×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج21 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

وعلى تقدير صحة هذا الحديث, فإنما يفيد أن البقاء في المدينة في ‏خصوص تلك الحرب هو الأولى, والأصح في التدبير.. فلا يستقيم اقتباس ‏هذا المعنى, ونسبته إلى أبي أيوب.‏

قبر ومنبر ومهاجر الرسول (صلى الله عليه وآله):‏

وقد ورد في كلمات أبي أيوب استدلاله على ما ذهب إليه من لزوم ‏البقاء في المدينة بأن المدينة مهاجر رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏, وبها قبره ‏ومنبره..‏

وهذا أيضاً.. وإن كان صحيحاً في نفسه لمن أراد أن يتبرك بقبره ‏(صلى ‏الله عليه وآله) وبمنبره, وينال المثوبة بمجاورة قبره وزيارته في كل حين..‏

ولكن هذا يبقى في دائرة التربية الروحية للأفراد، ولا يكفي ذلك ‏لحفظ بيضة الإسلام من هجوم أعدائه، ولدفع الفتن التي قد تدمر وحدة ‏الأمة, وتهدد كيانها ونظامها, وحتى وجودها بالخطر الجسيم والعظيم. بل ‏لا بد من تجريد الجيوش, والمبادرة إلى الذود عن حياض الدين, وعن بلاد ‏المسلمين , وعن حكمهم ونظامهم ومجتمعاتهم من كل متربص شراً بهم، ‏سواء أكان من الداخل, أم من الخارج!!..‏

٣٠١

ولا نظن أن أبا أيوب يغفل عن هذا الأمر الواضح.‏

مضمون مشورة أبي أيوب:‏

ويذكر النص المتقدم: أن النتيجة التي خلص إليها أبو أيوب هي:‏

‏(أقم بالمدينة, فإن استقامت العرب كنت كمن كان قبلك. وإن تشعَّب ‏عليك قوم رميتهم بأعدائهم من الناس..)‏.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: ‏(صدقت يا أبا أيوب, ولكن الرجال والأموال ‏بالعراق إلخ..)‏

ولم نستطع أن نغض الطرف عن قوله: ‏(إن تشعَّب عليك قوم رميتهم ‏بأعدائهم من الناس)‏. فإن علياً ‏(عليه السلام) لا يمكن أن يستثمر ‏العداوات بين الناس في أي جهد حربي, لأنه ‏(عليه السلام) يريد أن يزيل ‏الأحقاد, ويشيع المحبة والوئام والرحمة والسلام بين الناس.. ويقلل من ‏خسائر الحروب, ويخمد نيران الفتن بأقل قدر ممكن من الخسائر.‏

وهذه المشورة تعني ترسيخ الأحقاد, والإمعان في القتل, والحرص ‏على الانتقام.‏

نعم, وهذه هي مهمة الرجل الرسالي الذي يريد أن يقيم المجتمع ‏الأمثل والأكمل, والأفضل. حتى يكون الكل إخواناً على سرر متقابلين ‏ويزيل كل عوامل التفكك والانقسام والضعف.‏

ولأجل ذلك كان ‏(عليه السلام) قد أخرج في حرب الجمل مضر ‏

٣٠٢

لمضر, وربيعة إلى ربيعة واليمن إلى اليمن (١). وفي صفين كان يخرج إلى ‏كل قبيلة من أهل الشام أختها من أهل العراق, فيخرج تميم لتميم, ‏ولهمدان همدان, ولربيعة ربيعة, وهكذا (٢). من أجل أن تقل القتلى, ‏وليحد من الرغبة في الفتك.‏

كما أنه يريد أن تزول هذه الجراحات والأحقاد بسرعة إذا كانت ‏الخسائر قد لحقت بأفراد القبيلة الواحدة.‏

وأما إذا اختلفت القبائل وتفاوتت, فإن الأخذ بالثار الذي كان شائعاً ‏بين العرب سوف يطيل أمد الأحقاد, وسيزيد من التعقيدات في العلاقات ‏بين القبائل, وقد يتسع الخرق على الراقع, إلى آماد طويلة وهذا ما يدعونا ‏لرفض صحة ما نسب إلى علي ‏(عليه السلام) من أنه قال لأبي أيوب: ‏صدقت يا أبا أيوب..‏

لم يكن معاوية بحاجة إلى التحريض:‏

ذكر ابن أعثم: أنه بعد قتل عثمان والبيعة لأمير المؤمنين ‏(عليه السلام) ‏

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٢٩٩ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٦٤ وراجع: الكامل في التاريخ ج٣ ‏ص٢٤٢ وإمتاع الأسماع ج١٣ ص٢٤٣.‏

٢- وقعة صفين للمنقري ص٢٢٩ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٥ ص١٨٦ والأخبار الطوال للدينوري ‏ص١٨١ وتاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج٤ ص٩ وراجع: أنساب الأشراف ج٢ ‏ص٣٠٥ والفتوح لابن أعثم ج٣ ص١٤١ وراجع ج٢ ص٢٩٩.‏

٣٠٣

سار الحجاج بن خزيمة بن نبهان من المدينة إلى الشام, ودخل على معاوية, ‏ونعى إليه عثمان, ثم قال:‏

إن بني عمك عبد المطلبقد قتلوا عثمان حقاً لا كذب

فأنت أولى الناس بالوثب فثب واغضب جهاراً للإله واحتسب

وسر مسير الليث قدماً إن غضب بجمع أهل الشام ترشد وتصب (١)‏

ثم قال له:‏

‏(إنك لتقوى على علي ‏(عليه السلام) ـ إن أردت مخالفته ـ بدون ما ‏تقدِّره نفسك, لأن الذين معك من أهل الشام لا يقولون إذا قلت, ولا ‏يسألون إذا سألت. والذين مع علي يقولون إذا قال, ويسألون إذا أمر. ‏فقليل من معك, خير من كثير من معه.‏

واعلم يا معاوية, إن غلبه العراق والحجاز, حتى نأخذ الشام دون ‏العراق.‏

فقال معاوية: والله, لقد صدقت في جميع ما قلت. ولقد ندمت عن ‏قعودي عن عثمان, وقد استغاث بي, فلم أجبه)‏.‏

ثم ذكر أن المغيرة بن شعبة حين علم بذلك, جاء إلى أمير المؤمنين، ‏ونصحه بإبقاء معاوية على الشام لأنه ابن عم عثمان والشام في يده. ونصحه ‏

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٢٦٢ و ٢٦٣ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٤٤ و٤٤٥ وشرح نهج البلاغة ‏للمعتزلي ج٣ ص٩١ ووقعة صفين للمنقري ص٧٧ وراجع: الأخبار الطوال ص١٥٥ مع بعض ‏الاختلاف.‏

٣٠٤

أيضاً بإبقاء عبد الله بن عامر بن كريز, فإنه يسكن عنه الأعداء, ويهدي إليه ‏البلاد.‏

فلم يتقبل علي ‏(عليه السلام) منه ذلك لقوله تعالى: ‏{وَمَا ‏كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (١), وقال ‏(عليه السلام)‏: والله لا ‏يراني الله تعالى وأنا أستعمل معاوية على شيء من أموال المسلمين أبداً ‏إلخ.. (٢).‏

ونقول:‏

تضمن النص المتقدم أموراً عديدة يحسن التذكير بها, وهي التالية:‏

كذبة الحجاج بن خزيمة:‏

إن الحجاج بن خزيمة بن نبهان قد كذب بصورة وقحة وفاجرة، حين ‏قال لمعاوية:‏

إن بني عمك عبد المطلب ‏ قد قتلوا عثمان حقاً لا كذب‏

فأولاً: إن أحداً من بني عبد المطلب لم يشارك في قتل عثمان، ولا حتى ‏في حصاره..‏

بل قد ذكرنا: إصرار الروايات على أن الحسن والحسين ‏(عليهما ‏السلام) قد حاولا الذب عنه.. وأن عثمان هو الذي طلب منهما ‏

١- الآية ٥١ من سورة الكهف.‏

٢- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٢٦٥ ـ ٢٦٧ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٤٦ ـ ٤٤٧.‏

٣٠٥

الإنصراف..‏

ثانياً: إن علياً ‏(عليه السلام) يقول لمعاوية: ‏(ليس الصريح ‏كاللصيق) (١)، فكيف يزعم الحجاج بن خزيمة أن بني عبد المطلب أبناء ‏عم معاوية.‏

ثالثاً: إن نفس الحجاج بن نبهان يصرح بعد إنشاده هذا الشعر مباشرة، ‏وفي نفس ذلك المجلس بما ينقض كلامه هذا، حيث قال له معاوية بعد أن ‏أنشده أبياته تلك: ويحك، قد بلغني قتل عثمان، ولكن هل شهدت المدينة ‏يوم قتل؟!‏

فقال: نعم والله، لقد شهدت ذلك اليوم.‏

فقال: أخبرني، من تولى قتله؟!‏

فقال: على الخبير سقطت! حصره [قيس بن] المكشوح المرادي. وحكم ‏في دمه حكيم بن جبلة. وهجم عليه محمد بن أبي بكر، والأشتر النخعي، ‏

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٣ ص١٧ الكتاب رقم ١٧ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٦١ وبحار ‏الأنوار ج٣٣ ص١٠٥ و ١٠٦ و ١٠٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٥ ص١١٧ ومستدرك سفينة ‏البحار ج١ ص٢٢٨ وج٦ ص٥٧٣ وتذكرة الخواص ص٩ وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٤٩ وفلك ‏النجاة لفتح الدين الحنفي ص٥٠ والغدير ج٣ ص٢٥٤ وج١٠ ص١٥١ عنهم، وعن: ربيع الأبرار ‏للزمخشري باب ٦٦، وعن مروج الذهب ج٢ ص٦٢. وراجع أيضاً: مناقب الخوارزمي الحنفي ‏ص١٨٠.‏

٣٠٦

وعمار بن ياسر، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسودان بن حمران، وكنانة بن ‏بشر، وجماعة لا أقف على أسمائهم.‏

وكانت ثم أبحاث لا أحب ذكرها من رجلين، دبوا في ذلك ومشوا، ‏وحرضوا على قتله (١).‏

فلم يذكر الحجاج أحداً من بني عبد المطلب قد شارك في قتل عثمان ‏بقولٍ أو بفعلٍ، أو إشارة، أو تحريض أو غير ذلك، فكيف نفسر قوله: أن ‏بني عمك عبد المطلب، قد قتلوا عثمان؟!‏

وإن كان من بين من ذكرهم من هو من محبي علي ‏(عليه السلام)‏، ‏فذلك:‏

أولاً: لا يعني دقة كلامه أو صحته.‏

ثانياً: هو لا يعني أنه ‏(عليه السلام) قد شاركهم في فعلهم هذا، فإن ‏النجاشي الشاعر مثلاً كان ينصر علياً ‏(عليه السلام) في شعره. ولكنه قد ‏شرب الخمر، فجلده علي ‏(عليه السلام) حتى فر إلى معاوية.‏

فهل يصح أن يقال: إن علياً ‏(عليه السلام) قد رضي أو أعان النجاشي ‏على شربه الخمر؟!‏

ويلاحظ في هذا النص: أن الحجاج قد أشار إلى طلحة والزبير الذين ‏

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٢٦٣ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٤٥ وأعيان الشيعة ج٦ ص٣٢٧ ووقعة ‏صفين للمنقري ص٦٥ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص١١١ والغدير ج٩ ص١٤٨.‏

٣٠٧

دبا في قتل عثمان، ومشيا وحرضا على قتله ـ لكنه لم يصرح باسمهما، بل ‏صرح بأنه لا يحب ذكر الأبحاث التي جرت منهما.‏

ولكنه يصرح باتهام الأبرياء الذين لم يكن لهم أية مشاركة في هذا الأمر ‏على الإطلاق!!‏

معاوية يعترف بقعوده عن عثمان:‏

‏١ ـ وقد سجل معاوية اعترافه بأنه قعد عن نصرة عثمان، وبأنه ‏استغاث به فلم يجبه.. فلا مجال لادعاء معاوية عدم معرفته بما جرى لعثمان ‏إلا بعد فوات الأوان..‏

كما أن هذا الإقرار يدل على أنه لا يستطيع أن يدعي انه كان يتوهم أن ‏عثمان لم يكن بحاجة إلى معونة وإغاثة.. أو أن يقول: إنه لم يكن يظن أن ‏الأمور تبلغ به إلى هذا الحد..‏

ويأتي هنا السؤال الوجيه عن سبب تخاذل معاوية عن نصرة عثمان، ألم ‏يكن السبب هو أنه يرى أن من مصلحته قتل عثمان، ليجعله ذريعة إلى ‏الرياسة والخلافة، إذا اختلف أهل المدينة في من يختارونه لها، وإن اختاروا ‏أياً كان من الناس، فإن التهمة بقتل عثمان ستكون جاهزة، سواء أكانت ‏تهمة بحق، كما لو كان طلحة والزبير، وحتى سعد بن أبي وقاص هو الذي ‏بويع، أو كانت بباطل كما لو كان الذي يبايعونه هو علي ‏(عليه السلام)‏.. ‏وقد تحدثنا عن دلائل خذلان معاوية لعثمان في موضع آخر من هذا ‏الكتاب..‏

٣٠٨

‏٢ ـ غير أننا لا نظن أن معاوية كان صادقاً في دعواه الندم على قعوده ‏عن نصرة عثمان، ولكنه في إظهاره الندم كان يتأسى بطلحة والزبقير ‏وعائشة حين أظهروا الندم على ما فعلوه بعثمان، فأراد معاوية بهذا الإظهار ‏تهيئة الأجواء للقيام ضد علي ‏(عليه السلام)‏، وإظهار الندم على تقصيره في ‏حق ابن عمه المقتول بممالأة أو مشاركة من علي ‏(عليه السلام) على حد ‏زعمه..‏

وبتعبير آخر: إن معاوية يريد أن يقول للبسطاء والسذج أنه ولي دم ‏عثمان، وأنه حين قتل لم يتمكن من نصرته، لبعد المسافات بينه وبينه..‏

ويريد أن يقول لمن يعرف بتخاذله عن نصرته أنه قد ندم وتاب، ويريد ‏أن يكفر عن هذا التقصير الذي صدر منه بالسعي للانتقام من قاتله. تماماً ‏كما فعل طلحة والزبير حين نكثا وحاربا علياً ‏(عليه السلام)‏.‏

فانظر كيف تشابهت قلوبهم، وكيف تلاقت أفكارهم، وعند الله ‏مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.‏

يقولون إذا قلت، ويسألون إذا سألت:‏

وقد حرض الحجاج بن خزيمة معاوية على حرب علي ‏(عليه السلام) ‏مطمئناً له بأنه سينتصر عليه، لأن أهل الشام يطيعون معاوية بلا سؤال أو ‏جواب.‏

أما الذين مع علي ‏(عليه السلام)‏، فهم يقولون إذا قال، ويسألون إذا ‏أمر..‏

ونود توضيح ذلك ضمن الفقرات التالية:‏

‏١ ـ لا شك في أن معاوية لم يكن يعطي الناس حرية إبداء الرأي لأي ‏كان من الناس، وما كان ليجيز لأحدٍ أن يسأله عن مبررات قراراته، كما أنه ‏

٣٠٩

لم يكن ليسمح لأحد بأن يعارضه فيما يقول.. وهذه هي سمة الملوك ‏والحكام الطغاة الظلمة في ذلك العصر، وما سبقه ولحقه. فإن الناس كانوا ‏يعرفون بأن عليهم البخوع، والخضوع، والتسليم لقراراتهم، وأحكامهم.. ‏وإلا فإن عليهم أن ينتظروا منهم العقاب الأليم، والبلاء العظيم..‏

‏٢ ـ وكان الناس يعلمون أيضاً: أن بطش الحكام بمن يعارضهم، ‏وصبرهم على من يناقشهم، ويتصدى لهم.. ليس له حقيقة ولا واقع، فإن ‏الحاكم إذا أغضى عن شيء من ذلك، فإنما هو لظروف فرضت عليه ذلك، ‏فهو بالنتيجة إغضاء ماكر لا يفوته المراد، وكاسر لا يخاف رب العباد..‏

‏٣ ـ إن الكوفة والبصرة كانتا بمثابة معسكرين تجتمع فيهما الجيوش ‏التي كانت تغزو بلاد فارس، وهما خليط من قبائل شتى، تكون بينهم ‏مناكفات، ومنافسات، وعداوات، وربما ثارات.‏

وقد تركت تلك الحروب التي خاضوها أيضاً الآثار المختلفة عليهم: ‏في مطامعهم وطموحاتهم، وفي أوضاعهم الاقتصادية، والأسرية، ‏والنفسية، وفي علاقاتهم الاجتماعية، وما إلى ذلك.‏

أما قادة تلك الحروب فهم أناس آخرون، تؤيدهم وتدعمهم السلطة ‏المركزية، وتعتمد عليهم، وتركن إليهم، والصحابة من أولئك القادة كانوا ‏يستطيلون على الناس بصحبتهم لرسول الله، أو بكونهم من قريش، أو ‏بقرابتهم من هذا الخليفة أو ذاك.‏

وكان كل همِّهم هو الحصول على الدنيا، باسم الدين، ويلبسون لباس ‏الإسلام، ويمارسون سنن الجاهلية، وقد وجد الناس أن ممارسات هؤلاء ‏

٣١٠

تضر بمصالحهم وتزيد من معاناتهم، فكانت أصواتهم تعلوا بالاعتراض، ‏فيواجهون بالقمع والأذى..‏

فكان ما كان مما جرى لعثمان، لأسباب عديدة، منها سياسات عماله. ‏كما ذكرناه أكثر من مرة.‏

أما الشام، فقد كانت في حكم بني أمية طيلة حوالي أربعة قرون، وقد ‏طبعها معاوية بطابعه، وهيمن عليها بأساليبه، ولم يوقفه عن تحقيق مطامحه ‏وأهوائه حق يضيع، ولا أحجم عن باطل، بل أراد له أن يترسخ ويشيع.‏

فوافق حكمه هوى أهل الباطل في تلك البلاد، وما أكثر هؤلاء بين ‏رؤساء القبائل، والأوباش والأراذل، وأحاطه المنتفعون به ومنه بالرعاية ‏والتأييد، ودافعوا عنه بالنار وبالحديد.‏

‏٤ ـ من أجل هذا وذاك كان أهل الشام لا يقولون إذا قال له معاوية، ‏ولا يسألون إذا أمر.‏

أما أهل العراق. فقد عرفنا حالهم وما انتهى إليه أمرهم مع السابقين ‏على علي ‏(عليه السلام)‏..‏

وحين جاءتهم خلافة أمير المؤمنين ‏(صلوات الله وسلامه عليه)‏، ‏وجدوا أن سياسته تقوم على الحق والعدل.. وظهر لهم أنه ‏(عليه السلام) ‏يفسح لهم المجال ليسألوا عن مبررات كل أمر يصدره، وأن يعلنوا رأيهم، ‏ويقولوا ما يدور بخلدهم، حتى حينما يقول ‏(عليه السلام)‏.. فكان أن ‏أسرف بعضهم في الاستفادة من هذه السياسة العلوية.. إلى حد الإخلال ‏بوظائفهم، وتناول ما ليس لهم..‏

٣١١

‏٥ ـ والسبب في ذلك: أنهم ظنوا أو زينت لهم أنفسهم: أن هذا الحق ‏ثابت لهم على كل حال، وقد غاب عن بالهم: أن هذا الحق ثابت لهم مع ‏الحكام والمتسلطين من أهل الدنيا.. أما الأنبياء، وأوصياؤهم، فلا يحق لهم ‏الاعتراض عليهم، لأنهم إنما يجرون فيهم حكم الله تعالى، وينفذون ‏السياسات الربانية في العباد والبلاد. فقد قال تعالى ‏{أَطِيعُوا اللهَ ‏وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (١). وأولوا الأمر هم ‏الأئمة الطاهرون ‏(عليهم السلام) (٢) لا مطلق من تسلط وقهر، وتسلط ‏وتجبر..‏

وقال تعالى: ‏{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ ‏أَمْرًا أَنْ ‏

١- الآية ٥٩ من سورة النساء.‏

٢- راجع: الإمامة والتبصرة ص١٣٣ و ١٣٤ والكافي ج١ ص١٨٩ و ٢٧٦ ودعائم الإسلام ج١ ص٢٤ و ‏‏٢٥ وعيون أخبار الرضا ج١ ص١٣٩ وكمال الدين وتمام النعمة ص٢٢٢ ومصباح البلاغة (مستدرك ‏نهج البلاغة) ج٤ ص٦٣ وشرح الأخبار ج٣ ص٢٩٩ ودلائل الامامة ص٤٣٦ والإفصاح للشيخ ‏المفيد ص٢٨ ومناقب آل أبي طالب ج٣ ص٣٧٣ وبحار الأنوار ج٢٣ ص٢٨٤ وج٢٣ ص٢٨٦ و ‏‏٢٨٨ و ٢٩٣ وج٤٧ ص٢٩ ومسند الإمام الرضا ج١ ص١٠٨ ونهج السعادة ج٤ ص١٤٩ وتفسير ‏العياشي ج١ ص٣٢٨ و ٣٢٩ وتفسير نور الثقلين ج١ ص٤٩٩ و ٥٠٠ و ٥٠٥ و ٥٠٧ وج٢ ص٤٩٢ ‏وتفسير كنز الدقائق ج٢ ص٤٩٤ و ٤٩٥ و ٥٠٠ و ٥٠٦ وتفسير الميزان ج٤ ص٤١٠.‏

٣١٢

يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (١).‏

وقال: ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ‏وَرَسُولِهِ} (٢).‏

وقال سبحانه ‏{وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ‏فَانْتَهُوا} (٣).‏

وقد علم الكثيرون من الناس، وشاع وذاع، وطرق الكثير من الأسماع ‏نبأ بيعة الغدير لأمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏. وأنه وصي النبي ‏(صلى الله ‏عليه وآله) والإمام من بعده. وأن طاعته طاعة للنبي ‏(صلى الله عليه وآله) ‏والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة، بل فوق حد التواتر.‏

وعرف الناس وسمعوا أو رأوا كيف أخذ الناس الخلافة منهم بالقوة ‏والقهر، ولم يخف على أحد ما جرى عليه وعلى الزهراء ‏(عليهما السلام)‏، ‏وإسقاط جنينها، وضربها، ومحاولة إحراق بيتهم عليهم، وعرف الكثيرون ‏منهم أيضاً بعض ما جرى لرسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) في مرض موته، ‏مثل امتناعهم عن تقديم الكتف والدواة له ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا ‏بعده، وقول بعضهم: إن النبي ليهجر، أو غلبه الوجع.‏

بالإضافة إلى امتناعهم عن تجهيز جيش أسامة، وقضية الصلاة ‏بالناس، حيث بادر ‏(صلى الله عليه وآله) إلى عزل من تصدى للصلاة.. ‏وغير ذلك من أمور.. فإن ذلك كله يشير إلى أن الإمامة قد أخذت بالقوة ‏

١-‎الآية ٣٦ من سورة الأحزاب.‏

٢- الآية الأولى من سورة الحجرات.‏

٣- الآية ٧ من سورة الحشر.‏

٣١٣

من أهلها. وأزيحت عن محلها..‏

ومن المعلوم: أن طاعة الإمام المنصوب من الله ورسوله واجبة، سواء ‏أخذ منه حقه أو أعطي له، ويكون الاعتراض عليه اعتراض على الله ‏ورسوله، وتخطئة له، ولله ورسوله أيضاً..‏

وهذا يؤكد حقيقة: أنه كان يجب على الناس أن يعاملوا علياً ‏(عليه ‏السلام) كما يعاملون رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏، لا كسائر الحكام ‏الزمنيين من أهل الدنيا..‏

قليل من مع معاوية خير من كثير مع علي ‏(عليه ‏السلام)‏:‏

أما بالنسبة لقول الحجاج بن خزيمة: قليل من معك خير من كثير من ‏مع علي ‏(عليه السلام)‏.. فهو صحيح من جهة، وباطل من جهة أخرى..‏

هو صحيح إذا لم يكن هناك دين وقيم ومبادئ وآخرة، بل كان ‏الأساس هو المصالح الدنيوية والشهوات والأغراض الشخصية، وإذا كان ‏المعيار هو الوصول إلى الأغراض الشخصية بأية وسيلة كانت، حتى لو كان ‏ثمن ذلك هو ارتكاب أعظم الفواحش، والموبقات. بما في ذلك سفك دماء ‏الأبرياء، وتضييع مستقبل الأمة، وهدم أركان الدين..‏

وهو باطل إذا كان المعيار هو الاستقامة على طريق الحق، وإزهاق ‏الباطل. فالذين مع علي ‏(عليه السلام) وإن كان يخطئون في أسلوب ‏تعاملهم مع أمير المؤمنين ‏(عليه السلام) لعدم معرفتهم أو لقلة مبالاتهم ‏بمراعاة شؤون إمامته.. ولكنهم مصيبون في وقوفهم إلى جانب الحق، ‏

٣١٤

ونصرتهم له، وسعيهم في إزهاق الباطل.‏

وخطؤهم وتقصيرهم في تلك الجهة لا يذهب بفضيلتهم الكبرى هذه، ‏وإن كان المطلوب هو تصحيح ذلك الخطأ، وإزالة ذلك النقص.‏

وهو صحيح إذا كان مراده مقايسة العصاة كالخوارج في جيش الإمام ‏بالمطيعين طاعة عمياء من جيش معاوية، خصوصاً وأنهم لا يعترضون ولا ‏يسألون، وهو ما عبر عنه الإمام علي ‏(عليه السلام) في إحدى خطبه: ‏‏(صاحبكم (إمامكم) يطيع الله وأنتم تعصونه. وصاحب (وإمام) أهل ‏الشام يعصي الله وهم يطيعونه، لوددت والله أن معاوية صارفني بكم ‏صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم) (١).‏

وقوله ‏(عليه السلام)‏: ‏(أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني ‏فراس بن غنم) (٢).‏

وقوله ‏(عليه السلام)‏: ‏(والله لوددت أن لي بكل عشرة منكم رجلاً من ‏

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص١٨٨ والإرشاد للمفيد ج١ ص٢٨٠ والاحتجاج للطبرسي ج١ ‏ص٢٥٥ وبحار الأنوار ج٣٤ ص٨١ و ١٣٧ والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص٧٣٢ ونهج ‏السعادة ج٢ ص٥٧٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٧ ص٧٠.‏

٢- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٦٥ وبحار الأنوار ج٣٤ ص١٦٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ‏ص٣٣٣.‏

٣١٥