×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج18 / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠

قال قيس: ولما سمعته قال: انفروا إلى بقية الأحزاب دخل بغضه في قلبي(١).

وهناك العديد من النصوص التي تدل على أن من يؤسس لنهج، أو لمسار بعينه، يتحمل المآثم والأوزار التي تنشأ عنه، مهما طال الزمن، ما دام له أثر قائم إلى يوم القيامة. وهو أمر صحيح وواقعي لا يأباه العقل، ويرضاه العقلاء.. كما يعلم بأدنى التفات.

عتاب عثمان لعلي (عليه السلام):

عن ابن عباس (رحمه الله) قال: شهدت عتاب عثمان لعلي (عليه السلام) يوماً، قال في بعض ما قاله: نشدتك الله أن تفتح للفرقة باباً، فلعهدي بك وأنت تطيع عتيقاً وابن الخطاب طاعتك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولست بدون واحد منهما، وأنا أمس بك رحماً، وأقرب إليك صهراً.

فإن كنت تزعم أن هذا الأمر جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) لك، فقد رأيناك حين توفي نازعت ثم أقررت؛ فإن كانا لم يركبا من الأمر جدداً، فكيف أذعنت لهما بالبيعة، وبخعت بالطاعة، وإن كانا أحسنا فيما

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص ١٩٤ و ١٩٥ وراجع: نهج السعادة ج٢ ص٥٢٢ والغارات للثقفي ج١ ص٤٠ وبحار الأنوار ج٣٤ ص٥٠ وج٣١ ص٣٠٧ والغدير ج٩ ص٧٢ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٩٤ و وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٧ ص٢٠١.

٣٤١

وليا، ولم أقصر عنهما في ديني، وحسبي، وقرابتي، فكن لي كما كنت لهما.

فقال علي (عليه السلام): أما الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها باباً، وأسهل إليها سبيلاً. ولكني أنهاك عما ينهاك الله ورسوله عنه، وأهديك إلى رشدك.

وأما عتيق وابن الخطاب، فإن كانا أخذا ما جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأنت أعلم بذلك والمسلمون. ومالي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين!!!

فاما ألاّ يكون حقي، بل المسلمون فيه شرع، فقد أصاب السهم الثغرة (أي نقرة النحر).

وإما أن يكون حقي دونهم، فقد تركته لهم، طبت به نفساً. ونفضت يدي عنه استصلاحاً.

وأما التسوية بينك وبينهما، فلست كأحدهما، إنهما وليا هذا الأمر، فظلفا أنفسهما وأهلهما عنه، وعمت فيه وقومك عوم السابح في اللجة.

فارجع إلى الله ـ أبا عمرو ـ وانظر هل بقي من عمرك إلا كظمئ الحمار، فحتى متى؟! وإلى متى؟! ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين، وأبشارهم، وأموالهم. والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينه وبينك.

قال ابن عباس: فقال عثمان: لك العتبى، وافعل، واعزل من عمالي كل من تكرهه، ويكرهه المسلمون.

ثم افترقا، فصده مروان بن الحكم عن ذلك، وقال: يجترئ عليك

٣٤٢

الناس، فلا تعزل أحداً منهم(١).

ونقول:

قد يحتاج هذا النص إلى بعض التوضيح، فنقول:

١ ـ إن ما دعا عثمان للطلب من علي (عليه السلام) أن لا يفتح للفرقة باباً هو تلك المحاولات التي كان (عليه السلام) بيذلها معه لمنع حدوث المخالفات، ولدفع عثمان لمحاسبة عماله، ومنع المنكرات التي كانت تحصل منهم.. إذ لم يصدر من علي (عليه السلام) تجاه عثمان أي شيء سوى ذلك..

٢ ـ إن عثمان يريد من علي (عليه السلام) أن يطيعه على حد طاعته لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلا يكون له معه أمر ولا رأي، وقد استدل عليه بأن طاعته لأبي بكر وعمر كانت على حد طاعته للرسول (صلى الله عليه وآله).. وهو أولى بذلك منهما، لأنه أمس به رحماً، وأقرب إليه صهراً.

٣ ـ تحدث عثمان عن أنه إن كان المانع من طاعة علي (عليه السلام) له كطاعته لأبي بكر وعمر هو أن الحق لعلي دونه.. فقد كان هذا هو رأي علي (عليه السلام) معهما.. وقد عارض قليلاً، ثم رضي واطاع.. فلماذا لا يفعل مثل ذلك معه، وإن كان المانع من الطاعة له، والداعي للطاعة لهما هو أن سيرته وسيرتهما لم تكن حميدة. فلماذا أطاعهما. وعصاه.

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٩ ص١٥ و ١٦ عن الواقدي في كتاب الشورى، وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٢٧ و ٢٢٨.

٣٤٣

وإن كانت سيرتهما حميدة، فسيرة عثمان كذلك، فإنه لم يقصر عنهما في دينه، ولا في قرابته وحسبه، فلماذا لا يطيعه كما كان يطيعهما؟!

٤ ـ ما ادعاه عثمان من أنه أقرب إلى علي (عليه السلام) صهراً من أبي بكر، وعمر، ليس معناه: أن زوجتي عثمان كانتا بنتي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ يكفي لصحة ادعاء الصهرية كونهما قد تربتا في بيت الرسول بحيث يحتاج من يريد الزواج إلى استئذانه (صلى الله عليه وآله) ـ ولو تأدباً ورعاية للأخلاق والآداب ـ كما قلناه أكثر من مرة..

على أن أم عثمان هي أروى بنت كريز، وأمها (أعني جدة عثمان لأمه) هي أم حكيم بنت عبد المطلب، فهي عمة علي (عليه السلام).. فلعل المراد بالصهر هو هذا، وبالرحم الإجتماع مع علي (عليه السلام) من قبل الأب بعبد مناف.

٥ ـ إن جواب علي (عليه السلام) جاء ليؤكد على أنه إنما ينهى عثمان عما ينهاه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) عنه. فإن عثمان بعد هذا هو الذي فتح باباً للفرقة، وسهَّل السبيل إليها، فعلىه أن يتوقع من الأمة كلها موقفاً صريحاً وحازماً، لن يكون سعيداً به..

٦ ـ ثم أعلمه أيضاً: أنه قد ضل عن رشده. وأصبح يحتاج إلى من يهديه إليه. وهذا من مفردات الإحسان إليه، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!.

٧ ـ وحول ما فعله الشيخان، أبو بكر وعمر قال: إما أن عثمان يرى كما يرى علي (عليه السلام) أنهما قد غصبا حقه المنصوص عليه من الله ورسوله

٣٤٤

له، وهذا هو الصحيح، وعثمان وسائر المسلمين يعرفون حقيقة هذا الأمر، ويعرفون النص عليه. ويكون (عليه السلام) قد طالب أولا بحقه، ثم سكت، لمصلحة الإسلام والمسلمين طيلة تلك السنين.

وأما يكون عثمان لا يرى لعلي (عليه السلام) حقاً في هذا الأمر، فيكون قد أصاب من الحق والدين مقتلاً. (أو فقد أصاب السهم الثغرة).

أو يكون الحق لعلي (عليه السلام)، لأنه الأفضل والأعلم، والأشجع، والمطهر والمعصوم، والأحكم، والأعقل، والأتقى، والأورع.. و.. و.. فيكون (عليه السلام) قد ترك حقه، لأنه رأى الصلاح في ذلك. فإذا زالت تلك المصلحة، فلماذا لا يطالب بحقه.

وذلك يدل على أن طاعته (عليه السلام) لهما ليست لأجل أنهما يستحقان ذلك، بل لأنه يريد استصلاح الأمور، وحفظ الدين، ورعاية مصلحة المسلمين..

٨ ـ إنه (عليه السلام) أبطل ما ادعاه عثمان من أنه أولى منهما بأن يطيعه (عليه السلام)، فإنه لا طاعة لهما عليه، فضلاً عن أن يكون لعثمان مثل هذه الطاعة، أو أن يكون أولى منهما في ذلك.

ولا يجوز لعثمان أن يسوي نفسه بهما، لأنهما كفَّا أنفسهما وأهلهما عن بيت مال المسلمين، وعن اختصاص أقاربهما بالولايات، ولم يفعل عثمان ذلك، بل عام فيه هو وقومه عوم السابح في اللجة..

٩ ـ أما أن تكون القرابة والصهر، سبباً في تأكيد حق الطاعة، فهو مرفوض أيضاً، لأنها لا توجب ذلك في نفسها. كما أن أصل ثبوت الطاعة

٣٤٥

لهما ولعثمان باطل، بل هو حق مغتصب، وقد كف علي (عليه السلام) عن طلبه استصلاحاً..

١٠ ـ إنه (عليه السلام) بالرغم من أنه أبطل كل ما استدل به عثمان.. لم يحاول أن يواصل ما بدأه، بل لوَّح له بصورة عملية أنه مستمر في موقفه الرامي إلى إصلاح حال عثمان، من دون مساس بموقعه في السلطة.. وذلك حين وعظه، وطلب منه أن ينهى سفهاء بني أمية عن ممارساتهم.

وقد تضمن كلامه أموراً:

منها: أنه صرح بأن مصدر المخالفات هو أناس سفهاء.

ومنها: تصريحه بأن هؤلاء السفهاء المخالفين هم بعض بنو أمية، وليس كلهم.

ومنها: أن لم يصرح بمشاركة عثمان لهم، ولا برضاه بفعلهم، بل اكتفى بقوله: إنه لم ينههم.

ومنها: أنه بيّن أن أولئك السفهاء من بني أمية كانوا يعتدون على أعراض المسلمين، وأبشارهم، وأموالهم. والمفروض والمطلوب والمتوقع منهم ـ بحكم موقعهم في السلطة هو أن يكونوا مصدر شعور الناس بالأمن على الأعراض، والأموال والأنفس..

ومنها: إعلام عثمان بأنه يشارك عمَّاله بالإثم على الظلم حتى لو صدر ذلك الظلم من عامله حيث تغرب الشمس. لقدرته على استعمال الأخيار بدل الأشرار، وأهل العقل والحكمة والتدبير، بدل السفهاء، وأهل الرعونة والطيش، وأصحاب الأهواء..

٣٤٦

العتاب والإستعتاب:

من كتاب له (عليه السلام) إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة:

(إن الناس طعنوا عليه (أي عثمان)، فكنت رجلاً من المهاجرين، أكثر استعتابه، وأقل عتابه. وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف، وأرفق حدائهما العنيف الخ..)(١).

ونقول:

مناقشة كلام المعتزلي:

قال المعتزلي: إنه (عليه السلام): (جعل نفسه كواحد من عرض المهاجرين الذين بنفر يسير منهم انعقدت خلافة أبي بكر، وهم أهل الحل والعقد، وإنما كان الإجماع حجة لدخولهم فيه)(٢).

وهو كلام باطل من جهات:

فأولاً: من الذي قال: إن خلافة أبي بكر قد انعقدت بحيث أصبحت

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٣ ص٢ الكتاب رقم١ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٤ ص١٠٩ والأمالي للطوسي ص٧١٨ وبحار الأنوار ج٣٢ ص٧٢ و ٨٤ والغدير ج٩ ص١٠٤ ونهج السعادة ج٤ ص٥٤ و ٥٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٤ ص٦ والجمل للمفيد ص١٣١.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٤ ص٧.

٣٤٧

مرضية عند الله، وملزمة للناس لمجرد بيعة عمر، وأبي عبيدة، وأسيد بن حضير له؟!..

فإنها بيعة حصل بها رد قول الله تعالى، ورسوله (صلى الله عليه وآله) وإبطال تدبيره. وإنما أتت نتيجة تعد على صاحب الحق، ومهاجمته، وضرب زوجته سيدة نساء العالمين.

كما أنها بيعة نكثت بها بيعتهم يوم الغدير لعلي (عليه السلام).

ثانياً: إن الحل والعقد في هذا الأمر بيد الله تعالى ورسوله، وليس بيد البشر.. لأن هذا الأمر لله تعالى يضعه حيث يشاء. كما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) لبني عامر بن صعصعة، حين اشترطوا لإسلامهم أن يجعل النبي (صلى الله عليه وآله) لهم الأمر من بعده.. وقال ذلك أيضاً لعامر بن الطفيل لنفس السبب.. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا:الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

وقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(١)، إنما يختص بالأمور العائدة إليهم، وليست الخلافة منها..

ثالثاً: من الذي جعل خصوص المهاجرين أهل الحل والعقد؟!

وَلِمَ ولم يكن أهل الحل والعقد الأنصار؟! أو المهاجرين والأنصار معاً؟!

أو غيرهم من الناس؟! وكيف يحصل التمييز بين الناس، فيكون هذا

١- الآية ٣٩ من سورة الشورى.

٣٤٨

من أهل الحل والعقد، ولا يكون ذاك منهم؟!..

رابعاً: ما الدليل على أن حجية الإجماع تستند إلى دخول المهاجرين في المجمعين؟!

ولم لا يكون دخول المعصوم في المجمعين هو سر حجية الاجماع؟! كما هو مذهب الشيعة!!

خامساً: المراد بالاجماع هو اجماع المسلمين بجميع فئاتهم وانتماءاتهم ومذاهبهم ومشاربهم، ولم يحصل إجماع كهذا على أبي بكر مع مخالفة سعد بن عبادة ومن معه وعلي (عليه السلام) وبني هاشم، وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وكثيرين آخرين...

سادساً: إن طلحة والزبير كانا من المهاجرين، مع أنه (عليه السلام) يصرح: بأن أهون سيرهما في عثمان الوجيف.. أما عائشة فقد أمرت بقتل عثمان، حين قالت: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.. وكذلك الحال بالنسبة لعمر وبن العاص، وعمار، وأبي ذر، وابن مسعود، وابن عوف وحذيفة وسعد وسواهم من المهاجرين الذين حرضوا على عثمان، وكفروه، ودفعوا بالأمور حتى انتهت بقتله.

سابعاً: إنه (عليه السلام) حين جعل نفسه رجلاً من المهاجرين، لا يقصد بهم أمثال عمرو بن العاص، ولا طلحة ولا الزبير، ونظراءهم. بل هو يجعل نفسه مع عمار، وحذيفة، وأبي ذر، والمقداد، ونظرائهم.. ولا يقصد بهم أيضاً الغوغاء والهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق.

٣٤٩