×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج13 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٦١

الباب السادس:

حروب وفتوحات في عهد عمر

٦٢
٦٣

الفصل الأول:

علي (عليه السلام) وعمر.. حدث وموقف..

٦٤
٦٥

عمر يخاف من الثعبان:

روي عن الصادق (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) بلغه عن عمر بن الخطاب شيء، فأرسل إليه سلمان (رحمه الله) وقال: قل له: قد بلغني عنك كيت وكيت، وكرهت أعتب عليك في وجهك، فينبغي أن لا تذكر فيَّ إلا الحق، فقد أغضيت على القذى حتى يبلغ الكتاب أجله.

فنهض سلمان (رحمه الله) وبلغه ذلك، وعاتبه، وذكر مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكر فضائله وبراهينه.

فقال عمر: عندي الكثير من فضائل علي (عليه السلام)، ولست بمنكر فضله، إلا أنه يتنفس الصعداء، ويظهر البغضاء.

فقال سلمان (رحمه الله): حدثني بشيء مما رأيته منه.

فقال عمر: نعم يا أبا عبد الله، خلوت به ذات يوم في شيء من أمر الجيش، فقطع حديثي، وقام من عندي وقال: مكانك حتى أعود إليك، فقد عرضت لي حاجة، فما كان بأسرع من أن رجع علي ثانية وعلى ثيابه وعمامته غبار كثير، فقلت له: ما شأنك؟!

فقال: أقبل نفر من الملائكة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريدون مدينة بالمشرق يقال لها: صيحون. فخرجت لأسلم عليه، وهذه

٦٦

الغبرة ركبتني من سرعة المشي.

قال عمر: فضحكت متعجباً حتى استلقيت على قفاي، وقلت له: النبي (صلى الله عليه وآله) قد مات وبلي، وتزعم أنك لقيته الساعة، وسلمت عليه؟! فهذا من العجائب!! مما لا يكون!!

فغضب علي (عليه السلام) ونظر إلي، وقال: أتكذبني يا ابن الخطاب.

فقلت: لا تغضب، وعد إلى ما كنا فيه، فإن هذا مما لا يكون أبداً.

قال: فإن أنت رأيته حتى لا تنكر منه شيئاً استغفرت الله مما قلت وأضمرت، وأحدثت توبة مما أنت عليه، وتركت حقاً لي؟!.

فقلت: نعم.

فقال: قم.

فقمت معه فخرجنا إلى طرف المدينة وقال: غمض عينيك! فغمضهما، فمسحهما بيده ثلاث مرات.

ثم قال لي: افتحهما.

ففتحتهما، فنظرت، فإذا أنا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه رجل (أي نفر) من الملائكة لم أنكر منه شيئاً. فبقيت والله متحيراً أنظر إليه.

فلما أطلت النظر قال لي: هل رأيته.

فقلت: نعم.

قال: أغمض عينيك، فغمضتهما.

ثم قال: افتحهما، ففتحتهما. فإذا لا عين ولا أثر.

٦٧

فقلت له: هل رأيت من علي (عليه السلام) غير ذلك.

قال: نعم، لا أكتم عنك خصوصاً أنه استقبلني يوماً وأخذ بيدي ومضى بي إلى الجبانة. وكنا نتحدث في الطريق.

وكان بيده قوس فلما صرنا في الجبانة رمى بقوسه من يده فصار ثعباناً عظيماً مثل ثعبان موسى (عليه السلام)، وفتح فاه وأقبل (نحوي) ليبتلعني.

فلما رأيت ذلك طار قلبي من الخوف، وتنحيت، وضحكت في وجه علي (عليه السلام) وقلت: له الأمان يا علي بن أبي طالب. أذكر ما كان بيني وبينك من الجميل.

فلما سمع هذا القول استفرغ ضاحكاً، وقال: لطفت في الكلام، فنحن أهل بيت نشكر القليل، فضرب بيده إلى الثعبان وأخذه بيده، وإذا هو قوسه الذي كان بيده.

ثم قال عمر: يا سلمان! إني كتمت ذلك عن كل أحد، وأخبرتك به يا أبا عبد الله! فإنهم أهل بيت يتوارثون هذه الأعجوبة كابراً عن كابر.

ولقد كان إبراهيم يأتي بمثل ذلك.

وكان أبو طالب وعبد الله يأتيان بمثل ذلك في الجاهلية.

وأنا لا أنكر فضل علي (عليه السلام)، وسابقته، ونجدته، وكثرة علمه، فارجع إليه واعتذر عني إليه، واثن عني عليه بالجميل(١).

١- الفضائل لابن شاذان ص١٤٧ ـ ١٥٠ و (ط المكتبة الحيدرية) ص٦٢ ـ ٦٣ ومجمع النوريـن للمرنـدي ص١٨١ وبحار الأنـوار ج٣١ ص٦١٤ وج٤٢ = = ص٤٢ والعقد النضيد ص٣٨ وعيون المعجزات ص٣٣ وفيه: روي عن المفضل بن عمر أنه قال: سمعت الصادق (عليه السلام" يقول.. بتفاوت يسير.

وراجع: مدينة المعاجز ج١ ص٤٦٤ ـ ٤٦٧ وج٣ ص٣٣ وإثبات الهداة ج٢ ص٤٩٢ باختصار، والطبري في نوادر المعجزات ص٥٠.

٦٨

وفي نص آخر:

عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) (قال:) إن علياً (عليه السلام) بلغه عن عمر ذكر شيعته، فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة وفي يد علي (عليه السلام) قوس [عربية]، فقال [علي]: يا عمر، بلغني عنك ذكرك لشيعتي.

فقال: أربع [على] ظلعك.

فقال علي (عليه السلام): إنك لها هنا؟!

ثم رمى بالقوس على الأرض، فإذا هي ثعبان كالبعير، فاغراً فاه، وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه.

فصاح عمر: الله الله يا أبا الحسن، لا عدت بعدها في شيء، وجعل يتضرع إليه، فضرب [علي] يده إلى الثعبان، فعادت القوس كما كانت، فمضى عمر إلى بيته مرعوبا.

قال سلمان: فلما كان في الليل دعاني علي (عليه السلام) فقال: صر إلى عمر، فإنه حمل إليه من ناحية المشرق مال، ولم يعلم به أحد، وقد عزم أن يحبسه، فقل له: يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق، ففرقه على

٦٩

من جعل لهم، ولا تحبسه، فأفضحك.

فقال سلمان: فمضيت إليه، وأديت الرسالة.

فقال: حيرني أمر صاحبك، فمن أين علم [هو] به؟!

فقلت: وهل يخفى عليه مثل هذا؟!

فقال: يا سلمان، اقبل مني ما أقول لك: ما علي إلا ساحر، وإني لمشفق [عليك] منه، والصواب أن تفارقه، وتصير في جملتنا.

قلت: بئس ما قلت، لكن علياً وارث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه، وعنده ما هو أكثر (مما رأيت) منه.

قال: ارجع (إليه) فقل له: السمع والطاعة لأمرك.

فرجعت إلى علي (عليه السلام)، فقال: أحدثك بما جرى بينكما.

فقلت: [أنت] أعلم به مني، فتكلم بكل ما جرى بيننا، ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت(١).

ونقول:

إننا نشير هنا إلى بعض الأمور في ضمن الفقرات التالية:

١- مدينة المعاجز ج٣ ص٢٠٩ ـ ٢١١ وراجع: ج١ ص٤٧٨ والخرائج والجرائح ج١ ص٢٣٢ وإثبات الهداة ج٢ ص٢٥٨ وبحار الأنوار ج٢٩ ص٣١ ـ ٣٣ وج٣١ ص٦١٤ ج٤١ ص٢٥٦ و (ط حجرية) ج٨ ص٨٢ وتفسير الآلوسي ج٣ ص١٢٣ ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص٤٦٠.

٧٠

المعجزات، والكرامات:

لا ريب في أن ما يجترحه الأنبياء من معجزات، وما يظهره الله سبحانه لهم ولأوصيائهم من كرامات، ثم ما يقومون به من خوارق العادات بحكم ما خولهم الله إياه، إنطلاقاً من مصالح العباد ـ إن ذلك ـ جزء من تاريخهم، الذي لا بد من تسجيله، وحفظه وتداوله، لأجل الفكرة فيه، وأخذ العبرة منه، وتثبيت العقيدة به، وتعميق الوعي له، وتبلوره وتحققه في القلوب، وزيادة تجليه ووضوحه في الأذهان والعقول.

ولكن المؤلفين والمصنفين اعتادوا على تحاشي الإفاضة في أمثال هذه الأمور، ربما لأنهم وجدوها حاسمة وباتة، لا يجد العقل والفكر الكثير من الفرص للتعبير عن نفسه، وإظهار وجوده معها.

ونحن.. في كتابنا هذا حاولنا أن نتمرد على هذا القرار، الذي وجدناه جائراً على الحقيقة وظالماً لها، وسعينا للتعامل مع ما يمر معنا من معجزات وكرامات وخوارق للعادات بنفس الجدية، وبنفس القدر من الإهتمام، وأعطيناه بعض قسطه من البحث، والتحليل والتدبر، في مختلف جهاته بنفس المستوى الذي أعطيناه لأي حدث عادي آخر.

وذلك لقناعتنا بأن لكل نوع من الناس مجالاته وتنوعاته المناسبة له، فلا بد لمن أراد أن يؤرخ لهم من أن يعكس ذلك بدقة وأمانة، وإن كانت حين يراد نقلها إلى محيط فريق آخر يتبلور شعور بغربتها عن ذلك المحيط الذي يراد نقلها إليه..

فالمعجزة والكرامة، وخوارق العادات هي جزء من حياة وحركة

٧١

الأنبياء وأوصيائهم، فلماذا لا تعطى قسطها كأي أمر عادي آخر؟!.

ولماذا نريد أن نقيس حياتهم على حياتنا؟! ولماذا نُحكِّم فيها نفس المعايير؟! ونفرض عليها نفس النظرة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض؟! ما دمنا لسنا منهم، ولا نقدر على كثير مما يقدرون عليه، ولا نميل إلى كثير مما يميلون إليه، ولتكن هذه المفردة التي نحن بصدد الحديث عنها من هذا القبيل..

العتاب.. والخطوط الحمر:

حين يكون لا بد من العتاب، فمعنى ذلك: أن ثمة حقاً قد اضيع، وحدوداً قد انتهكت، وأنه لا بد من اعادة الأمور إلى نصابها.. ثم التقيد بالقيود والإلتزام بالوقوف عند الحدود..

وأما كراهة علي (عليه السلام) العتب على عمر في وجهه، فيشير إلى الرغبة في إبقاء الأمور على الوتيرة التي هي عليها، فلا تراجع عن القناعات، ولا تصعيد في المواقف..

وقد دلتنا كلمته (عليه السلام) هنا: على أنه يؤثر تجميد الأمور والإنتظار من دون أن يتخلى عن قضيته، بل هو يريد أن يبقيها على حيويتها حتى يبلغ الكتاب أجله، ولا يحركها باتجاه تصعيدي وتصادمي.

وقد دلنا ذلك بوضوح على: أن القضية المحورية لا تزال حية ومؤثرة، وفي تفاعل مستمر، يدل على ذلك قوله (عليه السلام): (أغضيت على القذى..).. مما يعني: أن هذا القذى المؤذي لا يزال مؤثراً، ويحتاج إلى التحمل، ثم الإغضاء.

٧٢

ودل على ذلك أيضاً: أن سلمان ذكر لعمر براهين أمير المؤمنين ومناقبه وفضائله، حتى احتاج عمر إلى الإعتراف بها كلها، والتصريح بأنه ليس بصدد إنكار شيء منها..

القوس: الثعبان:

وقد ذكر عمر: أن الذي يدعوه إلى هذا النوع من التعامل هو أنه يرى علياً (عليه السلام) يتنفس الصعداء، ويظهر البغضاء..

وللتدليل على قوله هذا أورد قضية تضمنت تعرضه لأمر مخوف من قبل علي (عليه السلام)، لعلها جاءت على سبيل المداعبة المقصودة، لإفهامه أمراً كان لا بد من تكراره له باستمرار، وهو: أن علياً (عليه السلام) لم يكن يتعامل مع المعتدين عليه من موقع الضعف والوهن، أو العجز، وإنما من موقع التكرم، والصفح والعفو، لإدراك مصلحة الإسلام العليا.

وأن على مناوئيه أن يدركوا هذه الحقيقة، فلا تغرهم جحافلهم وعساكرهم، ولا جموعهم وكثرة الناس من حولهم.. وأن كل فتوحاتهم، لا تعطيهم قوة، ولا تمنع من أخذ الحق منهم، إذا حانت ساعة الصفر لذلك.

ولعل عمر قد استحق هذه المداعبة المقصودة من علي (عليه السلام)، لكي لا يتجاوز حده، فيظهر سخريته مما أخبره به (عليه السلام) من أمر سلامه على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي مر في نفر من الملائكة يريدون مدينة بالمشرق.

فإنه لا يحق لعمر ولا لغيره التطفل على عالم لا صلة له به، ولا يعرف عنه شيئاً، فإنه إذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فما بالك برسول

٧٣

الله (صلى الله عليه وآله) الذي له مقام الشهادة على الخلق، وعلى الأنبياء الذين سبقوه، والذي يخاطبه من يزور قبره بقوله: أشهد أنك ترى مقامي، وترد سلامي، وتسمع كلامي(١).. أو نحو ذلك.

ولماذا لا يظهره الله تعالى لبعض خلقه؟! أليس الله على كل شيء قدير؟!

وإذا كانت الملائكة قد ظهرت على مريم، وعلى الأنبياء، فلماذا لا تظهر لعلي (عليه السلام)، وهو أفضل الخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فضلاً عن مريم (عليها السلام)؟!

وكيف لا يغضب علي (عليه السلام) من عمر، حين يكذبه، مع أن الله سبحانه قد شهد له بالطهارة من الرجس في قرآنه العظيم..

وكيف لا يغضب؟! وقد أراه رسول (صلى الله عليه وآله) رأي العين، وكان قد أعطاه عهداً إن أراه إياه أن يترك له حقه الذي اغتصبه منه، ولكنه لم يفِ بما وعد.

١- راجع: بحار الأنوار ج٩٧ ص٢٩٥ و ٣٧٦ ورسائل المرتضى ج١ ص٤٠٧ والمزار لابن المشهدي ص٢١١ و ٦٥٦ والروضة لابن شاذان ص٣٦ والفضائل لابن شاذان ص٩٩ وإقبال الأعمال لابن طاووس ج٣ ص١٣٤ والمزار للشهيد الأول ص٩٧ ومدينة المعاجز ج٢ ص٢٢١ والدر النظيم ص٤٠٩.

٧٤

وتركت حقاً هو لي:

وقد لوحظ أنه (عليه السلام) أخذ على عمر العهد بأن يريه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويترك عمر حق علي لعلي (عليه السلام)، ولهذا دلالات مختلفة..

فأولاً: إنه (عليه السلام) قد جعل إرجاع الحق إليه في مقابل أن يريه دلالة من دلائل إمامته، فكأنه (عليه السلام) لا يكتفي في التدليل على حقه بالتذكير بالبيعة له يوم الغدير، وبنزول الآيات فيه، وبأقوال النبي المؤكدة على إمامته، وولايته، وخلافته من بعده، بل هو يجعل ثمن ذلك ما يتضمن تجسيداً عملياً لتجلي صفات الإمامة فيه، من حيث تصرفه بالغيوب، وهيمنته على العوالم الأخرى..

ثانياً: إنه (عليه السلام) يطلب من عمر أن يترك له حقاً هو له، ولا يطلب منه أن يمنحه هذا الأمر، أو أن يعطيه إياه.. فإن تلك التعابير قد تشي بحق لعمر تعلق بهذا الأمر، ويريد علي (عليه السلام) منه أن يتنازل له عنه بقيمة هذا الفعل الذي يقوم به، فكأن الذي جعل لعلي (عليه السلام) الحق بالمطالبة بهذا الأمر، هو نفس هذا الإنجاز الذي قدمه، ولولاه لبقي الأمر لأهله..

ولكنه حين عبر بالترك لحق هو له يكون قد بين أن ما يقوم به إنما هو للإثبات العملي لما يدعيه من غاصبية عمر لهذا الأمر، وأنه ليس لعمر أي حق فيه من الأساس.

٧٥

ما شأن علي (عليه السلام) بالثعبان؟!:

على أنه ليس لعمر أن ينسب أمر الثعبان إلى علي (عليه السلام)، فإن علياً لم يصنع شيئاً سوى أنه رمى بقوسه من يده؛ فمجرد أن يتحول القوس إلى ثعبان مما لا يطالب به علي (عليه السلام)، ولا يوجب ذلك لوماً له، فضلاً عن أن يوجب الحقد عليه. وذكره بما ليس فيه. ولا سيما من عمر الذي لم يعترف لعلي بشيء مما أخبره به علي (عليه السلام)، بل كذبه بصورة صريحه، وضحك متعجباً من كلامه حتى استلقى على قفاه.

كما أنه حين أراه علي (عليه السلام) ذلك بأم عينيه لم يف له بما وعده به، مما يدل على أنه لم يعتبر، ولم يتراجع عن موقفه بصورة عملية وصادقة، بل كان لا يزال يتردّى في غياهب الشك والتهمة لعلي (عليه السلام) بالسحر، أو نحو ذلك.

وقد صرح بذلك في النص الأخير المتقدم، فقال لسلمان: اقبل مني ما أقول لك: ما علي إلا ساحر.

فرده سلمان، وقال: لكن علياً وارث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه، وعنده ما هو أكثر مما رأيت منه.

عمر يستجيب ويعتذر:

ولعل عمر كان قد صرح بشيء من ذلك أي باتهام علي (عليه السلام) بالسحر ونحوه لبعض الناس، فبلغ ذلك علياً (عليه السلام) فأرسل إليه سلمان ليوقفه عند حده.

٧٦

ولعله فهم من هذه المطالبة: أن عدم استجابته لعلي (عليه السلام) قد توقعه فيما هو أشد مما وقع فيه في قضية الثعبان والقوس، فأعلن أنه لا ينكر فضل علي (عليه السلام) وسابقته، وكثرة علمه، وأظهر التودد له، وطلب من سلمان أن يبلغه اعتذار عمر إليه، وأن يثني عليه بالجميل.

لأنه ذكر شيعته:

لقد بين النص الأخير طبيعة الحديث الذي دار بين علي (عليه السلام) وعمر، وهو أنه (عليه السلام) عاتب الخليفة على ذكره لشيعته (صلوات الله وسلامه عليه)..

وذلك أن بعض شيعة علي (عليه السلام) اختلف مع بعض شيعة عمر، فترافعا إلى عمر، فمال عمر إلى الذي يتشيع له على الرجل الآخر. ولعله أطلق كلاماً يمس به شيعة علي (عليه السلام)، فطالبه علي (عليه السلام) بما قال، لا لأنه يريد أن ينتصر لذلك الرجل لمجرد كونه من شيعته، بل لأن ذلك الرجل قد تعرض للظلم، ولا بد لعلي (عليه السلام) أن ينصر المظلوم.. وكيف إذا كان قد ظلم مرتين:

أولاهما: بتضييع حقه.

والأخرى: بانتهاك حرمته لأجل دينه ومعتقده وانتمائه؟!

إربع على ظلعك:

ولكن عمر واجه علياً (عليه السلام) بظلم آخر، حيث واجهه بكلام خارج عن سنة العدل والإنصاف، بقوله له: اربع على ظلعك..

٧٧

ومعنى هذه الكلمة: إنك ضعيف، فلا تحاول طلب ما تقصر عنه..

وهذا في الحقيقة جواب من يريد أن يجعل من ضعف الآخرين سبباً لتضييع حقوقهم، ومنعهم من المطالبة بها. وهو أمر غير مقبول من أي كان من الناس..

مع أن علياً (عليه السلام) هو القائل: الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له. والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه(١).

وإنك لها هنا؟!!

وكان لا بد من إقناع عمر بأن سكوته (عليه السلام) ليس عن ضعف، وإنما لأن الله ورسوله يأمرانه بالسكوت.

ولن يقتنع عمر منه بمجرد إدعاء القوة والقدرة على المواجهة..

وحتى لو أراد (عليه السلام) أن يظهر له شيئاً من قوته بصورة عملية، فإن المجال يبقى واسعاً أمام عمر لإقناع نفسه وغيره: بأن المعيار ليس هو القوة البدنية، والشجاعة الشخصية، فإن الكثرة تغلب الشجاعة، وعمر لديه الجيوش الضاربة في طول البلاد وعرضها، ويستطيع أن يتغلب بها على

١- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٨٨ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٧٣ ـ ١٧٤ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٢١ ـ ١٢٤ وج٣٩ ص٣٥١ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص٢٨٤ و ٢٨٦ والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام" ص٥٥٤ ـ ٥٥٨.

٧٨

شجاعة علي (عليه السلام)، ويسقط قدراته البدنية..

فلذلك لم يجرب علي معه هذا الخيار أيضاً.. بل لجأ إلى أسلوب إقناع لا يملك عمر فيه حيلة، حتى لو كان جميع أهل الأرض معه.. وهو التصرف في الأمور من خارج دائرة القدرات المادية، فإن من يقدر على تحويل القوس إلى ثعبان كالبعير، قادر على القضاء على كل القدرات التي يفكر عمر ومن معه بالإستعانة بها..

وقد أخبر علي (عليه السلام) أن رعب الثعبان مستقر في قلب عمر إلى أن يموت..

من أين علم بالمال؟!:

لم يدر عمر بن الخطاب من أين علم علي (عليه السلام) بالمال الذي جاءه.. ثم حكم بأنه قد علمه عن طريق السحر، فما علي (عليه السلام) بنظره إلا ساحر.. وكأنّ عمر يرى أن السحر يوصل إلى العلم بالغيب!!

وهذا يدل على عدم معرفته بعلي (عليه السلام)، أو على تجاهله لما يعرفه منه، ويدل أيضاً على عدم معرفته بالسحر، وبقدرات الساحر.

ويدل على كثرة الكرامات والعجائب التي كانت تصدر من بني هاشم.

كما أنه يدل على أنه لا يفرق بين ما هو كرامة ومعجزة إلهية، وبين ما هو خداع، وشعوذة، وتسخير للمخلوقات، التي لا تعلم الغيب، ولا تقدر على تحويل القوس إلى ثعبان، تماماً كما حول موسى (عليه السلام) العصا إلى حية تلقف ما يأفكون.

٧٩

عمر يطمع بسلمان:

وقد أظهر عمر بن الخطاب أن له جماعة مناوئة لعلي (عليه السلام)، وأنه يسعى لتكثيرها من جهة، كما يسعى لإبعاد الناس عن علي (عليه السلام)، وضمهم إلى جماعته من جهة أخرى.

وقد بلغ به الأمر حداً جعله يطمع بسلمان، ويعرض عليه مفارقة علي (عليه السلام)، والإنضمام إلى جماعته. وكأنه لا يعرف سلمان الذي كان شديد الإلتزام بما يؤمن به. وقد بلغ في إيمانه وطهره وقداسته مرتبة استحق بها أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله): سلمان منَّا أهل البيت..

معرفة سلمان بعلي (عليه السلام):

وقد أظهر سلمان: أن ما يعرفه من علي (عليه السلام) أكثر مما ظهر منه، ولذلك قال لعمر عن معرفة علي (عليه السلام) بالمال الذي وصل إلى عمر في الخفاء: (وهل يخفى عليه مثل هذا)؟!!.

وقال لعلي (عليه السلام) حين عرض (عليه السلام) عليه أن يخبره بما جرى بينه وبين عمر: (أنت أعلم به مني) ولم يقل له: أنت تعلم به كما أنا أعلم به..

كما أن سلمان كان يعرف منشأ علم علي، وأسباب تصرفاته، وهو أنه وارث من أسرار النبوة أكثر مما ظهر منه لعمر.

علي (عليه السلام) يصحح، ويوضح:

وخطب عمر، فقال: إن أخوف ما أخاف عليكم أن يؤخذ الرجل

٨٠