×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج11 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ليضربه به، فوثب (عليه السلام)، فأخذه من يده ثم طوقه به.

والظاهر: أن الواقعة واحدة لم تتكرر.. فلا محيص لرفع التناقض من القول: بأنه وثب إلى العمود الذي في يد خالد، فانتزعه منه ثم جره إلى موضع الرحى، فوضع ذلك العمود نفسه في عنقه. أو أنه أراد أن يطعنه عموداً أعظم منه فكان عمود الرحى هو المطلوب فطوقه اياه..

بحق القبر ومن فيه:

أظهرت النصوص المتقدمة شدة تأثير القسم بالقبر وبصاحبه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى إن العباس هو الذي أشار عليهم بالإستفادة من هذا الأمر، لإقناع علي (عليه السلام) بفك الطوق عن خالد، مظهراً ثقته من النتيجة.

وهذا أمر بالغ الأهمية، خصوصاً إذا قيس بما أظهره الفريق الآخر من عدم الإهتمام بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله).. كما قرره أمير المؤمنين (عليه السلام)، حين قال له أبو بكر: ما لي أراك متحازناً؟!

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنه عناني ما لم يعنك.. متهماً إياه بعدم الإهتمام لموت سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)، الأمر الذي اضطر أبا بكر إلى محاولة تبرئة نفسه من ذلك، فانقلب موقفه من استهجان حزن علي (عليه السلام) إلى السعي لجمع الشواهد على أنه هو الآخر أيضاً حزين(١).

١- الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص٣١٢ وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج٧ ص٢٣٠ وحياة الصحابة ج٢ ص٨٢ وعن نهاية الإرب ج١٨ ص٣٩٦ ـ ٣٩٧.

٦١

ولعل من الشواهد الظاهرة على ذلك: قولهم: إن أبا بكر أظهر مزيداً من التماسك أو عدم الإهتمام الظاهر حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى عدوا ذلك من شجاعته، التي لا تبلغها حتى شجاعة علي (عليه السلام)، الذي كان لا يحسد على حالته حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ويؤيد ذلك أنهم تركوا جنازة النبي (صلى الله عليه وآله)، وانصرفوا إلى سقيفة بني ساعدة، سعياً للحصول على الخلافة بعده، فلم يحضروا دفنه، ولم يخبروا بأمرهم هذا الصاحب الشرعي لهذا المقام، ولا أحداً من بني هاشم.. رغم بيعتهم لعلي (عليه السلام) في يوم الغدير، برعاية وأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه، وفق الهدى والأمر الإلهي الصارم والحازم، حسبما أوضحناه في كتاب: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

خالد يهاجم أبا بكر!!:

وقد لاحظنا: أن خالداً حين قدم على أبي بكر مطوقاً بقطب الرحى بادر أبا بكر بقواذع القول، وقوارصه، واتهمه بالضعف، وبعدم الأهلية للمقام الذي وضع نفسه فيه..

ونظن أن سبب ذلك أنه: أراد تحريض أبي بكر على علي (عليه السلام) من جهة ـ كما ظهر من قوله لأبي بكر عن علي وجماعته: شزرات أعينهم من حسدك، أبدت حنقاً، وقرحت آماقهم لمكانك. مع أن هذه مجرد ادِّعاءات من قبل خالد.

ثم أراد خالد أيضاً أن يغطي بذلك على ضعفه الظاهر بتحميل آمره

٦٢

مسؤولية ما حدث..

مع العلم: بأن أبا بكر لم يحضر ذلك السجال الذي جرى بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين خالد، ولا عاين ما جرى.. بل كان خالد هو المبادر للتعدي على علي (عليه السلام)، رغم أنه كان قد ذاق مرارة المواجهة معه، في المسجد، في صلاة الصبح، حين أخذ رقبته بإصبعيه حتى أحدث في ثيابه، وكادت عيناه أن تسقطا..

الناس جعلوا أبا بكر في ذلك المقام:

وقد صرح خالد بأن: أبا بكر لم يأخذ موقعه الذي هو فيه استناداً إلى تصريح أو تلميح من الله ورسوله، وإنما الناس هم الذين جعلوه فيه مع تحفظنا الشديد حتى على هذا أيضاً. فإن أبا بكر نفسه هو الذي مهد الأمور ليصل إلى هذا المقام. وأعانه على ذلك أولئك الذين دبر الأمر معهم..

الحديث عن المرتدين:

وقد ورد في كلمات خالد إشارة إلى حربه مع المرتدين.. وسيأتي في كتابنا هذا إن شاء الله بعض ما يرتبط بهذا الأمر، حين التعرض لموقف علي (عليه السلام) مما يسمى بحروب الردة.. وقلنا: إنها تسمية غير صحيحة.

أين لقي خالد علياً (عليه السلام)؟!:

ويستوقفنا هنا: ما ورد في رواية الديلمي، من أن خالداً لقي علياً (عليه السلام) ومن معه حين رجوعه من الطائف إلى جدة..

وهذا معناه: أن تطويق خالد قد حصل بعيداً عن مدينة الرسول (صلى

٦٣

الله عليه وآله) بعشرات الكيلومترات.. ولم تذكر لنا الرواية سبب سفر علي (عليه السلام) ومن معه إلى تلك المناطق النائية..

وقد حددت الرواية الموضع وسمته بـ (روية). وربما يكون الصحيح هو: (رويثة).

قال ابن السكيت: منهل بين مكة والمدينة، وهي على ليلة من المدينة. كذا قال المجد. وصوابه: ليلتين، لأنها بعد وادي الروحاء ببضعة عشرة ميلاً، ولذا قال الأسدي: إنها على ستين ميلاً من المدينة(١).

ولكن يبقى الإشكال قائماً، فإن رويثة لا تقع بين الطائف وجدة.

عمر عظيم البطن، كبير الكرش:

وقد وصف قيس بن سعد عمر بن الخطاب: بأنه عظيم البطن، كبير الكرش. وهي الصفات التي حاولوا أن يلصقوها بعلي أمير المؤمنين (عليه السلام).. وقد بينا بطلان ذلك فيما تقدم..

علي (عليه السلام) يغيب أياماً:

وصرحت رواية الديلمي: بأن علياً (عليه السلام) لم يكن في المدينة، بل بقي غائباً عنها أياماً، وكان خالد يتجول في أزقتها والقطب في عنقه في تلك الأيام إلى أن عاد علي (عليه السلام).

وهذا لا شك مما يزيد في فضح حقيقة ما يدعيه خالد لنفسه من

١- راجع: وفاء الوفاء ج٤ ص١٢٢٤ و ١٢٢٥.

٦٤

الشجاعة. ويزيده ذلاً إلى ذل، وخزياً إلى خزي..

نِعمَ القلادة قلادتك:

ولا نريد أن نتوقف كثيراً أمام قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لخالد، وهو بين يديه: (نعم القلادة قلادتك). لكي يظهر خالد على حقيقته، وحيث ثارت ثائرة خالد، وأظهر خبث طويته، وسوء نواياه حين أجاب بقوله:

(والله يا علي، لا نجوت مني إن ساعدني الأجل).

فظهر حينئذٍ حِلم أمير المؤمنين (عليه السلام) عنه، وسماحته، وسجاحة خُلُقه، وسلامة نواياه. ولم يكلمه إلا بما هو أهله عند الله.

على مثلي يتفقه الجاهلون؟!:

وقد أظهرت رواية الديلمي أيضاً: كيف أن أبا بكر قد حاول أن يوحي للناس: أن علياً (عليه السلام) هو الذي تعرض لخالد، واعتدى عليه، لمجرد أنه من أصحاب أبي بكر، مما يعني: أن أبا بكر وخالد كانا ضحية ملاحقة علي (عليه السلام) لهما.

وبذلك يكون قد حرّف الوقائع عمداً، وصرف الناس عن الربط بين ما جرى بينه وبين خالد وعلي حين صلاة الصبح.. حيث قال أبو بكر وهو في الصلاة: (لا تفعل يا خالد ما أمرتك، فإن فعلت قتلتك) أو نحو ذلك.

فبادر علي (عليه السلام) إلى حكاية ما جرى، لكي يبطل بذلك ما يسعى إليه أبو بكر.

٦٥

ولكن أبا بكر واصل حديثه بطريقة تظهر تجاهله لما أجاب به علي (عليه السلام)، حيث أضاف إليه: اتهام علي (عليه السلام) بتقاعده عن نصرة الإسلام، وقلة رغبته في الجهاد.

فصعّد علي (عليه السلام) من صراحته وقال له: على مثلي يتفقه الجاهلون.. ثم بيّن غدرهم به، وذكَّرهم بما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرهم به، وأنه فرض طاعته عليهم.. وذكّرهم أيضاً بما أوصاه به من قتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. وأنه لولا خوف ردتهم عن التوحيد لجرّد سيفه في من غدر به، وخان الله ورسوله فيه.

فتراجع أبو بكر.. وطلب منه أن يفك الحديد عن عنق خالد، فقد شفى غليل صدره منه.

وما أشد وقع هذه الكلمة على أبي بكر، الذي يدعي لنفسه مقام خلافة النبي (صلى الله عليه وآله)، ويريد أن يفتي ويقضي بينهم، وهذا علي (عليه السلام) يصمه بوصمة الجاهل الذي يريد أن يتفقه ويتعالم على العالم..

المسألة ليست شخصية:

وحين طلب أبو بكر من علي (عليه السلام) أن يفك خالداً، قال له: (فقد آلمه بثقله، وأثر في حلقه بحمله، وقد شفيت غليل صدرك منه).

وهذا يعني: أنه اعتبر تصرف علي (عليه السلام) تجاه خالد قد جاء لدوافع شخصية، وأنه يريد أن يشفي غليل صدره منه..

فأوضح علي (عليه السلام): أن القضية ليست كذلك. وأن ما جرى

٦٦

لخالد هو أقل بكثير مما يستحقه عند الله، ووفق شرائعه.. وأنه لا يزال يرتكب الجرائم والعظائم، ويقتل الأبرياء حتى في مسيره الذي كان راجعاً منه، حيث التقى بأمير المؤمنين (عليه السلام)، وجرى له معه ما جرى..

فكوه أنتم إن كان ما تدعونه صحيحاً:

واللافت: أنه (عليه السلام) قد وضع معادلة هنا مفادها: أن من يفك خالداً يكون هو الإمام الحق.. حيث قال: (فكوه أنتم عنه؛ فأنتم أولى به، إن كان ما تدَّعونه صحيحاً..).

ووجه هذه المعادلة ظاهر، فإن الإمام هو ذلك الذي أعطاه الله القدرة على التصرف في كل ما فيه تأييد للدين، وحفظ للإيمان.. تماماً كما أعطى الله عيسى (عليه السلام) القدرة على إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وإخبار الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم(١)..

وهو قد واجههم بالأمر الواقع، فالرجل بين أيديهم، والطوق في عنقه، فإن كانوا صادقين في دعوى أهليتهم لخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلبيادروا إلى فك الطوق عنه..

وإلا.. فليسلموا هذا الأمر لمن يفعل ذلك.. وليس هو إلا علي (عليه السلام) الذي طوقه به أولاً، وقد جاؤوا يلتمسون أن يفكه عنه ثانياً.

١- قال تعالى في سورة آل عمران الآية ٤٩ حكاية عن قول عيسى لقومه: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}.

٦٧

بئس الأدب أدبكم:

وحين قـال (عليه السلام) للأقـرع الباهـلي، والأشـوس الثقفي: بئس ـ والله ـ الأدب أدبكم. خاطبهما بصيغة الجمع، ليشمل الكلام من وراءهما، ممن لم يراع هذا الأدب الرفيع، لكي يفهم الجميع أن هؤلاء الناس لا يعرفون أبسط قواعد الآداب، أوهم على الأقل لا يتقيدون بها، طلباً للرفعة ولو بالأساليب غير المقبولة أخلاقياً.

فهل يمكن أن يكون هؤلاء في موقع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي خاطبه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(١).

وهل من يفقد الشيء يمكن أن يعطيه لغيره؟!

نحن نأمرك:

أما قول أبي بكر لعلي (عليه السلام): (نحن نأمرك أن تفتح لنا الآن عن عنق خالد هذه الحديدة)، فلعله أراد أن يتعامل مع علي (عليه السلام) من موضع التسلط والهيمنة.. التي تقضي بإصدار الأوامر منه، والتنفيذ من الرعية.. ولم يرد أن ينتهج أسلوب الرجاء والإلتماس، لأنه وجد أن ذلك يستبطن ضعفاً وتراجعاً.

وكأنه يريد من جهة ثانية أن يعطي انطباعاً بأن علياً (عليه السلام) قد اعتدى على خالد، وأن على المعتدي أن يتراجع عن عدوانه. وأن أبا بكر سيكون هو المحسن له إن لم يلاحقه لمجازاته بهذا العدوان.

١- الآية ٤ من سورة القلم.

٦٨

ولكن علياً (عليه السلام) أسقط هذا التدبير، واستباح هذا التفكير حين أظهر الإستهانة بخالد، وتعامل معه بطريقة اضطرته للإستغاثة والإعتراف، واضطرت أبا بكر وسواه للإستسلام للأمر الواقع.. وهكذا كان.

٦٩

الفصل السابع:

ما جرى في بانقيا..

٧٠
٧١

خالد في تجربة جديدة مع علي (عليه السلام):

وبعد قتل مالك بن نويرة جرت محاولة من السلطة للإستيلاء على بانقيا، وهي ضيعة من ضياع أهل البيت (عليهم السلام).. فجرى بسبب ذلك ما بينته الرواية التالية:

بحذف الإسناد، مرفوعاً إلى جابر الجعفي قال: قلَّد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلاً من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي. وكان شجاعاً. وكان له أخ قتله علي بن أبي طالب في وقعة هوازن وثقيف.

فلما خرج الرجل عن المدينة جعل أول قصده ضيعة من ضياع أهل البيت (عليهم السلام) تعرف بـ: (بانقيا)، فجاء بغتة، واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعلي (عليه السلام)، فتوكل بها، وتغطرس على أهلها. وكان الرجل زنديقاً منافقاً.

فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) برسول يعلمونه ما فرط من الرجل.

فدعا علي (عليه السلام) بدابة له تسمى السابح. وكان أهداها إليه ابن عم لسيف بن ذي يزن، وتعمم بعمامة سوداء، وتقلد بسيفين، وأجلب

٧٢

(أجنب ظ) دابته المرتجز، وأصحب معه الحسين (عليه السلام)، وعمار بن ياسر، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس، حتى وافى القرية، فأنزله عظيم القرية في مسجد يعرف بمسجد القضاء.

ثم وجه أمير المؤمنين بالحسين (عليه السلام) إلى ذلك الرجل يسأله المصير إليه.

فصار إليه الحسين (عليه السلام)، فقال: أجب أمير المؤمنين.

فقال: ومن أمير المؤمنين؟

فقال: علي بن أبي طالب.

فقال: أمير المؤمنين أبو بكر، خلفته بالمدينة.

فقال له الحسين (عليه السلام): أجب علي بن أبي طالب.

فقال: أنا سلطان، وهو من العوام، والحاجة له، فليصر هو إلي.

فقال له الحسين (عليه السلام): ويلك! أيكون مثل والدي من العوام، ومثلك يكون السلطان؟!

فقال: أجل، لأن والدك لم يدخل في بيعة أبي بكر إلا كرهاً، وبايعناه طائعين، وكنا له غير كارهين.

فصار الحسين (عليه السلام) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأعلمه ما كان من قول الرجل. فالتفت إلى عمار، فقال: يا أبا اليقظان سر إليه، وألطف له في القول، واسأله أن يصير إلينا، فإنه لا يجب لوصي من الأوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة، فنحن مثل بيت الله يؤتى ولا يأتي.

٧٣

فصار إليه عمار، وقال: مرحباً يا أخا ثقيف، ما الذي أقدمك على مثل أمير المؤمنين في حيازته، وحملك على الدخول في مساءته، فصر إليه، وأفصح عن حجتك.

فانتهره عمار (الصحيح: فانتهر عماراً)، وأفحش له في الكلام.

وكان عمار شديد الغضب، فوضع حمائل سيفه في عنقه، فمد يده إلى السيف.

فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): إلحق عماراً، فالساعة يقطعونه.

فوجه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالجمع، فقال لهم: لا تهابوه، وصيروا به إليَّ.

وكان مع الرجل ثلاثون فارساً من خيار قومه، فقالوا له: ويلك! هذا علي بن أبي طالب، قتلك والله وقتل أصحابك عنده دون النقطة.

فسكت القوم خوفاً من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فسحب الأشجع على وجهه سحباً إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه ولا تعجلوا، فإن في العجلة لا تقوم حجج الله وبراهينه.

ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للأشجع: ويلك! بما استحللت أخذ أموال أهل البيت؟! وما حجتك في ذلك؟!

فقال له: وأنت فيمَ استحللت قتل هذا الخلق في كل حق وباطل؟! وإن مرضاة صاحبي لهي أحب إلي من اتباع موافقتك.

فقال علي (عليه السلام): أيهاً عليك! ما أعرف من نفسي إليك ذنباً إلا قتل أخيك يوم هوازن، وليس بمثل هذا الفعل تطلب الثأر، فقبحك الله

٧٤

وترحك!

فقال له الأشجع: بل قبحك الله وبتر عمرك ـ أو قال: ترحك ـ فإن حسدك للخلفاء لا يزال بك حتى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك عليهم يقصر عن مرادك.

فغضب الفضل بن العباس من قوله، ثم تمطى عليه بسيفه فحل عنقه ورماه عن جسده بساعده اليمنى، فاجتمع أصحابه على الفضل، فسل أمير المؤمنين (عليه السلام) سيفه ذا الفقار، فلما نظر القوم إلى بريق عيني الإمام، ولمعان ذي الفقار في كفه رموا سلاحهم، وقالوا: الطاعة.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أف لكم، انصرفوا برأس صاحبكم هذا الأصغر إلى صاحبكم الأكبر، فما بمثل قتلكم يطلب الثأر، ولا تنقضي الأوتار.

فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم، حتى ألقوه بين يدي أبي بكر.

فجمع المهاجرين والأنصار، وقال: يا معاشر الناس، إن أخاكم الثقفي أطاع الله ورسوله وأولي الأمر منكم، فقلدته صدقات المدينة وما يليها، فاعترضه ابن أبي طالب، فقتله أشنع قتلة، ومثل به أعظم مثلة.

وقد خرج في نفر من أصحابه إلى قرى الحجاز، فليخرج إليه من شجعانكم من يرده عن سنته، واستعدوا له من رباط الخيل والسلاح وما يتهيأ لكم، وهو من تعرفونه، إنه الداء الذي لا دواء له، والفارس الذي لا نظير له.

قال: فسكت القوم ملياً كأن الطير على رؤوسهم.

٧٥

فقال: أخرسٌ أنتم، أم ذوو ألسن؟!

فالتفت إليه رجل من الأعراب يقال له: الحجاج بن الصخر، فقال له: إن صرت إليه سرنا معك، أما لو سار جيشك هذا لينحرنهم عن آخرهم كنحر البدن.

ثم قام آخر، فقال: أتعلم إلى من توجهنا؟! إنك توجهنا إلى الجزار الأعظم الذي يختطف الأرواح بسيفه خطفاً. والله، إن لقاء ملك الموت أسهل علينا من لقاء علي بن أبي طالب.

فقال ابن أبي قحافة: لا جزيتم من قوم عن إمامكم خيراً، إذا ذكر لكم علي بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم، وأخذتكم سكرة الموت، أهكذا يقال لمثلي؟!

قال: فالتفت إليه عمر بن الخطاب، فقال: ليس له إلا خالد بن الوليد.

فالتفت إليه أبو بكر، فقال: يا أبا سليمان، أنت اليوم سيف من سيوف الله، وركن من أركانه، وحتف الله على أعدائه، وقد شق علي بن أبي طالب عصا هذه الأمة، وخرج في نفر من أصحابه إلى ضياع الحجاز، وقد قتل من شيعتنا ليثاً صؤولاً، وكهفاً منيعاً، فصر إليه في كثيف من قومك، وسله أن يدخل الحضرة، فقد عفونا عنه، فإن نابذك الحرب فجئنا به أسيراً.

فخرج خالد، ومعه خمسمائة فارس من أبطال قومه، قد أثقلوا بالسلاح، حتى قدموا على أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال: فنظر الفضل بن العباس إلى غبرة الخيل من بُعد وقال:يا أمير المؤمنين! قد وجه إليك ابن أبي قحافة بقسطل يدقون الأرض بحوافر الخيل دقاً.

٧٦

فقال له: هون عليك يا بن العباس! والله، لو كان صناديد قريش، وقبائل حنين، وفرسان هوازن لما استوحشت إلا من ضلالتهم.

ثم قام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فشد محزم دابته. واستلقى تهاوناً حتى وافوه، وانتبه بصهيل الخيل، فقال: يا أبا سليمان! ما الذي أتى بك إليَّ؟!

فقال: أتى بي من أنت أعلم به مني، يا أبا الحسن. أنت فهم غير مفهوم (الصحيح: مفهم)، وعالم غير معلم، فما هذه اللوثة التي بدرت منك، والنبوة التي قد ظهرت فيك؟! إن كرهت هذا الرجل فليس يكرهك، فلا تكن ولايته ثقلاً على كاهلك، ولا شجىً في حلقك، فليس بعد الهجرة بينك وبينه خلاف، فدع الناس وما تولوه، ضلَّ من ضل، وهدي من هدي، ولا تفرق بين كلمة مجتمعة، ولا تضرم ناراً بعد خمودها، فإنك إن فعلت ذلك وجدت غبه غير محمود.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتهددني بنفسك يا خالد، وبابن أبي قحافة؟! فما بمثلك ومثله تهديد، فدع عنك ترهاتك التي أعرفها منك، واقصد نحو ما وجهك له.

قال: فإنه قد تقدم إليَّ: أنك إن رجعت عن سنتك كنت مخصوصاً بالكرامة والحبور، وإن أقمت على ما أنت عليه من مخالفة الحق حملتك إليه أسيراً.

فقال له (عليه السلام): يا بن اللخناء، أتعرف الحق من الباطل، ومثلك يحمل مثلي أسيراً، يا بن الرادة عن الإسلام.

٧٧

ويلك! أتحسبني مالك بن نويرة الذي قتلته، ونكحت امرأته! يا خالد، جئتني برقة عقلك، واكفهرار وجهك، وشموخ أنفك. والله، لئن تمطيت بسيفي هذا عليك وعلى أوغادك لأشبعن من لحومكم عرج الضباع، وطلس الذئاب.

ويلك، لست ممن تقتلني أنت ولا صاحبك، وإني لأعرف قاتلي، وأطلب منيتي صباحاً ومساءً، وما مثلك يحمل مثلي أسيراً، ولو أردت ذلك لقتلتك في فناء هذا المسجد.

فغضب خالد وقال: توعد وعيد الأسد، وتروغ روغان الثعالب، وقال: ما أعداك في المقال، وما مثلك إلا من أتبع قوله بفعله.

عند ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لخالد: إذا كان هذا قولك فشأنك، وسل عليه سيفه ذا الفقار. فلما نظر خالد إلى بريق عيني الإمام، ولمعان ذي الفقار في يده، نظر إلى الموت عياناً فاستخفى، وقال: يا أبا الحسن! لم نرد هذا.

فضربه الإمام (عليه السلام) بقفا ذي الفقار على ظهره، فنكسه عن دابته، ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) ليرد يده إذا رفعها، لئلا ينسب إليه الجبن.

ولحق أصحاب خالد من فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) هول عجيب، ورعب عنيف.

فقال لهم: ما لكم لا تكافحون عن سيدكم؟! والله، لو كان أمركم إليَّ لتركت رؤوسكم، وهو أخف على يدي من جنى الهبيد على أيدي العبيد،

٧٨

وعلى هذا السبيل تقضون (تقضمون: ظ.) مال الفيء؟! أف لكم!

فقام إليه رجل من القوم يقال له: المثنى بن الصباح، وكان عاقلاً، فقال: والله، ما جئناك لعداوة بيننا وبينك، ولا عن غير معرفة بك، وإنا لنعرفك كبيراً وصغيراً، وأنت أسد الله في أرضه، وسيف نقمته على أعدائه، وما مثلنا من جهل مثلك، ونحن أتباع مأمورون، وأطواع غير مخالفين، فتباً لمن وجهنا إليك، أما كان له معرفة بيوم بدر، وأحد، وحنين؟!

فاستحى أمير المؤمنين (عليه السلام) من قول الرجل، وترك الجميع.

وجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يمازح خالداً، الذي كان ساكتاً لا ينطق بكلمة من ألم الضربة، قائلاً له: ويلك يا خالد! ما أطوعك للخائنين الناكثين! أما كان لك بيوم الغدير مقنع، إذ بدر إليك صاحبك في المسجد، حتى كان منك ما كان؟! فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لو كان مما رمته أنت وصاحباك ـ ابن أبي قحافة، وابن صهاك ـ شيء لكانا هما أول مقتولين بسيفي هذا، وأنت معهما، ويفعل الله ما يشاء.

ولا يزال يحملك على إفساد حالتك عندي، فقد تركت الحق على معرفة، وجئتني تجوب مفاوز البسابس، لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيراً، بعد معرفتك أني قاتل عمرو بن عبد ود ومرحب، وقالع باب خيبر، وأني لمستحيي منكم، ومن قلة عقولكم.

أوتزعم أنه قد خفي علي ما تقدم به إليك صاحبك، حين استخرجك إليَّ، وأنت تذكره ما كان مني إلى عمرو بن معدي كرب، وإلى أبي سلمة المخزومي.

٧٩

فقال لك ابن أبي قحافة: لا تزال تذكر له ذلك، إنما كان ذلك من دعاء النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد ذهب ذلك كله، وهو الآن أقل من ذلك، أليس كذلك يا خالد؟!

فلولا ما تقدم به إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لهما مني ما هما أعلم به منك.

يا خالد! أين كان ابن أبي قحافة، وأنت تخوض معي المنايا في لجج الموت خوضاً، وقومك بادرون في الإنصراف كالنعجة القوداء، وكالديك النافش، فاتق الله يا خالد، ولا تكن للخائنين رفيقاً، ولا للظالمين ظهيراً.

فقال: يا أبا الحسن! إني أعرف ما تقول، وما عدلت العرب والجماهير عنك إلا طلب دخول (ذحول) آبائهم قديماً، وتنكل رؤوسهم قريباً، فراغت عنك روغان الثعلب فيما بين الفجاج والدكادك، وصعوبة إخراج الملك من يدك، وهرباً من سيفك.

وما دعاهم إلى بيعة أبي بكر إلا استلانة جانبه، ولين عريكته، وأخذهم الأموال فوق استحقاقهم، ولقل اليوم من يميل إلى الحق، وأنت قد بعت الآخرة بالدنيا. ولو اجتمعت أخلاقك إلى أخلاقهم لما خالفك خالد.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله، ما أتى خالد إلا من قبل هذا الخؤون، الظلوم، المفتن، ابن صهاك، فإنه لا يزال يؤلِّب علىَّ القبائل، ويفزعهم مني، ويواسيهم من عطاياهم، ويذكرهم ما أنساهم الدهر. وسيعلم غب أمره إذا فاضت نفسه.

فقال خالد: يا أبا الحسن! بحق أخيك لما قطعت هذا من نفسك،

٨٠