×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج15 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، ولو طال السرى.

لو عهد إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهداً لأنفذنا عهده.

ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت.

لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الامر من بعد هذا المجمع تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:


فإن تك جاسم هلكت فإني بما فعلت بنو عبد بن ضخم
مطيع في الهواجر كل عي بصير بالنوى من كل نجـم

فقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الامر ويوليه غيره؟!

قال: فأمسكوا عنه.

قال: فإني أخرج نفسي وابن عمي، فقلده القوم الامر، وأحلفهم عند المنبر، فحلفوا ليبايعن من بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى(١).

١- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٢٣٥ ـ ٢٣٧ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٢٩٩ و ٣٠٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص١٩٥ وكلام أمير المؤمنين (عليه = = السلام" مذكور في نهج البلاغة الخطبة رقم ١٣٩ وفي بحار الأنوار ج٣١ ص٣٦٥.

٦١

ثم ذكرت الرواية: أنه بعد أن مضت ثلاثة أيام بعث عبد الرحمان بن عوف إلى علي (عليه السلام)، وعثمان، فقال لهما:

إني قد سألت عنكما وعن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما، هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر.

فقال: اللهم لا، ولكن جهدي من ذلك وطاقتي.

فالتفت إلى عثمان فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر.

قال: اللهم نعم.

فأشار بيده إلى كتفيه، وقال: إذا شئتما. فنهضنا حتى دخلنا المسجد، وصاح صائح الصلاة جامعة.

قال عثمان: فتأخرت والله حياء لما رأيت من إسراعه إلى علي، فكنت في آخر المسجد.

قال: وخرج عبد الرحمن بن عوف، وعليه عمامته التي عممه بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متقلدا سيفه حتى ركب المنبر، فوقف وقوفا طويلاً، ثم دعا بما لم يسمعه الناس، ثم تكلم فقال:

أيها الناس إني قد سألتكم سرا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي، وإما عثمان، فقم إليَّ يا علي.

٦٢

فقام إليه علي، فوقف تحت المنبر.

فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر.

قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي.

قال: فأرسل يده.

ثم نادى: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وهو في موقف علي الذي كان فيه.

فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر.

قال: اللهم نعم.

قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ثم قال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان.

قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي (صلى الله عليه وآله) من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه.

وتلكأ عليّ، فقال عبد الرحمن: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}(١)، فرجع عليّ يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة.

قال عبد العزيز: وانما سبب قول علي خدعة: أن عمرو بن العاص كان

١- الآية ١٠ من سورة الفتح.

٦٣

قد لقي عليا في ليالي الشورى.

فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك.

قال: ثم لقي عثمان.

فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل. فلذلك قال علي (عليه السلام): خدعة.

قال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة ابنة قيس، فجلس والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيباً.

فقال: يا أبا محمد الحمد لله الذي وفقك، والله ما كان لها غير عثمان. وعلي جالس.

فقال عبد الرحمن: يا ابن الدباغ، ما أنت وذاك؟! والله ما كنت أبايع أحداً إلا قلت فيه هذه المقالة(١).

وبعد.. فإننا أردنا أن يكون هذا الفصل خاصاً بالنصوص، أما المناقشة والتأييد والتفنيد فإنه يكون في الفصل التالي والذي بعده إن شاء الله تعالى..

١- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٢٣٨ و ٢٣٩ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٣٠٠ ـ ٣٠٢.

٦٤
٦٥

الفصل الثاني:

الخطة العمرية..

٦٦
٦٧

إرشاد وهداية:

إننا في هذا الفصل والفصل الذي بعده سوف نناقش، ونؤيد أو نفند النصوص التي وردت في الفصل السابق..

فعلى القارئ أن يلاحظ ذلك.. ويتعامل مع مناقشاتنا وتحليلاتنا على هذا الأساس..

أطماع حدثت:

إن ما حصل في السقيفة قد أطمع عامة الناس بالخلافة، فإن حصول أبي بكر ثم من بعده عمر على الخلافة، وهما من أقل وأذل بيت في قريش على حد تعبير أبي سفيان، قد جعل أعناق الرجال تشرئب إلى هذا المقام وقد قال (عليه السلام):

(فلما رق أمرنا طمعت رعيان إلبهم من قريش فينا)(١).

وقد قال طلحة لعمر: إنه وليها (يعني عمر) وهم ليسوا دونه، ثم جاءت الشورى فأكدت هذه الأطماع وأذكتها..

لكن آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين يرى أن الشورى هي التي

١- الأمالي للمفيد ص٢٢٤ والبحار ج٢٩ ص٥٨٢.

٦٨

قد فتحت شهية أناس إلى الخلافة، في حين أنهم لولا الشورى لم يكونوا يطمعون بما هو أقل شأناً من ذلك بمرات..

قال (رحمه الله):

(ولم يكونوا قبل الشورى على هذا الرأي، بل كان عبد الرحمن تبعا لعثمان، وسعد كان تبعا لعبد الرحمن.

والزبير إنما كان من شيعة علي، والقائمين بنصرته يوم السقيفة على ساق، وهو الذي استل سيفه ذودا عن حياض أمير المؤمنين وكان فيمن شيع جنازة الزهراء (عليها السلام)، وحضر الصلاة عليها إذ دفنت سرا في ظلام الليل بوصية منها (لكننا ذكرنا: أن ذلك لم يثبت)، وهو القائل على عهد عمر:

والله لو مات عمر بايعت علياً لكن الشورى سولت له الطمع بالخلافة، ففارق علياً مع المفارقين، وخرج عليه يوم الجمل الأصغر، ويوم الجمل الأكبر مع الخارجين.

كما أن عبد الرحمن بن عوف ندم على ما فعله من إيثار عثمان على نفسه بالخلافة، ففارقه وعمل على خلعه، فلم يأل جهدا، ولم يدخر وسعاً في ذلك. لكنه لم يفلح.

وقد علم الناس ما كان من طلحة والزبير من التأليب على عثمان، وانضمام عائشة في ذلك إليهما نصرة لطلحة، وأملا منها برجوع الخلافة إلى تيم. وكانت تقول:

٦٩

(اقتلوا نعثلا فقد كفر(١))(٢).

وقد عمل هؤلاء وأولياؤهم من الإنكار على عثمان، ما أهاب بأهل المدينة وأهل الأمصار إلى خلعه وقتله، فلما قتل وبايع الناس عليا كان طلحة والزبير أول من بايع. لكن مكانتهما في الشورى أطمعتهما بالخلافة،

١- بحار الأنوار ج٣٢ ص١٤٣ و ١٦٧ والغدير ج٩ ص٨٠ والفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر الضبي ص١١٥ وقاموس الرجال للتستري ج١٠ ص٤٠ وج١١ ص٥٩٠ وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٥٩ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٧٧.

وراجع: الكامل في التاريخ ج٣ ص٢٠٦ والفتوح لابن أعثم ج٢ ص٤٣٧ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٣ ص٣٥٦ و (ط المطبعة البهية بمصر سنة ١٣٢٠ هـ) ج٣ ص٢٨٦ وتذكرة الخواص ص٦١ و ٦٤ والخصائص الفاطمية للكجوري ج٢ ص١٥٧ وحياة الإمام الحسين للقرشي ج٢ ص٢٥ وصلح الحسن (عليه السلام" للسيد شرف الدين ص٣١٣ وعن العقد الفريد ج٣ ص٣٠٠ والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص١٢٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص٤٤٢ والغدير ج٩ ص٨٠ و ٨٥ و ١٤٥ و ٢٧٩ و ٣٢٣ و ٣٥١ وج١٠ ص٣٠٥ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٥١ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٧٢.

٢- راجع: النص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص٣٩٤.

٧٠

وحملتهما على نكث البيعة، والخروج على الإمام(١)، فخرجا عليه، وخرجت معهما عائشة طمعاً باستخلاف طلحة، وكان ما كان في البصرة وصفين والنهروان من الفتن الطاغية، والحروب الطاحنة:

وكلها من آثار الشورى، حيث صورت أنداداً لعلي ينافسونه في حقه، ويحاربونه عليه، بل نبهت(٢) معاوية إلى هذا، وأطمعته بالخلافة، فكان معاوية وكل واحد من أصحاب الشورى عقبة كؤوداً في سبيل ما يبتغيه الإمام من إصلاح الخلائق، وإظهار الحقائق).

إلى أن قال:

(على أن في الستة من هو من رسول الله كالصنو من الصنو، والذراع من العضد، وكان منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بنبي، ولكنه الوزير والوصي، وأبو السبطين، وصاحب بدر وأحد وحنين، ومن عنده علم الكتاب.

فما كان أغنى فاروق الأمة عن تعريضه وتعريض بقية الستة لهذا الخطر، وهذه المهانة، وقد كان في وسعه أن لا يعهد إلى أحد ما، فيذر الأمر شورى بين أفراد الأمة كافة، يختارون لأنفسهم من شاؤوا، وحينئذ يكون

١- وقد قلنا: إن عمر ذكر هذا النكث، ولعله استناداً إلى ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله" من أن الزبير سيقاتل علياً وهو له ظالم.

٢- بل قول عمر لأصحاب الشورى: إن اختلفتم، عليكم على هذا الأمر معاوية.. وقوله عن معاوية: هذا كسرى العرب، هو الذي أطمع معاوية بهذا الأمر.

٧١

قد صدق في قوله: لا أتحملها حياً وميتاً(١).

أو يعهد إلى عثمان بكل صراحة، كما عهد أبو بكر إليه، فيكون حينئذ صريحاً فيما يريد ـ غير مماكر ولا مداور ـ حيث رتب أمر الشورى ترتيباً يفضي إلى استخلاف عثمان لا محالة، فإن ترجيح عبد الرحمن على الخمسة ليس إلا لعلمه بأنه سيؤثره بالأمر، وأن سعداً لا يخالف عبد الرحمن أبداً. وقد علم الناس هذا من فاروقهم، وإن ظن أنه موه الأمر على الناس، وحين قال لابن عباس جواباً على قوله: رد عليه ظلامته: لا أتحملها حياً وميتاً.

وورد أنه قال ذلك حين عرض عليه أن يولي ولده عبد الله. ليظهر بمظهر الزاهد في الدنيا مع أنه إنما رغب عن ولده لأنه يعرف ضعف شخصيته مقابل علي (عليه السلام)، وإنما حرفها عن علي (عليه السلام)، لأن خطته وسياسته كانت تقضي بذلك.

وهل في تمكين علي (عليها السلام) من حقه (الخلافة) وزر على عمر أو على غيره؟! أم هو طاعة لله ورسوله، وامتثال للأوامر الشرعية الصادرة للأمة؟!

وما رأي المسلمين لو سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمر يأمر أبا طلحة فيقول:

(إن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فأضرب رأسيهما، وإن افترقوا ثلاثة وثلاثة فالخليفة في الذين

١- ذكرنا في بعض الفصول السابقة مراده من هذه العبارة، فلا نعيد..

٧٢

فيهم عبد الرحمن، واقتلوا أولئك إن خالفوا، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على واحد منهم فاضربوا أعناق الستة)(١).

وعلى كل حال، فإن الأحداث التي ترتبت على هذه الشورى التي صرفت الأمر عن علي (عليه السلام) إلى غيره، وأفرزت كل تلك الآثار قد تحملها عمر ميتاً بعد أن تحملها حياً.

العرب وقريش لا يريدون علياً (عليه السلام):

إن جهود قريش وعلى رأسها أبو بكر وعمر قد نجحت، والشجرة التي غرسوها قد أثمرت، وثمارها أينعت، فقد أصبح العرب وقريش يجهرون بأنهم لا يريدون علياً (عليه السلام)، بعد أن كانوا يتهامسون بذلك في الخفاء.

قال أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد، الذي وصفه المعتزلي بأنه لم يكن إمامي المذهب، ولا كان يبرأ من السلف، ولا يرتضي قول المسرفين من

١- راجع: الكامل في التاريخ ج٣ ص٦٦ حوادث سنة ٢٣ وتاريخ اللأمم والملوك ج٤ ص٤٢٨ حوادث سنة ٢٣ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٢٩٤ وتاريخ المدينة لابن شبة ج٣ ص٩٢٤ وبحار الأنوار ج٣١ ص٣٩٨ ومناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٣٤٩ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٣٣٩ و ٣٤٢ و ٣٤٧ والنص والإجتهاد ص٣٨٤ و ٣٩٨ والغدير ج٥ ص٣٧٥ ونهج السعادة ج١ ص١١٣ والوضاعون وأحاديثهم ص٤٩٩ والشافي في الإمامة ج٣ ص٢١٢.

٧٣

الشيعة، ولكنه كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه!(١).

قال أبو جعفر، كما نقله عنه المعتزلي:

(والقوم الذين كانوا قد غلب على ظنونهم أن العرب لا تطيع علياً (عليه السلام).

فبعضها للحسد.

وبعضها للوتر والثأر.

وبعضها لاستحداثهم سنه.

وبعضها لاستطالته عليهم، ورفعه عنهم.

وبعضها كراهة اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد.

وبعضها للخوف من شدة وطأته، وشدته في دين الله.

وبعضها خوفاً لرجاء تداول قبائل العرب الخلافة، إذا لم يقتصر بها على بيت مخصوص عليه، فيكون رجاء كل حي لوصولهم إليها ثابتاً مستمراً.

وبعضها ببغضه، لبغضهم من قرابته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم المنافقون من الناس، ومن في قلبه زيغ من أمر النبوة.

فأصفق الكل إصفاقا واحدا على صرف الامر عنه لغيره.

وقال رؤساؤهم: إنا خفنا الفتنة، وعلمنا أن العرب لا تطيعه ولا تتركه،

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٢ ص٩٠ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٥٦ وغاية المرام ج٦ ص٩٤.

٧٤

وتأولوا عند أنفسهم النص، ولا ينكر النص. وقالوا: إنه النص، ولكن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، والغائب قد يترك لأجل المصلحة الكلية.

وأعانهم على ذلك مسارعة الأنصار إلى ادعائهم الأمر، وإخراجهم سعد بن عبادة من بيته وهو مريض لينصبوه خليفة فيما زعموا.

واختلط الناس، وكثر الخبط، وكادت الفتنة أن تشتعل نارها، فوثب رؤساء المهاجرين، فبايعوا أبا بكر وكانت فلتة ـ كما قال قائلهم ـ وزعموا أنهم أطفأوا بها نائرة الأنصار.

فمن سكت من المسلمين، وأغضى ولم يتعرض، فقد كفاهم أمر نفسه، ومن قال سراً أو جهراً: إن فلاناً قد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكره، أو نص عليه، أو أشار إليه، أسكتوه في الجواب بأنا بادرنا إلى عقد البيعة مخافة الفتنة، واعتذروا عنده ببعض ما تقدم: إما أنه حديث السن، أو تبغضه العرب، لأنه وترها وسفك دماءها، أو لأنه صاحب زهو وتيه، أو كيف تجتمع النبوة والخلافة في مغرس واحد!

بل قد قالوا في العذر ما هو أقوى من هذا وأوكد، قالوا: أبو بكر أقوى على هذا الأمر منه، لا سيما وعمر يعضده ويساعده، والعرب تحب أبا بكر، ويعجبها لينه ورفقه. وهو شيخ مجرب للأمور لا يحسده أحد، ولا يحقد عليه أحد، ولا يبغضه أحد، وليس بذي شرف في النسب، فيشمخ على الناس بشرفه، ولا بذي قربى من الرسول (صلى الله عليه وآله) فيدل بقربه.

ودع ذا كله فإنه فضل مستغنى عنه.

قالوا: لو نصبنا علياً (عليه السلام)، ارتد الناس عن الاسلام، وعادت

٧٥

الجاهلية كما كانت، فأيما أصلح في الدين؟! الوقوف مع النص المفضى إلى ارتداد الخلق، ورجوعهم إلى الأصنام والجاهلية؟! أم العمل بمقتضى الأصلح، واستبقاء الإسلام، واستدامة العمل بالدين، وإن كان فيه مخالفة النص!

قال (رحمه الله):

وسكت الناس عن الإنكار، فإنهم كانوا متفرقين:

فمنهم من هو مبغض شانئ لعلي (عليه السلام)، فالذي تم من صرف الأمر عنه هو قرة عينه، وبرد فؤاده.

ومنهم ذو الدين وصحة اليقين، إلا أنه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه، ظن أنهم إنما فعلوا ذلك لنص سمعوه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ينسخ ما قد كان سمعه من النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا سيما ما رواه أبو بكر من قول النبي (صلى الله عليه وآله): (الأئمة من قريش)، فإن كثيراً من الناس توهموا أنه ناسخ للنص الخاص، وأن معنى الخبر أنكم مباحون في نصب إمام من قريش، من أي بطون قريش كان، فإنه يكون إماماً.. انتهى(١).

ونقول:

إن بعض هذا الكلام وإن كان جيداً.. ولكن معظمه كلام ماكر

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٢ ص٨٤ و ٨٥ و ٨٦ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٥٢.

٧٦

وخبيث يهدف إلى تعمية الحقيقة على الناس.. فقد:

١ ـ ادعى: أن رؤساء المهاجرين هم الذين بايعوا أبا بكر، مع أن الذين بايعوه هم أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، بالإضافة إلى قريبه أسيد بن حضير، وبشير بن سعد، ثم انضم إليهم خالد، والمغيرة، ومعاذ بن جبل، ومحمد بن مسلمة وأضرابهم بعد ذلك.

٢ ـ انه يوهم القارئ بأن الأمور قد جاءت بعفوية، مع أنه قد اتضح مما ذكرناه في كتابنا هذا، وفي كتاب الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن كلمات علي (عليه السلام) وغيرها: أن الإستئثار بالخلافة كان أمراً دبر بليل، وأن إرهاصاته بدأت تظهر من زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

٣ ـ إنه حصر النفاق بمن يبغض علياً لقرابته من رسول الله. وهذا غير صحيح، فإن من يبغضه للوتر والثأر منافق أيضاً.. وكذلك من يكره ما قرره الله ورسوله في حقه (عليه السلام)، ويسعى في إبطاله.. وغير ذلك.

٤ ـ زعم أن خوفهم الفتنة هو الذي دعاهم لصرف الأمر عن علي (عليه السلام).. وليس هذا صحيحاً، فإن توليته أمان من الفتنة وصرف الأمر عنه كان هو الفتنة.

٥ ـ ادعى أنهم تأولوا النص، والصحيح أنهم ردوا النص عن علم بآرائهم، ونكثوا البيعة.

٦ ـ زعم أنهم ردوا النص لأجل المصلحة الكلية، وهو غير صحيح بل ردوه لأجل المصلحة الشخصية..

٧٧

٧ ـ هل القربى من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضل مستغنى عنه؟! وكيف يجتمع هذا مع قوله تعالى {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}؟

٨ ـ زعم أنهم قالوا: لو نصبنا علياً ارتد الناس عن الإسلام ولم يقل هذا منهم أحد.. ولا يجرؤون على التفوه به لأنه رد على الله ورسوله.. كيف وقد أقامه الرسول بأمر من الله تعالى وبايعوه ولا يفعل الله ورسوله ما يوجب ردة الناس عن الدين.

٩ ـ وزعم أن كبراء الصحابة اتفقوا على صرف الأمر عن علي (عليه السلام). وهذا غير صحيح، فإن بني هاشم، وسلمان وعماراً، وأبا ذر، والمقداد، وأُبي بن كعب، وكثيرين غيرهم لم يرضوا بصرف الأمر عن علي (عليه السلام).. وإن كانوا لم يجرؤا على تحمل مسؤولياتهم في مواجهة القوم بالحدة والشدة اللازمة لإعادة الحق إلى صاحبه..

وهؤلاء وكثير آخرون كانوا على مثل رأيهم، هم عظماء الصحابة عند رسول الله.. وكثير منهم من الكبار عند الناس أيضاً..

وفي كلامه مواضع أخرى للنظر، وما ذكرناه كاف فيما قصدنا إليه إن شاء الله تعالى..

الشورى العمرية تدبير متقن وسابق:

إن مراجعة النصوص تعطي: أن الشورى كانت أمراً دبر بليل، وأن نتائجها كانت محسومة سلفاً. وأنها كانت تهدف إلى تشتيت أمر المسلمين، واضعاف فئات بعينها، وذلك بايجاد منافسين لهم، وأن عمر كان يسعى

٧٨

لإيصال شخص بعينه إلى الخلافة، وإبعاد علي (عليه السلام)، وبني هاشم عنها.. وأنه كان مهتماً بتوطئة الأمر لمعاوية.. بل ولعمرو بن العاص أيضاً، أو أي شخص آخر من بني أمية، يستطيع متابعة هذه الأهداف، فلاحظ ما يلي:

ألف ـ فمما دل على أنه يدبر لإيصال شخص بعينه نذكر الشواهد التالية:

١ ـ ذكروا: أن عمر بن الخطاب أعطى سعيد بن العاص أرضاً في المدينة، فاستزاده، فقال له عمر: (حسبك. واختبىء عندك: أن سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك، ويقضي حاجتك.

قال: فمكثت خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان، وأخذها عن شورى ورضى، فوصلني، وأحسن، وقضى حاجتي)(١).

٢ ـ وعن أبي ظبيان الأزدي قال: قال لي عمر بن الخطاب: ما مالك يا أبا الظبيان؟!

قال: قلت: أنا في ألفين.

قال: فاتخذ سائماً، فإنه يوشك أن يجيء أغيلمة من قريش يمنعون هذا

١- الطبقات الكبرى لابن سعد ج٥ ص٣١ ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج٤ ص٣٨٩ و ٣٩٠ وكنز العمال ج١٢ ص٥٨٠ وتاريخ مدينة دمشق ج٢١ ص١١٩.

٧٩

العطاء)(١).

ب: ومما يدل على السعي لايجاد المنافسين لعلي (عليه السلام)، وبني هاشم، ما يلي:

قول معاوية لابن حصين: (إنه لم يشتت بين المسلمين، ولا فرق أهواءهم، ولا خالف بينهم إلا الشورى، التي جعلها عمر إلى ستة نفر..

إلى أن قال: فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه. وتطلعت إلى ذلك نفسه)(٢).

غير أننا قد ذكرنا: أن السقيفة قد سبقت الشورى في ذلك، لكن الشورى أذكت الطموحات، ورسختها.

ج: بالنسبة لإبعاد الأمر عن علي (عليه السلام) وبني هاشم نقول:

قد ذكرنا نصوصاً كثيرة يصرح فيها عمر: بأنه استبعد علياً (عليه السلام)، لأن قريشاً لا تريده، غير أننا نقول:

تحدثنا النصوص: أن عمر كان يستشير كعب الأحبار فيمن يوليه الأمر

١- جامع بيان العلم ج٢ ص١٨ و (ط دار الكتب العلمية) ج٢ ص١٤ والمصنف لابن أبي شيبة ج٨ ص٦٩٤.

٢- العقد الفريد ج٢ ص٢٨١ والطرائف لابن طاووس ص٤٨٢ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٥٧١ وبحار الأنوار ج٣١ ص٥٣ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٣٢٢ ونهج الحق ص٣٥٥ وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٩٤.

٨٠