×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج17 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

العاص! وأنت أيضاً ممن توليت على الناس فيما بلغني، وتسعى في الساعين علي حتى قد أضرمتها وأسعرتها ثم تدخل مسلماً علي!

فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! إنه لا خير لي في جوارك بعد هذا، ثم خرج عمرو من ساعته، ومضى حتى قد صار إلى الشام، ونزل بأرض فلسطين، وكان بها مقيماً.

قال: ثم أقبل عثمان حتى أشرف على الناس ثانية فسلم عليهم، فردوا عليه سلاماً ضعيفاً، فقال عثمان: أفيكم طلحة؟

قال: نعم ها أنا ذا.

فقال عثمان: سبحان الله! ما كنت أظن أن أسلم على جماعة أنت فيهم، ولا ترد علي السلام.

فقال طلحة: إني قد رددت عليك.

فقال عثمان: لا والله ما ذلك لك يا أبا محمد! إني أسمعتك السلام، ولم تسمعني الرد.

قال: وسمع عثمان بعضهم يقول: لا نقتله ولكنا نعزله.

فقال عثمان: أما عزلي فلا يكون، وأما قتلي فعسى، وأنا أرجو أن ألقى الله وبأسكم بينكم.

قال: وتكلم رجل من الأنصار يقال له: مجمع بن جارية، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخاف والله أن يقتل هذا الرجل.

فقال له رجل من الصحابة: وإن قتل، فماذا والله نبي مرسل، ولا ملك

٣٢١

مقرب!

قال: وعثمان مشرف من جدار داره يسمع ذلك.

فقال عثمان: أههنا سعد بن أبي وقاص؟ أههنا الزبير بن العوام؟

فقالا: نعم، نحن ههنا فقل ما تشاء!

فقال: ناشدتكم الله تعالى جميعاً بالذي لا إله إلا هو، هل تعلمون أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوماً: (من يبتاع لي مربد بني فلان غفر الله له).

فابتعته ثم أتيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله! إني قد ابتعت لك مربد فلان.

فقال: (اجعله في المسجد وأجره لك)، ففعلت ذلك؟!

فقالوا: قد كان ذلك.

قال عثمان: اللهم اشهد!

ثم قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، هل تعلمون أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوماً: (من يبتاع بئر رومة غفر الله له)، فابتعتها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك)، ففعلت ذلك؟!

فقالوا: قد كان ذلك.

قال عثمان: اللهم اشهد! ثم قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو. هل تعلمون أن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر ذات يوم في وجوه أصحابه

٣٢٢

وذلك في يوم جيش العسرة، فقال: (من جهز هؤلاء غفر الله له)، فجهزتهم حتى ما فقدوا خطاماً ولا عقالاً؟!

فقالوا: قد كان كل الذي ذكرت، ولكنك غيرت وبدلت.

فقال عثمان: يا سبحان الله! ألستم تعلمون أنكم دعوتم الله ربكم يوم توفي عمر بن الخطاب أن يختارني لكم؟

قالوا: بلى.

قال عثمان: فما ظنكم بالله تبارك وتعالى، أتقولون: إنه لم يستجب لكم وهنتم عليه؟

أم تقولون: إنه هان عليه هذا الدين فلم يبال من ولاه أمره؟!

أم تقولون: إن الله لم يعلم ما في عاقبة أمري، حين كنت في بعض أمري محسناً، ثم إني أحدثت من ذلك ما أسخط الله عز وجل؟ فهل لا عافاكم الله؟ فقد تعلمون ما لي من الفضائل الشريفة، والسوابق الجميلة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فارتدعوا عما قد أزمعتم عليه من قتلي، فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفعه الله عز وجل عنكم أبداً إلى يوم القيامة.

فاتقوا الله، فإني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله)، وهذه مفاتيح بيوت أموالكم ادفعوها إلى من شئتم، وأمروا على أمصاركم من أحببتم، وأنتم معتبون من كل ما ساءكم.

وأما ما ادعيتم علي أني كتبت فيكم فهاتوا بينتكم، وإلا فأنا أحلف لكم بالله العظيم أني ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به.

٣٢٣

قال: فنادته قوم من المصريين: يا هذا، إننا قد اتهمناك، فاعتزلنا وإلا قتلناك.

قال: فسكت عثمان، وتكلم زيد بن ثابت، وكان إلى جانب عثمان، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}(١).

قال: فصاح به الناس: يا زيد! إن عثمان قد أشبعك من أموال الأرامل، ولابد لك من نصره.

قال: فنزل عثمان من موضعه ذلك إلى داره، واقبل إليه عبد الله بن سلام، فقال: يا أمير المؤمنين! إن حقك اليوم على كل مسلم كحق الوالد على الولد، فأمرني بأمرك!

فقال له عثمان: تخرج إلى هؤلاء القوم تكلمهم، فعسى الله تبارك وتعالى أن يجري على يديك خيراً، أو يدفع بك شراً.

قال: فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس، فلما نظروا إليه ظنوا أنه إنما جاء ليكون معهم، فرحبوا به وأوسعوا له في المجلس، فلما جلس حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم وعظهم وذكرهم وقال:

أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى اختار من الأديان كلها دين الاسلام، ثم اختار لدينه رسولاً جعله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً

١- الآية ١٥٩ من سورة الأعراف.

٣٢٤

منيراً، ثم اختار له من البقاع المدينة، فجعلها دار الهجرة ودار الإسلام، فلم تزل الملائكة تحف بها مذ سكنها رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يومكم هذا، وما زال سيف الله مغموداً عنكم.

فأنشدكم الله أن لا تطردوا جيرانكم من الملائكة، وأن لا تسلوا سيف الله المغمود، فإن لله عز وجل سيفاً لم يسله قط على قوم حتى يسلوه على أنفسهم، فإذا سلوه لم يغمده عنهم إلى يوم القيامة.

فإياكم وقتل هذا الشيخ! فإنه خليفة، ووالله! ما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً من أمته عقوبة لهم، ولا قتل خليفة من بعده إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً، فاتقوا الله ربكم في هذا الشيخ.

قال: فنادوه من كل جانب: كذبت يا يهودي!

فقال عبد الله بن سلام: بل كذبتم أنتم، لست بيهودي، ولكني تركت اليهودية وتبرأت منها، واخترت الله ورسوله، ودار الهجرة والسلام، وقد سماني الله تبارك وتعالى بذلك مؤمناً، فقال عز وجل فيما أنزل على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}(١).

ولقد أنزل الله تعالى آية أخرى إذ يقول الله عز وجل: {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(٢).

١- الآية ١٠ من سورة الأحقاف.

٢- الآية ٤٣ من سورة إبراهيم.

٣٢٥

قال: ثم وثب عبد الله بن سلام من عند القوم، فصار إلى عثمان، فأخبره بذلك، فبقي عثمان لا يدري ما يصنع.

قال: وعزمت عائشة على الحج، وكان بينها وبين عثمان قبل ذلك كلام، وذلك أنه أخر عنها بعض أرزاقها إلى وقت من الأوقات فغضبت، ثم قالت: يا عثمان! أكلت أمانتك وضيقت رعيتك، وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، لا سقاك الله الماء من فوقك، وحرمك البركة من تحتك! أما والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ذو ثياب وبصائر يذبحوك كما يذبح الجمل.

فقال لها عثمان: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}(١).

قال: وكانت عائشة تحرض على قتل عثمان جهدها وطاقتها وتقول:

أيها الناس! هذا قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبل وبليت سنته، اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً.

قال: فلما نظرت عائشة إلى ما قد نزل بعثمان من إحصار القوم له قربت راحلتها، وعزمت على الحج. فقال لها مروان بن الحكم: يا أم المؤمنين! لو أنك أقمت لكان أعظم لأجرك، فإن هذا الرجل قد حوصر فعسى الله تبارك وتعالى أن يدفع بك عن دمه!

١- الآية ١٠ من سورة التحريم.

٣٢٦

فقالت: الآن تقول هذا وقد أوجبت الحج على نفسي، لا والله لا أقمت، وجعل مروان يتمثل بهذا البيت:


ضرم قيس عليَّ البلاد دماً إذا اضطرمت يوم به أحجما(١)


فقالت عائشة: قد فهمت ما قلت يا مروان!

فقال مروان: قد تبينت ما في نفسك.

فقالت: هو ذاك.

ثم إنها خرجت تريد مكة، فلقيها ابن عباس، فقالت له: يا بن عباس! إنك قد أوتيت عقلاً وبياناً، فإياك أن ترد الناس عن قتل هذا الطاغي عثمان، فإني أعلم أنه سيشأم قومه، كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر.

ثم إنها مضت إلى مكة، وتركت عثمان على ما هو فيه من ذلك الحصار والشدة.

قال: وأقبل سعيد بن العاص على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين! أرى لك من الرأي أن تخرج على القوم، وأنت ملب كأنك تريد الحج، فإني أرجو أن لا يتعرضوا لك إذا نظروا إليك ملبياً، ثم تأتي مكة، فإذا أتيتها لم يقدم عليك أحد بما تكرهه.

فقال عثمان: لا والله، لا أختار على هذه المدينة التي أختارها الله تعالى

١- هذا بيت من الشعر، والظاهر أن أصله:

وضـرم قـيس عليَّ الـبـلا د حتى إذا اضطرمت أحـجـما

٣٢٧

لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله).

قال: فقال له سعيد بن العاص الثقفي: يا أمير المؤمنين! فإني أخيرك بثلاث خصال فاختر واحدة.

قال عثمان: وما ذلك؟

قال: إما أن تقاتل القوم وتجاهدهم، فنقاتل معك حتى نفني أرواحنا.

قال عثمان: ما أريد ذلك.

قال: فتركب نجائبك حتى تأتي الشام، فإن بها معاوية، وهو ابن عمك، وبها شيعتك وأنصارك.

قال عثمان: والله لا أريد ذلك!

قال: فأقلك على نجائبي حتى أقدم بك البصرة، فإن بها قوماً من الأزد، وفيهم معروف لي، وهم لي شاكرون، فتنزل بين أظهرهم فيمنعوك.

فقال عثمان: لا والله لا خرجت من المدينة كائناً في ذلك ما كان.

قال: وأقبل أسامة بن زيد إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: يا أبا الحسن! والله لإنك أعز علي من سمعي وبصري، وإني أعلمك أن هذا الرجل ليقتل، فأخرج من المدينة، وسر إلى ضيعتك ينبع، فإنه إن قتل وأنت بالمدينة شاهد رماك الناس بقتله، وإن قتل وأنت غائب لم يعدل بك أحد من الناس بعده.

فقال له علي: ويحك! والله إنك لتعلم أني ما كنت في هذا الأمر إلا كالآخذ بذنب الأسد، وما كان لي فيه من أمر ولا نهي.

٣٢٨

قال: ثم دعا علي بابنه الحسن، (وقال:) انطلق يا ابني إلى عثمان، فقل له: يقول لك أبي: أفتحب أن أنصرك!

فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان: لا ما أريد ذلك، لأني قد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامي، فقال: يا عثمان! إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتلهم فإنك مفطر عندي.

وإني قد أحببت الإفطار عند رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فسكت الحسن، وانصرف إلى أبيه، فأخبره بذلك.

قالوا: قد كان طلحة بن عبيد الله قد استولى على حصار عثمان مع نفر من بني تيم، وبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى علي بهذا البيت:


فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق

أترضى أن يقتل ابن عمك وابن عمتك، ويسلب نعمتك وأمرك؟

فقال علي (عليه السلام): صدق والله عثمان! لا والله لا نترك ابن الحضرمية يأكلها.

ثم خرج علي إلى الناس، فصلى بهم الظهر والعصر، وتفرق الناس عن طلحة، ومالوا إلى علي، فلما رأى طلحة ذلك أقبل حتى دخل على عثمان فاعتذر إليه مما كان منه.

فقال له عثمان: يا بن الحضرمية! وليت على الناس ودعوتهم إلى قتلي، حتى إذا فاتك ما كنت ترجو وعلاك علي (عليه السلام) على الأمر جئتني معتذراً، لا قبل الله ممن قبل منك.

٣٢٩
٣٣٠

ودفع الناس الباب الثاني فسقط أيضاً.

فأنشأ المغيرة بن الأخنس بن شريق يقول:


لما تهدمت الأبواب واحترقت تممت منهن بابا غير محترق
شدا أقول لعبد الله آمره إن لم تقاتل لذي عثمان فانطلق
هو الإمام فلست اليوم تاركه إن الفرار علي اليوم كالسرق
فلست أتركه ما دام بي رمق حتى يفرق بين الرأس والعنق


قال: فلما نظر عثمان إلى الباب وقد احترق، قال لمن عنده في الدار: ما أحرق الباب إلا لأمر هو أعظم من إحراقه.

ثم اقتحم الناس الدار على عثمان وهو صائم، وذلك في يوم الخميس أو يوم الجمعة لثماني عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً خلت من مقتل عمر بن الخطاب.

قال: والتفت عثمان إلى الحسن بن علي وهو جالس عنده، فقال: سألتك بالله يا بن الأخ إلا ما خرجت! فإني أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك.

فخرج الحسن بن علي (عليه السلام)، وخرج معه عبد الله بن عمر(١).

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٤١٠ ـ ٤٢٥ وراجع: الأمالي للطوسي ص٧١٢ ـ ٧١٥ وبحار الأنوار ج٣١ ص٤٨٥ ـ ٤٨٨ وتاريخ المدينة لابن شبة ج٤ ص١١٥٨ ـ ١١٦٠ و (ط دار الفكر) ج٣ ص١١٣٧ ـ ١١٣٩.

٣٣١

ونقول:

لا بد من بيان بعض ما تعرضت له النصوص المتقدمة، وسنقتصر منها على ما يرتبط بعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو ما له مساس قريب به، فلاحظ ما نذكره من العناوين التالية:

مقارنة بين الوليد وابن أبي سرح:

قلنا في بعض فصول هذا الكتاب: إنه حين شرب الوليد بن عقبة الخمر في الكوفة، طلب علي (عليه السلام) من عثمان أن يعزله، وأن يقضي بينه وبين الذين يدعون عليه شرب الخمر، فإن شهدوا عليه في وجهه، ولم يأت بما يدحض حجتهم جلده الحد..

وها هو (عليه السلام) يطلب من عثمان هنا أيضاً نفس هذه المطالب، بالنسبة لسعد بن أبي سرح، فقد طلب من عثمان أن يعزله عن مصر، وأن يقضي بينه وبين الذين يدعون عليه أنه قتل رجلاً كان قد اشتكى عليه عنده..

والسبب في هذا وذاك هو أن تشابه بين الحادثتين قد اقتضى وحدة الإجراءات فيهما معاً..

فأولاً: إن ابن أبي سرح حين يتهم بسفك الدماء البريئة، وبارتكاب المخالفات في سياسته للرعية، وبأنه لم يكن أميناً على ما تحت يده.. لا يعود صالحاً لتولي أمر ذلك البلد، لانعدام الثقة به.. ولحصول النفرة بينه وبين أهل تلك البلاد.

٣٣٢

وبالتالي.. فإن ذلك سيفتح باب الطعن بصحة تصرفات، وسلامة سياسات، ورعاية جانب العدل والإنصاف وتنامي حالة الشك والتهمة لمن نصب ذلك الحاكم، ويرفض التخلي عنه..

ثانياً: إنه (عليه السلام) قد حفظ لابن أبي سرح حقه، حيث لم ينسب إليه القتل بصورة قاطعة.. بل أحال ذلك إلى القضاء، والحكم وفق ما يتوفر للقاضي من أدلة وشواهد، وإثباتات بعد ملاحظة دفاعات المتهم، وتقدير مدى قيمتها وصحتها..

ولكننا نجد في مقابل ذلك: أن طلحة وعائشة قد سجلا إدانة صريحة لابن أبي سرح، حيث صرحت عائشة بارتكابه جريمة القتل بالفعل، لمجرد إخبارها بذلك من قبل المدعين عليه به، ومن دون سماع أي شيء من ابن أبي سرح نفسه حول هذا الموضوع..

دلالات استجواب عثمان:

إن علياً (عليه السلام) وجه أسئلة عديدة لعثمان، فلما أجاب عنها وضعه أمام النتيجة المحرجة..

فقد اعترف بأن الغلام غلامه، والجمل جمله، والخاتم خاتمه.. ثم أنكر أن يكون هو الذي أرسل ذلك الكتاب، فلم يبق إلا أن يكون الذي كتب الكتاب هو ذلك الذي يحمل ختم عثمان، ويستطيع أن يأمر غلام عثمان فيطيعه، ويقرر الإستفادة من جمل عثمان فينفذ قراره.. وهذا كله منحصر بمروان..

فإن صح أن عثمان لم يكتب ولم يعلم.. فإن هذا الإستجواب يكون قد

٣٣٣

أظهر الكاتب، والآمر للغلام، والمتصرف بالجمل، والمستعمل للختم الذي ختم به ذلك الكتاب الذي لم يكتبه عثمان. وهو مروان بالتحديد..

وبما أن تصرف مروان هذا كان بالغ الخطورة، فقد كان ينبغي لعثمان أن يتخذ موقفاً منه، ولو بأن يسترد منه خاتمه، ويحد من تصرفاته، ويبعده عن موقعه، ولا يشركه في الأمور، ولا يجعله من أهل مشورته وبطانته.. وهذا أضعف الإيمان بالنسبة لمن يرتكب هذا الجرم الخطير..

ملاحظة حول تصرف مروان:

ويلاحظ هنا:

١ ـ أن الغلام الذي أرسله مروان، والجمل الذي أركبه إياه كانا لعثمان، فمن يرى هذا الغلام، وذلك الجمل لا بد أن يعرف أن لعثمان غرضاً من السماح للغلام بركوب ذلك الجمل، والكون في تلك المنطقة، وفي المقصد الذي سينتهي إليه..

٢ ـ إنه أرسل الجمل والغلام في نفس الوقت الذي يخرج فيه وفد مصر.

٣ ـ أن محمد بن أبي بكر، وجماعة من الصحابة الذين كانوا يعرفون الغلام والجمل.. كانوا مع ذلك الوفد..

٤ ـ أن الغلام لا يستطيع أن يسافر من المدينة إلى مصر وحده، أو فقل إن ذلك سيكون صعباً عليه، وفيه أخطار ومشقات يصعب عليه مواجهتها.. فكان من المتوقع أن يبحث عن ركب يضم نفسه إليه في ذلك

٣٣٤

السفر الطويل..

٥ ـ كان بإمكان مروان أن يدس إلى ابن أبي سرح وصية بقتل ابن أبي بكر أو غيره.. وسيرى أنه سيكون على استعداد لتنفيذ تلك الوصية، من أي جهة جاءته.. فلماذا أراد أن يكون عثمان طرفاً فيها؟ وأن تكون على يد غلامه وعلى جمله وبخاتمه، وعلى لسانه وباسمه.

وهل كان يريد من ابن أبي سرح أن ينفذ الوصية معلناً: أن ذلك كان بأمر عثمان؟! وأن يظهر للناس ذلك الكتاب المختوم بخاتمه.. وماذا سيكون موقف عثمان حين يطلع على هذا الأمر؟!

ولماذا أقر لهم ذلك الغلام بمهمته بمجرد سؤالهم إياه؟! وهل سألوه عن مضمون الرسالة التي يحملها لوالي مصر.. وبماذا أجابهم.

أم يعقل أن يكون ذلك كله خافياً على مروان؟!

ألم يكن يتوقع أن يتعرف على هذا الغلام وعلى هذا الجمل أحد ممن كان في ذلك الركب؟! ثم أن يشك في سبب وجوده معهم، وأن يتساءل عن سبب مسيره معهم إلى مصر؟!..

وإذا كان يعلم ذلك، فهل أراد أن تنكشف الرسالة، وأن تتأزم الأمور، وأن يعود المصريون إلى عثمان، وبيدهم حجة كبيرة ضده، وأن ينتهي الأمر بقتل عثمان، لأن ذلك يعطي مروان وحزبه فرصة لتكريس الأمر لصالحهم، بعد اتهام علي (عليه السلام) بالممالأة على قتله، أو بالمشاركة فيه؟!

٦ ـ إن الفقرة الأخيرة التي تحدثت عن استحقاق عثمان للخلع كانت هي الأشد وقعاً عليه، والأكثر إيلاماً لقلبه، فإن عثمان كان شديد التعلق

٣٣٥

بمنصبه، يدللنا على ذلك: أنه تشبث به إلى أن صافح الموت الزؤام.. من دون أي داع إلى ذلك سوى هذا التعلق، الذي يجعل أية إشارة لانتزاع الخلافة منه بمثابة الضرب بالسيوف، والطعن بالرماح..

أسباب حدة موقف عائشة:

وقد رأينا: أن موقف عائشة من عثمان قد جاء قوياً وحاداً للغاية، وكذلك كان موقف طلحة، وقد بدت عائشة قاطعة باتهام عامله بقتل الرجل.. كذلك كان حال طلحة أيضاً..

فهل كان الدافع لها وله هو الغيرة على مصالح العباد، والحرص على العمل بأحكام الشرع؟! أم أنه كان وراء الأكمة ما وراءها؟!

قد يقال: إن الثاني هو الصحيح، فإنها إنما غضبت من عثمان، لأنه منعها العطاء الذي كان عمر يعطيها إياه(١).

وعلى حد تعبير الرواية المتقدمة: إنه أخر عنها بعض أرزاقها.

وروي أن عائشة جاءت إلى عثمان، فقالت: أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر.

قال: لا أجد له موضعاً في الكتاب ولا في السنة. ولكن كان أبوك

١- راجع: الأمالي للمفيد ص١٢٥ وبحار الأنوار ج٣١ ص٢٩٥ و ٤٨٣ وكشف الغمة ج٢ ص١٠٧ وتقريب المعارف لأبي الصلاح ص٢٨٦ واللمعة البيضاء ص٨٠٠ وبيت الأحزان ص١٥٦ والخصائص الفاطمية للكجوري ج١ ص٥٠٩.

٣٣٦

وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما، وأنا لا أفعل.

قالت: فأعطني ميراثي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!.

قال: أو لم تجئ فاطمة (عليها السلام) تطلب ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فشهدت أنت ومالك بن أوس البصري: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يورث، وأبطلت حق فاطمة وجئت تطلبينه؟! لا أفعل.

وفي نص الطبري: وكان عثمان متكئاً، فاستوى جالساً، وقال: ستعلم فاطمة أي ابن عم لها مني اليوم؟! ألست وأعرابي يتوضأ ببوله شهدت عند أبيك؟! الخ..

فكان إذا خرج عثمان إلى الصلاة أخرجت قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وتنادي أنه قد خالف صاحب هذا القميص(١).

ويدل على أن دوافع عائشة لم تكن متوافقة مع سائر المعترضين رغم حدتها في مواجهة عثمان، وأمرها الناس بقتله في قولها المشهور: اقتلوا نعثلاً فقد كفر(٢)، وإظهار فرحها بقتله حين بلغها ذلك، انقلب موقفها رأساً على

١- راجع: الأمالي للمفيد ص١٢٥ وبحار الأنوار ج٣١ ص٢٩٥ و ٤٨٣ وكشف الغمة ج٢ ص١٠٧ وتقريب المعارف لأبي الصلاح ص٢٨٦ واللمعة البيضاء ص٨٠٠ وبيت الأحزان ص١٥٦ والخصائص الفاطمية للكجوري ج١ ص٥١٠.

٢- بحار الأنوار ج٣٢ ص١٤٣ و ١٦٧ والغدير ج٩ ص٨٠ والفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر الضبي ص١١٥ وقـاموس الرجـال للتسـتري ج١٠ ص٤٠ = = وج١١ ص٥٩٠ وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٥٩ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٧٧ والكامل في التاريخ ج٣ ص٢٠٦ والفتوح لابن أعثم ج٢ ص٤٣٧ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٣ ص٣٥٦ و (ط المطبعة البهية بمصر سنة ١٣٢٠ هـ) ج٣ ص٢٨٦ وتذكرة الخواص ص٦١ و ٦٤ والخصائص الفاطمية للكجوري ج٢ ص١٥٧ وحياة الإمام الحسين للقرشي ج٢ ص٢٥ وصلح الحسن (عليه السلام" للسيد شرف الدين ص٣١٣ وعن العقد الفريد ج٣ ص٣٠٠ والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص١٢٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص٤٤٢ والغدير ج٩ ص٨٠ و ٨٥ و ١٤٥ و ٢٧٩ و ٣٢٣ و ٣٥١ وج١٠ ص٣٠٥ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٥١ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٧٢.

٣٣٧

عقب في نفس اللحظة، حين علمت أن علياً (عليه السلام) هو الذي تولى بعده، فإنها كانت تظن أن طلحة سيفوز بهذا الأمر، ثم جمعت الجيوش هي وطلحة والزبير، وخرجت لحرب علي (عليه السلام) بحجة الطلب بدم عثمان..

ابن العاص يحرض على عثمان:

ولم يقتصر الأمر على عائشة، وابن عوف، وابن مسعود، والزبير، وطلحة، وسعد، وأبي ذر، وعمار، وسواهم بل كان لعمرو بن العاص موقف مماثل أيضاً، فقد روى الواقدي في تاريخه:

٣٣٨

أن عثمان عزل عمرو بن العاص عن مصر واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقدم عمرو المدينة فجعل يأتي علياً (عليه السلام) فيؤلبه على عثمان، ويأتي الزبير، ويأتي طلحة، ويلقى الركبان يخبرهم بإحداث عثمان.

فلما حصر عثمان الحصار الأول خرج إلى أرض فلسطين، فلم يزل بها حتى جاءه خبر قتله، فقال: أنا أبو عبد الله، إني إذا أحل قرحة نكأتها، إني كنت لاحرص عليه، حتى أني لاحرص عليه [من] الراعي في غنمه.

فلما بلغه بيعة الناس علياً (عليه السلام) كره ذلك، وتربص حتى قتل طلحة والزبير، ثم لحقبمعاوية (١).

ونقول:

١ ـ إن محاولة عمرو بن العاص تأليب علي (عليه السلام) وتحريض طلحة والزبير، على عثمان، وكان يلقى الركبان يخبرهم بأحداثه.. لمجرد أنه عزله عن مصر، واستبدله بقرشي آخر هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح.. يشير إلى أن الملتفين حول عثمان، والمساعدين له الذين كان الناس يعترضون على توليتهم، وعلى عطايا عثمان لهم، إنما كانوا يدافعون عن مصالحهم،

١- راجع: بحار الأنوار ج٣١ ص٢٩١ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٨٣ ونهج السعادة ج٢ ص٦٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٥٥ ص٢٦ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٣٩٢ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٦٣ والغدير ج٢ ص١٥٤ وج٩ ص١٣٦.

٣٣٩

وعن امتيازاتهم ومواقعهم..

٢ ـ إن النصوص لم تذكر لنا جواب علي (عليه السلام) لعمرو بن العاص حين كان يؤلبه على عثمان.. ولكن الأحداث أجابت وبينت بوضوح أن مسعى عمرو بن العاص قد باء بالفشل، لأنه (عليه السلام) بقي يمارس قناعاته، ويلتزم بحدود التكليف الشرعي، الذي كان يفرض عليه أن يدفع عن عثمان تلك الممارسات التي تخرج عن حدود الشرع.. وأن يطلب من عثمان أن ينصف الناس، ويعيد الأمور إلى نصابها..

٣ ـ إن طلحة والزبير، قد أغرقا في عداءهما لعثمان، حتى أتيا على نفسه، ومعهما جماعات كثيرة من الصحابة وغيرهم من الناس الذين حضروا إلى المدينة من سائر البلاد..

وقد نسب عمرو بن العاص ما جرى لنفسه، زاعماً أنه هو السبب في قتل عثمان.. ولعله أراد بذلك أن يجد لنفسه موقعاً، ويحصل على حصته في الواقع المستجد، وربما كان يظن أن الأمر سيصل إلى طلحة وأضرابه..

ولكنه حين بلغه أن الأمر قد انتهى إلى علي (عليه السلام) علم أنه لن يحصل على ما كان يصبو إليه، فكره ذلك وتربص.

لماذا لم يرفض علي (عليه السلام) طلب عثمان؟!:

تقدم عن ابن أعثم: أن عثمان طلب من علي (عليه السلام) أن يتدخل مع الثائرين عليه، ويدفعهم عنه، ويحل المشكلة. فبادر (عليه السلام) إلى ذلك، ولم يمتنع، لأن امتناعه سوف يذكي أوهام عثمان، ومن يريدون

٣٤٠