×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج18 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

٣٠١

علي (عليه السلام) يعرض نصره على عثمان:

ولا نستطيع القبول بالحديث القائل: إن علياً (عليه السلام) أرسل ولده الحسن (عليه السلام) إلى عثمان يقول: أفتحب أن أنصرك؟!

وذلك لما يلي:

أولاً: إن علياً (عليه السلام) إن كان يرى عثمان مظلوماً، فيجب عليه نصر المظلوم، ودفع الناس عن ارتكاب مثل هذا المنكر العظيم في حقه، وهو قتل النفس المحترمة والبريئة، ولا يحتاج ذلك إلى سؤاله.

وإن كان عثمان مستحقاً للقتل، فكيف يعرض عليه النصر. وكيف يشارك في منع إجراء حكم الله تعالى فيه..

وإن كان يراه مستحقاً للقتل، ولكن لا بهذا النحو ولا بأيدي الناس الذين لم يأذن لهم الشارع بإجراء الحدود والأحكام.. فعليه أن ينهاهم عن المخالفة من دون أن ينصر ذلك الذي يراه مستحقاً للعقوبة. ومن دون أن يساعده على البقاء حاكماً ومتسلطاً على الناس..

فلا معنى لإرسال هذه الرسالة على جميع التقادير، إلا إن كان يريد أن يبين لأسامة ولغيره ما يقطع به عذر الذين يتهمونه بالأمر بقتل عثمان..

ثانياً: إذا أخذنا بهذا الإحتمال الأخير، فيرد سؤال: كيف سيكون

٣٠٢

موقفه (عليه السلام) لو أن عثمان طلب منه النصر بالفعل؟!

ونجيب:

بأن من الجائز أنه (عليه السلام) بعد أن تأتيه موافقة عثمان على نصره سوف يأخذ العهود والمواثيق على عثمان. كما فعل في السابق بالتراجع عن المخالفة، وبالتصدي لعماله. لأنه (عليه السلام) يعلم أن الناس لن يرضوا بالتخلي عن مطالبهم، وأن الأمور ستنتهي إلى وقوع ضحايا، فلم يكن يرى (عليه السلام) جواز المشاركة في قتلهم دفاعاً عمن يريد أن يمسك بالحكم، ويعود إلى ممارساته التي لا يقرها الشرع، ولا يرضاها أحد من الناس.. ويريد أن يبقى عماله على حالهم، ولا يغيروا من سياساتهم شيئاً.

ولعل عثمان أدرك أن علياً (عليه السلام) إذا عاد إلى التدخل، فإنه سيشترط عليه أموراً صعبة لا يريد الالتزام بها.. وكان لا يزال يأمل بأن تأتيه العساكر من الشام، والعراق، وسائر البلاد.. لنصرته فرفض طلب علي (عليه السلام).. وعاجله محاصروه، بعد أن بلغهم طلبه النصر من عماله، وأجهزوا عليه..

ثالثاً: إذا كان عثمان رفض نصرة علي (عليه السلام)، ورجع الإمام الحسن إلى أبيه وأخبره بذلك، فلا معنى لقولهم: إنه لما اقتحم الناس الدار (التفت عثمان إلى الحسن بن علي (عليه السلام)، وهو جالس عنده، فقال: سألتك بالله يا ابن الأخ إلا ما خرجت، فإني أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك الخ..).

رابعاً: ويدل على أن عثمان قد رفض نصرة علي (عليه السلام) خوفاً

٣٠٣

من شروطه: أنه هو الذي كان قد طلب منه النصرة، وأرسل إليه بقول الممزق:


فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق

وحينئذٍ أخذ (عليه السلام) الشروط التي تاب منها، ثم رجع وعوده وعن توبته.

وبعد، فإننا إذا جمعنا أطراف ما ذكرناه فالنتيجة هي أنه لا صحة لقولهم: إنه (عليه السلام) عرض على عثمان أن ينصره، فأبى عثمان ذلك طلباً للثواب الإلهي.

الحسنان (عليهما السلام) يدافعان عن عثمان:

وحين حوصر عثمان بعث علي (عليه السلام) ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومحمد بن الحنفية وأولاد جعفر شاكين بالسلاح ليعينوه.

فطلبهم عثمان، وأنشدهم بالله أن يرجعوا، وقال لهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إليَّ إني أدخل الجنة على بلوى أصيبها. وأنا أصبر وأحتسب، فارجعوا.

وروي في الصحاح، عن أبي سهلة قال: قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد عهد إليَّ عهداً، وأنا صابر عليه.

فكيف يقال: إن الصحابة أسلموه إلى من أجلب عليه من أهل الأمصار، ولم يدفعوا عنه؟!

وقد ثبت: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أعانه بأولاده وأفلاذ كبده.

٣٠٤

وهذا مما اتفق عليه الرواة. كذا ذكر ابن روزبهان(١).

وزادوا على ذلك: أن طلحة والزبير بعثا بولديهما أيضاً..

وقالوا: لما قتل عثمان جاء علي (عليه السلام) كالواله الحزين.

وإن الإمام الحسن (عليه السلام) جرح، وخضب بالدماء على باب عثمان، من جراء رمي الناس عثمان بالسهام، ثم تسوّر الثائرون الدار عليه، وقتلوه.

وجاء الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، كالواله الحزين، فلطم الحسن، وضرب صدر الحسين (عليهما السلام)، وشتم آخرين، منكراً عليهم أن يقتل عثمان، وهم على الباب(٢).

١- إبطال نهج الباطل لابن روزبهان (مطبوع ضمن دلائل الصدق) ج٣ ق١ ص١٨٨ وإحقاق الحق (الأصل) ص٥٧.

٢- راجع: الحياة السياسية للإمام للحسن (عليه السلام" (الطبعة الأولى) ص١١٤ عن المصادر التالية: الصواعق المحرقة ص١١٥ و ١١٦ ومروج الذهب ج٢ ص٣٤٤ و٣٤٥ والإمامة والسياسة ج١ ص٤٤ و ٤٣ وأنساب الأشراف ج٥ ص٧٠ و ٦٩ و ٧٤ و ٨٠ و ٩٣ و ٩٥ والبدء والتاريخ ج٥ ص٢٠٦ وتاريخ مختصر الدول ص١٠٥ وسيرة الأئمة الإثني عشر ج١ ص٥٢٧ و ٥٤٠ عن ابن كثير، وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٤١٨ و ٤١٩ والعقد الفريد ج ٤ ص ٢٩٠ و ٢٩١ ودلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٩٣ عن بعض من تقدم وعن: ابن الأثير، وابن عبد البر، والفخري في الأداب السلطانية ص٩٨ وفيه: أن الحسن قاتل قتالاً شديداً، حتى كان يستكفه، وهو يقاتل عنه، ويبذل نفسه دونه.

٣٠٥

ونقول:

أولاً: لو صح ذلك لم يكن لمعاوية وأشباهه أن يتهموا علياً (عليه السلام) يقتل عثمان، لأنهم لن يجدوا أحداً يصدقهم في ذلك.

ثانياً: إن موقف علي (عليه السلام) من عثمان كان سلبياً، وكان يقول: إن قتل عثمان لم يسره ولم يسؤه، وغير ذلك مما قدمناه. كما أن عثمان لم يزل يشتكي من علي (عليه السلام)، ويتهمه بأنه هو السبب في كثير مما يجري له.. كما أظهرته نصوص كثيرة جداً ذكرنا شطراً كبيراً منها في هذا الكتاب.

يضاف إلى ذلك: أنه قد تجرأ مرات كثيرة على مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال له ـ أكثر من مرة ـ: بفيك التراب يا علي.

فأجابه علي (عليه السلام) بقوله: بل بفيك التراب يا عثمان..

وهدده أيضاً بالإبعاد والنفي، فأخبره (عليه السلام): بأنه ليس بقادر على ذلك، وقال له: رم ذلك إن شئت(١).

ثالثاً: استغل طلحة والزبير، وعائشة، ومعاوية وسواهم هذا الموقف الناصح لعثمان، والساعي إلى حمله على إصلاح الأمور، فوجهوا التهم إليه، مع أنهم كانوا أشد المحرضين، وأقوى المشاركين للناس فيه، أما علي (عليه

١- راجع: كتاب الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٣٧٩ والغدير ج٩ ص١٩ عن أنساب الأشراف ج٥ ص٥٤ و (ط أخرى) ج٦ ص١٦٩ ونهج السعادة ج١ ص١٦١ وعن بهج الصباغة ج٤ ص٦٥٣ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٣٦٧.

٣٠٦

السلام) فلم يكن يريد لعثمان أن يقتل على هذا النحو، ولكنه لم يكن يرى أيضاً: أن الإعتراضات على عثمان كانت باطلة. بل كان يجاهر بمؤاخذاته له، ويدعوه إلى التراجع عنها. وقد وعده عثمان بذلك أكثر من مرة، ثم يخلف بوعده..

وهذا التوافق في المؤاخذات بين علي (عليه السلام)، وبين الثائرين قد استغله سعد بن أبي وقاص، الذي كان هو الآخر من المحرضين على عثمان، وكان يتربص به الدوائر على أمل أن يصل إلى شيء ـ استغله ـ لاتهامه (عليه السلام) بما هو بريء منه، فقد سئل سعد عمن قتل عثمان، فقال: قتله سيف سلته عائشة، وشحذه طلحة، وسمه علي.

قال السائل: قلت: فما حال الزبير؟!

قال: أشار بيده، وصمت بلسانه(١).

وكان سعد يهدف بكلامه هذا إلى التحريض على علي (عليه السلام). وكان سعد يحسد علياً (عليه السلام) ويخافه في آن واحد، لما يعرفه عنه من إيمان ويقين، وصلابة في الدين.

وعن علي (عليه السلام): من كان سائلاً عن دم عثمان، فإن الله قتله،

١- الغدير ج٩ ص٨٣ و ٢٣٠ وج١٠ ص١٢٨ وتاريخ المدينة لابن شبة ج٤ ص١١٧٤ والعقد الفريد ج٣ ص٨٤ ودلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٩٢ وعن علي بن أبي طالب بقية النبوة لعبد الكريم الخطيب ص٢٥٣.

٣٠٧

وأنا معه(١).

ونقول:

أولاً: ما ذكر في الرواية المتقدمة من أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر عثمان بالصبر على ما ينزل به، لا تؤيده الشواهد والأدلة التي بين أيدينا، فلاحظ ما يلي:

ألف: إن ذلك لو صح لبلغ الصحابة، ولاحتج به بعضهم على بعض، ولبلغتنا الأجوبة والمبررات التي تذرعوا بها..

بل كان المتوقع هو أن يحذر النبي (صلى الله عليه وآله) الصحابة من ارتكاب هذا الأمر في حق عثمان. وكان على عثمان أن يذكرهم به، ولكنه لم يفعل، فإنهم يقولون: إن عثمان قد ناشد الصحابة، وذكر عدة أمور اعترفوا له بها، وليس ذلك من بينها.. وإن كانت لنا مؤاخذات كثيرة على تلك المناشدات المدعاة..

ب: إن عثمان لم يصبر، بل كتب إلى معاوية، وابن عامر، ويزيد بن

١- المصنف لابن أبي شيبة ج٨ ص٦٨٥ والشافي في الإمامة ج٤ ص٣٠٨ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٩٤ وكنز العمال ج١٣ ص٩٧ عن ابن أبي شيبة، ودلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٩٢ والعمدة لابن البطريق ص٣٣٩ وبحار الأنوار ج٣١ ص١٦٥ و ٣٠٨ وتأويل مختلف الحديث ص٤٠ وتاريخ المدينة لابن شبة ج٤ ص١٢٦٨ وصحيح ابن حبان ج٢ ص٣٣٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٦٦.

٣٠٨

أسد، وأهل الشام يستنفرهم لحرب أهل المدينة، وقال: إنهم كفروا، ونزعوا يدهم من الطاعة، ونكثوا البيعة(١)..

وحين كتب أهل المدينة إليه يدعونه إلى التوبة أو القتل شاور نصحاءه وأهل بيته، فأشاروا عليه بمطاولتهم حتى يأتيه المدد..

إلى أن يقول النص: فجعل يتأهب، ويستعد بالسلاح، وقد كان اتخذ جنداً عظيماً من رقيق الخمس، فلما مضت الأيام الثلاثة ثار به الناس(٢)، إذ كان عثمان قد مر بالقرب منهم..

رابعاً: ما زعمته الروايات من أن علياً (عليه السلام) قد ضرب ولطم ولديه، لا يصح، إذ كيف يضرب علي (عليه السلام) صدر الحسين (عليه السلام)، ويلطم الحسن (عليه السلام)، وهما لم يقترفا ذنباً؟! ولا ارتكبا جرماً؟!

خامساً: لنفترض أن أحداً اخبره بأنهما قد قصرا في المهمة الموكلة إليهما،

١- دلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٩٤والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٧ ص٢٠٢ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج٢ ق١ ص١٤٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص١٥١ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٧٠ وأعيان الشيعة ج١ ص٤٤٣.

٢- تاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٤٠٤ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٧١ والغدير ج٩ ص١٧٦ ودلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٩٤ عن الطبري والواقدي وغيرهما..

٣٠٩

فكيف يضربهما قبل أن يسألهما عن ذلك، ويسمع دفاعهما، ودفعهما للتهمة الموجهة إليهما؟!

سادساً: كيف يصدق (عليه السلام) أنهما خالفا أمره، أو قصرا في أداء المهمة، والحال أن القرآن يعلن طهارتهما وعصمتهما. وهو (عليه السلام) أبوهما وأعرف الناس بهما، وبما أنزل الله تعالى من القرآن في حقهما، وبما صدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في فضلهما؟!

سابعاً: إن كان الدفاع عن عثمان واجباً ولازماً إلى هذا الحد، فلماذا لم يبادر هو (عليه السلام) إلى ذلك بنفسه، فان هيبته وموقعه، وسطوته وعظمته في الناس ستمنع الناس من الإقدام على قتل عثمان..

ثامناً: متى كان علي (عليه السلام) شاتماً للناس.. ومن أهل العدوان عليهم؟!

تاسعاً: إذا صح أن الإمام الحسن (عليه السلام) قد جرح في الدفاع عن عثمان حتى خضب بالدماء، فلماذا يلطمه أبوه؟! ألا يدل حاله، وما نزل به على أنه لم يقصر في أداء المهمة الموكلة إليه؟!..

عاشراً: إذا كان عثمان قد طلب من الحسن والحسين (عليهما السلام)، وابن الحنفية، وأولاد جعفر أن ينصرفوا، فإن كانوا قد عصوه وبقوا يدافعون، فلماذا لم تصرح الرواية بذلك؟! لإظهار مدى حرصهم عليه، وتفانيهم في الحفاظ على حياته، وأنهم لم يقصروا في الدفاع عنه إذن، فلماذا يلطم علي (عليه السلام) هذا، ويضرب ذاك، ويشتم أولئك كما يزعمون!!

وإن كانوا قد أطاعوا عثمان، وانصرفوا عن المشاركة في الدفاع عنه،

٣١٠

فلماذا يضربهم، ويشتمهم ويلطمهم علي (عليه السلام)، فإنهم لم يحضروا ما جرى، وقد منعهم صاحب العلاقة من معونته.

حادي عشر: ما معنى ذكر طلحة والزبير في جملة من لم يرض بقتل عثمان، فإنهما وخصوصاً طلحة كانا في طليعة المجلبين عليه، وطلحة هو الذي منع الماء عنه.

بل إن مروان هو الذي قتل طلحة في حرب الجمل ثاراً منه لعثمان.. وقد تحدثنا عن ذلك حين تعرضنا لحصار عثمان، ومنع الماء عنه، ومحاولة علي (عليه السلام) إيصال الماء إليه..

ثاني عشر: ذكر العلامة الشيخ محمد حسن المظفر (رحمه الله):أن دعوى ابن روزبهان: إتفاق المؤرخين على أن علياً (عليه السلام) قد أرسل الحسنين (عليهما السلام) لنصرة عثمان غير سديدة.. لأن عدداً منهم إقتصر على ذكر الإمام الحسن (عليه السلام).. ويضيف بعضهم الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً(١).

كما أن السيد المرتضى يستبعد ذلك(٢).

ثالث عشر: إنه (عليه السلام) قال: إن قتل عثمان لم يسره ولم يسؤه(٣).

١- راجع: دلائل الصدق ج١ ص١٩٢ عن الطبرى، وابن الأثير، وابن عبد البر.

٢- راجع: الشافي في الإمامة ج٤ ص٢٤٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٨.

٣- راجع: شرح الأخبار ج٢ ص٨٠ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٦١٠ والغدير ج٩ ص٧٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص١٢٨.

٣١١

وصرح أيضاً: بأن عثمان استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع(١).

فمن يقول هذا، لا يطير لبه، ولا يطيش عقله، ولا يكون كالواله الحزين حين قتل عثمان..

وإن كان قد حصل شيء من ذلك فقد لا يكون لأجل أنه يرى أنه قتل مظلوماً، بل لعله لأجل أن قتله بهذه الطريقة سيفتح باب الفتنة، وسينتهي باستغلال أهل الأطماع لهذا الحدث في الوصول إلى مآربهم.

رابع عشر: قد يقال: إن إرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) ولده الإمام الحسن (عليه السلام) للدفاع عن عثمان لا يتلاءم مع ما عرف عن الإمام علي (عليه السلام)، من أنه كان يكف الإمامين الحسنين (عليهما السلام) عن الحرب في صفين، لألا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وقد يجاب عن ذلك: بأنه لم يكن يريد منهما (عليهما السلام) أن يردا الناس عن عثمان بالقوة، فإن كثرة الناس وحماستهم قد تجعل هذا العمل يصل إلى حد المجازفة. بل الهدف من ارسالهما هو إظهار تصميمه على الحفاظ على حياة عثمان، لكي لا يقتل بهذا النحو، لا إلى إدخال ولديه في

١- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٧٥ و ٧٦ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٤ ص٨١ وكشف المحجة لابن طاووس ص١٨١ وبحار الأنوار ج٣١ ص٤٩٩ والغدير ج٩ ص٦٩ ونهج السعادة ج٥ ص٢٢٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص١٢٦ وسير أعلام النبلاء ج٢ ص٥٢٧.

٣١٢

حرب ضروس، فيها خطر كبير عليهما.

وقد يقال أيضاً: لو كان قد أرسلهما للدفاع عن عثمان لكان (عليه السلام) قد ذكر ذلك لمعاوية، حين كان يتهمه بالمساعدة على قتله..

كما أن عمرو بن العاص رأى الإمام الحسن (عليه السلام) يطوف بالبيت، فقال له: أومن الحق أن تطوف بالبيت، كما يدور الجمل بالطحين، عليك ثياب كغرقئ البيض، وأنت قاتل عثمان؟!(١).

فلم يجبه الإمام الحسن (عليه السلام) بأنه قد دافع عن عثمان بسيفه، فكيف يكون قاتله؟!

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن معلومية كذب ابن العاص للناس فيما يفتريه على الإمام (عليه السلام) تغني الإمام الحسن (عليه السلام) عن ذكر ذلك..

ولكنه جواب لا يكفي، فإن أكثر الناس قد لا يكونون واقفين على كذب عمرو، لأنهم لم يحضروا ما جرى.. والذين حضروا كانوا قلة بالنسبة إلى سائر الناس في مجتمع الإسلام.

١- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص٢٤٤ وج١٦ ص٢٧ و ٢٨ وبحار الأنوار ج٤٤ ص١٠٢ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١١ ص٢٢٥ ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج٢ ص ٢١٢ وتاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) ج٤ ص٤٤ والفصول المهمة لابن الصباغ ج١ ص٤٩٢ و٤٩٣ والإختصاص ص١٧٩.

٣١٣

الرأي الأمثل حول نصرة عثمان:

وقد استبعد البعض دفاع الحسنين (عليهما السلام) عن عثمان، استناداً إلى أن خطة عثمان وسيرته، تبعِّد كل البعد إقدام علي وولديه (عليهم السلام) على نصرته.

كما ويبعد: أن يتخذوا موقفاً يخالف موقف البقية الصالحة من الصحابة، وينفصلوا عنهم.

ولو فرض حدوث ذلك، فإنه لم يكن إلا لدفع التهمة عن ابنيه (عليهما الصلاة والسلام) بالإشتراك في دمه(١).

ويلوح من كلام السيد المرتضى (رحمه الله) أيضاً شكّه في إرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) ولديه للدفاع عن عثمان، قال: (فإنما أنفذهما ـ إن كان أنفذهما ـ ليمنعا من انتهاك حريمه، وتعمد قتله، ومنع حرمه ونسائه من الطعام والشراب. ولم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع)(٢).

وعلى حد تعبير العلامة الحسني (رحمه الله): (من المستبعد أن يزج بريحانتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك المعركة للدفاع عن الظالمين، وهو الذي وهب نفسه وكل حياته للحق والعدالة، وإنصاف المظلومين(٣).

١- راجع: حياة الإمام الحسن (عليه السلام" للقرشي ج١ ص١١٥ و ١١٦.

٢- الشافي في الإمامة ج٤ ص٢٤٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٨.

٣- سيرة الأئمة الإثني عشر ج١ ص٤٢٨.

٣١٤

وأوضح ذلك باحث آخر، فقال: (إن الخليفة كان مستحقاً للقتل بسوء فعله، كما أن قتلته، أو الراضون بقتله هم جمهرة الصحابة الأخيار، ولا يعقل أن يقف الحسنان في وجه هؤلاء وضدهم)(١).

ونقول:

إننا لا نشك في كذب الرواية التي تقول: إن الإمام الحسن (عليه السلام) قد جرح في الدفاع عن عثمان، لأن الإمام علياً (عليه السلام)، وإن كان يمكن أن يكون قد أرسل ابنيه ـ أو أحدهما ـ ليعرضنا على عثمان أن يدافعا عنه، فعرضا له المهمة، فردهما، ولم يقبل منهما ذلك..

ولعل الرواة قد زادوا على الرواية بعض ما هو في مصلحة عثمان ـ وقد ذكرنا فيما سبق أنها زيادات لا تجد ما يؤيدها في الواقع العملي..

ومن النصوص التي تدل على ما نقول:

١ ـ قال ابن أعثم: (ثم دعا علي بابنه الحسن، فقال: انطلق يا ابني إلى عثمان، فقل له: يقول لك أبي: أفتحب أن أنصرك؟ !

فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان: لا، ما أريد ذلك، لأني قد رأيت رسول الله..

إلى أن قال: فسكت الحسن، وانصرف إلى أبيه، فأخبره بذلك)(٢).

ويلاحظ: أن رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام ربما تكون

١- الإمام الحسن بن علي (عليه السلام" لآل يس ص٥٠ و٥١.

٢- الفتوح لابن اعثم ج٢ ص٢٢٨ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٢٣.

٣١٥

من زيادات الرواة، أو أن عثمان أراد أن يذكر هذه الفضيلة لنفسه، لتخويف أعدائه من مغبة الإقدام على قتله.. وربما.. وربما..

٢ ـ قال ابن أعثم أيضاً: (ثم اقتحم الناس الدار على عثمان وهو صائم..

إلى أن قال: والتفت عثمان إلى الحسن بن علي، وهو جالس عنده، فقال: سألتك بالله يا ابن الأخ إلا ما خرجت؟ فإني أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك..

فخرج الحسن (رضي الله عنه)، وخرج معه عبد الله بن عمر)(١).

٣ ـ قال ابن قتيبة: (ثم دخل عليه الحسن بن علي، فقال: مرني بما شئت، فإني طوع يديك. فقال له عثمان: ارجع يا ابن أخي، اجلس في بيتك، حتى يأتي الله بأمره)(٢).

٤ ـ (وشمَّر أناس من الناس، فاستقتلوا، منهم: سعد بن مالك، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا)(٣).

١- الفتوح لابن اعثم ج٢ ص٢٣١ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٢٥.

٢- الإمامة والسياسة ج١ ص٣٩ و (تحقيق الزيني) ج١ ص٤١ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٥٨ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص٣٩٠ وحياة الصحابة ج٢ ص١٣٤ عن الرياض النضرة ج٢ ص٢٦٩.

٣- تاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٣٨٩ والفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر الضبي ص٦٣ وتاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص٣٢١.

٣١٦

٥ ـ (بعث عثمان إلى علي بن أبي طالب: أن ائتني.

فبعث حسيناً ابنه، فلما جاءه، قال له عثمان: يا ابن أخي، أتقدر على أن تمنعني من الناس؟!

قال: لا.

قال: فأنت في حلٍ من بيعتي، فقل لأبيك يأتني.

فجاء الحسين إلى علي، فأخبره بقول عثمان، فقام علي ليأتيه. فقام إليه ابن الحنفية، فأخذ بضبعيه، يمنعه من ذلك..).

وفي هذه الأثناء جاء الصريخ: أن قد قتل عثمان(١).

٦ ـ قال أبو مخنف في روايته: (نظر مروان بن الحكم إلى الحسين بن علي فقال: ما جاء بك؟!

قال: الوفاء ببيعتي.

قال: اخرج عنا، أبوك يؤلب الناس علينا، وأنت هاهنا معنا؟!

وقال له عثمان: انصرف، فلست أريد قتالاً ولا آمر به)(٢).

ونحن وإن كنا نرى أن قول الإمام الحسين (عليه السلام): (الوفاء ببيعتي) غير صحيح، فإنه ـ إن كان قد بايع فإنما بايع مكرهاً، تحت طائلة التهديد بالقتل، وهي بيعة باطلة..

١- أنساب الأشراف ج٥ ص٩٤.

٢- أنساب الأشراف ج٥ ص٧٨.

٣١٧

على أنه قد كان على مروان أن يتخذ من نصر الحسين (عليه السلام) له ذريعة للتشنيع على أبيه، لو كان صادقاً فيما يدعيه من تأليبه الناس عليهم..

ومن جهة أخرى نقول:

قد علمنا: أن عثمان كان بصدد القتال.. وقد أرسل يطلب النجدة من الأقطار، فلا يصح قول الرواية، إنه قال:

لست أريد قتالاً، ولا آمر به.

غير أن مما لا شك فيه: أن ما تقدم يشير إلى أن عثمان قد رفض مساعدة الإمام الحسن، أو هو مع الحسين (عليهما السلام) وأنهما لم يشاركا (عليهما السلام) في دفع الثائرين عنه.

ولعل العرض والرفض قد تعدد عدة مرات، كما أنه لم يمكن تأييد الرواية القائلة بأن الإمام الحسن (عليه السلام) قد جرح في هذه القضية، ثم كان من علي (عليه السلام) بالنسبة إليه ولأخيه ما كان، مما تقدمت الإشارة إلى أنه مردود ومرفوض.

نعم، ربما يكون الإمام الحسن (عليه السلام) قد ساعد على نجاة البعض، من دون اشتراك في القتال، وإنما بما له من احترام خاص في النفوس، ففي محاورة جرت بينه وبين مروان بن الحكم، قال (عليه السلام) لمروان: (أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار، فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة، وتنادي بالويل والثبور، كالأمة اللكعاء.

ألا دفعت عنه بيد؟! أو ناضلت عنه بسهم؟! لقد ارتعدت فرائصك، وغشي بصرك، فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل،

٣١٨

ومنعتك منه، ثم تحث معاوية على قتلي؟! ولو رام ذلك لذبح كما ذبح ابن عفان الخ..)(١).

وجهة نظر معقولة:

وأما بالنسبة للدفاع عن عثمان. فإنَّ ثمة وجهة نظر أخرى جديرة بالتقدير، وقمينة بأن تقدم تفسيراً صحيحاً، ومنطلقاً موضوعياً ومنطقياً لموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه القضية. القاضي بعدم الدخول المباشر للدفع عن عثمان، وبعدم الرضا عن الأسلوب الذي اتبع في قتله.

وملخص ما يمكن اعتباره كافياً لتبرير هذا الموقف:

أن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإن كان لا يرى خلافة عثمان شرعيةً، وكان على اطلاع تام على جميع المخالفات والتجاوزات، التي حصلت في أيام حكمه.

ويرى رأي العين: أن الفساد قد استشرى، وتفاقم خطره، حتى لم يعد من السهل تحمله، أو الإغضاء عنه..

إنه.. وإن كان يرى ذلك ـ إلا أنه لم يكن يرى: أن علاج الأمر بهذا الأسلوب الإنفعالي العنيف هو الطريقة المثلى والفضلى..

وقد نقل عنه (عليه السلام) قوله عن عثمان: إنه استأثر فأساء الأثرة،

١- المحاسن والمساوي ج١ ص١٣٥ وفي هامشه عن المحاسن والأضداد.

٣١٩

وجزعتم فأسأتم (وجزعوا فأساؤوا) الجزع (١).

وما ذلك.. إلا لأن قتل عثمان في تلك الظروف، وعلى النحو الذي كان، لم يكن بالذي يخدم قضية الإسلام، بل كان من شأنه أن يلحق به ضرراً فادحاً، وجسيماً.. إذ هو يعطي الفرصة لأولئك المترصدين من أصحاب المطامع والأهواء لإستغلال جهل الناس، وضعفهم، وظروف حياتهم، وما تركته السياسات من آثار سلبية على مفاهيمهم، وفي عقليتهم، ونظرتهم، وفي عقائدهم، وغير ذلك.. الأمر الذي هيأ الفرصة لأولئك المترصدين، لرفع شعار الأخذ بثارات عثمان، واتخاذ ذلك ذريعة للوقوف في وجه الشرعية المتمثلة بأمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلقاء الشبهات والتشكيكات حول موقفه وموقف أصحابه (عليه السلام).. وهذا ما حصل بالفعل، ونشأت عنه حروب الجمل، وصفين، والنهروان، على النحو الذي سجله التاريخ..

ولو أنهم اكتفوا بخلع عثمان، ولم يقتلوه لكفاهم ذلك، ولكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، ولربما كان ذلك أمراً مدبراً بليل، خصوصاً من قبل طلحة والزبير.. وبرضى من معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم..

١- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٧٥ و ٧٦ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٤ ص٨١ وكشف المحجة لابن طاووس ص١٨١ وبحار الأنوار ج٣١ ص٤٩٩ والغدير ج٩ ص٦٩ ونهج السعادة ج٥ ص٢٢٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص١٢٦ وسير أعلام النبلاء ج٢ ص٥٢٧.

٣٢٠