×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج17 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الناس كان ابن سمية مع الحق(١)..

ثانياً: أخرج ابن عبد البر من طريق حذيفة: عليكم بابن سمية، فإنه لن يفارق الحق حتى يموت(٢).

أو قال: فإنه يدور مع الحق حيث دار(٣).

١- تاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٤٠٣ و ٤٠٦ وسير أعلام النبلاء ج١ ص٤١٥ وج٣ ص٥٧٥ والبداية والنهاية ج٧ ص٢٧٠ و (ط دار إحياء التراث العربي) ج٦ ص٢٣٩ وج٧ ص٣٠٠ وإمتاع الأسماع ج١٢ ص٢٠٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٩٨ والغدير ج٩ ص٢٥ وج١ ص٣٣٠ وج١٠ ص٣١٢ عن الطبراني، والبيهقي والحاكم، ومناقب أهل البيت للشيرواني ص٣٨٠ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٥٤ ومجمع الزوائد ج٧ ص٢٤٣ والمعجم الكبير للطبراني ج١٠ ص٩٦ وكنز العمال ج١١ ص٧٢١ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٢ ص٢٦٢ وغاية المرام ج٦ ص١٢٧ وراجع: والإكمال في أسماء الرجال ص٢٠٣.

٢- الإستيعاب ج٢ ص٤٣٦ و (ط دار الجيل) ج٣ ص١١٣٩ والغدير ج٩ ص٢٥ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٠ ص١٠٥ والدرجات الرفيعة ص٢٥٧ وحليف مخزوم (عمار بن ياسر) لصدر الدين شرف الدين ص٧٥.

٣- الإستيعاب ج٢ ص٤٣٦ و (ط دار الجيل) ج٣ ص١١٣٩ والغدير ج٩ ص٢٥ و ٢٥٩ وج١٠ ص٨٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٠ ص١٠٥. وراجع: علل الشرائع ج١ ص٢٢٣ ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج٢ ص٣٥١ = = وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٦١ وبحار الأنوار ج٣٠ ص٣٧٢ وج٤٤ ص٣٥ والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص١٠١ والإستغاثة للكوفي ج١ ص٥٤.

٢١

ثالثاً: روى ابن سعد مرفوعاً: أن عماراً مع الحق، والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار(١).

وفي نص آخر: يزول مع الحق حيث زال(٢).

رابعاً: عن عائشة وابن مسعود مرفوعاً: عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما، أو نحو ذلك(٣).

١- الغدير ج١ ص٣٣١ وج٩ ص٢٥ وج١٠ ص٣١٢ والطبقات الكبرى (ط ليدن) ج٣ ص١٨٧ و ( ط دار صادر) ج٣ ص٢٦٢ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٦١ ونهج السعادة ج٢ ص٢٣٩ وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج١٣ ص٥٣٩ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٤٧٦ والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص١٠١ وحليف مخزوم (عمار بن ياسر) ص٢٤٥.

٢- الغدير ج٩ ص٢٤ وج١٠ ص٣١٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٠ ص١٠٥ والجامع الصغير ج٢ ص١٧٨ وكنز العمال ج٦ ص١٨٣ و (ط مؤسسة الرسالة) ج١١ ص٧٢٠ عن ابن عساكر، وفيض القدير ج٤ ص٤٧٣ والدرجات الرفيعة ص٢٥٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٣٩٣ و ٤٠٨.

٣- سنن ابن ماجة ج١ ص٦٦ و (ط دار الفكر) ج١ ص٥٢ ومسند أحمد ج١ ص٣٨٩ وج٦ ص١١٣ والغـديـر ج٩ ص٢٥ و ٢٦ و ٢٥٩ و ٣٢٥ وعن = = مصابيح السنة ج٢ ص٢٨٨ والجامع لأحكام القرآن ج١٠ ص١٨١ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص٢٧٤ وكنز العمال ج٦ ص١٨٤ و (ط مؤسسة الرسالة) ج١١ ص٧٢١ و ٧٢٢ والإصابة ج٩ ص٥١٢ والأعلام للزركلي ج٥ ص٣٦ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٧ ص٢٩٨ وغاية المرام ج٦ ص١٢٧ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣١ ص٣٦٠ وأسد الغابة ج٤ ص٤٥ وفتح الباري ج٧ ص٧٢ وتحفة الأحوذي ج١٠ ص٢١٣ والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٢٣ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٣٨٨ وسنن الترمذي ج٥ ص٣٣٢ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢٣ والجامع الصغير ج٢ ص١٧٨ و ٤٩٥ وفيض القدير ج٢ ص٧٣ وج٤ ص٤٧٣ وج٥ ص٥٦٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٤٠٤ و ٤٠٥ و ٤٠٧ وسير أعلام النبلاء ج١ ص٤١٦ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج٢ ص٢٦٢ و ٢٦٥ والمراجعات ص٣١٩ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٣ ص٥٧٥.

٢٢

فالأحاديث المتقدمة كلها تدين عثمان، وتبين أن الحق مع عمار رضوان الله تعالى عليه وليس معه..

كما أنها تريد أن تهيء أسباب الهداية للناس العاديين الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يروا علياً (عليه السلام) ولا عرفوه عن قرب، ولم يسمعوا ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في حقه، فإذا واجهوا الحملات التي تهدف إلى تشويه سمعته، والذهاب بحقه، ولم يعرف الناس إلى أين يذهبون، واشتبهت الأمور عليهم، فإن هذه الأحاديث تجعل لهم مرجعاً

٢٣

يمكنهم من خلاله معرفة المحق من غيره، وتحدد لهم المحق والمظلوم وتميزه عن المبطل والمعتدي.. فيما يرتبط بالخلاف الذي يراه بين علي (عليه السلام) وبين مناوئيه..

خامساً: لقد أكد ذلك (صلى الله عليه وآله)، وزاده إيضاحاً، وبين حين قال للناس: إن ضرب عمار والتعدي عليه يوازي العدوان على النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه..

وذلك في قضية حدثت لعمار مع عثمان بالذات، وجاءت الشكوى إلى رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله) محذراً من التعدي على عمار: (ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار؟ إن عماراً جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك الرجل فلم يستبق فاجتنبوه..)(١).

١- راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج٢ ص١٤٢ و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج٢ ص٣٤٥ وتاريخ الخميس ج١ ص٣٤٥ والأعلاق النفيسة، ووفاء الوفاء ج١ ص٣٢٩ والسيرة الحلبية ج٢ ص٧٢ وحياة الإمام الحسين للقرشي ج١ ص٣٦٥ وحليف مخزوم (عمار بن ياسر) ص٨١ وراجع: خلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٤٠ و ٥٠ وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج٢ ص٤٤ وسبل الهدى والرشاد ج٣ ص٣٣٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٤٢٣ عن العقد الفريد (ط الشرقية بمصر) ج٢ ص٢٠٤ وقد ذكره في الغدير ج٩ ص٢١ و ٢٢ و ٢٧ وج١٠ ص٣١٢ عن مصادر كثيرة جداً، لكنه أخذ منه بعض فقراته، فلا بد من مراجعة تلك المصادر الكثيرة لمن أراد المزيد من التحقيق.

٢٤

سادساً: عن خالد بن الوليد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من عادى عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله(١).

وفي لفظ آخر: من حقر عماراً يحقره الله(٢)، أو نحو ذلك..

وهذه الأحاديث تبين حال من يعتدي على عمار، ومن يشتمه ويبغضه..

التنكيل بخصوص الأخيار والكبار:

وهناك مفارقة لافتة في سياسات عثمان.. وهو أننا لم نجده عبس في

١- فضائل الصحابة للنسائي ص٤٩ والمستدرك ج٣ ص٣٩٠ ومسند أحمد ج٤ ص٨٩ ومجمع الزوائد ج٩ ص٢٩٣ والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٢٣ والسنن الكبرى للنسائي ج٥ ص٧٣ وصحيح ابن حبان ج١٥ ص٥٥٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٥٢ وكنز العمال ج١١ ص٧٢٢ وج١٣ ص٥٣٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٣٩٨ وأسد الغابة ج٤ ص٤٥ وسير أعلام النبلاء ج١ ص٤١٥ والإصابة ج٤ ص٤٧٤ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٣ ص٥٧٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣١ ص٣٦١ والغدير ج٩ ص٢٧ وراجع: بحار الأنوار ج٣١ ص١٩٦ و ٢٠٣ ومناقب أهل البيت للشيرواني ص٣٨١ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢٢ والدرجات الرفيعة ص٢٥٧ والشافي في الإمامة ج٤ ص٢٩٣.

٢- مسند أحمد ج٤ ص٨٩ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٣٩٠ و ٣٩١ والمعجم الكبير للطبراني ج٤ ص١١٣ وكنز العمال ج١٣ ص٥٣٣ وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٣٥٩ والغدير ج١ ص٣٣١ وج٩ ص٢٧ وج١٠ ص٣١٢.

٢٥

وجه أي من عماله الذين كانوا أساس بلائه، فضلاً عن أن يعاقب أحداً منهم بالضرب، أو الحبس، أو القتل، أو العزل، جزاء على ما اقترفوه من جرائم.

ولكننا نجده يفعل بأبي ذر وعمار، وكعب بن عبيدة، وابن مسعود وحتى علياً (عليه السلام)، وسواهم الأفاعيل، ويوسعهم ضرباً، ونفياً، واتهاماً، وشتماً، وأذى، وما إلى ذلك.. فما هذه المفارقة، ولماذا كانت، وكيف نفسرها، وهل يمكن اعتبارها صدفة؟!

كف عن عمار وغير عمار:

ثم إن علياً (عليه السلام): لم يخص كلامه بعمار، بل طلب من عثمان الكف عنه وعن غيره.. ومعنى هذا:

١ ـ إن عثمان كان هو المبادر إلى التحرش بصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله).. كما أظهره النص المتقدم نفسه، فقد رأيناه يصب الزيت على النار. بل كان هو الذي يقتدح زنادها مرة بعد أخرى.. وكأنه يسعى للتخلص من رموز الصحابة وكبارهم وخيارهم، وأصحاب الكلمة المؤثرة فيهم بهذه الطريقة.. ليرتاح باله ممن يخشى صراحتهم، ويخاف من غيرتهم على دينهم، وعلى مصالح أمتهم.

وربما كان يريد إلى إضعاف أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتنكيل بأكابر أصحابه، وبكل من يرى رأيه أو يميل إليه، كما جرى بالنسبة لصلحاء الكوفة، أيضاً..

٢ ـ قد أظهر الناس خشيتهم من أن تؤدي الطريقة التي اتبعها عثمان

٢٦

إلى نفي جميع الصحابة.. وهذا يدل على اتساع دائرة الإعتراض على عثمان حتى شملت جميع الصحابة (أو على الأقل جميع أهل الشأن وأصحاب الكلمة المؤثرة منهم).

وهذا يفسر لنا قول علي (عليه السلام) له: كف عن عمار، وغير عمار..

٣ ـ إن إشارة علي (عليه السلام) إلى أبي ذر، وعمار، وغيرهما إنما تهدف إلى تحذير عثمان من التمادي في هذه السياسة التي كانت في غير صالحه، وتعطي لمناوئيه الحجة عليه، وتمنحهم وسيلة إقناع مؤثرة أخرى.. أي أنه (عليه السلام) لم يرد تأنيب عثمان، بل أراد لفت نظره إلى خطورة هذه السياسة على ثبات حكمه.

ولكن عثمان كان في عالم آخر، كما ظهر من ردة فعله تجاه علي (عليه السلام)، الذي لا يدخر وسعاً في نصحه، وفي إصلاح شأنه..

من الذي أفسد عماراً على عثمان؟!:

١ ـ إن الإسلام حين جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفاً شرعياً، يجب على جميع الناس القيام به، فيكون قد حتم عليهم، تثقيف أنفسهم بالأحكام وغيرها ليتمكنوا من معرفة الحق، وتمييزه عن الباطل..

كما أنه فرض عليهم أن يتحلوا بالشعور بالمسؤولية، وتربية المشاعر التي من شأنها رفع مستوى التعلق بالدين، وأحكامه، وتؤثر في تنامي الرغبة بالإلتزام بشرائعه، ثم إيجاد حساسية تجاه الباطل تؤدي إلى النفور منه، وتدعو إلى رفضه، والتأذي برؤية أي مظهر من مظاهره، مهما كان، ومن أي كان..

٢٧

ولأجل ذلك نلاحظ: أنه كلما زاد وعي الإنسان، المسلم وازدادت معرفته بدينه، وتنامى تعلقه به، وحرصه على الإلتزام به.. كلما زاد حرصه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

وقد ربى النبي (صلى الله عليه وآله) هذا الوجدان الإنساني، ورعى هذه الروح، وطهرها وصفاها لدى ثلة من أصحابه، الذين كانوا يلتفون غالباً حول أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولهم علاقة حميمة به، ومحبة وولاء له..

ثم ربى علي (عليه السلام) ثلة أخرى بعد وفاة رسول (صلى الله عليه وآله) كانت هي الأخرى على درجة عالية من المعرفة والوعي، وفي مستوى رفيع من الصفاء والطهر الروحي، ولديها الكثير من الحماس والإندفاع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً..

وهذا بالذات هو ما عناه (عليه السلام) في قوله لعثمان: (فوالله، ما يفسدهم عليك إلا نفسك، لأنهم يرون ما ينكروه (كذا)، فلا يسعهم إلا تغيير ما يرون)..

٢ ـ وفي مقابل هؤلاء نجد من يريد أن يتخذ من الدين ذريعة للحصول على الدنيا وحطامها، ومن يحاول أن يستغل الواقع الراهن لمآربه، وطموحاته الشخصية، على قاعدة كلمة حق يراد بها باطل..

ولذلك فلا عجب أن يتصدى الأخيار من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)، وعلى رأسهم علي (عليه السلام) للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنكار على من يوجب الإسلام الإنكار عليه.. وأن يحاول

٢٨

الطامحون والطامعون أن يستغلوا الأمور لصالحهم.. ويحرفوها عن مسارها الصحيح، حتى لو أدى ذلك إلى محق دين الله، وغذلال عباده الصالحين، وأوليائه المقربين.

٣ ـ ولأن الأخيار من الصحابة، ومن أصحاب أمير المؤمنين ـ وكلهم كان ينقاد لما جاء عن الله ورسوله في علي (عليه السلام) ـ كانوا هم المتحمسين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان عثمان بسبب ذلك ـ إذا أردنا أن نغض النظر عن سائر الدلائل والشواهد ـ يتهم علياً (عليه السلام) بأنه كان هو الذي يدفعهم لتوجيه النقد إليه، والإعتراض على تصرفاته وتصرفات عماله..

مع أنهم إنما كانوا يعملون بواجبهم، ويلبون نداء الله تعالى لهم..

ويمكن أن يكون هذا هو سبب اتهام عثمان لعلي (عليه السلام) بأنه هو الذي أفسد عماراً وسواه عليه.

أما إذا أردنا أن نتخلى عن هذا الإحتمال، وعن احتمال أن يكون الدافع هو شدة البغض لعلي والحسد وسواه ـ فإننا استناداً إلى ما نشهده من تصلب عثمان في مواقفه، وفي الإحتفاظ بعماله، وعدم مؤاخذة أي منهم على أفاعيله، ثم غضبه من أي نقد يوجه إليه وإليهم، وبطشه بناصحيه، وبالآمرين له بالمعروف، والمعترضين على السياسات الخاطئة وسواها ـ إننا استناداً إلى ذلك كله ـ لا محيص لنا عن اعتبار عثمان غير مهتم بشيء سوى حفظ السطلة، التي انتهى بها الأمر إلى هذا الحال، وحفظ كل رموزها، مهما كان الثمن لذلك.. ولم يكن يريد تغيير أي شيء مما هو قائم.. سوى قمع

٢٩
٣٠

إجلس في بيتك، والمسلمون معك:

وقد أصدر علي (عليه السلام) الأمر لعمار بعدم تنفيذ أمر عثمان بالمسير إلى الربذة، ويلاحظ:

١ ـ إنه (عليه السلام) لم يكن قد فعل ذلك (عليه السلام) حين نفى عثمان أبا ذر إلى الشام، ثم إلى الربذة أيضاً، ولعل ذلك يعود إلى أن الأمور لم تكن قد نضجت بعد، فإن تفاقم الأمور على عثمان وولاته، واتساع دائرة الإعتراض عليه وعليهم، وعلى أقاربه، وصيرورة عامة الناس ضده وضدهم. مكن علياً (عليه السلام) من الوقوف في وجهه في قضية عمار (رحمه الله)، ولم تكن الأمور هكذا عند نفي أبي ذر، بل لعله حاول (عليه السلام) في تلك الفترة الوقوف في وجه الحكام في شأنه لتعرض سائر المؤمنين للخطر والضرر.. وكان ما جرى لأبي ذر قد أسهم في جلاء الأمور للناس، وأصبحت البقية الباقية من أهل الإيمان أكثر حصانة، واكثر قوة بفضل ثبات وصبر أبي ذر (رحمه الله)، وبسبب نشاطه الإعلامي الهادف إلى توعية الناس بشأن بني أمية، وتعريفهم بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم، ثم نشره لفضائل علي وأهل البيت (عليهم السلام)، وتعريفهم بمظلوميتهم، وما ارتكب في حقهم، وما يجري عليهم.

وقد يتمكن الأمويون وانصارهم من إدخال الشبهة على الناس في أن يكون علي (عليه السلام) قد تجنى على عثمان، وربما يتمكنون من تصوير أبي ذر على أنه قد تجاوز الحدود المسموح بها في نصح أولى الأمر.. وقد يفترون على أبي ذر أموراً تبرر لهم نفيه إلى الشام، ثم على الربذة..

٣١

ولكن بعد أن طال الزمن، وبلغ السيل الزبى، والحزام الطبيين وأسفر الصبح لذي عينين، فإن الناس سيرون أن هذا الإقدام من علي (عليه السلام) هو الصواب الذي لا بد منه، ولا محيص عنه.

٢ ـ إن الذي يمنع عثمان من ارتكاب ما عزم عليه في حق عمار لم يكن هو مراعاة حكم الله فيه.. فقد نبهه علي والمسلمون إلى ذلك، مرات ومرات، كانت دائماً تنتهي بالفشل، وبتعقيد الأمور، والإقدام على خطوات أخطر من سابقاتها..

بل الرادع لمن يمسك بأزمة الحكم هو الخوف من الناس.. ولذلك قال علي (عليه السلام) لعمار: إن الله تبارك وتعالى مانعك من عثمان وغير عثمان، وهؤلاء المسلمون معك. أي أن الله يمنعه، حين يرى أولئك الذين يقصدونه، بالأذى أن الناس معه..

وهذا بالذات ما عبر عنه بنو مخزوم، حين أقسموا بالله له قائلين: يا أبا الحسن، لئن نصرتنا، وكنت معنا، لا وصل إلينا عثمان بشيء نكرهه أبداً.

وبلغ ذلك عثمان، فكف عن عمار، وندم على ما كان منه.

ثم جاءت وساطة زيد بن ثابت، وما جرى للمغيرة بن الأخنس لتؤكد ذلك أيضاً.. فلاحظ ما يلي:

يا ابن اللعين الأبتر:

وذكروا: أن عثمان بعد أن واجهه علي (عليه السلام) بما قدمناه في أمر عمار (جعل لا يدخل عليه أحد من وجوه المسلمين إلا شكا إليه علي بن أبي

٣٢

طالب (عليه السلام)، فقال له زيد بن ثابت: يا أمير المؤمنين!

أفلا أمشي إليه فأخبره بموجدتك عليه؟!

فقال عثمان: بلى، إن شئت ذلك.

قال: فأقبل زيد بن ثابت ومعه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حتى دخلوا على علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسلموا وجلسوا، وبدأ زيد بن ثابت بالكلام، فقال: أما بعد يا أبا الحسن!

فإن لك سلفاً صالحاً في الإسلام، وأنت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمكان الذي لا يعدله أحد، فأنت للخير كله أهل ومعدن، وأمير المؤمنين أصلحه الله عثمان بن عفان، ابن عمك، وولي أمر هذه الأمة، وله عليك حقان، حق القرابة وحق الولاية، وقد شكاك إلينا، وذكر أنك تعترض عليه في أمره، وقد مشينا إليك نصحاً لك، وكراهة أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه، وتكرهه لكم صلحاء المسلمين.

فقال علي (عليه السلام): والله ما أريد الاعتراض عليه في أمر من الأمور إلا أن يأتي منكراً، فلا يسعنا أن نقول فيه إلا بالحق، ولكن والله لأكفن عنه ما وسعني الكف.

قال: فتكلم المغيرة بن الأخنس فقال: والله! لتكفن عنه شئت أو أبيت، وهو والله أقدر عليك، منك عليه، وإنما بعثنا إليك لنكون له شهوداً عليك، وليعذر فيما بينك وبينه، فيكون له عليك الحجة بعد هذا اليوم.

قال: فغضب علي (عليه السلام) من كلام المغيرة ثم قال: يا بن المغيرة الأبتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، يا بن العبد الآبق!

٣٣

أنت تكفني عنه، فوالله ما أعز الله من أنت ناصره!

أخرج. أبعد الله نواءك، واجهد بلاءك. ثم اجهد بعدها جهدك، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت.

قال: فسكت المغيرة لا يقول شيئاً. وتكلم زيد بن ثابت فقال: لا والله يا أبا الحسن!

ما جئناك لنكون عليك شهوداً، ولكننا مشينا إليك، التماساً للأجر في أن يصلح الله تبارك وتعالى بينك وبين ابن عمك، وأن يجمع كلمتكم على أحسن الأحوال.

قال: فدعا له علي (عليه السلام) ولقومه بخير.

ثم قام زيد بن ثابت والمغيرة بن الأخنس إلى عثمان، فأخبراه بما كان من الكلام(١).

وقد وقعت مشاجرة بين علي (عليه السلام) وبين عثمان، فقال المغيرة بن أخنس بن شريق لعثمان: أنا أكفيكه.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا ابن اللعين الأبتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، يا ابن العبد الآبق، أنت تكفيني؟! فوالله ما أعز الله من أنت ناصره، ولا قام من أنت منهضه.

أخرج عنا، أبعد الله نواك، ثم أبلغ جهدك، فلا أبقى الله عليك، ولا

١- الفتوح لابن أعثم (ط الهند) ج٢ ص١٦٥ و ١٦٦ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٣٨٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٣٠٣.

٣٤

على أصحابك، إن أبقيت علي(١).

ونقول:

١ ـ قال ابن ميثم: (هذه المشاجرة كانت في زمن ثوران الفتنة على عثمان في خلافته، وكان الناس يستسفرونه (عليه السلام) إليه)(٢).

غير أننا نقول: إن الصحيح هو أن ذلك قد حصل بعد ضرب عمار مباشرة كما أظهرته الرواية الأخرى..

٢ ـ إن ضم أصحاب الأخنس إليه في كلام علي (عليه السلام)، الذي أظهر احتقاره له ولهم، يدلنا على أنه (عليه السلام) كان يعلم أن الأخنس إنما يصول بغيره..

فأراد أن يفهمه ويفهمهم أنه لا يقيم لهم وزناً إذا جدَّ الجد، ودُعِيَتْ نزال.

٣ ـ لا ندري ماذا قصد (عليه السلام) بوصفه الأخنس بن شريق بالأبتر، فقد يقول بعضهم: إنه يقصد أن ذريته غير صالحة، فهو بمثابة الأبتر، وقد يكون ذلك أشد عليه من انقطاع نسله.. كما أن من لا عقب له خير منه..

وقد يجاب عن هذا: إن الأخنس كان من كبار المنافقين، ومن المؤلفة قلوبهم، الذين أعطاهم النبي (صلى الله عليه وآله) مئة من الإبل من غنائم

١- نهج البلاغة الخطبة رقم ١٣٥ والفتوح لابن أعثم ج٢ ص٣٧٩ ونهج السعادة ج١ ص١٧٥.

٢- شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج٣ ص١٦٣.

٣٥

حنين(١).

وليس ثمة ما يثبت أنه قد صلح بعد ذلك، صلاحه بعد ذلك، وكان قد مات في آخر خلافة عمر، ولم يكن أبناؤه يرون في انتسابهم إليه أية حزازة، أو منقصة.

كما أن أولاده إذا كانوا غير صالحين، فلا يرون أن ما هم فيه من انحراف من موجبات الطعن بهم.

ويجاب عن هذا: بأن نفس وصف الأخنس بالأبتر إنما يؤذي أبناءه، بما يشتمل عليه من التحقير والإهانة، أو فضح أمرهم بين الناس، من حيث إنهم يظهرون الإسلام، ويبطنون النفاق.

أو لأنه بوصفه بالأبتر يكون مهيناً له، من حيث إنه يستحق هذه العقوبة، ومهيناً لأبنائه من حيث تضمنه لتحقيرهم وإظهار نفاقهم.

أو يقال: إنه (عليه السلام) كان قد قصد الإخبار عن الغيب بانقطاع ذرية الأخنس هذا، ولو بعد حين، وقد قتل المغيرة ابن الأخنس مع عثمان بعد ذلك، وقتل أخوه الحكم بن الأخنس قبل ذلك في يوم أحد على يد علي أمير المؤمنين (عليه السلام).

٣ ـ وأما قوله (عليه السلام): (والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع) قد يكون للإشارة إلى ما ذكره البعض: من وجود طعن في نسب ثقيف قبيلة

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٣٠١.

٣٦

الأخنس(١).

وقد يكون المقصود: أنها لا أصل لها ولا فرع في المجد، والشرف، والمكرمات، بل هي شجرة تكاد تعد في الأموات من هذه الجهة..

رواية المعتزلي:

قال المعتزلي: >واعلم أن هذا الكلام لم يكن بحضرة عثمان، ولكن عوانة روى عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي، أن عثمان لما كثرت شكايته من علي (عليه السلام)، أقبل لا يدخل إليه من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد إلا شكى إليه علياً.

فقال له زيد بن ثابت الأنصاري ـ وكان من شيعته وخاصته: أفلا أمشى إليه فأخبره بموجدتك فيما يأتي إليك!

قال: بلى.

فأتاه زيد ومعه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي ـ وعداده في بنى زهرة، وأمه عمة عثمان بن عفان ـ في جماعة، فدخلوا عليه، فحمد زيد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أما بعد.. فإن الله قدم لك سلفاً صالحاً في الاسلام، وجعلك من الرسول بالمكان الذي أنت به، فأنت للخير كل الخير أهل، وأمير المؤمنين

١- بحار الأنوار (ط كمياني) ج٨ ص٣٧٢ و (ط تبريز) ص٣٥٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٣٠٣ و ٣٠٤ وعن الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٣٩٠.

٣٧

عثمان ابن عمك، ووالي هذه الأمة، فله عليك حقان: حق الولاية، وحق القرابة. وقد شكا إلينا أن عليا يعرض لي، ويرد أمري علي. وقد مشينا إليك نصيحة لك، وكراهية أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه لكما.

قال: فحمد علي (عليه السلام) الله، وأثنى عليه وصلى على رسوله. ثم قال:

أما بعد.. فوالله ما أحب الاعتراض، ولا الرد عليه، إلا أن يأبى حقا لله، لا يسعني أن أقول فيه إلا بالحق، ووالله لأكفن عنه ما وسعني الكف.

فقال المغيرة بن الأخنس، وكان رجلاً وقاحا، وكان من شيعة عثمان وخلصائه: إنك والله لَتَكُفَّنَّ عنه أو لَتُكَفَّنَّ، فإنه أقدر عليك منك عليه!

وإنما أرسل هؤلاء القوم من المسلمين إعزازاً، لتكون له الحجة عندهم عليك.

فقال له علي (عليه السلام): يا بن اللعين الأبتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، أنت تَكُفُّني!

فوالله ما أعز الله امرأً أنت ناصره، اخرج، أبعد الله نواك، ثم اجهد جهدك، فلا أبقى الله عليك ولا على أصحابك إن أبقيتم.

فقال له زيد: إنا والله ما جئناك لنكون عليك شهودا، ولا ليكون ممشانا إليك حجة، ولكن مشينا فيما بينكما التماس الأجر أن يصلح الله ذات بينكما، ويجمع كلمتكما.

ثم دعا له ولعثمان، وقام فقاموا معه(١).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٣٠٢ و ٣٠٣.

٣٨

ونقول:

تضمنت هذه الرواية أموراً، نكتفي منها بالإشارة إلى ما يلي:

إن شكايات عثمان من علي (عليه السلام) قد كثرت، حتى إن أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يدخل عليه إلا شكاه إليه..

ولكن مراجعة الأحداث التي جرت تظهر:

أولاً: إن تدخلات علي (عليه السلام) كانت كلها لإصلاح الأمور، ولو تم ذلك لكان لصالح عثمان، ولدفع الناس عنه، ويكفي أن نذكر هنا نصين يدلان على ذلك، هما:

١ ـ قول علي (عليه السلام) لابن عباس: (والله، لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً)(١).

٢ ـ قول مروان بن الحكم: (ما كان أحد أدفع عن عثمان من علي.

فقيل له: ما لكم تسبونه على المنابر؟!

قال: إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك)(٢).

ثانياً: إنه (عليه السلام) كان يتدخل لرد التعديات على الحق، أي حين لا بد من الأمر بالمعروف، والجهر بكلمة الحق لرد المنكر..

١- نهج البلاغة الخطبة رقم ٢٤٠ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٣٩٨.

٢- الغدير ج٧ ص١٤٧ عن الصواعق المحرقة ص٣٣ و (ط أخرى) ص٥٥ عن الدارقطني.

٣٩

الفصل الرابع:

ابن مسعود.. وابن حنبل..

٤٠