×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج17 / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

ولكنه لم يلجأ إلى حمل السيف والقتال؛ لأن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) قال: إن الصبر حتى يلقاه خير من ذلك.. لأنه (صلى الله عليه وآله) يعرف أن قتله لا يجدي، بل قد يفجر الأمور بنحو يوقع الناس في محنة أشد، وبلاء أعظم.

فالنبي (صلى الله عليه وآله) يؤيد موقف أبي ذر من الحكام، ولا يمانع أن يعلن رأيه في مخالفاتهم تلك.. ولكنه يرشد أبا ذر إلى أن هذا الإعلان يجب أن لا يتطور إلى القتال؛ لأن ذلك ربما يضر بهدف أبي ذر الأسمى، ومبدئه الأعلى.. أو على الأقل لن يكون له نفع يذكر فيه، للدين وأهله.

فتحمل أبو ذر مشاق النفي إلى الربذة أبغض الأمكنة إليه، وأشدها صعوبة عليه.. ولكنهم لم يتركوه، بل لحقوه إلا هناك، كما ظهر من فعل حبيب بن مسلمة، ومحاولة إغرائه بالمال؛ للأهداف المتقدمة.. فآثر الجوع على المال، لأنه لا يريد أن يصبح رقيقاً لغير الله..

يلاحظ: أنهم حين نفوا أبا ذر إلى الربذة (أخرج معاوية إليه أهله؛ فخرجوا، ومعهم جراب مثقل يد الرجل، فقال: انظروا إلى هذا الذي يزهّد في الدنيا ما عنده!

فقالت امرأته: والله، ما هو دينار ولا درهم، ولكنها فلوس، كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا..)(١).

١- تاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٣٣٦ والكامل في التاريخ ج٣ ص١١٥ و ١١٦.

٢٦١

خلاصة.. وبيان:

وبعد تلك الجولة الطويلة فيما جرى مع أبي ذر، وعليه يتضح مصداق قول علي (عليه السلام)، والحسين، وعمار له: إنهم خافوه على دنياهم، وخافهم هو على دينه، أو ما في معناه(١).

ويعرف أيضاً: سر التأييد المطلق من قبل علي عليه السلام، والحسن والحسين (عليهما السلام)، وعقيل، وابن جعفر، وابن عباس، والمقداد، وعمار لأبي ذر (رحمه الله)، وموقفهم القوي معه وإلى جانبه.

ويعرف أيضاً: لماذا كان النفي من بلد إلى بلد، ولماذا كان التهديد بالقتل وبالفقر. ولماذا الرشوة، ولماذا قطع العطاء.. إلى غير ذلك مما تقدم..

وأيضاً يعرف: معنى قولهم: إنه أفسد الشام عليهم(٢)، ولماذا كانت خشيتهم على المدينة(٣).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٣٥٣ والغدير ج٨ ص٣٠١ عنه.

٢- راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج٤ ص١٦٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٢٥٩ و ٢٦٠ عن الواقدي وج٣ ص٥٦ عن اليعقوبي ج٢ ص١٧٢ والغدير ج٨ ص٢٩٨ و ٢٩٧ و ٣٠٠ و ٣٠٦ عنه، وعن عمدة القاري ج٤ ص٢٩١.

٣- فتح الباري ج٣ ص٢١٨ وعمدة القاري ج٨ ص٢٦٢ والغدير ج٨ ص٢٩٥ عنه.

٢٦٢

ولا يبقى بعد مجال للإصغاء إلى قول لجنة الفتوى في الأزهر وغيرها:

من أن أبا ذر، إنما كان ينكر على الناس تملكهم فوق حاجتهم.. أو انه كان يوجب إنفاق ذلك، أو أنه كان يوجب الإنفاق في السبل الواجبة غير الزكاة.. أو أنه كان يدعو إلى الزهد في الدنيا، إلى آخر ما تقدم..

رأي عمر في الأموال:

والحقيقة: هي أن ما نسب إلى أبي ذر، من إيجابه إنفاق كل ما زاد عن الحاجة، والذي قلنا: إنها نسبة لا تصح.. هو نفس قول ورأي عمر بن الخطاب، الذي لم يوفق إلى تطبيقه، ومات قبل أن يخرجه إلى حيز التنفيذ. ولا ندري حقيقة دوافعه لإتخاذ هذا القرار، إلا ان كان يريد ان يجعلهم تابعين له، من حيث أن قوت يومهم يصبح بيده.

قال الرفاعي: (..حرم عمر بن الخطاب على المسلمين اقتناء الضياع، والزراعة، لأن أرزاقهم، وأرزاق عيالهم، وما يملكون من عبيد وموال، كل ذلك يدفعه إليهم من بيت المال؛ فما لهم إلى اقتناء المال من حاجة..)(١).

بل لقد ورد عنه بسند وصفه ابن حزم بأنه: في غاية الصحة، والجلالة، قوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء؛ فقسمتها على فقراء المهاجرين)(٢).

١- عصر المأمون ج١ ص٢ والغدير ج٨ ص٣٧٠ عنه.

٢- المحلى لابن حزم ج٦ ص١٥٨ والغدير ج٨ ص٣٧٠ عنه، وتاريخ الأمم والملوك ج٥ ص٣٣ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٢٩١.

٢٦٣

وليلاحظ: تخصيصه ذلك بأولاد المهاجرين، دون أولاد الأنصار، الذين بدأ تجاهلهم وإهمالهم، بل تفضيل غيرهم، والتجني عليهم منذ وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، لأسباب لا تخفى، أهمها:

أ ـ إن قريشاً كانت حانقة عليهم لما قد نالها منهم، ولما كان لهم من أثر في الإسلام، وتصديهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لها في بدر وغيرها، أمر لم تستطع قريش رغم إظهارها الإسلام أن تنساه، أو أن تتغاضى عنه.

٢ ـ وذنبهم الآخر مناصرتهم وميلهم لأمير المؤمنين عليه السلام، منذ قضية السقيفة.

٣ ـ ثم هناك موقفهم في قضية سعد بن عبادة.. وغير ذلك من أمور..

ملاحظات أخيرة لبعض الأعلام:

وهناك ملاحظات ثلاث أشرنا إليها في تضاعيف كلامنا السابق.. واشار إليها بعض الأعلام أيضاً بإيجاز.. نعيد التذكير بها هنا.

وهي التالية:

أولاً: إن الأمويين لم يستطيعوا أن يقبلوا أبداً: أن يكون المال مال الله، ويجب إنفاقه على عباد الله، وفي سبيل الله، بل كانوا يرون: أن ما في بيت المال ملك لهم. ولهم فقط.

ويدل على ذلك:

١ ـ ما ورد: من أنه لما قتل عثمان أرسل علي (عليه السلام) فأخذ ما

٢٦٤

كان في داره من السلاح، وإبلاً من إبل الصدقة، ورده إلى بيت المال، فقال الوليد بن عقبة أبياتاً منها:


بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكمولا تنهبوه لا تحل مناهبه
بني هاشم كيف الهوادة بينناوعند علي سيفه ونجائبه
بني هاشم كيف التودد بينناوتبر ابن أروى عندكم وجوائبه


ومنها عند أبي الفرج:


بني هاشم لا تعجلوا بإقادةسواء علينا قاتلوه وسالبه
فقد يجبر العظم الكسير وينبريلذي الحق يوماً حقه فيطالبه(١)


وقال المفيد: (..قد ذكر الناس في هذه الأدراع والنجائب: أنها من الفيء الذي يستحقه المسلمون؛ فغلب عليها عثمان، واصطفاها لنفسه؛ فلما بايع الناس علياً انتزعها (عليه السلام) من موضعها؛ ليجعلها في مستحقيها)(٢).

١- راجع: الجمل للشيخ المفيد ص١١١ و ١١٢ والأغـاني لأبي الفرج ج٤ ص١٧٦ و ١٧٥ و ١٨٨ و ١٨٩ ومروج الذهب ج٢ ص٣٥٦ و ٣٥٧ والكامل في الأدب ج٢ ص٤٤ ونسب قريش لمصعب الزبيري ص١٣٩ و ١٤٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص٢٧٠ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٤٠٣ وراجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج٤ ص١٥٥٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص٥٤١ .

٢- الجمل للشيخ المفيد ص١١٦.

٢٦٥

٢ ـ قول سعيد بن العاص: السواد بستان لقريش: فجرى بينه وبين صلحاء الكوفة ما جرى من اعتراضهم عليه؛ فانتصر عثمان، والأمويون له. وكان لذلك مضاعفات ليس هنا محل ذكرها..(١).

٣ ـ قول معاوية المتقدم: إن مال الله لهم، والأرض أرضهم، فاعترض عليه صعصعة تارة، والأحنف أخرى.

٤ ـ وقالوا: إن علياً (عليه السلام) (أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث أصيبت، أو أصيب أصحابها . فبلغ ذلك عمرو بن العاص ، وكان بأيلة من أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان، فنزلها فكتب إلى معاوية: ما كنت صانعاً فاصنع، إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها)(٢).

٥ ـ كان ابن برصاء الليثي من جلساء مروان بن الحكم ومحدثيه، وكان يسمر معه. فذكروا عند مروان الفيء، فقالوا: مال الله. وقد بين الله قسمه، فوضعه عمر مواضعه!!

فقال مروان: المال مال أمير المؤمنين معاوية، يقسمه فيمن يشاء، ويمنعه

١- راجع: الغدير ج٩ ص٣١ و ٣٢ فإنه قد ذكر لذلك العديد من المصادر. إضافة إلى مصادر أخرى تقدم ذكرها.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص٢٧٠ والغدير ج٨ ص٢٨٧ والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام" للهمداني ص٦٦٥.

٢٦٦

ممن يشاء، وما أمضى فيه من شيء فهو مصيب فيه !! الحديث..(١).

ثانياً: إن هؤلاء الغيورين على الخليفة الثالث، وعلى معاوية، والأمويين، والذين وصموا أبا ذر من أجل ذلك بالمزدكية تارة وبالإشتراكية أخرى، وباليهودية ثالثة، وجعلوه مخالفاً لما ثبت ضرورة من الدين رابعة ـ إن هؤلاء ـ قد ابتلوا بأعظم مما وصموه به، فقد دخلت الشيوعية إلى أروقة الأزهر نفسه، وهو المؤسسة التي أصدرت الفتوى الظالمة في حق أبي ذر، ودخلت أيضاً دوائر الأوقاف في مصر (كما يقول صلاح الدين المنجد في كتابه: بلشفة الإسلام)، وأصبح نفس شيخ الأزهر عبد الحليم محمود في وقته يذهب لاستقبال الزعيم الشيوعي، ألكسي كوسيغين، في مطار القاهرة، ولا من يرد، ولا من يسمع..

ثالثاً: إنه بعد أن دخلت خلافة عثمان في جملة عقائد بعض الفرق، ورأى أصحابها ما فعله الخليفة بأبي ذر الصحابي العظيم، لم يكن لهم مناص إلا بأن ضحوا بأبي ذر من أجل الحفاظ والإبقاء على عثمان، فنسبوا إليه ما نسبوا مما لا يشك بفساده أحد.

خاتمة واعتذار:

وبعد.. فقد كانت تلك لمحة موجزة عن حقيقة رأي أبي ذر في

١- تهذيب الكمال ج٧ ص١٧٩ وتاريخ مدينة دمشق ج١٥ ص١١٥ وج٣٨ ص٢٥٠ والإصابة ج١ ص٦٨٨ ونسب قريش لمصعب الزبيري، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج٤ ص٤٢٢ بتصرف. ونقله المعلق على نسب قريش عن: الأغاني ج٤ ص١٨٦ ـ ١٨٧ وعن الطبري ج٢ ص٢٧٨ وعن الإصابة.

٢٦٧

الأموال، وقد رأينا: أنه لم يكن له رأي يخالف ما عليه جمهور الصحابة، وتنطق به ضرورة الإسلام، والقرآن..

وظهر أن كل ما ينسب إليه من آراء تخالف الإسلام، والقرآن محض افتراء، لا حقيقة له، ولا واقع وراءه، وهو بهم أوفق وأليق..

٢٦٨
٢٦٩

الباب الخامس عشر:

علي (عليه السلام) في حصار عثمان..

٢٧٠
٢٧١

الفصل الأول:

لا تجدي النصائح.. بدء التحرك..

٢٧٢
٢٧٣

عثمان لا يقيم كتاب الله:

وروى الثقفي: أن العباس كلم علياً في عثمان، فقال: لو أمرني أن أخرج من داري لخرجت، ولكن أبى أن يقيم كتاب الله(١).

وتقدم أن هذه الكلمة قد نسبت إلى أبي ذر ولا مانع من ذلك، فإن نهج أبي ذر هو نهج علي (عليه السلام)..

وهو يترسم خطاه وآخذ منه ويرجع لأنه إمامه..

ونقول:

١ ـ لقد أفهمنا (عليه السلام) أن مشكلته مع عثمان ليست شخصية، إذ لو كانت كذلك، فإنه (عليه السلام) سوف يتنازل فيها حتى عن بيته، فضلاً عما هو دون ذلك..

ولكنها قضية الدين والحق، والعمل بكتاب الله تبارك وتعالى.. وهو لا يملك أن يتنازل عن شيء من ذلك.. لأن الأمر لا يعود إليه..

٢ ـ إنه (عليه السلام) اقتصر على ذكر كتاب الله تبارك وتعالى.. لأن

١- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٦٨ و ٢٧١ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦١.

٢٧٤

كتاب الله نص حاضر مكتوب، ومحفوظ، وله قداسة لا يمكن المراء فيها..

أما النص النبوي أو السيرة النبوية، فقد يدعى البعض: أن النبي (صلى الله عليه وآله) بشر مثلهم يرضى ويغضب، وأنه قد لا يطلع على بعض الحيثيات التي لو اطلع عليها لتغير قراره..

كما أنهم قد يزعمون: أن ما يأتي به قد لا يكون له خبرة فيه، بزعم أنه من أمور الدنيا، وهم أعلم منه بأمور دنياهم، على حد التعبير المزعوم المنسوب إليه (صلى الله عليه وآله)..

وقد ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): أن هذا الحديث لا يمكن تصحيحه، فليراجع.

٣ ـ إنه (عليه السلام) حين اقتصر على ذكر كتاب الله يكون قد سد عليهم باب التعلّل والتسويف والتساهل.. وفرض عليهم أن يبادروا إما إلى التصحيح في مواقفهم وممارساتهم، أو إلى توضيحها، وبيان ما أبهم منها للناس، وأصبحوا مطالبين برد التهمة عنهم، ولو بأن يبحثوا في صحة أو عدم صحة ما ينسب إليهم من مخالفات لكتاب الله، وتحديد موارد تقصيرهم في إقامة شرائعه. وليس من المقبول أن يقفوا مواقف اللامبالاة من هذا الأمر..

عثمان لا يريد سماع الشكوى:

قالوا: كان علي (عليه السلام) كلما اشتكى الناس عثمان أرسل ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) إليه، فلما كثر عليه، قال له: إن أباك يرى: أن أحداً لا يعلم ما يعلم؟! ونحن أعلم بما نفعل.

٢٧٥

فكف (عليه السلام) عنه(١).

ونقول:

في هذا النص ـ على قصره ـ عدة دلالات، مثل:

١ ـ أن علياً (عليه السلام) كان هو الملجأ والملاذ للناس، الذين يرون أنه هو الذي يتفهم آمالهم المشروعة، ويعيش ويشعر بآلامهم.. ولذلك كان هو موضع شكواهم، والمرجع في الملمات والمهمات لهم.

٢ ـ إن شكوى الناس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من عثمان قد تكررت بتكرر موجباتها..

٣ ـ إن علياً (عليه السلام) لم يكن يهمل شكاوى الناس هذه، بل كان يوصلها إلى عثمان باستمرار ويطالبه بالعمل على معالجة مناشئها، إلى أن سد عثمان الباب أمامه.

٤ ـ إنه (عليه السلام) كان يرسل ولده الإمام الحسن صلوات الله وسلامه عليه ليبلغه شكاوى الناس، باعتباره الرجل المأمون، الذي لا يتجاوز حدود ما يرسم له، لأنه (عليه السلام) يريد أن يطمئن عثمان إلى أنه ليس بصدد التشهير به، ولا يرمي إلى إشاعة تلك المخالفات عنه..

كما أنه بذلك يكون قد أظهر قدراً من الإحترام لعثمان، لكونه أرسل إليه ولده، وأعز وأكرم الناس عليه، له وقع في نفس عثمان، وأقرب إلى

١- العقد الفريد ج٢ ص٢٧٤ و (ط أخرى) ج٣ ص٩٢ والغدير ج٩ ص٧١ وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج٢ ص١٨٠.

٢٧٦

حصول الإنعطاف في موقفه.

٥ ـ لكن الغريب هنا: هو جواب عثمان الذي لم يتضمن أية إشارة إلى صحة أو سقم ما يقال فيه، ولا أي تبرير للمؤاخذات التي تؤخذ عليه وعلى عماله، ولا تضمن ولو وعداً بمراجعة هذا الأمر أو النظر في تلك الشكاوى..

كما أنه لم يشكر جهود علي (عليه السلام) لتسديده ونصحه، ولم يقل له: لا تتدخل في هذا الأمر.. ولم يهاجم منتقديه، والشاكين له.. بل بادر إلى الهجوم على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالذات، واتهمه بما يشير إلى أنه مغرور بنفسه، وأنه يرى أن أحداً لا يعلم ما يعلم.. فلماذا هذا التسرع للمساءة، وسد أبواب الصلاح والإصلاح.

٦ ـ إن عثمان ادعى لنفسه أنه أعلم من علي (عليه السلام) بما يفعل.. فدل بذلك على أنه لم يكن غافلاً، ولا جاهلاً بعواقب ما يقدم عليه..

ودل أيضاً على إصراره على مواصلة طريقه، وعلى أنه لن يصغي لنصح أحد، فكان لا بد من الكف عن مراودته فيه..

ينصح عثمان بالعمل بسنة الشيخين:

عن عطاء: إن عثمان دعا علياً، فقال: يا أبا الحسن، إنك لو شئت لاستقامت عليَّ هذه الأمة، فلم يخالفني واحد.

فقال علي (عليه السلام): لو كانت لي أموال الدنيا وزخرفها ما استطعت أن أدفع عنك أكف الناس، ولكني سأدلك على أمر هو أفضل مما سألتني:

٢٧٧

تعمل بعمل أخويك: أبي بكر وعمر، وأنا لك بالناس، لا يخالفك أحد(١).

ونقول:

لا بد من ملاحظة الأمور التالية:

أولاً: إن أطماع الناس لا حدود لها، كيف وقد قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبّاً جَمّاً}(٢).

وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا(٣)، بالإضافة إلى روايات كثيرة أخرى..

وهذا يدلنا: أن علاج الأزمات التي كان عثمان يواجهها يكون ببذل

١- الغدير ج٩ ص٧٥ عن الرياض النضرة ج٢ ص١٢٩ عن ابن السمان.

٢- الآية ٢٠ من سورة الحجر.

٣- الكافي ج١ ص٤٦ وبحار الأنوار ج١ ص١٨٢ وج٢ ص٣٤ و ٣٥ وتهذيب الأحكام ج٦ ص٣٢٨ وجامع أحاديث الشيعة ج١٧ ص٢٥ ومستدرك سفينة البحار ج١٠ ص٢١٧ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج١٧ ص٣٦ و (ط دار الإسلامية) ج١٢ ص٢١ وغوالي اللآلي ج٤ ص٧٧ ومنية المريد ص١٣٨ وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج١ ص١٩٦ وج٣ ص٤٥٢ وج٧ ص٢٦٢ والمستدرك للحاكم ج١ ص٩٢ ومجمع الزوائد ج١ ص١٣٥ ومسند الشهاب لابن سلامة ج١ ص٢١٢ وكتاب المجروحين لابن حبان ج٢ ص٢٢ والكامل لابن عدي ج٤ ص١٣٩ وج٦ ص٢٩٦ وتفسير القرآن العظيم ج٤ ص٥٦٥.

٢٧٨

المال لاستجلاب رضا الناس، فإنك لو بذلت أموال الدنيا كلها لرجل واحد، لما انفك يقول: هل من مزيد؟!

فالحكمة تقضي بعدم إثارة أطماع الناس، والسعي إلى ضبط الأمور، والتزام ضابطة واضحة، من شأنها طمأنة الناس إلى أن الأموال ستصل إلى مستحقيها.. ولن تتعرض هذه الأموال لأي عدوان عليها، ولن يتم تجاوز تلك الضابطة فيها..

ثانياً: إنه (عليه السلام) لم يشر على عثمان بأن يعمل بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله).. وهي التي وجد أبو بكر نفسه ـ ولو ظاهراً ـ ملزماً بعدم تخطيها في كثير من الأمور، ولا سيما في موضوع قسمة الأموال بحسب الظاهر.. ثم سار عليها عمر برهة من خلافته، ثم تجاوزها ـ إنه (عليه السلام) لم يشر عليه بذلك ـ لأنه لا يجد لدى عثمان حافزاً قوياً للعمل بهذه السنّة، ولا ندري سبب ذلك بالتحديد، غير أننا نعلم أن العمل بسنة أبي بكر وعمر هو الشرط الذي أنيطت به خلافته حين أفضت إليه.. فهو يخشى أن يتطرق التشكيك إلى شرعية حكمه، إذا ظهر أنه أخل بهذا الشرط، ولم يعمل بسيرة الشيخين.. ولذلك ألزمه (عليه السلام) بما الزم به نفسه..

ثالثاً: إن عمر وإن كان قد عدل عن سنة أبي بكر حين دون الدواوين على أساس التميز العرقي، والقبلي، وغيره من الأمور المرفوضة شرعاً.. ولكن هذه الجهة لا يمكن أن تكون مقصودة بكلام علي (عليه السلام)، بل المقصود هو خصوص ما توافق عليه مع أبي بكر.. لا ما أنفرد به عنه..

٢٧٩

رابعاً: إن السنة المشار إليه بها هي سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يمكن إلا أن تكون مرضية لدى الناس، لأنها تمثل حقيقة العدل، وتعطي كل ذي حق حقه.

خامساً: إن قول عثمان لعلي: لو شئت لاستقامت علي هذه الأمة إلخ.. يدل على أن علياً (عليه السلام) رغم كل الحرب التي شنها عليه أعداؤه، لتشويه سمعته، والتستر على فضائله قد ذهب ذكره في الخافقين، وأصبحت الأمة كلها شاهدة على فضله، مقرة بعظيم منزلته.. وله عظيم الأثر فيهم بإقرار عثمان نفسه..

عثمان في المأزق:

لما كانت سنة ٣٤ كتب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعضهم إلى بعض: أن اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد.

وكثر الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرون ويسمعون؛ ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلا نفير، (منهم) زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت.

فاجتمع الناس، وكلموا علي بن أبي طالب.

فدخل على عثمان، فقال: الناس ورائي، وقد كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء

٢٨٠