×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج17 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

٣٠١

الفصل الثاني:

مما جرى في الحصار..

٣٠٢
٣٠٣

تحرك الأشتر في أهل الكوفة:

وكان الأشتر وجماعة معه يعيشون في منفاهم بالشام، فكتب جماعة من أهل الكوفة إلى الأشتر، وهو في منفاه يطلبون منه القدوم عليهم، فقدم هو وأصحابه، فاستولوا على الكوفة.

قال ابن أعثم:

ثم خرج الأشتر فعسكر بالجرعة بين الكوفة والحيرة، وبعث بعائذ بن حملة الظهري، فعسكر في طريق البصرة في خمسمائة فارس، وبعث حمزة بن سنان الأسدي إلى عين التمر فعسكر هنالك، ليكون مصلحة (مسلحة) فيما بينه وبين أهل الشام في خمسمائة فارس، وبعث بعمرو بن أبي حنة الوداعي إلى حلوان وما والاها في ألف فارس، وبعث يزيد بن حجية التيمي إلى المدائن وكوخى وما والاها في سبعمائة فارس.

كما أرسل كعب بن مالك الأرحبي إلى مكان يدعى العذيب مع خمسمائة فارس وأمره قائلا، إن جاء سعيد بن العاص من المدينة أميرا على الكوفة فأعده، ولا تسمح له بدخول الكوفة، وخذ كل ما معه من مال ومتاع، وضعه أمانة في منزل الوليد بن عقبة في الكوفة.

فتقدم الأشتر (عند ما سمع الخبر) ومعه ثلاثمائة فارس، وجاء إلى باب

٣٠٤

المنزل، (لعل المقصود منزل والي الكوفة)وأمرهم بأن ينهبوا ما في البيت.

فدخل الناس وأخذوا كل ما وجدوه وأخرجوه، ثم قلعوا الأبواب وأحرقوها حتى احترق كل ما بقي في البيت.

وحين علم عثمان بذلك (وقد بلغه ما صنعه الأشتر) ضاق صدره بذلك، واعتبر أن هذا العمل كان بتحريض أو تأييد من علي (عليه السلام) وقال: لا أعلم ماذا أفعل مع علي الذي يظهر محاسني للناس على شكل نقائص، ويحرض الناس علي وعلى عمالي(١).

ثم ذكر ابن أعثم: أن عثمان عاد فأرسل سعيد بن العاص إلى الكوفة، فلم يستطع أن يدخلها، وعاد إليه خائفاً.

ونقول:

١ ـ إن هذا الذي جرى يبيّن لنا الموقع المتميز للأشتر لدى أهل العراق، حتى إن أهل الكوفة لم يقدموا على أي تحرك ذي بال باتجاه والي الكوفة إلا بعد أن كتبوا إلى الأشتر رضوان الله تعالى عليه ليقدم من منفاه بالشام..

فلما قدم عليهم وأصحابه كان هو القائد والمدبّر، والمهيمن على الأمور..

فلما بلغ عثمان ما صنعه الأشتر ضاق صدره، واتهم علياً (عليه السلام) بأنه هو المحرّض على ذلك.. دون أن يكون لديه حجة أو شاهد على ما يتوهمه فيه.

ومعنى ذلك أن عثمان لم يراعي في اتهاماته هذه حدود الشرع الشريف!!

١- الفتوح لابن أعثم (ط دار الأضواء) ج٢ ص٣٩٨.

٣٠٥

٢ ـ إن عثمان كان يعلم بما يرضي علياً (عليه السلام) وغيره من صحابة الرسول، وهو أن يكف أيدي الظلمة والفساق من عماله عن الناس، ويصلح الأمور، ويقيم حكم الله، ويعطي كل ذي حق حقه.. ولكنه يصر على عدم الإستجابة لهذه المطالب، ولم يزل يشكو ويتظلم، ويتوب، ويتراجع ويتعهد، وينقض تعهداته، ويضرب المعترضين عليه ويؤذيهم و.. و.. الخ..

ولو فرضنا: أنه كان لا يعلم بما يريدون في أول الأمر، فإن علياً (عليه السلام) قد أعلمه به مرات عديدة، فلماذا لم يحاول تصديقه والإستجابة له، والوفاء بوعوده ولو مرة واحدة منها؟!

٣ ـ وأما إظهار علي (عليه السلام) المحاسن بصورة المساوئ، فهو يخالف ما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السلام) من أن علياً (عليه السلام) مع الحق، والحق مع علي. إلا إن كان عثمان يرى كونه مع الحق، والحق معه من المعايب التي يأخذها عليه، أو أن أفعال عثمان نفسها عند الله ورسوله من المعايب والنقائص. ولكن عثمان يراها محاسن.. فيرى الظلم عدلاً، والرذيلة فضيلة، والباطل حقاً، وفق ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخاطباً أصحابه: كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً، والمنكر معروفاً(١).

١- راجع: قرب الاسناد للحميري القمي ص ٥٥ والكافي ج ٥ ص ٥٩ وتحف العقول لابن شعبة الحراني ص ٤٩ وتهـذيب الأحكـام للشيخ الطوسـي ج ٦ = = ص ١٧٧ وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص ٣٦٥ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج ١٦ ص ١٢٢مستدرك الوسائل ج ١٢ ص ٣٣١ وغير ذلك من المصادر.

٣٠٦

الثورة على عثمان: نصوص.. وآثار:

قالوا:

١ ـ وفي عهد عثمان ظهرت أمور كثيرة، أنكرها صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر الناس عليه، ولم يطيقوها منه.. ومنها تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر عدة سنين، فتولاهم بالعسف والظلم.

وقدم أهل مصر إلى عثمان يشكونه، ويتظلمون منه، فأرسل إليه ينهاه عن الإستمرار في سياسته تلك، فأبى ابن أبي سرح الإنتهاء عما نهي عنه، وضرب رجلاً ممن أتوا عثمان فقتله.

فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل إلى المدينة، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى الصحابة ما صنع ابن أبي سرح..

فقام طلحة وتكلم بكلام شديد..

وأرسلت عائشة إلى عثمان تقول: قد تقدم إليك أصحاب رسول (صلى الله عليه وآله)، وسألوك عزل هذا الرجل، فأبيت أن تعزله. فهذا قد قتل رجلاً، فأنصفهم من عاملك.

ودخل عليه علي (عليه السلام)، وكان متكلم القوم، وقال: إنما سألوك رجلاً مكان رجل، وقد ادعوا قبله دماً، فاعزله عنهم، واقض بينهم.

٣٠٧

وانتهى الأمر بصرف ابن أبي سرح، وتولية محمد بن أبي بكر، فأرسله إلى مصر، ومعه جمع من الصحابة، فلما كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير، ففتشوه، وأخرجوا منه كتاباً من عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره فيه بقتل محمد بن أبي بكر ومن معه، وقطعهم، وصلبهم.

فرجعوا به إلى المدينة، فاغتم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك.

ودخل علي (عليه السلام) وجماعة على عثمان، ومعهم الكتاب والغلام، والبعير..

إلى أن تقول الرواية:

فقال له علي (عليه السلام): هذا الغلام غلامك؟!

قال: نعم.

والبعير بعيرك؟!

قال: نعم..

والخاتم خاتمك؟!

قال: نعم.

قال: فأنت كتبت الكتاب؟

قال: لا.

إلى أن قالت الرواية: فعرفوا أنه خط مروان، وسألوه أن يدفع إليهم

٣٠٨

مروان، فأبى(١).

٢ ـ وفي نص آخر عند الطبري وغيره: أنهم قالوا له: فالكتاب كتاب كاتبك؟

قال: أجل، ولكنه كتبه بغير أمري؟

قالوا: فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك؟

قال: أجل، ولكنه خرج بغير إذني.

قالوا: فالجمل جملك.

قال: أجل، ولكنه أخذ بغير علمي.

قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع، لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها.

وإن كنت صادقاً، فقد استحققت أن تخلع، لضعفك، وغفلتك، وخبث بطانتك، لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه وغفلته.

إلى آخر ما ذكرته الرواية من احتجاجات لهم عليه(٢).

١- راجع: الغدير ج٩ ص١٧٩ ـ ١٨١ والثقات لابن حبان ج٢ ص٢٥٦ ـ ٢٥٩ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص٤١٦ ـ ٤١٧ وتاريخ المدينة لابن شبة ج٤ ص١١٥٧ ـ ١١٦٠ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٢ ص٢٧٠ و ٢٧١ ودلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٤٨.

٢- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٣٧٥ و ٣٧٦ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٠٨ حوادث سنة ٣٥ والغدير ج٩ ص١٨٣ ودلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٤٩.

٣٠٩

٣ ـ وفي نص ثالث يفصل ما جرى فيقول:

فأرسل عثمان إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فدعاه فقال: يا أبا الحسن، أنت لهؤلاء القوم، فادعوهم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه، واكفني مما يكرهون.

فقال له علي (عليه السلام): إن أعطيتني عهد الله وميثاقه أنك توفي لهم بكل ما أعطيهم فعلت ذلك.

فقال عثمان: نعم يا أبا الحسن، اضمن لهم عني جميع ما يريدون.

قال: فأخذ علي (عليه السلام) عليه عهداً غليظاً، وميثاقاً مؤكداً، ثم خرج من عنده فأقبل نحو القوم، فلما دنا منهم قالوا: ما وراءك يا أبا الحسن فإننا نجلك.

فقال: إنكم تعطون ما تريدون، وتعافون من كل ما أسخطكم، ويولى عليكم من تحبون، ويعزل عنكم من تكرهون.

فقالوا: ومن يضمن لنا ذلك؟!

قال علي (عليه السلام): أنا أضمن لكم ذلك.

فقالوا: رضينا.

قال: فأقبل علي (عليه السلام) إلى عثمان، ومعه وجوه القوم وأشرافهم،

٣١٠

فلما دخلوا عاتبوه، فأعتبهم من كل ما كرهوا، فقالوا: اكتب لنا بذلك كتاباً، وأدخل لنا في هذا الضمان علياً بالوفاء لنا بما في كتابنا.

فقال عثمان: اكتبوا ما أحببتم، وأدخلوا في هذا الضمان من أردتم.

قال: فكتبوا:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من عبد الله، عثمان بن عفان أمير المؤمنين لجميع من نقم عليه من أهل البصرة، والكوفة، وأهل مصر، أن لكم عليَّ أن أعمل فيكم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله)، وأن المحروم يعطى، والخائف يؤمن، والمنفي يرد، وأن المال يرد على أهل الحقوق، وأن يعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أهل مصر، ويولى عليهم من يرضون.

قال: فقال أهل مصر: نريد أن تولي علينا محمد بن أبي بكر.

فقال عثمان: لكم ذلك.

ثم أثبتوا في الكتاب: وأن علي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين بالوفاء لهم بما في هذا الكتاب.

شهد على ذلك الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد.

وكتب في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.

قال: فأخذ أهل مصر كتابهم وانصرفوا، ومعهم محمد بن أبي بكر أميراً

٣١١

عليهم، حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة، وإذا هم بغلام أسود على بعير له، يخبط خبطاً عنيفاً، فقالوا: يا هذا! اربع قليلاً ما شأنك؟! كأنك هارب، أو طالب، من أنت؟!

فقال: أنا غلام أمير المؤمنين عثمان، وجهني إلى عامل مصر.

فقال له رجل منهم: يا هذا! فإن عامل مصر معنا.

فقال: ليس هذا الذي أريد.

فقال محمد بن أبي بكر: أنزلوه عن البعير، فحطوه، فقال له محمد بن أبي بكر: أصدقني غلام من أنت؟!

قال: أنا غلام أمير المؤمنين.

قال: فإلى من أرسلت؟!

قال: إلى عبد الله بن سعد عامل مصر.

قال: وبماذا أرسلت؟!

قال: برسالة.

قال محمد بن أبي بكر: أفمعك كتاب؟!

قال: لا.

قال: فقال أهل مصر: لو فتشناه أيها الأمير، فإننا نخاف أن يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففتشوا رحله، ومتاعه، ونزعوا ثيابه حتى عروه، فلم يجدوا معه شيئاً، وكانت على راحلته إداوة فيها ماء، فحركوها فإذا فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج.

٣١٢

فقال كنانة بن بشر التجيبي: والله! إن نفسي لتحدثني: أن في هذه الإداوة كتاباً.

فقال أصحابه: ويحك! ويكون كتاب في ماء؟

قال: إن الناس لهم حيل، فشقوا الإداوة، فإذا فيها قارورة مختومة بشمع، وفي جوف القارورة كتاب، فكسروا القارورة، وأخرجوا الكتاب، فقرأه محمد بن أبي بكر، فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله عثمان أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن سعد.

أما بعد.. فإذا قدم عليك عمرو بن يزيد بن ورقاء، فاضرب عنقه صبراً.

وأما علقمة بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وعروة بن سهم الليثي، فاقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ودعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، فإذا ماتوا فاصلبهم على جذوع النخل.

وأما محمد بن أبي بكر فلا يقبل منه كتابه، وشد يدك به، واحتل في قتله، وقر على عملك حتى يأتيك أمري إن شاء الله تعالى..

قال: فلما قرأ محمد بن أبي بكر الكتاب رجع إلى المدينة هو ومن معه، ثم جمع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وقرأ عليهم الكتاب، وأخبرهم بقصة الكتاب.

قال: فلم يبق بالمدينة أحد إلا حنق على عثمان، واشتد حنق بني هذيل خاصة عليه لأجل صاحبهم عبد الله بن مسعود، وهاجت بنو مخزوم لأجل

٣١٣

صاحبهم عمار بن ياسر، وكذلك غفار لأجل صاحبهم أبي ذر.

ثم إن علياً (عليه السلام) أخذ الكتاب وأقبل حتى دخل على عثمان، فقال له: ويحك لا أدري على ماذا أنزل! استعتبك القوم فأعتبتهم بزعمك، وضمنتني، ثم أخفرتني وكتبت فيهم هذا الكتاب!

قال: فنظر عثمان في الكتاب، ثم قال: ما أعرف شيئاً من هذا.

فقال علي (عليه السلام): الغلام غلامك أم لا؟!

قال عثمان: بل هو والله غلامي، والبعير بعيري، وهذا الخاتم خاتمي، والخط خط كاتبي.

قال علي (عليه السلام): فيخرج غلامك على بعيرك بكتاب وأنت لا تعلم به؟!

فقال عثمان: حيرتك يا أبا الحسن! وقد يشبه الخط الخط، وقد تختم على الخاتم، ولا والله ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر.

فقال علي (عليه السلام): لا عليك فمن نتهم؟!

قال: أتهمك، وأتهم كاتبي.

قال علي (عليه السلام): بل هو فعلك وأمرك، ثم خرج من عنده مغضباً.

قال: وعرف الناس الخط أنه خط مروان، وإنما كتبه عن غير علم عثمان، ومروان كان كاتب عثمان، وخاتم عثمان في إصبع مروان. وشك

٣١٤

الناس في مروان.

قال: ثم خرج عثمان بن عفان إلى المسجد، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس! لا تتهموني في هذا الكتاب، ولا تظنوا أني كتبته، فإنكم إن قلتم ذلك أثمتم، فوالله ما كتبته، ولا أمرت به، والآن فإنكم تعطون الحق، ويعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله)، حتى ترضوا وتعتبوا.

قال: فوثب إليه كنانة بن بشر التجيبي، فقال: يا عثمان! إننا لا نرضى بالصفة دون العمل، قد عاتبناك فأعتبتنا بزعمك، فكتبت لنا بالوفاء إلى ذلك كتاباً، وأشهدت شهوداً، وأعطيتنا عهد الله وميثاقه، ثم إنك كتبت فينا ما كتبت!

فقال عثمان: إني لم أكتب، وقد حلفت لكم، وليس يجب علي شيء هو أكبر من اليمين.

فقال كنانة بن بشر: إننا لا نصدقك على يمينك.

قال: ثم وثب كثير بن عبد الله الحارثي، فقال: يا عثمان! أتظن أنك تنجو منا وقد فعلت ما فعلت؟

فقال عثمان: يا سبحان الله! أما لهذا أحد يكفينيه؟

قال: فقام إليه موالي عثمان فأثخنوهم ضرباً، ثم إنهم حصبوا عثمان من كل جانب حتى نزل عن المنبر، وقد كاد أن يغشى عليه، فحملوه حملاً حتى أدخلوه إلى منزله.

٣١٥

قال: ودخل عليه نفر من الصحابة يتوجعون له لما نزل به، وفي جملة من [دخل] عليه علي بن أبي طالب، فقالت له بنو أمية: يا بن أبي طالب! إنك كدرت علينا العيش، وأفسدت علينا أمرنا، وقبحت محاسن صاحبنا، أما والله لئن بلغت الذي ترجو لنجاهدنك أشد الجهاد.

قال: فزبرهم علي (عليه السلام) وقال: أعزبوا فما بلغ الله لكم من القدر ما تحابون! فإنكم سفهاء وأبناء سفهاء، وطلقاء وأبناء طلقاء، إنكم لتعلمون أنه ما لي في هذا الأمر ناقة ولا جمل.

ثم خرج علي من عند عثمان مغضباً.

قال: فلما كان من غد جلس عثمان وكتب إليهم كتاباً، نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين المسلمين، سلام عليكم..

أما بعد.. فإني أذكركم الله الذي أنعم عليكم بالإسلام، وهداكم من الضلال، وأنقذكم من الكفر، وأراكم اليسار، وأوسع عليكم في الرزق، وبصركم من العمى، {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(١)، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(٢)، فاتقوا الله! {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(٣)، {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ

١- الآية ٢٠ من سورة لقمان.

٢- الآية ٣٤ من سورة إبراهيم.

٣- الآية ١٠٢ من سورة آل عمران.

٣١٦

بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(١)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(٢)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(٣)، {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(٤).

ألا! وقد علمتم أن الله تعالى رضي لكم السمع والطاعة، وحذركم المعصية والفرقة، وتقدم إليكم في ذلك لتكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله واحذروا عذابه، فإنكم لم تجدوا أمة هلكت من قبلكم إلا من بعد ما اختلفت، ولم يكن لها رأس يجمعها، ومتى تفعلون بي ما قد أزمعتم عليه فإنكم لا تقيمون صلاة جميعاً، ولا تخرجون زكاة جميعاً، ويسلط عليكم عدوكم، ويستحل بعضكم حرمات بعض، ثم تكونوا شيعاً، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ

١- الآية ١٠٥ من سورة آل عمران.

٢- الآية ٧ من سورة المائدة.

٣- الآية ٦ من سورة الحجرات.

٤- الآية ٧٧ من سورة آل عمران.

٣١٧

مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}(١).

ألا وإني أوصيكم بما أوصاكم الله به، وأحذركم بما حذركم الله به من عذابه،فقد علمتم أن شعيباً (عليه السلام) لما نسبه قومه إلى الشقاق قال الله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ}(٢).

واعلموا أيها الناس! أني قد أنصفتكم وأعطيتكم من نفسي الرضا، على أن أعمل فيكم بالكتاب والسنة، وأسير فيكم بالسيرة، وأعزل عن أمصاركم من كرهتم، وأولي عليكم من أحببتم، وأنا أضمن لكم من نفسي أن أعمل فيكم بما كانا يعملان الخليفتان من قبلي جهدي وطاقتي، فقد علمتم أن من تولى أمر الرعية يصيب ويخطئ، وكتابي هذا معذرة إلى الله وإليكم، ويتصل إليكم مما كرهتم {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(٣).

فاكتفوا مني بهذا العهد {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}(٤)، وإني أتوب إلى الله من كل شيء كرهتموه، وأستغفره من ذلك، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، وقد تبت إلى الله من كل ما كرهتموه، فإن رحمته وسعت كل شيء..

١- الآية ١٥٩ من سورة الأعراف.

٢- الآية ٨٩ من سورة هود.

٣- الآية ٥٣ من سورة يوسف.

٤- الآية ٣٤ من سورة الإسراء.

٣١٨

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال: فلما جاءهم كتاب عثمان، وقرأوا لم يقبلوا شيئاً مما وعظهم به، ثم نادوا من كل ناحية، وأحاطوا بداره وخاصموه، وعزموا على قتله وخلعه.

قال: وخشي أن يعالجه القوم فيقتل، فكتب إلى عبد الله بن عامر بن كريز، وهو الأمير بالبصرة، وإلى معاوية بن أبي سفيان، وهو أمير الشام بأجمعها، فكتب إليهم عثمان نسخة واحدة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد.. فإن أهل البغي، والسفه، والجهل، والعدوان من أهل الكوفة، وأهل مصر، وأهل المدينة قد أحاطوا بداري، ولم يرضهم شيء دون قتلي أو خلعي سربالاً سربلنيه ربي.

ألا! وإني ملاق ربي فأعني برجال ذوي نجدة ورأي، فلعل ربي يدفع بهم عني بغي هؤلاء الظالمين الباغين علي، والسلام.

قال: وأما معاوية، فإنه أتاه بالكتاب المسور بن مخرمة، فقرأ لما أتاه ثم قال: يا معاوية! إن عثمان مقتول، فانظر فيما كتبت به إليه.

فقال معاوية: يا مسور! إني مصرح أن عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ويرضاه، ثم غير فغير الله عليه، أفيتهيأ لي أن أرد ما غير الله عز وجل.

قال: وأما عبد الله بن عامر فإنه لما ورد عليه كتاب عثمان نادى في أهل البصرة، فجمعهم ثم قال:

أيها الناس! إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن شرذمة من أهل الكوفة، وأهل المدينة، وأهل مصر نزلوا بساحته، فأعطاهم من نفسه

٣١٩

النصفة، ودعاهم إلى الحق، فلم يقبلوا ذلك منه. وإنه كتب إلي يسألني أن أبعث إليه منكم نفراً من أهل الدين والصلاح، فلعل الله أن يدفع بكم عنه ظلم الظالمين، وعدوان المعتدين.

قال: فأمسك الناس عنه ولم يجبه أحد منهم بشيء.

قال: وعلم أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل مصر: أن عثمان قد كتب إلى أهل الشام وأهل البصرة يستنجدهم، فكبس عليهم، فلجوا في حصاره، ومنعوه من الماء، فأشرف عليهم من جدار داره.

ثم قال: أيها الناس! هل فيكم علي بن أبي طالب؟!

قالوا: لا، فسكت ونزل.

قال: وبلغ ذلك علياً (عليه السلام) وهو في منزله، فأرسل إليه بغلامه قنبر، فقال: انطلق إلى عثمان فسله ماذا يريد.

فجاء قنبر إلى عثمان، فدخل وسلم ثم قال: إن مولاي أرسلني إليك يقول لك: ما الذي تريد؟

فقال عثمان: أردته أن يوجه إلي بشيء من الماء فإني قد منعته، وقد أضر بي العطش، وبمن معي في هذه الدار!

فرجع قنبر إلى علي فأخبره بذلك، فأرسل إليه علي ثلاث قرب من الماء مع نفر من بني هاشم، فلم يتعرض لهم أحد حتى دخلوا على عثمان، فأوصلوا إليه الماء، فشرب وشرب من كان معه في الدار.

قال: ودخل عمرو بن العاص على عثمان مسلماً، فقال له عثمان: يا بن

٣٢٠