×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج17 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

(عليهم السلام)، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.

وكذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنه لقبيح بالشيخ أن يكذب. فردها (لعل الصحيح: فرداها) عليه، وأعلماه أنه لا حاجة لي فيها، ولا فيما عنده، حتى ألقى الله ربى، فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه(١).

ونقول:

لا بد من التوقف لملاحظة النقاط التالية:

هل أعطى أحداً غيري؟!

١ ـ إن أبا ذر حين سأل إن كان عثمان قد أعطى أحداً من المسلمين مثل ما أعطاه يكون قد حقق أمرين:

الأول: أنه أعطى درساً مفاده: أن على الإنسان أن يفكر بغيره كما يفكر بنفسه، وأنه يجب ألا يشغله حرصه على الدنيا عن العمل للآخرة.. ولذلك نلاحظ أنه قبل أن يذكر أي شيء عن حاجته وعدمها، وقبوله أو عدم قبوله سأل إن كان عثمان قد أرسل إلى سائر المسلمين أموالاً مثل ما أرسل إليه أم لا!!

١- راجع: إختيار معرفة الرجال (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة ١٤٠٤ هـ) ج١ ص١١٨ بحار الأنوار ج٢٢ ص٣٩٨ عنه، وروضة الواعظين ص٢٨٥ ومستدرك سفينة البحار ج٨ ص٦١٧ ومواقف الشيعة ج٢ ص٣٥٩ والدرجات الرفيعة ص٢٤١.

٦١

الثاني: إنه على أساس الإجابة التي سيتلقاها ينتقل للتفكير بنفسه، ويلاحظ الجوانب الأخرى التي تؤثر في قبوله أو في رده..

٢ ـ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد طبيعة هذا العطاء والسخاء إن كان بنية صالحة وسليمة، أو هو رشوة، يشترى بها سكوته، أو دينه، أو تتخذ ذريعة لإسكاته، أو مرتكزاً لتوجيه التهم له، وتشويه سمعته.

إنما أنا رجل من المسلمين:

وقول أبي ذر: (إنما أنا رجل من المسلمين، يسعني ما يسعهم)، تحقيق لمعنى الأسوة التي تعني رفض الإستئثار بشيء عن الآخرين.. وهو يحمل إدانة أخرى لعثمان، من حيث إنه يُؤْثِرُ بالأموال والصلات فئات بعينها، ولا يراعي العدل والإنصاف في ذلك.

الخليفة والمال الحرام:

لاحظنا أن عثمان يقسم لأبي ذر أنها من خالص ماله، وأنها لم يخالطها حرام.. وأن مصدرها حلال أيضاً، وهذا يعطي: أنه كان يعلم أن أبا ذر يدقق المال في الذي يأتيه، ويحاول التمييز بين ما هو حلال وما هو حرام، ويبحث أيضاً عن مصادر ومبادئ تكوين ذلك المال.

ويعطي أيضاً: أن وجود أموال محرمة فيما ينفقه عثمان كان أمراً معروفاً وشائعاً بين الناس.. وكان الصلحاء يحاذرون من الارتطام به.. كما أن عثمان نفسه يعترف بذلك هنا..

فكيف يرضى خليفة المسلمين، الذي يضع نفسه في موقع الرسول،

٦٢

ويقوم بمهماته أن يتعامل بالمال الحرام؟! ولماذا لا يسعى لتجنبه، ورفضه، وإزالة صفة الحرمة عنه بالوسائل الصحيحة والمشروعة؟ كما سعى لتجنيب إبي ذر الأرتطام به

أبو ذر من أغنى الناس:

وقد ذكر أبو ذر أنه أصبح وهو من أغنى الناس، لأنه يملك رغيفي شعير، مضت عليهما أيام. ونحن نعلم أن الأغنياء كابن عوف، وعثمان، وطلحة والزبير، وابن عامر، ومروان كانوا يملكون الذهب والفضة والأنعام والضياع بمقادير هائلة.. فكيف يضع أبو ذر نفسه في مصاف هؤلاء، ويعتبر نفسه من أغنى الناس؟!

ويجاب: إنه لا بد من تحديد مفهوم الغنى عنده وعندهم، فهم من أفقر الناس عند أبي ذر.. وأبو ذر الذي كان لا يملك سوى رغيفين من شعير أغنى منهم، بل هو من أغنى الناس، لأن الغنى عنده هو غنى النفس.

وهؤلاء الذين يملكون القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والأنعام المسومة وغيرها. فقراء، لأنهم لا يزالون يشعرون بالحاجة إلى ما سوى ذلك كله.. ويسعون للحصول على أي شيء آخر يضيفونه إليه، ولا يشعرون بالاستغناء عن شيء.

أما أبو ذر، فلا تدعوه نفسه إلى الحصول على شيء من حطام الدنيا، بل يشعر بالغنى وعدم الحاجة إلى أي شيء.. فهو إذن من أغنى الناس.

وهو إذا شعر بالحاجة إلى شيء فحينئذ يسعى للحصول على ما يسد حاجته.. ولكن بالطرق المحللة والمشروعة.. وبالتدقيق في المال، وفي

٦٣

مصادره، ومكوناته..

الغنى بولاية علي (عليه السلام):

وقد قرر أبو ذر: أنه أصبح غنياً بولاية علي (عليه السلام) وعترته الهادين .. وتوضيح ذلك: أننا نعلم: أن رزق العباد هو من الله تعالى ومن رسوله، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}(١).

وقال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ}(٢).

ومن الواضح: أن رزق أهل الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعلي (عليه السلام) وأهل بيته إنما هو بالولاء، والطاعة، والمحبة لهم، والإلتزام بنهجهم..

غير أن أبا ذر يرمي إلى معنى أوسع من مجرد الرزق، المتمثل بالمال الدنيوي، بل يتعداه إلى الغنى بالخير والبركات، والإيمان، والتقوى، ومعرفة الله تعالى، والتوكل عليه، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والسجايا الكريمة، من خلال محبة وولاية علي وعترته الهادين صلوات الله عليهم أجمعين..

فإذا حصل على ولاية علي (عليه السلام) وأهل بيته، فقد حصل على

١- من الآية ٧٤ من سورة التوبة.

٢- الآيتان ٥٨ و ٥٩ من سورة التوبة.

٦٤

كل خير وصلاح، وفلاح ونجاح، ولم يشعر أنه بحاجة إلى أحد..

ولا شك في أن هذا سيزعج عثمان وبني أبيه بما لا مزيد عليه، وسيزيدهم إصراراً وتصميماً على مناوأته، وعزله عن الناس ومحاصرته..

من هم عترة علي (عليه السلام)؟!:

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن مراد أبي ذر بعترة علي (عليهم السلام)، الذين يحصل بولايتهم على الغنى، ليس سائر بني هاشم، بل خصوص الزهراء والحسنين، والأئمة من ذرية الإمام الحسين (عليهم السلام). الذين أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنهم، ولا سيما في حجة الوداع في حديث: الأئمة (أو الخلفاء) بعدي اثنا عشر، كلهم من قريش (أو كلهم من بني هاشم).

وإنما قلنا: إن هؤلاء هم الذين قصدهم أبو ذر، لأنهم هم الذين يهدون بالحق، وبه يعدلون.. كما صرّح به في تتمة كلامه.

أما سائر بني هاشم، فإنهم يحتاجون ـ كأبي ذر ـ إلى الهداية والرعاية، والتعاهد والوقاية، والتربية والإصلاح، والتعليم، والتقليم والتطعيم ـ بل قد يكون أكثرهم أحوج منه رحمه الله تعالى إلى ذلك..

بمن يعرض أبو ذر؟!:

وقد ألحق أبو ذر بكلامه عن الغنى والفقر كلاماً ليس من سنخه، فقد عطف عنان كلامه ليتناول عاهة الكذب في الشيخ المسن، وقد قتل عثمان

٦٥

عن تسعين، أو ثمان وثمانين سنة، أو ست وثمانين، وقيل غير ذلك(١) .

فروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: إنه لقبيح بالشيخ أن يكذب. وكأنه يتهم عثمان بهذا الأمر القبيح: إما لأنه لم يصدقه القول في حلية المال المرسل إليه، أو في حلية مصادره.. أو في زعمه أنه من خالص ماله وليس من مال المسلمين.

أو لأنه لم يصدقه القول في هدفه من إرسال ذلك المال إليه، حيث ادعى له أنه يريد أن يعينه به على ما ينوبه، ولا يريد به شراء ضميره، وحمله على التخلي عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أو لأنه يرى أن عثمان غاصب لموقعه، وهو يرتزق لأجله من بيت المال.. فما يأخذه لأجل هذا المقام المغتصب ليس حلالاً عند أبي ذر.

١- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤١٧ ـ ٤١٩ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٤١ ـ ٤٤٣ وراجع: مسند أحمد ج١ ص٧٤ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٩٦ والآحاد والمثاني ج١ ص١٢٧ والمصنف لابن أبي شيبة ج٨ ص٤٥ ومجمع الزوائد ج٩ ص٩٩ وبحار الأنوار ج٣١ ص٤٩٤ والمعجم الكبير للطبراني ج١ ص٧٧ و ٧٨ والإستيعاب (ط دار الجيل) ج٢ ص٨١٧ وج٣ ص١٠٤٨ وتاريخ خليفة بن خياط ص١٣٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص٥١٥ و ٥١٦ و ٥٢٠ و ٥٢٢ و ٥٢٤ و ٥٢٥ وكتاب الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٤٣٣.

٦٦

عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر؟!:

قال سليم بن قيس: بينا أنا وحبش بن معمر بمكة، إذ قام أبو ذر وأخذ بحلقة الباب ثم نادى بأعلا صوته في الموسم: (أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة، أنا أبو ذر. أيها الناس، إني قد سمعت نبيكم يقول: (إن مثل أهل بيتي في أمتي كمثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجى، ومن تركها غرق. ومثل باب حطة في بني إسرائيل).

أيها الناس، إني سمعت نبيكم يقول: (إني تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وأهل بيتي..) إلى آخر الحديث.

فلما قدم إلى المدينة بعث إليه عثمان وقال له: (ما حملك على ما قمت به في الموسم).

قال: عهد عهده إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمرني به.

فقال: من يشهد بذلك.

فقام علي والمقداد.

فشهدا، ثم انصرفوا يمشون ثلاثتهم.

فقال عثمان: (إن هذا وصاحبيه يحسبون أنهم في شيء)(١).

١- الإحتجاج (ط النجف سنة ١٣٨٦ هـ) ج١ ص٢٢٩ وبحار الأنوار ج٢٣ ص١١٩ وخلاصة عبقات الأنوار ج٤ ص١١٩ وكتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري ـ مجلد واحد) ص٤٥٧.

٦٧

ونقول:

أولاً: إن هذا التدبير النبوي قد فاجأ عثمان، ولم يكن يملك تلافي حصوله، بأية صورة.. إذ لم يكن يعلم بالوصية، ولا بالموصى، ولا بما تخبئه الأيام..

ثانياً: إنه (صلى الله عليه وآله) قد حصن أبا ذر من بطش الهيئة الحاكمة بإشهاده عليها من لا يمكنه رد شهادته، ولا تكذيبه، ألا وهو علي (عليه السلام)، ومن لا يمكنه اتهامه بأنه يجر النار إلى قرصه، وهو المقداد (رحمه الله).

ثالثاً: إن عثمان بقي عاجزاً عن فعل أي شيء، سوى أنه أحال الأمر على علي (عليه السلام)، وكأنه يريد أن يتهمه بأنه هو الذي يدبر هذا الأمر مع صاحبيه: أبي ذر والمقداد، وذلك حين قال: (إن هذا وصاحبيه يحسبون أنهم في شيء).

وربما يكون قد قصد: أنهم يتوهمون أنهم سينالون شيئاً ذا بال من خلال هذه التحركات التي يقومون بها..

ولعله يريد: أنه يخالفهم فيما يعتقدونه ويرونه حقاً..

مع أن الحقيقة هي أنهم إنما يعملون بواجبهم في توعية الناس، وإقامة الحجة على من يجب إقامتها عليه، ولا يهمهم بعد ذلك ما يكون. بل إن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي أعلم علياً بما يجري، ولم يكن (عليه السلام) ينطلق من فراغ، ولا من طمع بشيء من حطام الدنيا.

رابعاً: والأهم من ذلك: أنه (صلى الله عليه وآله) قد اختار مكة والكعبة بالذات لتكون هي التي يقوم أبو ذر فيها ذلك المقام.. وأن يكون

٦٨

ذلك في موسم الحج.. لأن الناس يأتون إلى مكة لأداء فريضة الحج من كل حدب وصوب..

كما أن قيامه بهذا الأمر على باب الكعبة يجعله في مأمن من أي تعدٍ عليه، أو محاولة لإسكاته بالقوة..

خامساً: إن الذي نادى به أبو ذر هو ثلاثة أحاديث، لها ثلاث خصوصيات:

الأولى: أن كلا الحديثين معروف عند أكثر الناس، ولا مجال للتشكيك به من أحد..

فإنه (صلى الله عليه وآله) لم يطلب منه أن يبلغ الناس نصاً خاصاً جديداً، ومبتكراً، ليتطرق احتمال في أن يكون هذا النص مصنوعاً من الأساس، أو أنه قد توهَّم فيه، أو غفل عن بعض خصوصياته..

الثانية: إن الحديث الأول ناظر لأمر يهم كل أحد أن يحسم خياره فيه، ألا وهو النجاة من المهالك، ولا سيما فيما يرتبط بالآخرة، التي لا مناص من الورود عليها، والوصول إليها..

الثالثة: إن الحديث الأخير ناظر إلى موضوع الهدى والضلال بعد فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ بفقده يشعر الناس بحاجتهم إلى الهداية، وإلى المرجعية في الأمور الحادثة.. فقرر (صلى الله عليه وآله) أن المرجع لهم بعد موته (صلى الله عليه وآله) هو كتاب الله وأهل بيت نبيه، ولم يرجع الناس إلى حكامهم لمعرفة أحكامهم، وأخذ معالم دينهم؟! كما قضت به السياسة العمرية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث منع من الفتوى إلا للأمراء..

٦٩

فإذا سمع الناس هذا وذاك، فلا بد أن يراجعوا حساباتهم، وأن يكون موقع الخليفة، وكذلك الخلافة في معرض إعادة النظر فيه، على أساس هذين الحديثين الشريفين..

سادساً: إن هذا بالذات هو ما أحفظ عثمان. وإلا، فلم يكن هناك داع لإستدعائه أباذر، ومطالبته إياه بما كان منه، فإن للناس الحق في أن يرووا للناس ما سمعوه من نبيهم، وأن يبينوا لهم أحكام دينهم، في موسم الحج وفي غيره، وعند باب الكعبة وسواها، وفي حال الإمساك بحلقة بابها، وفي غير هذه الحال، وليس لأحد أن يمنعهم من ذلك، أو أن يسألهم عن أسبابه..

ممهدات.. ودواع:

هناك مسيرة اعتراضات وتعريضات طويلة من قبل أبي ذر تجاه السلطة كانت تضايق أهلها وتزعجهم بشكل كبير، وقد بذلت محاولات كثيرة معه ليكف عن ذلك، فلم تنفع، حتى بلغ الإنزعاج بهم إلى حد التفكير في التخلص منه، ولو بالأبعاد والنفي، ونذكر من هذه الإعتراضات ما يلي:

١ ـ عن الثقفي في تاريخه، عن الأحنف بن قيس، قال: بينما نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء أبو ذر، فقال: يا أبا هريرة! هل افتقر الله منذ استغنى؟!

فقال أبو هريرة: سبحان الله! بل الله الغني الحميد، لا يفتقر أبداً، ونحن الفقراء إليه.

قال أبو ذر: فما بال هذا المال يجمع بعضه إلى بعض.

٧٠

فقال: مال الله قد منعوه أهله، من اليتامى والمساكين.

ثم انطلق.

فقلت لأبي هريرة: ما لكم لا تأبون مثل هذا؟.

قال: إن هذا رجل قد وطن نفسه على أن يذبح في الله. أما إني أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم براً وزهداً ونسكاً فعليكم به(١).

٢ ـ وروى الثقفي في تاريخه: أن أبا ذر دخل على عثمان ـ وعنده جماعة ـ فقال: أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ليجاء بي

١- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٧٧ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦٨.

وأخرجه باختلاف ألفاظه وأسانيده: ابن سعد، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو عمر، وأبو نعيم، والبغوي، والحاكم، وابن عساكر، والطبراني، وابن الجوزي وغيرهم، انظر مثلاً: صحيح الترمذي ج٢ ص٢٢١ وسنن ابن ماجة ج١ ص ٦٨ ومسند أحمد ج٢ ص١٦٣ و ١٧٥ و ٢٢٣ وج٥ ص١٩٧ و ٤٢٦ ومستدرك الحاكم ج٣ ص٣٤٢ والإستيعاب ج١ ص٨٤ ومجمع الزوائد ج٩ ص٣٢٩ والإصابة ج٣ ص٦٢٢ وج٤ ص٦٤ وكنز العمال ج٦ ص١٦٩ وج٨ ص١٥ ـ ١٧ وغيرهم. وراجع الغدير ج٨ ص٣٠٣ ـ ٣٠٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٢٥٧ وج٣ ص٥٥ وقاموس الرجال ج٦ ص٢٦٢ وبهج الصباغة ج٥ ص٢٤٧.

٧١

يوم القيامة وبك وبأصحابك حتى نكون بمنزلة الجوزاء من السماء، ثم يرمى بنا إلى الأرض، فتوطأ علينا البهائم، حتى يفرغ من محاسبة العباد.

فقال عثمان: يا أبا هريرة! هل سمعت هذا من النبي (صلى الله عليه وآله)؟!

فقال: لا.

قال أبو ذر: أنشدك الله سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

قال: أما هذا فقد سمعت.

فرجع أبو ذر وهو يقول: والله ما كذبت(١).

٣ ـ وفي نص آخر رواه الثقفي في تاريخه بإسناده، عن ابن عباس، قال: استأذن أبو ذر على عثمان، فأبى أن يأذن له.

فقال لي: استأذن لي عليه.

قال ابن عباس: فرجعت إلى عثمان فاستأذنت له عليه.

قال: إنه يؤذيني.

قلت: عسى أن لا يفعل.

فأذن له من أجلي، فلما دخل عليه قال له: إتق الله يا عثمان!

فجعل يقول: اتق الله.. وعثمان يتوعده، قال أبو ذر: إنه قد حدثني نبي

١- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٧١ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦٤.

٧٢

الله (صلى الله عليه وآله): أنه يجاء بك وبأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم، فتمر عليكم البهائم فتطأكم، كلما مرت آخرها ردت أولها، حتى يفصل بين الناس.

قال يحيى بن سلمة: فحدثني العرزمي أن في هذا الحديث: ترفعوني حتى إذا كنتم مع الثريا ضرب بكم على وجوهكم، فتطأكم البهائم(١).

وقد ذكر الدياربكري: أن عثمان حبس عن أبي ذر عطاءه (٢).

٤ ـ وذكر الثقفي في تاريخه، عن ثعلبة بن حكيم، قال: بينا أنا جالس عند عثمان ـ وعنده أناس من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) من أهل بدر وغيرهم ـ فجاء أبو ذر يتوكأ على عصاه، فقال: السلام عليكم.

فقال: اتق الله يا عثمان!

إنك تسمع كذا وكذا.. وتصنع كذا وكذا.. وذكر مساويه.

فسكت عثمان حتى إذا انصرف، قال: من يعذرني من هذا الذي لا يدع مساءة إلا ذكرها.

فسكت القوم فلم يجيبوه، فأرسل إلى علي (عليه السلام)، فجاء، فقام في مقام أبي الذر، فقال: يا أبا الحسن!

ما ترى أبا الذر لا يدع لي مساءة إلا ذكرها؟!

١- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٧٠ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦٣.

٢- تاريخ الخميس ج٢ ص٢٦٨ والغدير ج٩ ص٦ وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص١٥٦.

٧٣

فقال: يا عثمان! إني أنهاك عن أبي ذر، يا عثمان أنهاك عن أبي ذر.. ـ ثلاث مرات ـ أتركه كما قال الله تعالى لمؤمن آل فرعون: {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}(١).

قال له عثمان: بفيك التراب!.

قال له علي (عليه السلام): بل بفيك التراب، ثم انصرف (٢).

٥ ـ وعنه في تاريخه، عن المغرور بن سويد، قال: كان عثمان يخطب، فأخذ أبو ذر بحلقة الباب، فقال:

أنا أبو ذر! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه، من تخلف عنها هلك، ومن ركبها نجا.

قال له عثمان: كذبت.

فقال له علي (عليه السلام): إنما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح: {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}(٣).

١- الآية ٢٨ من سورة غافر.

٢- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٧٠ و٢٧١ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦٣ و ٢٦٤.

٣- الآية ٢٨ من سورة غافر.

٧٤

فما أتم حتى قال عثمان: بفيك التراب.

فقال علي (عليه السلام): بل بفيك التراب(١).

٦ ـ وذكر الثقفي في تاريخه: أن أبا ذر ألقي بين يدي عثمان، فقال: يا كذاب!.

فقال علي (عليه السلام): ما هو بكذاب.

قال: بلى، والله إنه لكذاب.

قال علي (عليه السلام): ما هو بكذاب.

قال عثمان: الترباء في فيك يا علي!.

قال علي (عليه السلام): بل الترباء في فيك يا عثمان.

قال علي (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

قال: أما والله على ذلك لأسيرنه.

قال أبو ذر: أما والله لقد حدثني خليلي عليه الصلاة والسلام: إنكم

١- تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦٩ وبحار الأنوار ج٣١ ص٢٧٧ و٢٧٨ عن الثقفي: وقال في هامشه، وقريب منه ما جاء في رواية الواقدي من طريق صهبان مولى الأسلميين كما في الأنساب ج٥ ص٥٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص٢٤١.

٧٥

تخرجوني من جزيرة العرب(١).

ونقول:

دلت النصوص السابقة على أمور كثيرة لا نريد أن نتوسع في بيانها، وذكر تفاصيلها، لأن ما يهمنا هو ما يرتبط بعلي (عليه السلام). ولسنا بصدد التأريخ لما جرى بين عثمان وأبي ذر.

من أجل ذلك نشير إلى بعض النقاط على سبيل الفهرسة، والإلماح الاجمالي، فنقول:

ألف: بالنسبة للحديث الأول نقول:

١ ـ إن سؤال أبي ذر لأبي هريرة إن كان قد افتقر قد جاء صاعقاً ومثيراً. ولا يمكن لأبي هريرة ولا لغيره تجاهله. لأن الإجابة عنه بالإيجاب تخالف ابده البديهيات العقائدية في اكثر الأمور حساسية في الاعتقاد، وهو صادر عن رجل مثل أبي ذر، في فضله وعلمه، وصفاء إيمانه..

٢ ـ إنه حين سمع جواب أبي هريرة رماه بالسؤال الأصعب المتضمن لاتهام لا مجال لأبي هريرة، ولا لغيره إلا أن يدفعه عن نفسه، وأن يبرر موقفه المخالف لما يتوقع من مثله.

٣ ـ إن أبا هريرة يقول: إن التصريح بمثل هذه الأمور معناه تعريض الإنسان نفسه للذبح، مع أنها أمور من صميم هذا الدين. ومن مسلماته. ولا بد أن يتخفى بها مرتكبوها. وأن يتظاهروا بالتنزه عنها.

١- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٧٢ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٦٥.

٧٦

فما معنى أن تشيع عنهم، وأن يذبحوا من يطالبهم بالإقلاع عنها؟! وهل هذا يساعد على تبرئتهم منها؟

٤ ـ ثم جاءت شهادة أبي هريرة لأبي ذر بصدقه الذي لا يضارعه فيه أحد. والتي نقلها عن رسول الله.

فما معنى إنكار صدقه، واتهامه بالكذب من قبل عثمان، ثم محاولات تبرئة عثمان وعماله التحامل من قبل محبي عثمان.

٥ ـ وجاءت بعدها الفقرة التي تجعل أبا ذر أشبه الناس بعيسى (عليه السلام) في زهده ونسكه وبره، لتشهد بصفاء نيته، وبأنه لا يريد بمواقفه هذه جر نفع لنفسه، ولا هو بصدد تحقيق مآرب سياسية، وإنما هو يريد وجه الله، وإصلاح ما أفسده المتسلطون.

ب: بالنسبة للحديث الثاني والثالث نقول:

١ ـ إن أول ما يواجهنا هو التزوير الحاصل في الحديث رقم ٢ وأن الصحيح هو ما ورد في الحديث الثالث. وربما يكون الجمع بين مضموني الحديثين ـ بعد إصلاح الحديث الأول ـ أقرب وأنسب.. لأننا لم نر ما يوجب إسقاط الحديث الثاني عن الإعتبار بجميع فقراته.. ومورد التحريف في الحديث الأول هو قوله: يجاء بي أو بك وبأصحابك، وقوله: ثم يرمى بنا إلى الأرض فتوطأ علينا البهائم.. فإن هذا لا يصح:

أولاً: لأن أبا ذر لم يصدر منه ما يوجب أن يرمى من السماء، وأن تطأه البهائم إلى أن يفرغ من محاسبة العباد.

ثانياً: ما هذا الترديد في قوله: (بي أو بك)؟!

٧٧

ثالثاً: إن وطء البهائم في يوم القيامة هو بحسب الظاهر لأنهم كانوا يملكون إبلاً، وبقراً ويموتون ولا يؤدون زكاتها. وقد روى أبو ذر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: لا يموت أحد منكم فيدع إبلاً وبقراً لم يؤد زكاتها إلا جاءته يوم القيامة أعظم مما كانت وأسمن تطؤه بأخفافها الخ..(١).

وربما يكون ذلك لأنهم متكبرون متجبرون في الدنيا، فيذلهم الله تعالى في الآخرة بهذا النحو وغيره.

واللافت هنا: أن عثمان كان يستفيد من اسلوب يشير إلى هذا المعنى، فقد وطأ عماراً حتى فتقه.

٢ ـ إن عثمان قد اختص أبا هريرة بالسؤال عن حديث أبي ذر، مع أن الرواية تصرح: بوجود جماعة عند عثمان.. إلا أن يقال: إن الحاضرين لم يكونوا من الصحابة. ولكنه احتمال لا شاهد له. ولو صح لكان المناسب

١- راجع: مسند أحمد ج٥ ص١٥٧ و ١٥٨ وصحيح مسلم ج٣ ص٧٥ و ٧٤ وسنن النسائي ج٥ ص٢٩ و ٢٧ والسنن الكبرى للبيهقي ج٤ ص٩٧ و ١٨٢ وعمدة القاري ج٩ ص٢٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٩ ص٢٤٠ وكنز العمال ج٦ ص٣٠١ و ٣٠٩ وكشف الخفاء ج١ ص٢١٩ والسنن الكبرى للنسائي ج٢ ص١٤ و ١٢ والمغني لابن قدامة ج٢ ص٤٦٧ والشرح الكبير لابن قدامة ج٢ ص٤٩٦ وكشاف القناع ج٢ ص٢٢٠ والمحلى لابن حزم ج٦ ص٨ وجواهر العقود ج١ ص١٦٩ ونيل الأوطار ج٦ ص٤٤ وسنن الدارمي ج١ ص٣٨٠ وصحيح ابن خزيمة ج٤ ص٩.

٧٨

تصريح الراوي بذلك.

٣ ـ لنفترض أن أبا هريرة لم يسمع بذلك الحديث، فهل يكون أبو ذر كاذباً فيما ينقله؟! وحتى لو كان الناقل يكذب في بعض الأحيان، فذلك لا يعني كذب هذا الحديث، فإن الكاذب يصدق كثيراً.. غاية الأمر: أننا لا نستطيع أن نجزم بصدق خبره، وعدم إمكان الإحتجاج به.

٤ ـ ما تضمنه هذا الحديث يدل على سبب تصلُّب الحكام في المنع من رواية حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله).. فإن السماح بذلك من شأنه أن يحرجهم في أمور حساسة لا يطيقون سماعها، ويحاذرون أشد الحذر من انتشارها وشيوعها عنهم.

٥ ـ إن عثمان لا يأذن لأبي ذر بالدخول عليه، بحجة أنه يؤذيه. والذي رأيناه هو أنه (رحمه الله) كان يسدي إليه النصائح، ويذكره بما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويطلب منه إصلاح الأمور، وكف عماله عن ظلم الناس. ومنعهم من ارتكاب ما حرم الله تعالى.. فكان عثمان يتأذى بذلك.. أما أن يؤذي عثمان بأكثر من ذلك، فذلك مما لا يمكن صدوره من أبي ذر أحد الأربعة الذين تشتاق الجنة إليهم..

٦ ـ ولفت نظرنا هنا أمران:

أحدهما: أن عثمان لا يأذن لأبي ذر بالدخول.. وهو ذو المنزلة الرفيعة عند الله وعند رسوله. ولدى الناس عامة، لأجل صدقه وعلمه، وتقواه وزهده.

فإن مُنِعَ أمثاله من الدخول على السلطان، لمجرد أنه ينطق بكلمة الحق. فأي حق يمكن أن يعود لصاحبه إذا كان صاحب الحق ليست له شوكة،

٧٩

ولا سلطان؟!

واللافت: أن بطانة عثمان المكرمين عنده كانوا من أمثال مروان، والوليد بن عقبة، ومعاوية. وأن الذين يقصيهم عثمان ويهينهم، ويعتدي على كرامتهم حتى بالضرب والنفي وغيره، هم من أمثال عمار، وأبي ذر، وكعب بن عبدة، وحتى علي بن أبي طالب.. وكثيرين آخرين من ذوي المكانة بين الناس، مثل ابن مسعود، وابن عوف.. و..

الثاني: إصرار أبي ذر على الدخول على عثمان، وتوسيطه ابن عباس لأجل ذلك..

ثم لما أذن له، ودخل عليه لم يزد على أن صار يأمره بتقوى الله تعالى..

وكان جواب عثمان على أمر أبي ذر له بتقوى الله هو التهديد والوعيد، والإعتزاز بالشوكة والسلطان.. فأين هذا الجواب من ذلك الخطاب؟!

٧ ـ إن الحديث الذي لجأ إليه أبو ذر بعدما رأى من اعتداد عثمان بقوته، وبعد تهديده ووعيده، يشير إلى المهانة التي سيتعرض لها في الآخرة، فإنه هو وأصحابه (الذين يعتد بهم ويتوعد، ويهدد أبا ذر بالاعتماد عليهم) سَيُلْقَوْنَ من السماء، حيث تطأ عليهم البهائم، وليس الخلائق. وليس للبهائم شأن أو قيمة في مقابل بني الانسان. بل هي تكون في خدمة الانسان وفي قبضته.

ج: وأما بالنسبة للحديث الرابع، فلا يحتاج إلى بيان، ولكننا نقول:

١ ـ إن الذي صنعه أبو ذر هو الأمر بتقوى الله، ثم ذكر لعثمان ما يسمع ويصنع، ولم يجد عثمان ما يجيبه به سوى التهديد والوعيد.. ولو أمكنه

٨٠