×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج21 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وآله) عامة يستقيلهم من بيعته، ويتوب إلى الله من فلتته.‏

فكانت هذه ـ يا أخا اليهود ـ أكبر من أختها وأفظع، وأحرى أن لا ‏يصبر عليها، فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه، ولا يحد وقته، ولم يكن عندي ‏فيها إلا الصبر على ما أمض وأبلغ منها.‏

ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم، كل راجع عما كان ركب مني، ‏يسألني خلع ابن عفان، والوثوب عليه، وأخذ حقي. ويؤتيني صفقته ‏وبيعته على الموت تحت رايتي، أو يرد الله عز وجل عليَّ حقي، فوالله ـ يا أخا ‏اليهود ـ ما منعني منها إلا الذي منعني من أختيها قبلها، ورأيت الابقاء على ‏من بقي من الطائفة أبهج لي، وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت أني إن حملتها ‏على دعوة الموت ركبته.‏

فأما نفسي فقد علم من حضر ممن ترى ومن غاب من أصحاب محمد ‏‏(صلى الله عليه وآله) أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد ‏الحر من ذي العطش الصدى.‏

ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله ‏(صلى الله عليه وآله) أنا ‏وعمي حمزة وأخي جعفر، وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز وجل ‏ولرسوله، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله عز وجل، فأنزل ‏الله فينا ‏{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ ‏قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا‏} (١) حمزة وجعفر ‏وعبيدة، وأنا والله ‏

١- الآية ٢٣ من سورة الأحزاب.‏

٤١

المنتظر ـ يا أخ اليهود ـ وما بدلت تبديلاً.‏

وما سكّتني عن ابن عفان، وحثّني على الامساك عنه إلا أني عرفت من ‏أخلاقه فيما اختبرت منه بما لن يدعه حتى يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه، ‏فضلا عن الأقارب وأنا في عزلة.‏

فصبرت حتى كان ذلك، لم أنطق فيه بحرف من ‏(لا)‏، ولا ‏(نعم)‏.‏

ثم أتاني القوم وأنا ـ عَلِمَ الله ـ كاره لمعرفتي بما تطاعموا به من اعتقال ‏الأموال والمرح في الأرض، وعلمهم بأن تلك ليست لهم عندي، وشديد ‏عادة منتزعة، فلما لم يجدوا عندي تعللوا الأعاليل.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم ‏يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي، وأنا ولي أمرها، والوصي عليها، ‏فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال، وأقبلوا بها تخبط الفيافي، ‏وتقطع البراري، وتنبح عليها كلاب الحوأب، وتظهر لهم علامات الندم في ‏كل ساعة وعند كل حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في ‏حياة النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏، حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم، طويلة ‏لحاهم، قليلة عقولهم، عازبة آراؤهم، وهم جيران بدو، ورواد بحر، ‏فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم، ويرمون بسهامهم بغير فهم.‏

فوقفت من أمرهم على اثنتين، كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم ‏يرجع ولم يعقل، وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت.‏

٤٢

فقدمت الحجة بالأعذار والانذار، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، ‏والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي، والترك لنقضهم عهد الله عز ‏وجل فيَّ، وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم ‏فرجع، وذكّرت فذكر.‏

ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلا جهلاً، وتمادياً وغياً.‏

فلما أبوا إلا هي، ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة، وبهم الهزيمة، ‏ولهم الحسرة، وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بداً، ‏ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أولاً من ‏الاغضاء والامساك، ورأيتني إن أمسكت كنت معيناً لهم علي بإمساكي على ‏ما صاروا إليه، وطمعوا فيه من تناول الأطراف، وسفك الدماء وقتل ‏الرعية، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال، كعادة ‏بنى الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية، فأصير إلى ما كرهت ‏أولاً وآخراً، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من ‏الناس، ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت، وتأنيت وراجعت، ‏وأرسلت وسافرت [وشافهت]، وأعذرت، وأنذرت، وأعطيت القوم كل ‏شيء يلتمسوه بعد أن عرضت عليهم كل شيء لم يلتمسوه.‏

فلما أبوا إلا تلك، أقدمت عليها، فبلغ الله بي وبهم ما أراد، وكان لي ‏عليهم بما كان مني إليهم شهيداً.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

٤٣

فقال‏(عليه السلام)‏: وأما السادسة يا أخا اليهود فتحكيمهم ‏‏[الحكمين]، ومحاربة ابن آكلة الأكباد، وهو طليق، معاند لله عز وجل، ‏ولرسوله والمؤمنين منذ بعث الله محمداً إلى أن فتح الله عليه مكة عنوة.‏

فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم، وفي ثلاثة مواطن بعده، ‏وأبوه بالأمس أول من سلم علي بإمرة المؤمنين، وجعل يحثني على النهوض ‏في أخذ حقي من الماضين قبلي، ويجدد لي بيعته كلما أتاني.‏

وأعجب العجب أنه لما رأى ربي تبارك وتعالى قد رد إلي حقي وأقره في ‏معدنه، وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعاً، وفي أمانة حملناها حاكماً، ‏كر على العاصي بن العاص فاستماله، فمال إليه، ثم أقبل به بعد أن أطعمه ‏مصر، وحرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهماً، وحرام على ‏الراعي إيصال درهم إليه فوق حقه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأها ‏بالغشم، فمن بايعه أرضاه، ومن خالفه ناواه.‏

ثم توجه إلي ناكثاً علينا مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً، ويميناً وشمالاً، ‏والأنباء تأتيني والأخبار ترد علي بذلك.‏

فأتاني أعور ثقيف، فأشار علي أن أوليه البلاد التي هو بها لا داريه بما ‏أوليه، منها.‏

وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند الله عز وجل في ‏توليته لي مخرجاً، وأصبت لنفسي في ذلك عذراً، فأعملت الرأي في ذلك، ‏وشاورت من أثق بنصيحته لله عز وجل ولرسوله ‏(صلى الله عليه وآله) ولي ‏وللمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي، ينهاني عن توليته، ‏

٤٤

ويحذرني أن أدخل في أمر المسلمين يده، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين ‏عضداً.‏

فوجهت إليه أخا بجيلة مرة، وأخا الأشعريين مرة، كلاهما ركن إلى ‏الدنيا وتابع هواه فيما أرضاه.‏

فلما لم أراه [كذا] يزداد فيما انتهك من محارم الله إلا تماديا شاورت من ‏معي من أصحاب محمد ‏(صلى الله عليه وآله) البدريين والذين ارتضى الله ‏عز وجل أمرهم، ورضي عنهم بعد بيعتهم، وغيرهم من صلحاء المسلمين ‏والتابعين، فكل يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته، ومنعه مما نالت يده، ‏وإني نهضت إليه بأصحابي، أنفذ إليه من كل موضع كتبي، وأوجه إليه ‏رسلي، أدعوه إلى الرجوع عما هو فيه، والدخول فيما فيه الناس معي.‏

فكتب يتحكم علي، ويتمنى علي الأماني، ويشترط علي شروطاً لا ‏يرضاها الله عز وجل ورسوله ولا المسلمون، ويشترط في بعضها: أن أدفع ‏إليه أقواماً من أصحاب محمد ‏(صلى الله عليه وآله) أبراراً، فيهم عمار بن ‏ياسر، وأين مثل عمار؟! والله لقد رأيتنا مع النبي ‏(صلى الله عليه وآله) وما ‏يعد منا خمسة إلا كان سادسهم، ولا أربعة إلا كان خامسهم ـ اشترط ‏دفعهم إليه ـ ليقتلهم ويصلبهم، وانتحل دم عثمان، ولعمرو الله ما ألب على ‏عثمان ولا جمع الناس على قتله إلا هو وأشباهه من أهل بيته أغصان الشجرة ‏الملعونة في القرآن.‏

فلما لم أجب إلى ما اشترط من ذلك كرَّ مستعلياً في نفسه بطغيانه وبغيه، ‏بحمير لا عقول لهم ولا بصائر، فموه لهم أمراً فاتبعوه، وأعطاهم من الدنيا ‏

٤٥

ما أمالهم به إليه.‏

فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عز وجل بعد الاعذار والانذار.‏

فلما لم يزده ذلك إلا تمادياً وبغياً لقيناه بعادة الله التي عودناه من النصر ‏على أعدائه وعدونا، وراية رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) بأيدينا، لم يزل ‏الله تبارك وتعالى يفل حزب الشيطان بها حتى يقضي الموت عليه، وهو معلم ‏رايات أبيه التي لم أزل أقاتلها مع رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) في كل ‏المواطن، فلم يجد من الموت منجى إلا الهرب فركب فرسه وقلب رايته، لا ‏يدري كيف يحتال.‏

فاستعان برأي ابن العاص، فأشار إليه بإظهار المصاحف ورفعها على ‏الاعلام والدعاء إلى ما فيها، وقال: إن ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ‏ورحمة وبقياً. وقد دعوك إلى كتاب الله أولاً وهم مجيبوك إليه آخراً، فأطاعه ‏فيما أشار به عليه إذ رأى أنه لا منجى له من القتل أو الهرب غيره، فرفع ‏المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من ‏أصحابي بعد فناء أخيارهم، وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على ‏بصائرهم، وظنوا أن ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى ‏دعوته، وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أن ذلك منه مكر، ومن ابن ‏العاص معه، وأنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي ولم ‏يطيعوا أمري، وأبوا إلا إجابته كرهت أم هويت، شئت أو أبيت، حتى أخذ ‏بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان، أو ادفعوه إلى ابن هند ‏برمته.‏

٤٦

فجهدت ـ علم الله جهدي ـ ولم أدع علة في نفسي إلا بلغتها في أن ‏يخلوني ورأيي فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ‏ركضة الفرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ ـ وأومأ بيده إلى الأشتر ـ ‏وعصبة من أهل بيتي.‏

فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان ـ وأومأ ‏بيده إلى الحسن والحسين ‏(عليهما السلام) ـ فينقطع نسل رسول الله ‏(صلى ‏الله عليه وآله) وذريته من أمته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا ـ وأومأ بيده إلى ‏عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما ـ فإني أعلم لولا مكاني ‏لم يقفا ذلك الموقف.‏

فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عز ‏وجل.‏

فلما رفعنا عن القوم سيوفنا تحكموا في الأمور وتخيروا الأحكام ‏والآراء، وتركوا المصاحف وما دعوا إليه من حكم القرآن، وما كنت أحكم ‏في دين الله أحداً إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا ‏امتراء.‏

فلما أبوا إلا ذلك أردت أن أحكم رجلاً من أهل بيتي، أو رجلاً ممن ‏أرضى رأيه وعقله، وأثق بنصيحته ومودته ودينه.‏

وأقبلت لا أسمي أحداً إلا امتنع منه ابن هند، ولا أدعوه إلى شيء من ‏الحق إلا أدبر عنه، وأقبل ابن هند يسومنا عسفاً، وما ذاك إلا باتباع أصحابي ‏له على ذلك.‏

٤٧

فلما أبوا إلا غلبتي على التحكم تبرأت إلى الله عز وجل منهم، ‏وفوضت ذلك إليهم فقلدوه امرءاً، فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في ‏شرق الأرض وغربها، وأظهر المخدوع عليها ندماً.‏

ثم أقبل ‏(عليه السلام) على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام) وأما السابعة يا أخا اليهود، فإن رسول الله ‏(صلى ‏الله عليه وآله) كان عهد إلي أن أقاتل في آخر الزمان من أيامي قوماً من ‏أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل، ويتلون الكتاب، يمرقون ‏بخلافهم علي ومحاربتهم إياي من الدين مروق السهم من الرمية، فيهم ذو ‏الثدية. يختم لي بقتلهم بالسعادة.‏

فلما انصرفت إلى موضعي هذا ـ يعني بعد الحكمين ـ أقبل بعض القوم ‏على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين، فلم يجدوا لأنفسهم ‏من ذلك مخرجاً إلا أن قالوا: كان ينبغي لأميرنا أن لا يبايع من أخطأ، وأن ‏يقضى بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منا، فقد كفر بمتابعته إيانا ‏وطاعته لنا في الخطأ، وأحل لنا بذلك قتله، وسفك دمه.‏

فتجمعوا على ذلك، وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى ‏أصواتهم: لا حكم إلا لله.‏

ثم تفرقوا فرقة بالنخيلة، وأخرى بحروراء، وأخرى راكبة رأسها تخبط ‏الأرض شرقاً حتى عبرت دجلة، فلم تمر بمسلم إلا امتحنته، فمن تابعها ‏استحيته، ومن خالفها قتلته.‏

٤٨

فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عز ‏وجل والرجوع إليه، فأبيا إلا السيف لا يقنعهما غير ذلك.‏

فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل، فقتل الله هذه وهذه، ‏وكانوا ـ يا أخا اليهود ـ لولا ما فعلوا لكانوا ركناً قوياً وسداً منيعاً، فأبى الله ‏إلا ما صاروا إليه.‏

ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة، ووجهت رسلي تترى، وكانوا من جلة ‏أصحابي، وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا، فأبت إلا اتباع أختيها، ‏والاحتذاء على مثالهما، وأسرعت في قتل من خالفها من المسلمين، وتتابعت ‏إلي الاخبار بفعلهم.‏

فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة، أوجه السفراء والنصحاء، وأطلب ‏العتبى بجهدي بهذا مرة، وبهذا مرة ـ أومأ بيده إلى الأشتر، والأحنف بن ‏قيس، وسعيد بن قيس الأرحبي والأشعث بن قيس الكندي ـ فلما أبوا إلا ‏تلك ركبتها منهم، فقتلهم الله ـ يا أخا اليهود ـ عن آخرهم، وهم أربعة ‏آلاف أو يزيدون، حتى لم يفلت منهم مخبر.‏

فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى، له ثدي كثدي ‏المرأة.‏

ثم التفت ‏(عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.‏

فقال ‏(عليه السلام)‏: قد وفيت سبعاً وسبعاً يا أخا اليهود، وبقيت ‏الأخرى، وأوشك بها، فكأن قد..‏

فبكى أصحاب علي ‏(عليه السلام) وبكى رأس اليهود وقالوا: يا أمير ‏

٤٩

المؤمنين، أخبرنا بالأخرى.‏

فقال: الأخرى: أن تخضب هذه ـ وأومأ بيده إلى لحيته ـ من هذه ـ أومأ ‏بيده إلى هامته ـ.‏

قال: وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجة والبكاء، ‏حتى لم يبق بالكوفة دار إلا خرج أهلها فزعاً.‏

وأسلم رأس اليهود على يدي علي ‏(عليه السلام) من ساعته، ولم يزل ‏مقيماً حتى قتل أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏، وأخذ ابن ملجم ‏(لعنه الله)‏، ‏فأقبل رأس اليهود حتى وقف على الحسن ‏(عليه السلام)‏، والناس حوله، ‏وابن ملجم ‏(لعنه الله) بين يديه، فقال له: يا أبا محمد اقتله قتله الله، فإني ‏رأيت في الكتب التي أنزلت على موسى ‏(عليه السلام)‏: أن هذا أعظم عند ‏الله عز وجل جرماً من ابن آدم قاتل أخيه، ومن القدار عاقر ناقة ثمود (١).‏

ونقول:‏

إننا ندعو القارئ الكريم إلى متابعة الحديث حول هذه الرواية في ‏الفصل التالي..‏

١- الخصال (مؤسسة النشر الإسلامي سنة ١٤٢٤ هـ ق) ج٢ ص٤٠٠ ـ ٤١٨ و (ط أخرى) ج٢ ص١٤ ـ ‏‏٢٥ و (منشورات جماعة المدرسين سنة ١٤٠٣هـ) ص٣٦٤ ـ ٣٨٢ والاختصاص ص١٦٣ ـ ١٨١ ‏وبحار الأنوار ج٣٨ ص١٦٧ ـ ١٨٤ وحلية الأبرار ج٢ ص٣٥٩ ـ ٣٨١ وغاية المرام ج٤ ص٣١٧.‏

٥٠
٥١

الفصل الثالث:‏

وقفات مع نصوص الفصل السابق..‏
ما كان في زمن رسول الله (صلى الله عليه ‏وآله)‏

٥٢
٥٣

بداية:‏

إن لنا مع نصوص الفصل السابق وقفات كثيرة لا يتبغ لها فصل ‏واحد. لأنه سيكون فصلاً طويلاً ومملاً ومرهقاً للقارئ الكريم، فلا مفر من ‏عقد فصلين، نذكر في أحدهما ما يرتبط بما كان في عهد رسول الله ‏(صلى الله ‏عليه وآله)‏.. ثم نعقبه بفصل آخر نذكر فيه ما يرتبط بما أشار إليه ‏(عليه ‏السلام) من أمور كانت بعد وفاته ‏(صلى الله عليه وآله) إلى الوقت الذي ‏جرى فيه هذا الحوار مع ذلك اليهودي..‏

فأما بالنسبة لما جرى في عهد الرسول ‏(صلى الله عليه وآله)‏، فنذكره ‏ضمن ما يلي من عناوين زمطالب، فنقول:‏

من هو رأس اليهود؟!:‏

ذكرت الرواية المتقدمة في الفصل السابق: أن رأس اليهود هو الذي ‏سأل الإمام ‏(عليه السلام) وسمع الجواب، وأن رأس اليهود هذا قد أسلم ‏من ساعته، وأنه لم يزل مقيماً حتى قتل أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏..‏

ولكن هذه الرواية لم تذكر لنا اسم رأس اليهود هذا، ولا نسبته إلى بلد ‏بعينه.‏

٥٤

كما أن هذا الخبر لم يرو لنا بطرق متعددة، وأسانيد مختلفة، ولم نر اهتماماً ‏بتناقله من قبل الرواة، والمؤرخين، والمؤلفين! فهل جاء ذلك في سياق ‏السعي لطمس آثاره ‏(عليه السلام)‏، والتعمية على أخباره؟! أم ماذا؟!‏

نقول هذا، لأننا وجدنا هذا النص في غاية المتانة والدقة في حكايته لما ‏جرى على أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏، وما تعرض له من أذى، وإقصاء ‏متعمد..‏

كما أنه يظهر: أن الخلفاء الذين سبقوه قد كان لهم السبب الأوفر في ‏إلحاق كثير من الأذى به، وما ناله من حيف.. وأنه إنما صبر على ذلك رغم ‏شدة مرارته، لأنه يريد حفظ الدين، والسلامة للمسلمين..‏

ولعل هذه الصورة الدقيقة هي التي كره الرواة والمؤرخون إظهارها.. ‏ولا نريد أن نقول أكثر من هذا.‏

والحر تكفيه الإشارة..‏

الهداية الإلهية, ضوابط ومعايير:‏

ولا بأس بملاحظة ما يلي:‏

‏١ ـ عرفنا في بعض الفصول السابقة: أن هناك أموراً وحقائق كانت ‏معروفة لدى أهل الأديان على اختلافهم, ومنها: أن لكل نبي وصياً, وأن ‏لدى الأوصياء علوماً خاصة, وحقائق ودقائق, ولطائف ومعارف, ليست ‏لدى سائر الناس، ولا لسائر الناس سبيل إليها, لأنها لا تعرف إلا ‏بالتوقيف والتعريف والبيان الإلهي لهم, إما من خلال الأنبياء, أو بطرق ‏أخرى هيأها لهم، وحباهم الله تعالى بها..‏

٥٥

وهذه المعارف الخاصة هي من وسائل وصولنا إليهم, والتعرف على ‏إمامتهم.‏

وقد كان أهل الكتاب يفدون إلى النبي ‏(صلى الله عليه وآله) والأئمة ‏‏(عليهم السلام) لطرح أسئلتهم الامتحانية، التي كانوا يعرفون الأنبياء ‏والأوصياء من خلالها، فإذا ظهر لهم من أجوبته: أن عنده علم الكتاب، لم ‏يجدوا بداً من التسليم له، والقبول به، وقد قال تعالى: ‏{قُلْ كَفَى ‏بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (١). ودلالة ‏علومهم عليهم كان هو العلامة الفارقة للأئمة الشيعة عبر التاريخ، وحين ‏سئل الخليل بن أحمد عن علي ‏(عليه السلام) قال: ‏(حاجة الكل إليه ‏واستغناؤه عن الكل، دليل على أنه إمام الكل)‏.‏

ولأجل ذلك نرى: أن رأس اليهود يريد هنا أن يعرف خصوصية ‏الإمامة والوصية في علي ‏(عليه السلام) من خلال أسئلته, وأجوبتها التي ‏يتلقاها منه..‏

ولتكن هذه السنَّة هي الوسيلة الهادية لهم إلى الحق, والصدق, مضافة ‏إلى وسائل كثيرة أخرى هيأها الله تعالى لعباده رأفة بهم, ورحمة لهم, وامتناناً ‏وتفضلاً عليهم.‏

‏٢ ـ إن رأس اليهود يذكر لنا: أن كتبهم هي التي حددت لهم قواعد ‏وضوابط وآليات تمكنهم من معرفة الإمام. وأن معرفة الإمام تكون لمن لم ‏

١- الآية ٤٣ من سورة الرعد.‏

٥٦

يدرك النبي ولم يره طريقاً يوصلهم إلى معرفة النبوة, ووسيلة من وسائل ‏إثباتها لهم أيضاً..‏

‏٣ ـ تضمن كلام ذلك اليهودي مواصفات وخصوصيات يتميز بها ‏ذلك الوصي, وهي أنه من أهل بيت النبي المبعوث إلى تلك الأمة التي هو ‏فيها.‏

والكلام في الرواية قد جاء على سبيل ضرب القاعدة، وعاماً لجميع ‏الأنبياء, حيث قال رأس اليهود: ‏(إنّا نجد في الكتاب: أن الله عز وجل إذا ‏بعث نبياً أوحى إليه أن يتخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أمته..) (١).‏

وهذه الخصوصية لا يرضاها من يصرون على نفي الوصاية لعلي, بل ‏قد جرهم ذلك إلى نفي أصل الوصية من النبي ‏(صلى الله عليه وآله) مع أنه ‏هو القائل: ‏(من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية) (٢).‏

١- ولأجل ذلك، ذكر بعض الأخوة: أن هذا هو السبب في إصرار بعضهم على تزويج ابنته من رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله)، وذلك من أجل أن يصبح معدوداً، ولو بهذا المقدار من أهل بين رسول الله (صلى ‏الله عليه وآله).‏

٢- راجع: المقنعة للشيخ المفيد ص٦٦٦ والرسائل العشر للطوسي ص٣١٧ والنهاية للطوسي ص٦٠٤ ‏وغنية النزوع ص٣٠٥ والسرائر ج٣ ص١٨٢وروضة الواعظين ص٤٨٢ ووسائل الشيعة (آل البيت) ‏ج١٩ ص٢٥٩ و (الإسلامية) ج١٣ ص٣٥٢ ومكارم الأخلاق ص٣٦٢ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ‏ص٢٤٦ ومشكاة الأنوار للطبرسي ص٥٨٥ وتفسير مجمع البيان للطبرسي ج١ ص٤٩٤ ونهج الإيمان ‏ص٢٠٨ والمجموع للنووي ج١٥ ص٣٩٩.‏

٥٧

وقد رضوا بما جرى له ‏(عليه السلام) من غصب الخلافة منه بعد ‏الرسول ‏(صلى الله عليه وآله)‏، ولم يرضوا حتى بالسؤال عن مبررات ‏غصب فدك, والاستيلاء على ما تركه الرسول ‏(صلى الله عليه وآله) ‏وورثوها لمن شاؤوا من نسائه.. إلى غير ذلك من أحداث جرت في سياق ‏العدوان على أهل البيت ‏(عليهم السلام)‏، وحرمانهم من حقوقهم. ‏والتحامل عليهم، ونصرة مناوئيهم، وتقويتهم عليهم.‏

‏٤ ـ وذكر أيضاً خصوصية أخرى, وهي: أنه قد يكون للنبي أوصياء ‏متعددون.‏

‏٥ ـ وذكر أيضاً: أن الأمر لا يقتصر على مجرد جعل وصي, بل أضاف ‏إلى ذلك أن النبي يعهد إلى أوصيائه عهداً, يحتذى عليه, ويعمل به في أمته ‏من بعده.‏

وهذه الخصوصية لا يدّعيها غاصبوا الخلافة من علي ‏(عليه السلام) ‏لأنفسهم.‏

‏٦ ـ وخصوصية أخرى تكون للأوصياء، وهي: أن الله تعالى يمتحنهم ‏في حياة الأنبياء ويمتحنهم أيضاً بعد وفاة أولئك الأنبياء.‏

‏٧ ـ وبيَّن أن هذا الإمتحان محصور بعدد معين من المرات في حياة ‏الأنبياء وعدد معين أيضاً بعد وفاتهم أيضاً..‏

‏٨ ـ كما أن للأوصياء نهاية ذات خصوصية محددة ومعروفة, وهي أنهم ‏يموتون قتلاً..‏

‏٩ ـ إنه ‏(عليه السلام) قد ذكر أن امتحان الأوصياء في هذه المواطن ‏

٥٨

السبعة في حياة الأنبياء إنما هو ليبلو صبرهم. فهو امتحان بلاء، لإظهار ‏ملكاتهم وقدراتهم التي تؤهلهم للمقام الذي يريد أن يمنحهم إياه. وليؤكد ‏قناعة الناس بهذه الحقيقة من خلال الوقائع رفقاً منه بهم.‏

‏١٠ ـ ثم إن قوله ‏(عليه السلام)‏: ‏(فإذا رضي طاعتهم ومحبتهم أمر ‏الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم) قد دل على أن ‏المطلوب هو النجاح في الامتحان الذي يتجلى بنيل رضا الله تعالى بطاعتهم ‏ومحبتهم.‏

‏١١ ـ وقد دلت الفقرة الأخيرة على ما هو المطلوب تحقيقه بذلك ‏الامتحان، وأنه هو كمال الطاعة, وأقصى غايات المحبة لديهم.‏

وهذه هي حقيقة العلاقة بين الله تعالى وبين خلقه, فإنها علاقة ألوهية, ‏وعبودية خالصة لا شرك ولا شريك فيها, ومحبة خالصة ليس فيها وهن ‏ولا ضعف ولا حب لغير الله تعالى.‏

‏١٢ ـ أما امتحانهم ‏(عليهم السلام) بعد وفاة الأنبياء, ‏(صلوات الله ‏عليهم)‏, فهو لطف منه تعالى بالأوصياء أنفسهم, وتفضل عليهم, وإظهار ‏أهليتهم من خلال عملهم وجهادهم وجهدهم لتلقي ألطافه تعالى, ونعمه ‏في الآخرة.‏

وهذا ما دل عليه قوله ‏(عليه السلام)‏: ‏(ثم يمتحن الأوصياء بعد وفاة ‏الأنبياء ‏(عليهم السلام)‏, ليبلو صبرهم, فإذا رضي محنتهم ختم لهم ‏بالسعادة.‏

٥٩
٦٠