

وهذا يفسر التعبير في الآية بالفعل المضارع الدال على الدوام والإستمرار، وأن هو خلقهم (عليهم السلام).

٨ ـ وعن قول الراوي: إنهما جعلا يمضغان بألسنتهما نقول:

هل أرادا (عليهما السلام) الإيحاء لذلك الضيف بأنهما يأكلان ما يأكل؟!

ولماذا يريدان إفهامه ذلك؟! وهل كان هو مهتماً لهذا الأمر؟!

وإذا كان علي (عليه السلام) يريد أن يفهمه ذلك، فما شأن الزهراء (عليها السلام) في هذا الأمر؟! وهل تجلس مع رجل غريب لتأكل معه، وتسمعه صوت مضغها للطعام؟!

وإن كان المقصود هو الإيحاء للصبية بذلك، فهو لا معنى له، لأن ذلك يزيد في رغبتهما بالطعام!!

١- الآية ٩ من سورة الحشر.

٣٤

فالأنسب القول: بأن علياً وفاطمة (عليهما السلام) جعلا يفعلان ذلك من دون أن يكون الهدف إسماع الضيف، بل كان ذلك هو ما اقتضته شدة حاجتهما إلى الطعام.

أو يقال: إن الصبية ـ والمقصود هو الحسنان (عليهما السلام) ـ باتا يمضغان بألسنتهما، استجابة لدواعي الحاجة إلى الطعام..

ولكن أين كانت زينب وأم كلثوم عن هذه الحادثة؟! هل كان ذلك قبل ولادتهما؟!

أم أن الإيثار كان بخصوص طعام الحسن والحسين (عليهما السلام)؟! لأنهما اللذان يمكنهما المبادرة الإختيارية إلى أمر من هذا القبيل، لخصوصية فيهما أشرنا إليها فيما قدمناه آنفاً برقم (٦) .

٩ ـ وقد أظهر الله سبحانه الكرامة لهما حين وجدا الجفنة مملوءة طعاماً، ليعلم الناس أن التجارة مع الله رابحة دائماً..

١٠ ـ وحديث الدنيار الذي أعطاه (عليه السلام) للمقداد دل أن علياً (عليه السلام) أصبح ساغباً، ويبدو أنه كان قد مضى عليه يومان بلا طعام.. وأن الزهراء (عليها السلام) آثرت بالطعام على نفسها وعلى الحسنين (عليهما السلام)..

ومن المعلوم: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان أيضاً يطوي بعض أيامه بلا طعام، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع.. مع أن الكثيرين من الناس كانوا على استعداد لبذل أموالهم له، وكثير منهم يبذل نفسه في سبيله ومن أجله..

٣٥

وكان علي والزهراء والحسنان (عليهم السلام) أقرب الناس إليه، وأحبهم إليه، ولكنهم جميعاً يعرضون عن هذه الدنيا، ويسوون أنفسهم بأضعف الناس فيها.. على قاعدة: (ولعل بالحجاز أو اليمامة، من لا عهد له بالشبع)، وعلى قاعدة: (ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن عيشه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)(١).

١١ ـ وقد ذكرت الزهراء (عليها السلام) لعلي (عليه السلام): أنها آثرت بالطعام غيرها على نفسها، وعلى ولديها، مصرحة باسمهما: (الحسن والحسين)، فهما اللذان يمكن التصرف بحصتهما، لخصوصيتهما في التكليف، والإدراك وسائر الكمالات، بملاحظة ما لهما من مقام في الإمامة للأمة.

وربما كان هذا التصرف بطلب منهما، كما أشرنا إليه حين الحديث عن سورة هل أتى.

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٣ ص٧٠ ومختصر بصائر الدرجات ص١٥٤ ومستدرك الوسائل ج١٢ ص٥٤ وج١٦ ص٣٠٠ والخرائج والجرائح ج٢ ص٥٤٢ وبحار الأنوار ج٣٣ ص٤٧٤ وج٤٠ ص٣١٨ و ٣٤٠ وج٦٧ ص٣٢٠ وجامع أحاديث الشيعة ج١٤ ص٣٤ وج٢٣ ص٢٧٢ ونهج السعادة ج٤ ص٣٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٦ ص٢٠٥ وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج٢ ص١٣٩ وينابيع المودة ج١ ص٤٣٩.

٣٦

١٢ ـ وقد صرحت الزهراء (عليها السلام): بأنها تستحي من الله أن تكلف علياً (عليه السلام) ما لايقدر عليه.. مع أن علياً (عليه السلام) ألمح إلى أنه كان قادراً على أن يأتيهم بشيء، حيث قال لها: (ألا أعلمتني، فأتيتكم بشيء)؟!

فهل علمت (عليها السلام) ما لم يعلمه علي (صلوات الله عليه)؟! بمعنى أنها تحدثت عن علمها بالواقع، فأخبرته: أنه (عليه السلام) حتى لو سعى للحصول على شيء فإنه لن يحصل عليه..

أما علي (عليه السلام) فكلمها وفق الأحوال الظاهرة، والمتوقعة، بحسب العادة عند سائر الناس، بغض النظر عما ينكشف له بعلم الإمامة..

وبذلك تكون هذه الرواية قد تضمنت إشارة إلى أن لدى الزهراء (عليها السلام) معرفة أرقى من المعرفة الظاهرية المتوفرة لدى سائر الناس. وذلك لبيان عظمتها، وتأكيد تميزها عن سائر النساء بهذا المقام الذي لا يناله إلا صفوة الخلق.. وعلى رأسهم أبوها (صلى الله عليه وآله)، وزوجها (عليه السلام).

١٣ ـ وقد لفت نظرنا: أنه (عليه السلام) قد (استقرض) من النبي (صلى الله عليه وآله) ديناراً. مع أن الأمور كانت تجري بينهما على أساس أنهما عائلة واحدة.. والإستقراض معناه: أن ثمة قيوداً وحدوداً لم نعهدها!! فكيف نفسر ذلك؟!

ونجيب:

أولاً: لعل النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد ادخر هذا الدينار

٣٧

للإنفاق على أزواجه. ولم يكن يمكنه التفريط به، مع حاجة من تجب نفقته عليه..

ثانياً: لعل المقصود: هو أن ينال النبي (صلى الله عليه وآله) ثواب القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشرة(١). وأن ينال علي (عليه السلام) ثواب الكاد على عياله، فإنه كالمجاهد في سبيل الله(٢)، حيث لا بد أن يكد في تحصيل الدينار ليرده إلى صاحبه..

١٤ ـ وقد أعطى علي (عليه السلام) الدينار كله للمقداد، وكان بإمكانه أن يتقاسمه معه. فيكون قد نال ثواب الصدقة من جهة، وحل مشكلة العيال من جهة أخرى.

١- الكافي ج٤ ص٣٤ وبحار الأنوار ج١٠٠ ص١٣٨ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٩ ص٣٠٠ و (ط دار الإسلامية) ج٦ ص٢٠٩ ومستدرك الوسائل ج١٢ ص٣٦٤ وجامع أحاديث الشيعة ج١٦ ص١٢٢ وج١٨ ص٢٨٦ و ٢٨٩ ومستدرك سفينة البحار ج٨ ص٥٠١ وألف حديث في المؤمن للشيخ هادي النجفي ص١٠٧ وتفسير القمي ج٢ ص١٥٩ و ٣٥٠ وتفسير نور الثقلين ج٤ ص١٩٠ وج٥ ص٢٣٩.

٢- الكافي ج٥ ص٨٨ وراجع: تحف العقول ص٤٤٥ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج١٧ ص٦٧ و (ط دار الإسلامية) ج١٢ ص٤٢ وبحار الأنوار ج٧٥ ص٣٣٩ وجامع أحاديث الشيعة ج١٧ ص١٢ وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج٧ ص٣٨١.

٣٨

ولكنه (عليه السلام) أراد:

أولاً: أن ينال ثواب الإيثار على النفس حتى مع الخصاصة الظاهرة..

ثانياً: إذا نظرنا إلى مجموع الروايات وجمعنا بينها، فقد نستفيد: أنه (عليه السلام) أراد أن يعطى المقداد ما يغينه عن العودة إلى معاناة شدائد الحاجة في الجهات المختلفة، وربما كان منها كسوة عياله (رحمه الله) أيضاً.

بل لعله رأى أن حاجة المقداد وعياله كانت غير قابلة للتجزئة، فقد كانوا بحاجة إلى الكسوة أكثر من أي شيء آخر. والكسوة قد تكون أكثر أهمية وحساسية حتى من معاناة الجوع. فأعطاه الحلة ليكتسي هو بها، ثم أعطاه الدينار ليكسو به عياله.

١٥ ـ ورغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد سأل علياً (عليه السلام) عما صنع، فأخبره. فإنه (صلى الله عليه وآله) طلب منه بعد انقضاء صلاته أن يتعشى عنده، لأن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) بذلك، ليظهر الكرامة الإلهية للزهراء وعلي (عليهما السلام)، كما أظهرها لمريم (عليها السلام) من قبل.

ولكن هناك فرق جوهري بينهما، وهو: أن علياً (عليه السلام) قد نام بعد تصدقه بالدينار، فكان نومه كيقظته عبادة يستحق معها الكرامة.

أما مريم (عليها السلام)، فإن استحقاقها لإظهار هذه الكرامة لها مرهون باشتغالها بالعبادة بالفعل، فأنالها الله تعالى تلك الكرامة نتيجة لذلك.

إذ لم يكن نومها مثل نوم علي (عليه السلام).

٣٩

كما أن فاطمة (عليها السلام) كانت حياتها كحياة علي (عليه السلام) كلها عبادة، وكان نومها ويقظتها وشغلها وفراغها على حد سواء في ذلك.. فهي تستحق الكرامة في كل حال، وعلى كل حال.

النبي (صلى الله عليه وآله) في ضيافة علي (عليه السلام):

عبد الله بن علي بن الحسين، يرفعه: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أتى مع جماعة من أصحابه إلى علي (عليه السلام)، فلم يجد علي شيئاً يقربه إليهم، فخرج ليحصل لهم شيئاً، فإذا هو بدينار على الأرض، فتناوله وعرَّف به، فلم يجد له طالباً، فقومه على نفسه، واشترى به طعاماً، وأتى به إليهم.

وأصاب [به] عوضه، وجعل ينشد صاحبه، فلم يجده، فأتى به النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره.

فقال: يا علي، إنه شيء أعطاكه الله لما اطلع على نيتك وما أردته، وليس هو شيء للناس، ودعا له بخير(١).

ونقول:

لا نرى حاجة إلى التعليق على هذه الحادثة، غير أننا نعيد على مسامع القارئ الكريم ما صرحت به الرواية من أنه (عليه السلام):

١- بحار الأنوار ج٤١ ص٣٠ عن مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج٢ ص٨٩ و ٩٠ و (ط المكتبة الحيدرية) ج١ ص٣٩٤ وشرح الأخبار ج٢ ص١٨٣.

٤٠