×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج19 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

بل زعموا: أنها انعقدت بواحد، هو عمر(١).

خامساً: إن ابن عمر كان يقول: (أنا مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم، وقد دخلوا في هذا الأمر، فدخلت معهم لا أفارقهم، فإن يخرجوا أخرج، وإن يقعدوا أقعد)(٢).

وقد دخل أهل المدينة في بيعة علي (عليه السلام)، فلماذا لم يدخل معهم؟!

وقاتلوا مع علي (عليه السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين، ولم يفعل ذلك ابن عمر.. أم أن كلامه هذا كان مجرد ذريعة!!

كما أنه بايع يزيد بن معاوية، ورفضه أهل المدينة بسبب أفاعيله، ولكن ابن عمر لم يتابعهم في ذلك، بل كان يتهدد أهله وأبناءه بالصيلم إن هم

١- الجامع لأحكام القرآن ص٢٣٠ (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج١ ص٢٦٩ و ١٧٢ والغدير ج٧ ص١٤٣ والشافي في الإمامة ج١ ص٦ والمعيار والموازنة ص٤٧.

٢- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٤٦ و ٤٦٠ و (ط مؤسسة ألأعلمي) ج٣ ص٤٦٦ والكامل في التاريخ ج٣ ص٣١٢ و ٣١٤ والفتنة ووقعة الجمل ص١٠٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص٤٦٠.

٣٢١

فعلوا كما فعل أهل المدينة(١).

ندم ابن عمر:

وقد رووا عن ابن عمر أنه كان يقول: ما آسى على شيء إلا على أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية..(٢).

والفئة الباغية على علي (عليه السلام) هم جميع من حاربوه (عليه السلام)، وقد دل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمار (رحمه الله):

١- راجع: مسند أحمد ج٢ ص٤١٢ الحديث رقم ٥٧١٣ وص٣٠٤ رقم ٥٠٨٨ و (ط دار صادر) ج٢ ص٤٨ و ٩٦ والسنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص١٥٩ وفتح الباري ج٨ ص٢٤٧ والغدير ج٧ ص١٤٦ وج١٠ ص٣٤ والفايق في غريب الحديث ج٢ ص١٩٦ والطبقات الكبرى لابن سعد ج٤ ص١٨٣ وطرق حديث الأئمة الإثنا عشر ص٢٨ وكشف الغمة ج١ ص١٢٤ وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج ٨ ص ٢٣٨.

٢- راجع: أسد الغابة ج٤ ص١٠٩ والغدير ج١٠ ص٤٩ وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج١ ص٢٩١ وراجع ج٣ ص٣٣٩ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٦٤٣ والإستيعاب ج٣ ص٨٣/١٦٣٠ و (ط دار الجيل) ج٣ ص١١١٧ وسير أعلام النبلاء ج٣ ص٢٣١ وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج٢ ص٤٠٤ وأعيان الشيعة ج١ ص٣٥٩ والنصائح الكافية لابن عقيل ص٤٠ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٤٤٢ وج٣١ ص٣٥٢ وراجع: الطبقات الكبرى ج٤ ص١٨٧ وليس فيه كلمة (مع علي".

٣٢٢

تقتلك الفئة الباغية، على أن معاوية وحزبه من الفئة الباغية بلا ريب.

مع أن حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في عمار ينطبق على معاوية بصورة مباشرة.. ولكن بعضهم حاول التعمية على ذلك، فزعهم: أن الفئة الباغية هم خصوص الخوارج(١).

كما أن الآية الشريفة في سورة الحجرات تعم كل فئة تبغي على أختها، فلا فرق بين الناكثين والقاسطين والمارقين..

وأما ما زعمه بعضهم، من أن مقصود ابن عمر بالفئة الباغية هو الحجاج(٢)، أو ابن الزبير(٣)، فهو أكثر شذوذاً ووهناً.

إذ يضاف إلى ما ذكرناه آنفاً: أن الحجاج لم يحارب علياً، ولم يكن على عهده. كما أن ابن الزبير حين حارب علياً كان تابعاً.. ولم يكن رأساً، بل كان الرأس عائشة وطلحة والزبير. فلا بد أن يقصد أنه باغ على عبد الملك بن مروان.. ولم يكن علي (عليه السلام) على قيد الحياة في عهد عبد الملك، لتقع الحرب بينهما.

١- راجع: فتح الباري ج١٢ ص٢٨٦ و (ط دار إحياء التراث العربي) ج١ ص٤٥١ وعمدة القاري ج٤ ص٢٠٩.

٢- الطبقات الكبرى لابن سعد ج٤ ص١٨٥ و ١٨٧ وسير أعلام النبلاء ج٣ ص٢٣٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٣١ ص١٩٧ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٥ ص٤٦٥.

٣- السنن الكبرى ج٨ ص٢٩٨ وسير أعلام النبلاء ج٣ ص٢٢٩ وتاريخ مدينة دمشق ج٣١ ص١٩٣ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٥ ص٤٦٥.

٣٢٣

من مات ولا إمام له:

وكيف يمكن أن يكون ابن عمر قد تخلف عن بيعة علي (عليه السلام) وهو الذي طرق الباب على الحجاج ليلاً ليبايع لعبد الملك، كي لا يبيت تلك الليلة بلا إمام، متذرعاً بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية.

فاحتقره الحجاج، واسترذل حاله، فأخرج رجليه من الفراش فقال: اصفق عليها.

أو قال له: أما يدي عنك ففي شغل، هاك رجلي فبايعها(١).

وحسب نص المعتزلي: إن الحجاج قال له: بالأمس تتأخر عن بيعة علي بن أبي طالب، مع روايتك الحديث ثم تأتيني الآن لأبايعك لعبد الملك؟!

أما يدي فمشغولة عنك، ولكن هذه رجلي فبايعها(٢).

وهذا من غرائب الأمور، فقد رأينا أن الحجاج ينتصر لعلي بن أبي طالب.

ما عشت أراك الدهر عجباً!!

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٣ ص٢٤٢ والعثمانية للجاحظ ص٣٠١ والإيضاح لابن شاذان ص٧٣ والتعجب للكراجكي ص١٥٢ و ١٥٣ والصوارم المهرقة ص٩٦ والقول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع ص١٦٩ والكنى والألقاب ج١ ص٣٦٣ وإحقاق الحق (الأصل) ص١٩٥.

٢- الفصول المختارة ص٢٤٥ وجامع الشتات للخواجوئي ص١٦٧.

٣٢٤

ابن عمر سيء الخلق:

وفي الطبري: أن علياً (عليه السلام) بعث إلى عبد الله بن عمر كميلاً النخعي، فجاء به، فقال: انهض معي.

فقال: أنا مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم، وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم، لا أفارقهم، فإن يخرجوا أخرج، وإن يقعدوا أقعد.

قال: فأعطني زعيماً بألا تخرج.

قال: ولا أعطيك زعيماً.

قال: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيراً وكبيراً لأنكرتني، دعوه فأنا به زعيم(١).

ونقول:

إن علينا أن لا نُغْفِل الأمور التالية:

١ ـ إن علياً (عليه السلام) لم يكن يريد إلا نصرة الإسلام، وتقوية شوكته، وتضييق السبل على ضعفاء البصيرة، لكي لا يقعوا في فخ أهل الضلال والانحراف، ويكونون من ثم من وسائل قوتهم، ومن أسباب تمكينهم من تحقيق مآربهم.

١- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٤٦ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٦٦ والكامل في التاريخ ج٣ ص٣١٢ وأعيان الشيعة ج١ ص٤٤٨ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص٤٦٠.

٣٢٥

٢ ـ لا ضير في أن علياً (عليه السلام) قد أراد أن ينضم ابن عمر إليه أيضاً محبوا أبيه، فتخف بذلك وطأة أهل الباطل، ويضيق عليهم مجال حركتهم.

٣ ـ إن من الغرائب: أن نجد ابن عمر يتمترس وراء أهل المدينة، ويجهر بأنهم هم المعيار لمواقفه. مع العلم بأن جميع أهل الفضل والدين منهم كانوا إلى جانب علي (عليه السلام)، لم يخالفه إلا بعض أهل الأطماع، الذين لا أثارة لهم من علم، ولا يعرفون بالاستقامة، ولا يعدون من أهل المقام والكرامة.. فهو إذن يجعل رأيه تابعاً لآراء العوام، الذين غالباً ما يتخذون مواقفهم انقياداً لأهوائهم، واستجابة لشهواتهم.

٤ ـ حتى لو كان جميع أهل المدينة يقولون ما يخالف قول الله ورسوله، وقول وصيه، فالمعيار يجب أن يكون هو قول الله ورسوله، وقول وصيه دون سواه.

٥ ـ إن ابن عمر لم يأخذ بقول أهل المدينة حين خرجوا على يزيد يعترضون على فسقه وفجوره، بل وقف إلى جانب يزيد، ولم يرض بموقف أهل المدينة بأي حال.. مما يعني: أن المعيار لديه ليس قول أهل المدينة ومواقفهم، بل أهواؤه ومصالحه.

٦ ـ قد صرحت هذه الرواية: بأن علياً (عليه السلام)أرسل إلى ابن عمر فأحضره ليطلب منه أن ينهض معه لحرب الجمل، ولم يطلب منه أن يبايعه، وأنه إنما طلب منه الكفيل في هذه المناسبة..

وهذه الرواية تتوافق وتؤيد ما تقدم، من أن ابن عمر إنما امتنع عن

٣٢٦

الخروج معه (عليه السلام) إلى الحرب، ولم يمتنع عن المبايعة له.

٧ ـ ويلاحظ هنا: قول الرواية: أنه حين امتنع عن الخروج معه طلب منه (عليه السلام) الحميل والكفيل، فرفض إعطاء ذلك، فوصفه (عليه السلام) بأنه سيء الخلق صغيراً وكبيراً، ثم قال (عليه السلام): بأنه هو كفيله.. وإن هذا كله قد حصل حين امتنع من الخروج معه..

مع أنهم يقولون: إن ذلك كله قد حصل حين أحضره ليطلب منه أن يبايعه..

٨ ـ إن ذلك يدل على أن ثمة محاولة للتحريف والتزييف لإظهار عدم حصول إجماع على البيعة لعلي (عليه السلام).. وليخف بذلك ذنب معاوية وسائر من معه من الفئة الباغية.

٩ ـ إن نفس طلب الكفيل من الذين يطمحون إلى السلطان، أو من الذين يمكن أن يخدعهم الطامحون، ويتخذونهم وسيلة لمآربهم ـ إن نفس هذا الطلب ـ يفهم الجميع بأن علياً (عليه السلام) ليس غافلاً عنهم، وهو يعرف ما يفكرون به، أو يخططون له.. فلا يظنن أحد أنه يمكن أن يخدعه، أو أن يكون في منأى عن مراقبته (عليه السلام) لتحركاته..

ولن يكون علي (عليه السلام) متسامحاً مع أي كان من الناس إذا أراد أن يثير القلاقل، ويزيد البلايا والبلابل.

والشاهد على ذلك: أنه لا يتردد بطلب الكفلاء حتى من ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص وغيرهما حين تلوح له أية بادرة من أي منهم. كما أنه إذا كان (عليه السلام) يرصد ويراقب حتى هؤلاء، فما بالك بغيرهم ممن

٣٢٧

هم أقل شأناً في الناس.

اقتراح ابن عمر العجيب:

وروي: أن ابن عمر أتى علياً (عليه السلام) في اليوم الثاني من البيعة، فقال: إني لك ناصح، إن بيعتك لم يرض بها الناس كلهم، فلو نظرت لدينك، ورددت الأمر شورى بين المسلمين.

فقال علي (عليه السلام): ويحك، وهل ما كان عن طلب مني؟! ألم يبلغك صنيعهم بي؟! قم يا أحمق، ما أنت وهذا الكلام؟!

فخرج ثم أتى علياً (عليه السلام) آتٍ في اليوم الثالث، فقال: إن ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك.

فأمر بالبعثة في أثره، فجاءت أم كلثوم ابنته، فسألته، وضرعت إليه فيه، وقالت: يا أمير المؤمنين! إنما خرج إلى مكة ليقيم بها، وإنه ليس بصاحب سلطان، ولا هو من رجال هذا الشأن، وطلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لأنه ابن بعلها.

فأجابها وكف البعثة إليه وقال : دعوه وما أراد.

ونقول:

تضمنت هذه الرواية أموراً هي التالية:

١ ـ إذا كان المعيار هو رضا الناس كلهم، فلماذا بايع أبا بكر؟! فإن الناس لم يرضوا به كلهم، ولم يبايعه سعد بن عبادة؟! ولماذا بايع عمر وعثمان، فإن خلافتهما مستندة إلى وصية أبي بكر؟! ولماذا بايع يزيد، فإن

٣٢٨

الناس كلهم لم يرضوا به.

بل هم يقولون: إن خلافة أبي بكر قد انعقدت ببيعة اثنين، أو أربعة أو خمسة(١).

والاختلاف الموجود في الأمة إلى يومنا قد نشأ عن البيعة لأبي بكر، وصيرورته خليفة على النحو الذي يعرفه كل أحد.

٢ ـ قال ابن حجر: عن علي (عليه السلام): بايعه المهاجرون والأنصار، وكل من حضر. وكتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان(٢).

فدل هذا على أن جميع أهل الحل والعقد قد بايعوا علياً (عليها السلام)، فكان يجب على ابن عمر أن يبايع ويقاتل معاوية وغيره ممن خرج على علي (عليه السلام).

٣ ـ إن عمر بن الخطاب يقول: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد، ثم في كذا، وليس فيها لطليق ولا لمسلمة الفتح شيء(٣).

١- جواهر الأخبار والآثار المستخرة من لجة البحر الزخار (مطبوع مع البحر الزخار) ج٦ ص٧١ والغدير ج٧ ص٩٣.

٢- فتح الباري ج٧ ص٧٢ و (ط دار المعرفة) ج٧ ص٥٨ والغدير ج١٠ ص٢٩.

٣- الطبقات الكبرى لابن سعد ج٣ ص٣٤٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٥٩ ص١٤٥ والنصائح الكافية لابن عقيل ص١٩١ وفتح الباري ج١٣ ص٢٠٧ و (ط دار = = المعرفة) ج١٣ ص١٧٨ وأسد الغابة ج٤ ص٣٨٧ والغدير ج٧ ص١٤٤ وج١٠ ص٣٠ وكنز العمال ج١٢ ص٦٨١.

٣٢٩
٣٣٠

وفي كتاب آخر (فيما يظهر) من ابن عباس لمعاوية(١).

وقال المسور بن مخرمة لمعاوية: (وما أنت والخلافة يا معاوية؟! وأنت طليق وأبوك من الأحزاب؟! فكف عنا فليس لك قبلنا ولي ولا نصير الخ..)(٢).

وقال سعنة بن عريض لمعاوية: (منعت ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخلافة، وما أنت وهي، وأنت طليق ابن طليق)؟!(٣).

وقال عبد الرحمن بن غنم الأشعري لأبي هريرة، وأبي الدرداء: (وأي مدخل لمعاوية في الشورى، وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة الخ..)؟!(٤).

وقال صعصعة بن صوحان لمعاوية: إنما أنت طليق ابن طليق، أطلقكما

١- الإمامة والسياسة ج١ ص٩٧ و (تحقيق الزيني) ج١ ص١٠٠ و (تحقيق الشيري) ج١ ص١٣٤.

٢- الإمامة والسياسة ج١ ص٨٥ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٨٩ و (تحقيق الشيري) ج١ ص١١٩ والغدير ج٩ ص١٥٧ وج١٠ ص٣١.

٣- الوافي بالوفيات ج١٦ ص٩٢ والنصائح الكافية لابن عقيل ص١٣٣ والغدير ج١٠ ص٣١ و ١٧٧ وعن قاموس الرجال ج٥ ص ٧٩ ـ ٨٠.

٤- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج٢ ص٨٥٠ و ٨٥١ وأسد الغابة (ط دار الكتاب العربي ـ بيروت) ج٣ ص٣١٨ وتهذيب الكمال ج١٧ ص٣٤٢ و ٣٤٣ والغدير ج١٠ ص٣١ و ٣٣١ و شيخ المضيرة أبو هريرة ص٢٣٠.

٣٣١

رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأنى تصح الخلافة لطليق؟!(١).

٤ ـ إن العدالة شرط في الإمامة بإجماع الأمة. ولو فسق بعد عقد الإمامة له، فقد قال الجمهور: إن إمامته تنفسخ أيضاً(٢)، فكيف يرضى ابن عمر بيزيد إماماً للأمة، وحاله ظاهر، لا سيما بعد قتله الإمام الحسين (عليه السلام)، وبعد وقعة الحرة، وبعد رميه الكعبة بالمنجنيق.. ولا يرضى بأمير المؤمنين (عليه السلام) إماماً وحاكماً؟!

والظاهر: أنه أراد أن يفي بتعهداته لمعاوية الذي أعطاه مائة ألف درهم لأجل البيعة لولده يزيد(٣).

١- الغدير ج١٠ ص٣١ و ١٧٥ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢٦٨ وشيخ المضيرة أبو هريرة ص١٩٧ ومروج الذهب ج١ ص٧٨ و (ط السعادة سنة ١٣٧٧هـ) ج٣ ص٥٠ والنصائح الكافية لابن عقيل ص١٩٨ وصلح الحسن للسيد شرف الدين ص٢٦٩ و ٣٥٨.

٢- الجامع لأحكام القرآن ج١ ص٢٣٢ و (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج١ ص٢٧١ والغدير ج١٠ ص٣٢.

٣- الكامل في التاريخ ج٣ ص٢١٤ و ٢١٥ و (ط دار صادر سنة ١٣٦٨هـ) ج٣ ص٥٠٦ وفتح الباري ج١٣ ص٦٠ وسير أعلام النبلاء ج٣ ص٢٢٥ والسنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص١٥٩ وغريب الحديث للحربي ج٣ ص٩٦٢ والطبقات الكبرى لابن سعد ج٤ ص١٨٢ والغدير ج١٠ ص٢٣٠ وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص٦٠.

٣٣٢

٥ ـ إن ابن عمر يظهر لنا هنا في صورة الواعظ لأمير المؤمنين، وكأنه يريد أن يتهمه بأنه لم يهتم لدينه، حين قبل الخلافة، وقد كان الأحرى بابن عمر أن يتعلم كيف يكون طلاق المرأة قبل أن يتطاول على باب مدينة علم النبوة وأحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.

٦ ـ لا ندري أية شورى قصدها ابن عمر؟! هل هي شورى أبيه عمر؟! أم هي شورى العامة؟! أم هي شورى بمعنى الوصية التي جاءت بعمر؟! أم هي شورى الرجلين؟! أم الأربعة؟! أم الخمسة التي جاءت بأبي بكر؟! أم التي جاءت بعثمان؟!

ولماذا يريد إرجاع الأمر إلى الشورى، ولا يرجعه إلى أهل بدر، أو إلى أهل بدر وأحد، وبيعة الرضوان، أو إلى المهاجرين والأنصار؟!

ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نسأل ابن عمر: هل الشورى التي قصدها ستخلو من الخلاف؟! وهل ستحقق إجماعاً أعظم من الإجماع الذي تحقق على البيعة لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام).. فإن الإجماع الذي حصل عليه لا يمكن اللحاق به في أي وقت، ولم تبلغه أية بيعة، ولا وجد ما يدينه عبر العصور والدهور، ولأجل ذلك استنكر أمير المؤمنين (عليه السلام) كلامه، مذكراً إياه بهذه الحقيقة التي أشرنا إليها، فلاحظ قوله: (أولم يبلغك صنيعهم بي)؟!.

٧ ـ إن قول علي (عليه السلام) لابن عمر: قم يا أحمق يشير إلى أنه (عليه السلام) كان قاصداً لمضمون هذه الكلمة في ابن عمر كما اتضح مما سبق، ويؤكده: أن كل أحد حتى الطفل يدرك أن تخلي علي (عليه السلام)

٣٣٣

عن الأمر سيضع الأمة على شفير الهاوية، وسينشأ عنه فتنة هائلة، لا تبقي ولا تذر، وإن من يشير بتصرف كهذا، لا بد أن يكون مصاباً في عقله، وفي مشاعره.

٨ ـ وما ذكرته الرواية من وساطة أم كلثوم لدى أبيها، بالكف عن ملاحقة ابن عمر، ربما يكون قد ألحق بالرواية لحاجة في النفس.

أولاً: لأن علياً (عليه السلام) إن كان يعرف أن ابن عمر ليس بصاحب سلطان، ولا من رجال هذا الشأن، وكان هذا هو السبب في كفه عنه، فلماذا أرسل لإرجاعه من الأساس؟!

وإن كان لا يعرف عنه ذلك، فلماذا لم يستفسر عن حاله قبل أن يرسل خلفه لإرجاعه؟!

ثانياً: إنه (عليه السلام) قد أرسل من يرد ابن عمر، لأنه يخشى أن يفسد عليه الناس، لا خوفاً من طلبه السلطة، والتصدي لشأن الحكم. فما معنى أن يكف عنه لمجرد أنه ليس بصاحب سلطان؟!

ثالثاً: إذا كان (عليه السلام) يرى أن ابن عمر أحمق، فهل يخاف منه على سلطانه؟! وإذا كان ـ كما قال علي (عليه السلام) ـ ليس هناك أي شيء له تلك القيمة، والجدارة للكلام في موضوع البيعة، فهل يخشى منه على سلطانه؟!

٩ ـ إن كلمة علي (عليه السلام) عن ابن عمر: لست هناك، ثم وصفه بالأحمق يدل على مدى ما كان لابن عمر من قيمة لدى علي (عليه السلام).

هذا بالإضافة إلى الشك في موضوع زواج عمر بأم كلثوم.

٣٣٤

ابن عمر يفر إلى مكة:

قال البلاذري:

حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان، حدثنا الأسود بن شيبان، أنبأنا خالد بن سمير قال:

غدا علي على ابن عمر صبيحة قتل عثمان، فقال: أيَّم أبو عبد الرحمان، أيم الرجل(١)، اخرج إلينا.

فقال له: هذه كتبنا قد فرغنا منها، فاركب بها إلى الشام.

فقال [ابن عمر]: أذكرك الله واليوم الآخر، فإن هذا أمر لم أكن في أوله ولا آخره، فلئن كان أهل الشام يريدونك لتأتينك طاعتهم، وإن كانوا لا يريدونك فما أنا براد منهم عنك شيئاً.

فقال: لتركبن طائعاً أو كارهاً.

ثم انصرف.

فلما أمسى دعا بنجائبه ـ أو قال: برواحله ـ في سواد الليل. فرمى بها مكة، وترك علياً يتذمر عليه بالمدينة(٢).

١- كذا في النسخة، والظاهر: أن فيها تصحيف وحذف، وصوابه: مهيم أبو عبد الرحمان، مهيم الرجل؟! اخرج إلينا. فخرج [ابن عمر] إليه، فقال له: هذه كتبنا قد فرغنا منها... ومَهْيَم ـ كمقعد ـ: ما الذي أنت فيه؟! وما أمرك وشأنك؟!

٢- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ص١١٨ و ١١٩.

٣٣٥

ونقول:

١ ـ أليس غريباً أن نجد ابن عمر وأمثاله يتمرد على الله ورسوله ويخضعون لمن يظلم الناس، ويرتكب العظائم والجرائم، من أمثال الحجاج الذي رضي ابن عمر بأن يبايع رجله، بدلاً عن يده.

والحال أن الحجاج كان نادرة دهره في عسفه وظلمه، وجرأته على الله سبحانه.. وهو الذي رمى الكعبة بالعذرة بواسطة المنجنيق(١)، وحاول أن يضع رجله على مقام إبراهيم (عليه السلام) فزجره عن ذلك محمد بن الحنفية؟!(٢).

ولكنهم يتمردون على أولياء الله، وأحبائه، ويعصون أمر وصيه، وإمامهم، وخليفة زمانهم، ومن بايعوه طوعاً.. ويريدون منه أن يعطيهم كل ما يطلبون، ويوافقهم في كل ما يحبون ويشتهون، ولا يريدون أن يطيعوه في شيء، ولا أن يعينوه ولو بكلمة.. بل هم يريدون إضعافه،

١- عقلاء المجانين ص١٧٨ الفتوح لابن الأعثم ج٢ ص٤٨٦. وراجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج١ ص٢٩٠ والنصائح الكافية ص١٦٧ وسنن ابن ماجة ج١ ص٦٢٣ وتهذيب التهذيب ج٢ ص١٨٤ و ١٨٥ والوافي بالوفيات ج١١ ص٢٤٠.

٢- الطبقات الكبرى لابن سعد ج٥ ص٨٤ و (ط دار صادر) ج٥ ص١١٣ والمصنف للصنعاني ج٥ ص٤٩ وربيع الأبرار ج١ ص٨٤٣ وسير أعلام النبلاء ج٤ ص١٢٦ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٦ ص١٩٢.

٣٣٦

وتوهين أمره وكسره، فراجع مواقف ابن عمر السلبية تجاه علي(عليه السلام).

٢ ـ إن ابن عمر لا يرضى بحمل كتاب من قبل علي (عليه السلام) لمعاوية، مع أن معاوية لا يجرؤ على الإساءة إليه ولو بكلمة، مراعاةً لمقام أبيه، ومعرفة منه بما يترتب على تلك الإساءة من سلبيات لا يجب أن يتورط فيها..

٣ ـ إن استدلال ابن عمر على علي (عليه السلام) لا وقع له، بل هو باطل من الأساس، فقد كان ابن عمر في أول هذا الأمر وفي آخره، فكان من حزب أبي بكر، ومن مؤيديه ومبايعيه، وكان تابعاً لأبيه عمر، ثم كان له دور في الشورى التي رتبها أبوه.. ثم كان مدافعاً عن يزيد، مهتماً بعدم إقدام أحد من أهل بيته على التخلي عن بيعته، بعد قتله الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان من القاعدين عن حرب الناكثين، والقاسطين، والمارقين الذين أخبر عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان كذلك من المهتمين بالبيعة لعبد الملك بن مروان، ولو من خلال بيعته لرجل الحجاج، بالإضافة إلى أن سلبيته مع علي (عليه السلام) من شأنها أن تقوي خصوم علي على علي (عليه السلام).

٤ ـ إن علياً (عليه السلام) لم يطلب من ابن عمر أن يأتيه بطاعة أهل الشام، بل طلب منه أن يوصل كتابه إلى معاوية.

فما معنى قوله: (فلئن كان أهل الشام يريدونك لتأتينك طاعتهم، وإن كانوا لا يريدونك فما أنا براد منهم عنك شيئاً)؟!

٣٣٧

٥ ـ يضاف إلى ذلك: أن قول ابن عمر هذا لا يصح، فإن الدعوة إلى الطاعة والبيعة لازمة، ولا ينتظر فيها ميل الناس، ومبادرتهم. لا سيما مع وجود من يزين للناس العصيان والتمرد من أمثال معاوية، الذي لا يتورع عن الخداع والمكر، الممارس له.

وقد أثبتت التجربة أن أكثر الناس همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق، وأن ثمة من يسعى لحملهم على البيعة، لغير علي (عليه السلام)، لكي يقيدهم ويحجزهم بها عن الاستجابة لدعوة علي (عليه السلام).

وقد حصل نظير ذلك في السقيفة، حيث اعتذر الأنصار للسيدة الزهراء (عليها السلام) عن قعودهم عن نصرتها بسبق بيعتهم لأبي بكر.. فادعوا: أنهم يتحرجون من نقض بيعتهم، مع أن بيعتهم لعلي (عليه السلام) يوم الغدير قد سبقتها، ولم يتحرجوا من نقضها ببيعة السقيفة!!

٦ ـ وكان لا بد لعلي (عليه السلام) من أن يعلن لابن عمر أنه ليس فوق القانون، وأن الأحكام تجري عليه كما تجري على غيره، فكونه ابن الخليفة لا يعفيه من القيام بما أوجبه الله عليه، ولذلك قال له (عليه السلام): ( لتركبن طائعاً أو كارهاً)، فإن للإمام أن يجبر من يعصي الله على العودة إلى الطاعة، ولكن ابن عمر أصر على معصية الله بمعصية الإمام المفترض الطاعة، ولو بالفرار إلى مكة.

٧ ـ وأما تذمر علي (عليه السلام) على ابن عمر بعد فراره إلى مكة، فيهدف إلى فضح أمره، وتعريف الناس بسوء ما أتاه بامتناعه عن تلبية طلب إمامه، ثم بفراره منه إلى مكة.

٣٣٨

وقد اختار ابن عمر مكة بالذات، لأنه يرى أن علياً (عليه السلام) لا يقصده فيها، لأنها حرم الله الآمن.

هل قعدوا عن البيعة أم عن القتال؟!:

قال أبو عمرو: (وتخلف عن بيعته نفر، فلم يكرههم، وسئل عنهم، فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل)(١).

ونقول:

إن هذه الكلمة المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تبدو للوهلة الأولى غير مفهومة.. فهل المراد بالحق الذي قعدوا عنه هو البيعة له (عليه السلام)، أم المراد قعودهم عن نصرة عثمان؟!

فإن كان المراد بالحق هو بيعته (عليه السلام)، فقد عرفنا أن أحداً لم يتخلف عنها، وأن ما زعموه من ذلك فإنما هو إما تشويش على هذه البيعة، أو لعدم التفاتهم للمراد من النصوص التي تلقوها، أو لوقوعهم في الخطأ في فهمها. ثم جاء من بعدهم فتابعهم على هذا الخطأ، أو أنه أخذ بكلامهم لموافقته لهواه، أو لغير ذلك من أسباب..

وإن كان المراد بنصرة الحق هو نصرة عثمان، فنحن نعلم أن علياً (عليه السلام) لم ينصر عثمان إلا بمستوى النصيحة له ولقاتليه، ولم ير وجوب نصرته بأكثر من ذلك..

١- تاريخ الخميس ج٢ ص٢٧٦ وذخائر العقبى ص١١١ وتهذيب الكمال ج٢٠ ص٤٨٧.

٣٣٩

وكان يرى: أنه استأثر فأساء الإثرة، وجزعوا فأساؤوا الجزع.. ويقول: إن قتل عثمان لم يسره، ولم يسؤه.. وغير ذلك مما تقدم..

والحقيقة: هي أن انضمام هذا النص إلى النصوص الأخرى، يبين: أن مراده (عليه السلام) أنهم قعدوا عن قتال الناكثين والقاسطين والمارقين معه، وقتالهم حق وواجب في شرع الإسلام، لأنهم يخرجون على الإمام المنصوب من قبل الله، الذي بايع له المهاجرون والأنصار، وعامة المسلمين. فبيعته شرعية بجميع المقاييس، والخروج عليه بغي على الإمام يجب على المسلمين دفعه..

وأما كلمة (تخلف عن بيعته)، فهي من كلام الراوي. ولعله اشتبه عليه الأمر، أو انساق وراء أهل الأغراض والأهواء فيه، كما ذكرناه آنفاً.

٣٤٠