×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج21 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

الفصل الثاني:‏

تاريخ علي ‏(عليه السلام) في حوار مع رأس ‏اليهود..‏

٢٢
٢٣

بداية توضيحية:‏

إننا نذكر هنا حواراً جرى بين أمير المؤمنين ‏(عليه السلام) ورأس ‏اليهود. وهذا الحوار وإن كان قد حصل ـ حسبما ورد في الرواية ـ بعد ‏حرب النهروان، أي في أواخر حياة الإمام أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏..‏

ولكننا أحببنا أن نورده هنا، لأنه يعطي لمحة واسعة، وتصوراً شاملاً لما ‏عاناه ‏(عليه السلام) في حياته الرسالية والنضالية.. ويتضمن أموراً تحتاج ‏إلى بعض التوضيح والبيان..‏

وقد أفردنا النص هنا في فصل مستقل، ثم عقبناه بفصل آخر للتوضيح ‏والبيان، وقد دعانا إلى ذلك أمران:‏

أحدهما: أننا أحببنا أن نمكن القارئ الكريم من اختلاس استراحة، ‏تعطيه المزيد من النشاط لمتابعة البحث..‏

الثاني: أن يكون في حل من متابعة قراءة البيانات والإيضاحات التي ‏نوردها في الفصل الآتي بعد هذه النصوص إذا رأى أنه في غنى عنها..‏

نص الحوار لرواية الصدوق:‏

ونقرأ معاً النص الذي هو محط النظر في الصفحات التالية:‏

٢٤

حدثنا أبي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد ‏الله قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد قال: حدثني جعفر بن محمد ‏النوفلي، عن يعقوب بن يزيد قال: قال أبو عبد الله جعفر بن أحمد بن محمد ‏بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: حدثنا ‏يعقوب بن عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن عمرو بن أبي ‏المقدام، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن محمد بن الحنفية ‏(رضي الله ‏عنه)‏، وعمرو بن أبي المقدام، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر قال:‏

أتى رأس اليهود علي بن أبي طالب ‏(عليه السلام) عند منصرفه عن ‏وقعة النهروان، وهو جالس في مسجد الكوفة، فقال:‏

يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو ‏وصي نبي.‏

قال: سل عما بدا لك يا أخا اليهود؟!‏

قال: إنّا نجد في الكتاب: أن الله عز وجل إذا بعث نبياً أوحى إليه أن ‏يتخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أمته من بعده، وأن يعهد إليهم فيه عهداً ‏يحتذى عليه، ويعمل به في أمته من بعده.‏

وأن الله عز وجل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء، ويمتحنهم بعد ‏وفاتهم. فأخبرني كم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء؟! وكم يمتحنهم ‏بعد وفاتهم من مرة؟!‏

وإلى ما يصير آخر أمر الأوصياء إذا رضي محنتهم؟!‏

فقال له علي ‏(عليه السلام)‏: والله الذي لا إله غيره، الذي فلق البحر ‏

٢٥

لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى ‏(عليه السلام)‏، لئن أخبرتك بحق ‏عما تسأل عنه لتقرن به؟!‏

قال: نعم.‏

قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى ‏(عليه ‏السلام) لئن أجبتك لتسلمن؟!‏

قال: نعم.‏

فقال له علي ‏(عليه السلام)‏: إن الله عز وجل يمتحن الأوصياء في حياة ‏الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم أمر ‏الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، ويصير طاعة ‏الأوصياء في أعناق الأمم ممن يقول بطاعة الأنبياء.‏

ثم يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء ‏(عليهم السلام) في سبعة ‏مواطن ليبلو صبرهم، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة، ليلحقهم ‏بالأنبياء، وقد أكمل لهم السعادة.‏

قال له رأس اليهود: صدقت يا أمير المؤمنين، فأخبرني كم امتحنك الله ‏في حياة محمد من مرة؟! وكم امتحنك بعد وفاته من مرة؟! وإلى ما يصير ‏أخر أمرك؟!‏

فأخذ علي ‏(عليه السلام) بيده وقال: انهض بنا أنبئك بذلك.‏

فقام إليه جماعة من أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أنبئنا بذلك معه.‏

٢٦

فقال: إني أخاف أن لا تحتمله قلوبكم.‏

قالوا: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟!‏

قال: لأمور بدت لي من كثير منكم.‏

فقام إليه الأشتر، فقال: يا أمير المؤمنين، أنبئنا بذلك، فوالله إنا لنعلم ‏أنه ما على ظهر الأرض وصي نبي سواك، وإنّا لنعلم أن الله لا يبعث بعد ‏نبينا ‏(صلى الله عليه وآله) نبياً سواه، وأن طاعتك لفي أعناقنا موصولة ‏بطاعة نبينا.‏

فجلس علي ‏(عليه السلام)‏، وأقبل على اليهودي فقال: يا أخا اليهود، ‏إن الله عز وجل امتحنني في حياة نبينا محمد ‏(صلى الله عليه وآله) في سبعة ‏مواطن، فوجدني فيهن ـ من غير تزكية لنفسي ـ بنعمة الله له مطيعاً.‏

قال: وفيم يا أمير المؤمنين؟!‏

قال: أما أولهن فإن الله عز وجل أوحى إلى نبينا ‏(صلى الله عليه وآله) ‏وحمله الرسالة وأنا أحدث أهل بيتي سناً، أخدمه في بيته، وأسعى في قضاء ‏بين يديه في أمره، فدعا صغير بني عبد المطلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله ‏إلا الله، وأنه رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه وهجروه، ونابذوه ‏واعتزلوه، واجتنبوه وسائر الناس مقصين له ومخالفين عليه، قد استعظموا ‏ما أورده عليهم مما لم تحتمله قلوبهم، وتدركه عقولهم.‏

فأجبت رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) وحدي إلى ما دعا إليه مسرعاً ‏مطيعاً موقناً، لم يتخالجني في ذلك شك، فمكثنا بذلك ثلاث حجج وما على ‏وجه الأرض خلق يصلي أو يشهد لرسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) بما آتاه ‏

٢٧

الله غيري وغير ابنة خويلد ‏(رحمها الله) وقد فعل.‏

ثم أقبل ‏(عليه السلام) على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما الثانية، يا أخا اليهود، فإن قريشاً لم تزل تخيل ‏الآراء، وتعمل الحيل في قتل النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏، حتى كان آخر ما ‏اجتمعت في ذلك يوم الدار ـ دار الندوة ـ وإبليس الملعون حاضر في صورة ‏أعور ثقيف، فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتى اجتمعت آراؤها على ‏أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه، ثم ‏يأتي النبي ‏(صلى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه، فيضربونه جميعاً ‏بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، وإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم ‏تسلمها فيمضي دمه هدراً.‏

فهبط جبرئيل ‏(عليه السلام) على النبي ‏(صلى الله عليه وآله) فأنبأه ‏بذلك، وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها، والساعة التي يأتون فراشه فيها، ‏وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار.‏

فأخبرني رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) بالخبر، وأمرني أن أضطجع في ‏مضجعه، وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له، مسروراً لنفسي بأن ‏أقتل دونه.‏

فمضى ‏(عليه السلام) لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت ‏رجالات قريش موقنة في أنفسها: أن تقتل النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏، فلما ‏استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما ‏

٢٨

قد علمه الله والناس.‏

ثم أقبل ‏(عليه السلام) على أصحابه فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن ابني ربيعة وابن ‏عتبة كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من ‏قريش، فأنهضني رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) مع صاحبي ـ رضي الله ‏عنهما ـ وقد فعل وأنا أحدث أصحابي سناً، وأقلهم للحرب تجربة، فقتل الله ‏عز وجل بيدي وليداً وشيبة، سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك ‏اليوم، وسوى من أسرت، وكان مني أكثر مما كان من أصحابي، واستشهد ‏ابن عمي في ذلك رحمة الله عليه.‏

ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال علي ‏(عليه السلام)‏: وأما الرابعة يا أخا اليهود، فإن أهل مكة ‏أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم، قد استحاشوا [أو استجاشوا] من يليهم من ‏قبايل العرب وقريش، طالبين بثأر مشركي قريش في يوم بدر.‏

فهبط جبرئيل ‏(عليه السلام) على النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏، فأنبأه ‏بذلك، فذهب النبي ‏(صلى الله عليه وآله) وعسكر بأصحابه في سد أحد، ‏وأقبل المشركون إلينا، فحملوا إلينا [لعل الصحيح: علينا] حملة رجل ‏واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممن بقي من الهزيمة، ‏وبقيت مع رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏.‏

٢٩
٣٠

فأنهضني إليه رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏، وعممني بيده، ‏وأعطاني سيفه هذا، وضرب بيده إلى ذي الفقار، فخرجت إليه ونساء أهل ‏المدينة بواك إشفاقاً عليّ من ابن عبد ود، فقتله الله عز وجل بيدي، والعرب ‏لا تعد لها فارساً غيره، وضربني هذه الضربة ـ وأومأ بيده إلى هامته ـ.‏

فهزم الله قريشاً والعرب بذلك، وبما كان مني فيهم من النكاية.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما السادسة يا أخا اليهود، فإنا وردنا مع رسول ‏الله ‏(صلى الله عليه وآله) مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود ‏وفرسانها من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال ‏والسلاح، وهم في أمنع دار، وأكثر عدد، كل ينادي ويدعو ويبادر إلى ‏القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه، حتى إذا احمرت الحدق، ‏ودعيت إلى النزال وأهمت كل امرئ نفسه.‏

والتفت بعض أصحابي إلي بعض وكل يقول: يا أبا الحسن انهض، ‏فأنهضني رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد ‏إلا قتلته، ولا يثبت لي فارس إلا طحنته ثم شددت عليهم شدة الليث على ‏فريسته، حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسدداً عليهم، فاقتلعت باب ‏حصنهم بيدي حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من ‏رجالها، وأسبي من أجد من نسائها حتى أفتتحها وحدي، ولم يكن لي فيها ‏معاون إلا الله وحده.‏

٣١

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما السابعة يا أخا اليهود، فإن رسول الله ‏(صلى ‏الله عليه وآله) لما توجه لفتح مكة أحب أن يعذر إليهم، ويدعوهم إلى الله ‏عز وجل آخراً كما دعاهم أولاً، فكتب إليهم كتاباً يحذرهم فيه وينذرهم ‏عذاب الله، ويعدهم الصفح ويمنيهم مغفرة ربهم، ونسخ لهم في آخره ‏سورة براءة ليقرأها عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضي به، فكلهم ‏يرى التثاقل فيه.‏

فلما رأى ذلك ندب منهم رجلاً، فوجهه به، فأتاه جبرئيل، فقال: يا ‏محمد لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فأنبأني رسول الله ‏(صلى الله ‏عليه وآله) بذلك، ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة، فأتيت مكة ‏وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلا ولو قدر أن يضع على كل جبل ‏مني إرباً لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله.‏

فبلغتهم رسالة النبي ‏(صلى الله عليه وآله) وقرأت عليهم كتابه، فكلهم ‏يلقاني بالتهدد والوعيد، ويبدى لي البغضاء، ويظهر الشحناء من رجالهم ‏ونسائهم، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم.‏

ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: يا أخا اليهود، هذه المواطن التي امتحنني فيها ‏ربي عز وجل مع نبيه ‏(صلى الله عليه وآله)‏، فوجدني فيها كلها بمنه مطيعاً، ‏

٣٢

ليس لأحد فيها مثل الذي لي ولو شئت لوصفت ذلك، ولكن الله عز وجل ‏نهى عن التزكية.‏

فقالوا: يا أمير المؤمنين، صدقت والله، ولقد أعطاك الله عز وجل ‏الفضيلة بالقرابة من نبينا ‏(صلى الله عليه وآله) وسلم، وأسعدك بأن جعلك ‏أخاه، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضلك بالمواقف التي باشرتها، ‏والأهوال التي ركبتها، وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه مما لم تذكره، ومما ‏ليس لأحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منا مع نبينا ‏(صلى الله ‏عليه وآله)‏، ومن شهدك بعده.‏

فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك الله عز وجل به بعد نبينا ‏(صلى الله ‏عليه وآله) فاحتملته وصبرت، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علماً منا ‏به، وظهوراً منا عليه، إلا أنّا نحب أن نسمع منك ذلك، كما سمعنا منك ما ‏امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: يا أخا اليهود، إن الله عز وجل امتحنني بعد وفاة ‏نبيه ‏(صلى الله عليه وآله) في سبعة مواطن فوجدني فيهن ـ من غير تزكية ‏لنفسي ـ منه [لعل الصحيح: بمنِّه] ونعمته صبوراً.‏

وأما أولهن يا أخا اليهود، فإنه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة ‏أحد آنس به أو أعتمد عليه، أو أستنيم إليه، أو أتقرب به غير رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله)‏. هو رباني صغيراً، وبوأني كبيراً، وكفاني العيلة، ‏وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب، ووقاني المكسب. وعال لي النفس ‏والولد والأهل.‏

٣٣

هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني ‏إلى معالي الحق عند الله عز وجل.‏

فنزل بي من وفاة رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) ما لم أكن أظن الجبال ‏لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا ‏يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوي على حمل فادح ما نزل به، قد ‏أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول ‏والإسماع.‏

وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معز يأمر بالصبر، و بين ‏مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم.‏

وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما ‏أمرني به من تجهيزه، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في ‏حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ‏ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة، ولا جزيل مصيبة حتى أديت في ذلك ‏الحق الواجب لله عز وجل ولرسوله ‏(صلى الله عليه وآله) علي، وبلغت منه ‏الذي أمرني به، واحتملته صابراً محتسباً.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏:وأما الثانية يا أخا اليهود، فإن رسول الله‏(صلى الله ‏عليه وآله) أمَّرني في حياته على جميع أمته، وأخذ على جميع من حضره منهم ‏البيعة والسمع والطاعة لأمري، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك.‏

٣٤

فكنت المؤدى إليهم عن رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) أمره إذا ‏حضرته، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا تختلج في نفسي ‏منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبي ‏(صلى الله عليه ‏وآله)‏، ولا بعد وفاته.‏

ثم أمر رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) بتوجيه الجيش الذي وجهه مع ‏أسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه، فلم يدع ‏النبي أحداً من أفناء العرب، ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر ‏الناس، ممن يخاف على نقضه ومنازعته، ولا أحداً ممن يراني بعين البغضاء ‏ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش، ولا من ‏المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم، والمؤلفة قلوبهم والمنافقين، ‏لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته، ولئلا يقول قائل شيئاً مما أكرهه، ولا ‏يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيته من بعده.‏

ثم كان آخر ما تكلم به في شيء من أمر أمته أن يمضي جيش أسامة ولا ‏يتخلف عنه أحد ممن أنهض معه، وتقدم في ذلك أشد التقدم، وأوعز فيه ‏أبلغ الإيعاز، وأكد فيه أكثر التأكيد.‏

فلم أشعر بعد أن قبض النبي ‏(صلى الله عليه وآله) إلا برجال من بعث ‏أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا مواضعهم، ‏وخالفوا أمر رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) فيما أنهضهم له وأمرهم به، ‏وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم، والسير معه تحت لوائه، حتى ينفذ لوجهه ‏الذي أنفذه إليه، فخلفوا أميرهم مقيماً في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على ‏

٣٥

الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل لي ولرسوله ‏(صلى الله عليه ‏وآله) في أعناقهم فحلوها، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه.‏

وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجت به أصواتهم واختصت به آراؤهم من ‏غير مناظرة لأحد منا بني عبد المطلب، أو مشاركة في رأي أو استقالة لما في ‏أعناقهم من بيعتي.‏

فعلوا ذلك وأنا برسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) مشغول، وبتجهيزه ‏عن سائر الأشياء مصدود، فإنه كان أهمها، وأحق ما بدئ به منها.‏

فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من ‏عظيم الرزية، وفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف منه إلا الله تبارك وتعالى.‏

فصبرت عليها إذا أتت بعد أختها، على تقاربها وسرعة اتصالها.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما الثالثة يا أخا اليهود، فإن القائم بعد النبي ‏‏(صلى الله عليه وآله) كان يلقاني معتذراً في كل أيامه، ويلوم غيره (١) ما ‏ارتكبه من أخذ حقي، ونقض بيعتي وسألني تحليله.‏

فكنت أقول: تنقضي أيامه، ثم يرجع إلي حقي الذي جعله الله لي عفواً ‏هنيئاً من غير أن أحدث في الإسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثاً ‏في طلب حقي بمنازعة، لعل فلاناً يقول فيها: نعم، وفلاناً يقول: لا، فيؤول ‏

١- لعل الصواب إضافة كلمة (على).‏

٣٦

ذلك من القول إلى الفعل.‏

وجماعة من خواص أصحاب محمد ‏(صلى الله عليه وآله) أعرفهم ‏بالنصح لله، ولرسوله، ولكتابه، ودينه الإسلام، يأتوني عوداً وبدءاً، ‏وعلانية وسراً، فيدعوني إلى أخذ حقي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي، ليؤدوا ‏إلي بذلك بيعتي في أعناقهم، فأقول: رويداً وصبراً، لعل الله يأتيني بذلك ‏عفواً بلا منازعة، ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة ‏النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل، فقال ‏كل قوم: منا أمير.‏

وما طمع القائلون في ذلك إلا لتناول غيري الأمر.‏

فلما دنت وفاة القائم، وانقضت أيامه صير الأمر بعده لصاحبه، ‏فكانت هذه أخت أختها، ومحلها مني مثل محلها، وأخذا مني ما جعله الله ‏لي.‏

فاجتمع إليَّ من أصحاب محمد ‏(صلى الله عليه وآله) ممن مضى وممن ‏بقي، ممن أخره الله من اجتمع، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا في أختها، فلم ‏يَعْدُ قولي الثاني قولي الأول صبراً واحتساباً، ويقيناً وإشفاقاً من أن تفنى ‏عصبة تألفهم رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) باللين مرة، وبالشدة أخرى، ‏وبالنُّذُرِ مرة، وبالسيف أخرى، حتى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس ‏في الكر والفرار، والشبع والري، واللباس والوطاء والدثار، ونحن أهل ‏بيت محمد ‏(صلى الله عليه وآله) لا سقوف لبيوتنا، ولا أبواب ولا ستور إلا ‏الجرائد، وما أشبهها، ولا وطاء لنا ولا دثار علينا، يتداول الثوب الواحد ‏في الصلاة أكثرنا، ونطوي الليالي والأيام عامتنا، وربما أتانا الشيء مما أفاءه ‏

٣٧

الله علينا، وصيره لنا خاصة دون غيرنا، ونحن على ما وصفت من حالنا، ‏فيؤثر به رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) أرباب النعم والأموال تألفاً منه ‏لهم.‏

فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألفها رسول الله ‏(صلى الله ‏عليه وآله)‏، ولم يحملها على الخطة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو ‏فناء آجالها، لأني لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا مني وفي أمري ‏على إحدى منزلتين إما متبع مقاتل، وإما مقتول إن لم يتبع الجميع، وإما ‏خاذل يكفر بخذلانه إن قصر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي.‏

وقد علم الله أني منه بمنزلة هارون من موسى، يحل به في مخالفتي، ‏والامساك عن نصرتي ما أحل قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك ‏طاعته.‏

ورأيت تجرع الغصص، ورد أنفاس الصعداء، ولزوم الصبر حتى يفتح ‏الله، أو يقضى بما أحب، أزيد لي في حظي، وأرفق بالعصابة التي وصفت ‏أمرهم ‏{وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (١).‏

ولو لم أتق هذه الحالة ـ يا أخا اليهود ـ ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن ‏طلبه، لعلم من مضى من أصحاب رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏، ومن ‏بحضرتك منه بأني كنت أكثر عدداً، وأعز عشيرة، وأمنع رجالاً، وأطوع ‏أمراً، وأوضح حجة، وأكثر في هذا الدين مناقب وآثاراً لسوابقي، وقرابتي، ‏

١- الآية ٣٨ من سورة الأحزاب.‏

٣٨

ووراثتي، فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، ‏والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها.‏

وقد قبض محمد ‏(صلى الله عليه وآله) وإن ولاية الأمة في يده وفي بيته، ‏لا في يد الأولى تناولوها، ولا في بيوتهم. ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم ‏الرجس وطهرهم تطهيراً أولى بالأمر من بعده من غيرهم في جميع الخصال.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!‏

فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما الرابعة يا أخا اليهود، فإن القائم بعد ‏صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور، فيصدرها عن أمري، ويناظرني في ‏غوامضها فيمضيها عن رأيي، لا أعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي يناظره في ‏ذلك غيري، ولا يطمع في الأمر بعده سواي.‏

فلما (أن) أتته منيته على فجأة بلا مرض كان قبله، ولا أمر كان أمضاه ‏في صحة من بدنه لم أشك أني قد استرجعت حقي في عافية بالمنزلة التي ‏كنت أطلبها، والعاقبة التي كنت ألتمسها، وأن الله سيأتي بذلك على أحسن ‏ما رجوت، وأفضل ما أملت.‏

وكان من فعله: أن ختم أمره بأن سمى قوماً أنا سادسهم، ولم يستوني ‏بواحد منهم، ولا ذكر لي حالاً في وراثة الرسول، ولا قرابة، ولا صهر، ولا ‏نسب، ولا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي، ولا أثر من آثاري.‏

وصيرها شورى بيننا، وصير ابنه فيها حاكماً علينا، وأمره أن يضرب ‏أعناق النفر الستة الذين صير الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره.‏

٣٩

وكفى بالصبر على هذا ـ يا أخا اليهود ـ صبراً، فمكث القوم أيامهم ‏كلها كل يخطب لنفسه، وأنا ممسك عن أن سألوني عن أمري، فناظرتهم في ‏أيامي وأيامهم، وآثاري وآثارهم، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه ‏استحقاقي لها دونهم، وذكرتهم عهد رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) إليهم، ‏وتأكيد ما أكده من البيعة لي في أعناقهم، دعاهم حب الإمارة، وبسط ‏الأيدي والألسن في الأمر والنهي، والركون إلى الدنيا، والاقتداء بالماضين ‏قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله لهم.‏

فإذا خلوت بالواحد ذكرته أيام الله، وحذرته ما هو قادم عليه وصائر ‏إليه، التمس مني شرطاً أن أصيرها له بعدي، فلما لم يجدوا عندي إلا المحجة ‏البيضاء، والحمل على كتاب الله عز وجل ووصية الرسول، وإعطاء كل ‏امرئ منهم ما جعله الله له، ومنعه ما لم يجعل الله له، أزالها عني إلى ابن عفان ‏طمعاً في الشحيح معه فيها.‏

وابن عفان رجل لم يستوبه (؟) وبواحد ممن حضره حال قط فضلاً ‏عمن دونهم، لا ببدر التي هي سنام فخرهم، ولا غيرها من المآثر التي أكرم ‏الله بها رسوله ومن اختصه معه من أهل بيته ‏(عليه السلام)‏.‏

ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتى ظهرت ندامتهم، ‏ونكصوا على أعقابهم، وأحال بعضهم على بعض، كل يلوم نفسه ويلوم ‏أصحابه.‏

ثم لم تطل الأيام بالمستبد بالأمر ابن عفان حتى أكفروه، وتبرؤوا منه، ‏ومشى إلى أصحابه خاصة، وسائر أصحاب رسول الله ‏(صلى الله عليه ‏

٤٠