×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج14 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

وروى محبوا عثمان: أن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث تبشير عثمان بالجنة قال لأنس: (وأخبره أنه يلي أمتي من بعد أبي بكر وعمر، وأنه سيلقى منهم بلاء يبلغون دمه(١).

وفي رواية أخرى أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعثمان: وأنت مقتول(٢)،

١- تاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص١٤٦ ومختصر تاريخ دمشق ج١٦ ص١٤٠.

٢- تاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص١٧٤ و ١٨٤ و ٢٩٠ وج٤٤ ص١٦٥ ومختصر تاريخ دمشق ج١٦ ص١٤٨ وكنز العمال ج٥ ص٧٤٣ وج١٣ ص٦٦ و ٩٦ والتاريخ الكبير للبخاري ج١ ص٢٦٢ ومجمع الزوائد ج٥ ص١٧٦ وج٩ ص٨٩ وعمدة القاري ج١٦ ص١٧٧ وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص٥٤٤ ومسند أبي يعلى ج٧ ص٤٥ وج١٢ ص٤٧٤ والوضاعون وأحاديثهم ص٤٢٢ والكامل لابن عدي ج١ ص٢٦٤ وج٤ ص٩٢ وتاريخ بغداد ج٩ ص٣٤٠ ولسان الميزان ج٣ ص١٩٣ وسبل الهدى والرشاد ج١١ ص٢٤٩.

٣٢١

وهناك روايات أخرى بهذا المعنى.

وحينئذ لا بد من الإجابة على سؤال: لماذا يريد عمر إيهام الناس بأنه يخبر عن الغيب، ويقول ذلك من عند نفسه؟! ولماذا أيضاً يقدم على جعل عثمان في الشورى، بل هو يسوق الأمر إليه، ويتيقن بحصوله عليه، مع كونه قد سمع بما يكون منه وبما يجري له من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي لا ينطق عن الهوى؟!

هل أراد له أن يقتل ليكون ذلك ذريعة لتشبث معاوية وعمرو بن العاص وأضرابهما بالأمر عن هذا الطريق؟!

ويكون ذلك ذريعة لمحاربة علي (عليه السلام) ومنعه، ومنع بني هاشم من نيل هذا الأمر، ولأجل ذلك اتهموا بني هاشم بالتحريض على قتل عثمان، والمشاركة فيه، تمهيداً لمواجهتهم بالحرب والقتال؟!.. ولعل في النصوص التي تظهر حرص عمر على اطماع معاوية وابن العاص، وبني أمية بهذا الأمر ما يشهد لهذه الحقيقة، والله هو العالم..

عثمان رجل فيه لين:

وقد وصف عمر بن الخطاب عثمان: بأنه رجل فيه لين.. مع أنه هو الآخر كان معروفاً بالزهو والتكبر..

ولكننا لم نلحظ هذا اللين في عثمان.. فهل هذا من قبيل الدعايات الإنتخابية؟! كيف وهو قد داس في بطن عمار بن ياسر حتى أحدث له فتقاً(١).

١- راجع: كتاب الفتـوح لابن أعثم ج٢ ص٣٧٣ وبحار الأنـوار ج٣١ ص١٩٤ = = والشافي في الإمامة ج٤ ص٢٩٠ والغدير ج٩ ص١٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٥٠ وراجع ج١٠ ص١٠٢ وج٢٠ ص٣٦ والـدرجـات الرفيعـة ص٢٦٣ وراجع ص٢٥٥ والإستغاثة ج١ ص٥٣ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٣٦٦ وسفينة النجاة للتنكابني ص٢٤٧ وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص١٥٦ وراجع: مناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٣٦٢ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢١ والإستيعاب (ط دار الجيل) ج٣ ص١١٣٦ والوافي بالوفيات ج٢٢ ص٢٣٣ وعن أنساب الأشراف ج٦ ص١٦٢ وعن الرياض النضرة ج٣ ص٨٥.

٣٢٢

وعمار هو الذي يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه مليء إيماناً إلى مشاشه(١).

١- راجع: الأمالي للصدوق ص٣٢٤ وروضة الواعظين ص٢٨١ وبحار الأنوار ج٢٢ ص٣١٩ وج٣٣ ص٢٥ وج٤٣ ص٤٦ ومناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٣٧٩ والغدير ج٩ ص٢٤ و ٢٥ وج١٠ ص١٨ و ٨٧ و ٣١٢ وسنن ابن ماجة ج١ ص٥٢ وسنن النسائي ج٨ ص١١١ وفضائل الصحابة للنسائي ص٥٠ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٣٩٢ ومجمع الزوائد ج٩ ص٢٩٥ وفتح الباري ج٧ ص٧٢ والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٢١٧ و ٥٢٤ والسنن الكبرى للنسائي ج٥ ص٧٤ وج٦ ص٥٣٢ وصحيح ابن حبان ج١٥ ص٥٥٢ والإستيعاب ج٣ ص١١٣٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٠ ص١٠٣ وج٢٠ ص٣٨ والجـامع الصغير ج٢ ص١٧٨ و ٥٣٩ وكنز العـمال = = ج١١ ص٧٢٢ و ٧٢٤ وفيض القدير ج٤ ص٤٧٣ وج٦ ص٥ والدرجات الرفيعة ص٢٥٧ وعلل الدارقطني ج٤ ص١٥٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٣٥٩ و ٣٩١ و ٣٩٢ و ٣٩٣ وج٦٠ ص١٦٨ وأسد الغابة ج٥ ص٣٨٣ وتهذيب الكمال ج٢١ ص٢٢٢.

وراجع: سير أعلام النبلاء ج١ ص٤١٣ والإصابة ج٤ ص٤٧٣ وتهذيب التهذيب ج٧ ص٣٥٨ وتاريخ الإسلام ج٣ ص٥٧٣ والوافي بالوفيات ج٢٢ ص٢٣٣ والبداية والنهاية ج٧ ص٣٤٥ وصفين للمنقري ص٣٢٣ وينابيع المودة ج٢ ص٧٧ والنهاية في غريب الحديث ج٤ ص٣٣٣ ولسان العرب ج٦ ص٣٤٧ وتاج العروس ج٩ ص١٩٦ وحليف مخزوم (عمار بن ياسر) ص٧٥ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٥ ص٢٨٥ وج٦ ص١٣٤ وج١٦ ص٥٠٣.

٣٢٣

وعثمان هو الذي يصر على العمل بما يخالف سنة النبي (صلى الله عليه وآله).. رغم تذكيره بها(١).

وهو الذي أمر ابن زمعة بأن يعنف بابن مسعود، فاحتمله فضرب به

١- راجع: راجع: تاريخ الأمم الملوك ج٣ ص٣٢٢ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٣ ص٣٢٧ والغدير ج٨ ص١٠١ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج٢ قسم٢ ص١٤٠ والبداية والنهاية ج٧ ص١٥٤ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٠٣ و ١٠٤ والصراط المستقيم ج٣ ص٣٢ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٥٨٦ وبحار الأنوار ج٣١ ص٢٦٩ وتقريب المعارف ص٢٦٢.

٣٢٤

الأرض، فكسر ضلعاً من أضلاعه(١).

وهو الذي لم يرض بالتراجع عن مواقفه وأعماله التي نقمها الناس عليه، حتى قتل.

ويمكن حشد الكثير من الشواهد الدالة على قسوته، وجرأته على عظائم الأمور، فما معنى وصف عمر له بأنه رجل فيه لين.

إلا أن كان يريد حثه على القسوة والشدة على الناس خوفاً من علي (عليه السلام) وبني هاشم.

حب عثمان للمال:

ولكن قد ظهر صدق قول عمر في عثمان: أنه يحب المال ويحب قومه. وقد كان به عارفاً. فإن حب عثمان هذا، هو الذي أودى به إلى القتل.. حتى ذبح على فراشه.

وقد قلنا آنفاً: إن عمر وإن أوهم أنه يتنبأ بهذا الأمر لعثمان، فصدقت نبوءته.. ولكن الحقيقة هي أن عمر كان قد سمع ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه.

١- راجع: قاموس الرجال (ط مركز نشر الكتاب ـ طهران) ج٦ ص١٣٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٤٣ و الشافي في الإمامة ج٤ ص٢٨١ وسفينة النجاة للتنكابني ص٢٦٣ ومستدركات علم رجال الحديث للشاهرودي ج٥ ص١٩ والغدير ج٩ ص٤ وبحار الأنوار ج٣١ ص١٨٨ عن الواقدي.

٣٢٥

صلاة الملائكة على عثمان:

تقول بعض الروايات المتقدمة: يوم يموت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء.

قالت حفصة: قلت يا رسول الله عثمان خاصة أم للناس عامة.

قال: عثمان خاصة.

وهذا كلام غير صحيح، فإن صلاة الملائكة تعم المؤمنين.

وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ}(١).

فالملائكة تصلي على جميع المؤمنين.

فلماذا تريد الرواية إخراجهم منها، وتخصيص عثمان بها؟!..

وكيف يقتل الصحابة العدول من تصلي عليه الملائكة دون سواه؟!..

١- الآية ٤٣ من سورة الأحزاب.

٣٢٦
٣٢٧

الفصل الخامس:

لهذا أبعد علي (عليه السلام)!!!!

٣٢٨
٣٢٩
٣٣٠

قال: ذاك رجل يناول للشرف والمديح. يعطي ماله حتى يصل إلى مال غيره. وفيه بأو وكبر.

قال: فقلت: فالزبير بن العوام؟! فهو فارس الإسلام.

قال: ذاك يوم إنسان، ويوم شيطان، وعقة لقس(١)، وإن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظهر، حتى تفوته الصلاة.

قال: فقلت: عثمان بن عفان؟!

قال: إن ولي حمل آل إبي معيط، وبني أمية على رقاب الناس، وأعطاهم مال الله. ولئن ولي ليفعلن والله، ولئن فعل لتسيرن العرب إليه حتى تقتله في بيته.

ثم سكت.

قال: فقال: امضها يا ابن عباس، أترى صاحبكم لها موضعاً؟

قال: فقلت: وأين يبتعد من ذلك مع فضله، وسابقته، وقرابته، وعلمه؟!.

قال: هو والله كما ذكرت، ولو وليهم لحملهم على منهج الطريق، فأخذ المحجة، إلا أن فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي، والتبكيت للناس مع حداثة السن.

قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، هلَّا استحدثتم سنه يوم الخندق، إذ خرج عمر بن عبد ودّ، وقد كعم عنه الأبطال، وتأخرت عنه الأشياخ، ويوم بدر

١- وعقة: أي يتضجر ويتبرم. واللقس: السيء الخلق، وقيل: الشحيح..

٣٣١

إذ كان يقط الأقران قطاً؟!

هلاَّ سبقتموه بالإسلام، إذ كان جعلته السعب (الشعب)، وقريش يستوفيكم(١).

فقال: إليك يا ابن عباس، أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعلي بأبي بكر يوم دخلا عليه؟!

قال: فكرهت أن أغضبه، فسكتّ.

فقال: والله يا ابن عباس، إن علياً (عليه السلام) ابن عمك لأحق الناس به، ولكن قريشاً لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنهم بمرّ الحق، لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثن بيعته، ثم ليتحاربن(٢).

ونقول:

نستفيد من هذه الرواية عدة أمور، نجملها على النحو التالي:

١- وردت هذه العبارة في المصدر على هذا النحو. وهي غير مفهومة لنا، فلتحرر.

ولعل المقصود: القول: إذ كانت قريش جعلته أو حصرته في الشعب (أي شعب أبي طالب) وقد كان علي (عليه السلام" ينام في فراش النبي (صلى الله عليه وآله" يفديه بنفسه كما تقدم.. وبذلك يكون (عليه السلام" أوفى من كل أحد في ذلك..

٢- تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٥٨و ١٥٩ ومواقف الشيعة ج٢ ص٣٢٨ وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام" ج٣ ص١٠٢ وراجع: تاريخ المدينة لابن شبة ج٣ ص٨٨٢ والفتوح لابن أعثم ج٢ ص٣٢٥ والإستيعاب ج٣ ص٢١٥.

٣٣٢

١ ـ إن إشكالات عمر على علي (عليه السلام) تشير إلى أن عمر كان يتساهل مع قريش ولا يأخذها بمرّ الحق.. على عكس ما هو شائع عنه أنه كان شديداً في أمور الدين.

٢ ـ ما معنى أن يستقل عمر بن الخطاب بحراسة نواحي المدينة؟!

وهل كان عمر قادراً على دفع عدو، أو مواجهة ولو فارس واحد في حرب ونزال؟!..

وأين هو سيف عمر الذي يقاتل به؟!

وماذا يمكن لدرته أن تصنع لو قصده أحد قد استعدّ له؟!

وما الذي هيأه عمر لأي مفاجأة يحتمل حصولها؟!.

إلا إن كان مقصوده بالحراسة مراقبة السارقين أو المتسترين بمعاصيهم.. وإن كان ذلك خلاف ظاهر العبارة..

٣ ـ إن ابن عباس قد أدرك أن خروج عمر إلى بقيع الغرقد لم يكن لأجل الحراسة.. وقد أقر عمر له بذلك، حين طلب منه أن يتنبأ له بسبب ذلك..

٤ ـ ما معنى أن يعتبر سبب خروجه هذا الذي كان من صنعه واختياره هو أمرالله تبارك وتعالى؟!

ومن الذي قال لعمر: إن الله تعالى كان راضياً بخروجه هذا؟!

أليس هذا هو التهرب من المسؤولية، وإحالة الأمر على الله سبحانه، انطلاقاً من اعتقاده بالجبر الإلهي، الذي عاد فأحياه بين أهل الإسلام، بعد

٣٣٣

أن كان قد انحسر أو كاد، ولكنه تقوقع في زوايا بعض النفوس، وحنايا بعض القلوب لأكثر من سبب؟!

ولعل على رأس أسباب العودة إلى عقيدة الجبر حمل الناس على التسليم بالأمر الواقع، والإستسلام والخضوع لإرادات الآخرين، وخصوصاً الحكام، والإنقياد لهم، والتراجع أمام خططهم، وعدم مقاومتها، أو حتى الإعتراض عليها..

٥ ـ سياق هذه القضية يشير إلى أنها حصلت في وقت إحساس عمر بالحاجة إلى حسم أمر الخلافة بعده، وإيجاد المخارج، والسبل العملية لإقصاء علي (عليه السلام) عن هذا الأمر بصورة لا تثير أمامه الكثير من المصاعب.

٦ ـ المؤاخذات التي أطلقها عمر في حق علي (عليه السلام) لا تمثل طعناً يضر في التصدي لهذا الأمر، بل هي من أسباب الترجيح والترشيح له، فلاحظ ما يلي:

بالنسبة للدعابة نقول:

ألف: سيأتي أنها تهمة باطلة، أو غير دقيقة.

ب: إن هذه التهمة حتى لو صحت، فهي لا تضر في مقام الإمامة، بل هي من موجبات إخراج الناس من أجواء الرهبة والخوف إلى أجواء الراحة والرضا، والعلاقة الروحية بالحاكم، والأنس به والمحبة له، والعفوية والصراحة معه، والجرأة على إبداء الرأي لديه، وإسداء النصيحة له.

ج: بالنسبة إلى الإستبداد بالرأي، نقول:

٣٣٤

إنه السمة التي أمر الله تعالى نبيه بها، وهي سمة الحزم التي لا بد منها لكي لا يكون الإنسان إمَّعَة تتلاعب به أهواء المشيرين، وتأسره جهالاتهم.. قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ..}(١).

ولم يكن عمر يرضى في سياسته للرعية بأقل من هذا. بل كان يسعى لفرض آرائه وقراراته ولو استلزم ذلك الظلم والتعدي..

بل هو قد مارس فرض آرائه على أبي بكر من قبل، وكان يسعى لذلك باستمرار مع الرسول الأعظم نفسه.

وقد نزلت الآيات في موارد كثيرة لكي تضع حداًَ لهذه التصرفات منه.. ولكنها استمرت.. وكان آخرها ما جرى في مرض النبي، ليس في قضية الإمتناع عن السير في جيش أسامة وحسب، وإنما في موضوع كتابة الكتاب الذي لن يضلوا بعده، حيث منع النبي من كتابته، واتهمه بالهجر الذي يعلم كل أحد أنه لا تصح نسبته للأنبياء (عليهم السلام).

د: وأما تبكيت الناس مع حداثة السن.. فلست أدري ما أقول فيه،

فأولاً: إنه إذا كان علي (عليه السلام) يفعل ذلك، فإن عمر كان يضرب الناس بدرته من دون سبب، بل لمحض إذلالهم، واسقاط عزتهم، بل هو يضرب الرجل لمجرد أنه يراه يلبس ثوباً جديداً، ليطأطئ منه بزعمه.. فضلاً عن ضربه الناس لسؤالهم عن حكم شرعي، أو عن تفسير آية، أو نحو ذلك..

١- الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.

٣٣٥

ثانياً: ما المانع من تبكيت المعتدين والمذنبين إذا صدر منهم ما يستحق اللوم والتبكيت؟! وما شأن السن في ذلك؟!

ولماذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعل ذلك مع شيوخ قريش، الذين كانوا أسن منه، حين يراهم يعبدون الأصنام، ويظلمون الناس، ويقطعون أرحامهم، ويرتكبون العظائم والجرائم؟!

وهكذا الحال بالنسبة لسائر الأنبياء، فقد كانوا يبكتون من كان من قومهم أسن منهم، على كفرهم ومعاصيهم.

ثالثاً: إن هذه الصفة، وكذلك صفة الإستبداد بالرأي حين ظهور وجه الصواب والحق، وتأليف الناس، والأنس بهم، وعدم إشاعة الخوف والرهبة فيهم، إن كل هذه الأمور اذا انضمت إلى سائر الصفات والميزات فيه (عليه السلام)، وهي العلم، والشجاعة، وحسن التدبير والتقوى والعصمة، وغير ذلك تجعل من يتحلى بها أوفر حظاً لنيل مقام الخلافة..

رابعاً: ألم يكن الله سبحانه وتعالى، وكذلك رسوله (صلى الله عليه وآله) يعرفان هذه الصفات في علي (عليه السلام)؟! حين نزلت الآيات القرآنية فيه، ونصبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إماماً للأمة في يوم غدير خم وسواه!!

وإذا كان في ذلك الوقت لم يكن يتحلى بها، فهل لم يكن الله يعلم أنها سوف تصبح فيه.. ولماذا ينصبه إماماً للأمة، ويعرض الأمة للخطر، ولا يختار لها، من تكون هذه الصفات فيه بالفعل؟!

هـ: وفي مقابل ذلك اعترف عمر لعلي (عليه السلام) بجامعيته لكل

٣٣٦

الصفات الضرورية لمقام الخلافة ـ والتي كان عمر نفسه فاقداً لها ـ وهي: العلم، والفضل، والسابقة، بالإضافة إلى القرابة، وأنه لو وليهم لحملهم على الطريق المستقيم، والمحجة الواضحة.

و: إن الطعون التي سجلها عمر في حق ابن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، وعثمان، تجعلهم جميعاً غير جديرين بمقام الخلافة لرسول الله (صلى الله عليه وآله). فكيف إذا كان بعضهم متصفاً بما هو أشر وأضرّ، حتى إنه ليكون يوماً شيطاناً ويوماً إنساناً.

أو أنه يناول على المديح، حتى يصل إلى مال غيره.

أو يكادح على المكيلة من بكرة إلى أن تفوته صلاة الظهر.

أو أنه يحمل عشيرته على رقاب الناس.

أو يعطي مال الله لعشيرته وأقاربه، حتى ينتهي به الأمر إلى أن يقتله الناس.

أو كان ضعيفاً، ممسكاً، بحيث يضر ذلك بالناس..

إن ذلك كله يجعل من أي كان من الناس غير صالح للخلافة والإمامة إذا تحلى بواحدة منها، فكيف إذا فقد صفة العلم، أو صفة العصمة، أو غيرها من الصفات الضرورية لمقام الأمامة؟!..

ولماذا يجعل أمثال هؤلاء في جملة أهل الشورى الذين يصبحون في دائرة الإحتمال حاضراً ومستقبلاً؟!

٧ ـ إن سياسة الأمة لا ترتبط بالسن.. ولم يجعل السن شرطاً للسيادة ولا للإمامة، بل ولا للنبوة أيضاً، وقد أشرنا إلى ذلك أكثر من مرة، بل المهم

٣٣٧

هو القدرة على تحمل المسؤولية، وإنجاز المهمات الموكلة إليه..

وقد أشار ابن عباس إلى إنجازات علي (عليه السلام) في الخندق وفي بدر، حيث تأخرت الأشياخ، وأشار أيضاً إلى قبوله دين الله وسبقه إليه، حيث تلكأ الأشياخ، بل كانوا في موقع المناوئ والمحارب.

وهذا يدل على أنه (عليه السلام) كان مع الحق في عقله، وفكره، وقلبه. ومعه في جهاده وحركته في الحياة..

أما الأشياخ فلم يكونوا كذلك، لا في فكرهم وعقلهم وقلبهم، ولا في جهادهم وحركتهم، ولذلك كان (عليه السلام) أحق منهم بهذا الأمر..

وهذا هو ما ضايق عمر بن الخطاب، وأغضبه، حتى اضطر ابن عباس للسكوت..

٨ ـ يبدو أن عمر كان يعيش أزمة من نتائج ما جرى بين العباس، وعلي (عليه السلام) من جهة، وبين أبي بكر من جهة أخرى، ولم يكن قادراً على تجاوزها أو نسيانها، مما يدل على أن النتيجة كانت ضد توجهاته، وأن أبا بكر فشل في مواجهة حجة العباس وعلي (عليه السلام).

ويبدو أن هذه الحادثة تركت آثاراً بالغة في وعي الناس للحقيقة، لم يكن يحب عمر وحزبه أن تكون.. ولم يكن يرغب في تكرار مثل هذه الأمور.. ولذلك ذكر ابن عباس بها في هذه المناسبة..

٩ ـ إن عمر لم يكن يريد التفريط بعلاقته بابن عباس خصوصاً في هذا الظرف الذي يتهيأ فيه لاتخاذ قرارات حاسمة، ومصيرية بالنسبة لكل ما يخطط له، فكان بحاجة دائماً إلى استنكاه الأجواء التي تحيط بعلي (عليه

٣٣٨

السلام) من خلال استدراج ابن عباس، ولذلك نرى: أنه عاد لملاينتة وأبقى على العلاقة معه..

١٠ ـ ثم إن عمر قد عاد إلى إلقاء تبعة إقصاء علي (عليه السلام) على غيره، وعلى قريش بالذات، مدعياً أنها لا تحتمله لأنه يعمل فيهم بمرّ الحق.. مع أنه هو الذي عمل على إقصاء علي (عليه السلام) عن مقامه، وقريش إنما تبعته وتابعته.

١١ ـ كان المفروض بعمر الذي لم يزل يظهر التشدد في تطبيق الأحكام أن يقف إلى جانب علي (عليه السلام)، ويشد على يده، ويختاره دون كل من سواه، لكي يحمل الناس على الطريق المستقيم، ويعمل فيهم بمرّ الحق.

وأن يكون معه ضد قريش التي تريد أن لا تعمل بالحق، لا أن يكون هو حامل راية الخلاف عليه، بل هو رائد قريش في ذلك، ويكون الناس كلهم له تبع، فلماذا يلقي بالتبعة عليهم؟!.

١٢ ـ إنه يبدو لنا: أنه كان يحاول تخويف الناس من حكم علي (عليه السلام)، ويدعوهم بهذا الأسلوب إلى مناوأته ومنعه من الوصول إلى الخلافة.. ولذلك نجده يقول في بعض النصوص: ليس إلى تولية علي سبيل..

ويقول في نص آخر: لو وليهم لا انتقضوا عليه، وحاربوه، كما اتضح..

١٣ ـ اللافت هنا: أن ابن عباس لم يعرض على عمر إلا أسماء الذين جعلهم عمر شورى.. مما يعني: أن ابن عباس كان على علم بما دبره عمر لصرف الأمر عن علي (عليه السلام). فهل كان قد علم ذلك من علي (عليه

٣٣٩

السلام)، الذي كان يخبر بالكثير مما يجري قبل وقوعه، وكان قد علم ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبما هيأه الله تعالى له من وسائل معرفة خاصة به (عليه السلام).

دعابة علي (عليه السلام).. خرافة:

قال أبو العباس، أحمد بن يحيى، ثعلب، في كتاب الأمالي: كان عبد الله بن عباس عند عمر، فتنفس عمر نفساً عالياً، قال ابن عباس: ظننت أن أضلاعه قد انفجرت، فقلت له: ما هذا النفس منك يا أمير المؤمنين! إلا هم شديد؟!

قال: أي والله يا ابن عباس، إني فكرت في من أجعل الأمر بعدي.

ثم قال: لعلك ترى صاحبك لها أهلاً؟!

قلت: وما يمنعه من ذلك مع جهاده، وسابقته، وقرابته، وعلمه؟!

قال: صدقت، ولكنه امرؤ فيه دعابة.

وقال: ثم أقبل علي، ثم قال: إن أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم، وسنة نبيهم لصاحبك. والله، لئن وليها ليحملنهم على المحجة البيضاء، والصراط المستقيم(١).

وفي رواية: أنه حين طعن عمر دخل عليه ابن عباس فرآه مغتماً بمن

١- راجع: مناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٤٥١ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٣٢٦ ومواقف الشيعة ج١ ص١٤٩.

٣٤٠