×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج21 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ويجلبون البوار والدمار لأنفسهم ولغيرهم..‏

والتعريف بهذه الحقيقة, وكشف حال أصحابه هذا كان لازماً ‏وضرورياً: صيانةً للحق، وحفظاً له من الشبهات والأباطيل التي يلقيها ‏أهلها, للتضليل، ولتعمية الحقائق على الناس, ولا بد أن تترك سلبيات ‏كبيرة وخطيرة على الأجيال الآتية بعده..‏

وقد ظهر بما قلناه: أنه ‏(عليه السلام) لا يريد بكلامه هذا أمثال عمار, ‏والأشتر.‏

كما دل عليه: تعليله ‏(عليه السلام) بقوله: ‏(لأمور بدت لي في كثير ‏فيكم)‏, ثم رضاه ‏(عليه السلام) بأن يخبرهم جميعاً بتلك الأمور. وصرفه ‏النظر عن الخلوة باليهودي.‏

ولعله ‏(عليه السلام) قد اعتبر نفس بلاغه هذا كافياً لتحصين الضعفاء ‏من الوقوع فيما خاف ‏(عليه السلام) أن يقعوا فيه.‏

ثلاث سنوات لم يُسْلِم إلا علي وخديجة (عليهما ‏السلام):‏

وقد ذكرت الرواية قوله ‏(عليه السلام)‏: إنه لم يسلم أحد غيره وغير ‏خديجة مدة ثلاث سنوات..‏

فقد يقال: إن هذا يخالف ما ورد في إسلام جعفر بن أبي طالب, وغيره ‏من الذين أسلموا في بداية البعثة. بل قالوا: إنه ‏(صلى الله عليه وآله) قد ‏خرج من دار الأرقم بعد ثلاث سنوات من بعثته, وقد تم عدد المسلمين ‏

٦١

أربعين رجلاً (١).‏

فكيف يمكن تفسير ذلك؟!.‏

ونجيب:‏

بأن النصوص تصرح بإعلان إسلام علي ‏(عليه السلام) وخديجة في ‏أول البعثة، ولم نجد في النصوص التي راجعناها ما يدل على أن أحداً، ‏جعفراً أو غيره قد أسلم في بداية البعثة، وفي الأيام الأولى منها, سوى ما ‏ذكروه عن إسلام أبي بكر, وقد قلنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي ‏الأعظم ‏(صلى الله عليه وآله)‏: إنه لا يصح أنه قد أسلم بعد عدة سنوات، ‏وقد ذكر الطبري: أنه أسلم بعد أكثر من خمسين (٢)، بل لعله أسلم بعد ‏عدة ‏

١- راجع: سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٩ والسيرة الحلبية ج١ ص٢٨٥ و (ط دار المعرفة) ج٢ ص٢١ ‏والمستدرك للحاكم ج٣ ص٥٠٤ ومجمع الزوائد ج٤ ص٥ والمعجم الكبير للطبراني ج١ ص٣٠٦ و ‏والإصابة ج١ ص٢٨ و (ط دار الكتب العلمية) ج١ ص١٩٧ والسيرة النبوية لدحلان ج١ ص٩٩ ‏والاستيعاب (بهامش الإصابة) ج١ ص١٠٨ و (ط دار الجيل) ج١ ص١٣٢ وكنز العمال (ط مؤسسة ‏الرسالة) ج١٣ ص٢٦٩ و ٢٧٠ ‏وإمتاع الأسماع ج٩ ص٩١.‏

٢- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج٢ ص٣٢٧ فما بعدها، وراجع: تاريخ ‏الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج٢ ص٦٠ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج٣ ‏ص٣٩ و السيرة النبوية لابن كثير ج١ ص٤٣٦ وراجع: الغدير ج٣ ص٢٤٠ و ٢٣٤ وج٧ ص٩٣ ‏والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص٥٤٤ والإكمال في أسماء الرجال للتبريزي ص٢٠ والإفصاح ‏للشيخ المفيد ص٢٣٢ وكنز الفوائد ص١٢٤ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٢٨٩ وبحار الأنوار ج٣٨ ‏ص٢٢٨.‏

٦٢

سنوات من البعثة.‏

إذن.. فلا شيء يمنع من أن يكون ‏(صلى الله عليه وآله) قد بقي ثلاث ‏سنوات يصلي هو وعلي وخديجة فقط.‏

واحتمل بعض الأخوة أن يكون جعفر على دين عبد المطلب، ولكنه لم ‏يظهر إقراره بنبوة النبي محمد ‏(صلى الله عليه وآله) حتى قال له أبوه، أبو ‏طالب: ‏(صل جناح ابن عمك)‏، أي لم يعلن، ولم يظهر ذلك حتى للنبي ‏‏(صلى الله عليه وآله)‏، ولا لعلي ‏(عليه السلام)‏. ويكون قول ابي طالب له: ‏‏(صل جناح ابن عمك) قرينة على علمه بما يبطن جعفر ‏(عليه السلام)‏، ‏والكلام في من علم أو أظهر إسلامه للنبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏، وصلى ‏معه ولم يكن كذلك إلا علي وخديجة ‏(عليهما السلام)‏.‏

ولعلك تقول:‏

ألم يكن أبو طالب مسلماً أيضاً, فلماذا لم يشر إليه بشيء أيضاً.. بل جاء ‏كلامه نافياً لإسلامه حيث قال: ‏(ما على وجه الأرض خلق يصلي أو يشهد ‏لرسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد)‏؟!‏

ويمكن أن يجاب:‏

بأن أبا طالب كان يكتم إسلامه, مثل مؤمن آل فرعون، وهي حالة ‏

٦٣

انفرد بها ‏(عليه السلام)‏.‏

وعلي ‏(عليه السلام) إنما يتحدث عن الذين أعلنوا بإسلامهم, ‏وبصلاتهم أمام الناس..‏

إبليس على صورة المغيرة بن شعبة:‏

وتقول الرواية المتقدمة: إن إبليس قد تمثل في دار الندوة بصورة أعور ‏ثقيف, وهو المغيرة بن شعبة..‏

وقد جاء هذا على خلاف ما ورد في بعض الروايات، من أن إبليس قد ‏تمثل للمتآمرين بصورة شيخ نجدي (١).وأنه إنما يتمثل لهم بصورة المغيرة ‏في ‏

١- راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٢٢٧ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٦٨ و (ط مؤسسة ‏الأعلمي) ج٢ ص٩٨ والكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٢ والبداية والنهاية ج٣ ص١٧٥ و (ط دار إحياء ‏التراث العربي) ج٣ ص٢١٥ وتاريخ الخميس ج١ ص٣٢١ و ٣٢٢ ومطالب السؤول ص١٩٢ ‏والثقات لابن حبان ج١ ص١١٣ وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج١ ص٢١٥ وسبل الهدى والرشاد ‏ج٣ ص٢٣٤ والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج١ ص٢٣٧ وج٢ ص١٩٠ وبحار الأنوار ج١٩ ‏ص٣١ و ٤٨ و ٥٦ و ٢٣٨ وج٢٩ ص٢٩٥ وج٦٠ ص١٥٩ و ٢٣٣ والمصنف للصنعاني ج٥ ‏ص٣٨٩ و ٣٩٠ وتخريج الأحاديث والآثار ج٢ ص٢٥ و ٢٦ وتفسير نور الثقلين ج٢ ص١٤٥ و ‏‏١٤٨ وتفسير الميزان ج٩ ص٧٨ و ١٠٨ و تفسير القرآن العظيم ج٢ ص٣١٥ وتفسير جوامع الجامع ‏ج٢ ص٢٠ وتفسير القمي ج١ ص٢٧٣ والتسهيل لعلوم التنزيل ج٢ ص٦٤ وتفسير البحر المحيط ‏ج٤ ص٤٨١ والمحرر الوجيز في ج٢ ص٥١٩ وتأويل مختلف الحديث ص١١٧ والجوهرة في نسب ‏الإمام علي وآله ص١١ والإرشاد للمفيد ج١ ص٣٥٠ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص١٥٨ والأمالي ‏للطوسي ص١٧٧.‏

٦٤

يوم وفاة رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) (١).‏

ولنا أن نحتمل هنا: أن يكون الرواة الذين كانوا من أنصار السلطة قد ‏تحاشوا ذكر اسم المغيرة, لأنه كان من أركانها, وأعوانها. فذكروا وصفاً من ‏شأنه أن يبعد الشبهة عنه, ولكن علياً ‏(عليه السلام) لم يكن بصدد محاباة ‏أحد. ولا سيما إذا كان من أمثال المغيرة.‏

وقد علق بعض الأخوة هنا بقوله: لهذا التشبيه دلالات، فهو يعبر عن ‏حب المتشبه للمتشبه به، والشيطان لا يحب أحداً لأجل فضائل ومكرمات، ‏كالتقى، والورع، والسخاء، وسائر الصفات التي يحبها الله ورسوله ‏(صلى ‏الله عليه وآله)‏، ولو كان كذلك لم يخرج من الجنة، ولم يستحق اللعن، وليس ‏صدفة أن يلتقي حب الشيطان للمغيرة مع حب بعض الصحابة له. وليس ‏صدفة اتفاقهم على بغض آل بيت النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏. ومن دلالاته ‏

١- راجع: مجالس ابن الشيخ ص١١١ و ١١٢ وبحار الأنوار ج٦٠ ص٢٣٣ وج٢٨ ص٢٠٥ والأمالي ‏للطوسي ص١٧٧ وتفسير الميزان ج٩ ص١٠٨ وقاموس الرجال للتستري ج١٠ ص١٩٦ وبيت ‏الأحزان ص٦٣.‏

٦٥

المشاكلة والمشابهة كما يقال: كل شكل إلى شكله يألف حتى الطيور على ‏أشكالها تقع.‏

لا يبارز ولا يهاجم إلا بأمر الرسول:‏

وقد كانت الطريقة المتبعة في الحروب هي إما مبارزة الأقران, أو ‏الهجوم الشامل. والقيادة هي التي تحدد أسلوب القتال, وقد تتدخل في ‏تحديد المبارزين, وفق ما تفرضه الحاجة.‏

وقد أظهر النص المتقدم في الفصل السابق: أن علياً ‏(عليه السلام) لم ‏يكن يقدم ولا يحجم في الحرب إلا بإذن رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏, ‏وأمره, فهو لم يبارز ابني ربيعة, وابن عتبة إلا بعد أن أنهضه الرسول ‏(صلى ‏الله عليه وآله)‏, ولم ينهضه إلا بعد أن لم يبرز إليهم خلق من قريش، وهم ‏أصحاب الدعاوى العريضة, والطموحات الواسعة والكبيرة, التي لا مبرر ‏لها. الذين كانوا يقترحون على الرسول ‏(صلى الله عليه وآله) ما لا مصلحة ‏فيه، أو ما لا مبرر له، فيطلبون منه حتى قتل بعض الناس حين يأمنون من ‏قدرته على الانتقام منهم، رغم نهي الله لهم في صريح كتابه بقوله تعالى: ‏{لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ} (١). ‏وكانوا يتجرؤون على رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) ويؤذونه في نفسه، ‏وفي أهل بيته، وفي أصحابه.‏

وفي حرب الخندق كان رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) هو الذي ‏

١- الآية ١ من سورة الحجرات.‏

٦٦

أنهض علياً ‏(عليه السلام) إلى عمرو بعد أن صمت الجميع جبناً كأن على ‏رؤوسهم الطير، وأحجموا. وبعد أن ضمن الجنة لكل من يبرز لعمرو ‏أظهروا الزهد في الجنة غير علي ‏(عليه السلام)‏.. وذلك لا يمنع أن يكون ‏‏(عليه السلام) هو الذي أعلن استعداده لملاقاته..‏

وفي خيبر أيضاً كان ‏(صلى الله عليه وآله) هو الذي أنهض علياً ‏(عليه ‏السلام) إليهم. بعد أن رجعوا خائبين متخاذلين يجبِّن بعضهم بعضاً..‏

وحين أرسل علياً ‏(عليه السلام) لتبليغ سورة براءة إلى أهل مكة إنما ‏أنهضه بعد تثاقل جميع أصحابه ‏(صلى الله عليه وآله) عن المضي بها..‏

وقد أنجز جميع المهمات التي أوكلها إليه على أحسن وجه وأتمه, وظهر ‏بذلك فضل علي ‏(عليه السلام) على سائر الصحابة..‏

وعلم القاصي والداني: أنه ‏(صلى الله عليه وآله) كان قد أعده للملمات ‏والمهمات الكبرى, وهذا مطابق لما قالته الزهراء ‏(عليها السلام)‏: ‏(وبعد أن ‏مني ببهم الرجال, وذؤبان العرب, ومردة أهل الكتاب ‏{كُلَّمَا ‏أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} (١) أو نجم قرن للشيطان, ‏وفغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها, فلا ينكفئ حتى يطأ ‏صماخها بأخمصه, ويخمد لهبها بسيفه, مكدوداً في ذات الله, ومجتهداً في أمر ‏الله, قريباً من رسول الله, سيد أولياء الله, مشمراً ناصحاً, مجداً كادحاً.‏

وأنتم في رفاهية من العيش, وادعون, فاكهون, آمنون. تتربصون بنا ‏

١- الآية ٦٤ من سورة المائدة.‏

٦٧

الدوائر, وتتوكفون الأخبار, تنكصون عند النزال, وتفرون عند ‏القتال) (١).‏

علي ‏(عليه السلام) لا ينسب قتل الأقران إلى نفسه:‏

وملاحظة النص المتقدم في الفصل السابق تعطي: أنه ‏(عليه السلام) لم ‏ينسب قتل أولئك الأقران إلى نفسه. بل يقول: ‏(فقتل الله عز وجل بيدي ‏وليداً وشيبة)‏.‏

وفي حرب أحد لا ينسب هزيمة المشركين إلى نفسه, بل إلى الله أيضاً, ‏فيقول: ‏(ثم ضرب الله عز وجل وجوه المشركين)‏.‏

وفي حرب الخندق يقول ‏(عليه السلام)‏: عن عمرو بن عبدود: ‏(فقتله ‏الله عز وجل بيدي)‏.‏

إلى أن قال أيضاً: ‏(فهزم الله قريشاً والعرب بذلك)‏.‏

ولكنه في حرب خيبر ينسب ما جرى إلى نفسه, ويؤكد على أنه فعل ‏ذلك كله وحده, ثم يذكر: أن الله تعالى أعانه على ذلك, فيقول: ‏(فلم يبرز ‏إلي أحد منهم إلا قتلته, ولا يثبت لي فارس إلا طحنته. ثم شددت عليهم ‏شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم وحدي, أقتل من ‏يظهر فيها من رجالها, وأسبي من أجد من نسائها, حتى أفتتحها وحدي. ‏

١- بحار الأنوار (ط دار التراث العربي سنة ١٤٢٩ هـ ق) ج٢٩ ص٧٤ و ٧٥ و ٧٩ و (ط دار الرضا) و ‏‏٢٢٥ والاحتجاج ج١ ص٢٦٢ و ٢٦٣ و (ط دار النعمان) ج١ ص١٣٦ وبلاغات النساء ص١٤ـ٢٠ ‏واللمعة البيضاء للتبريزي ص٦٢٢.‏

٦٨

ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده..)‏.‏

ولعل سبب ذلك: أنه لا يريد أن يفسح المجال لإثارة الشبهات حول ‏أمر ظهرت فيه دلائل إمامته, وتجلى فيه فشل الذين ناوؤه, واغتصبوا منه ‏الخلافة بعد رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏, فإنه لا يحق له أن يفرط في هذه ‏الدلائل, ولو بإفساح المجال لإثارة الشبهات حولها, لأنها ملك للأمة كلها, ‏وباب هداية وتوفيق لها..‏

وقد ظهر من كلامه ‏(عليه السلام) أيضاً: أن الخيبريين قد قتلوا جماعة ‏من المسلمين, قبل أن يبرز إليهم علي ‏(عليه السلام)‏.‏

وأن الناس قد توسلوا به ‏(عليهم السلام) ليبرز إليهم ويكفيهم أمرهم ‏قبل إنهاض النبي ‏(صلى الله عليه وآله) له. وذلك يدل على أنه ‏(عليه ‏السلام) قد أصبح هو الأمل والملاذ للناس في كل شدة وكرب.‏

قريش تريد قتل النبي (صلى الله عليه وآله), وبني ‏عبد المطلب:‏

وقد صرحت الرواية: بأن هدف قريش في وقعة الخندق كان قتل ‏رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) وبني عبد المطلب, وقد تعاونت وتعاقدت ‏على ذلك.‏

وذلك يدل: على أن قريشاً كانت تدرك أن موقع المدينة على طريق ‏قوافلها إلى الشام لا يسمح لها بالنكاية في أهلها, ولا تستطيع أن تمعن في ‏الانتقام منهم. ولكنها إذا استطاعت أن تقضي على بني عبد المطلب، وتهدم ‏عزهم بقتل رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏, فإنها تكون قد حققت غاية ما ‏تتمناه. وبلغت في انتقامها إلى منتهاه.‏

٦٩

ولأجل ذلك، فإن المتوقع هو: أن تستنفر كل قواها, وتبذل غاية ‏جهدها للتخلص ممن وترها بأعز رجالها، وأذل عزيزها, ومرغ أنوفها ‏بتراب الذل والخزي والعار, وسيكون فرسانها أحرص الناس على تحقيق ‏أغلى أمانيهم, وهو قتله ‏(عليه السلام)‏.‏

كما أن هذا التعاقد والتعاهد يسهل علينا فهم مواقف قريش الغادرة ‏والمتآمرة عليه بعد وفاة رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏, وحرصها على ‏إبعاد أمر الخلافة عنه, وإيصال أكبر الأذى إليه..‏

وهو أيضاً لا يبقي أية شبهة في دقة وصحة ما قرره ‏(عليه السلام) من ‏أن مناشداته ‏(صلى الله عليه وآله) بالقرابة والرحم كانت تزيدها عتواً.‏

ولنا بعد ذلك كله: أن نفهم أن هذه المناشدات كانت لتعريف الناس ‏بمدى بغيها وطغيانها.. وأن هذا البغي قد منعها من الإستجابة حتى ‏لنداءات العاطفة, وما تقتضيه الفطرة, وأقرت به كل الأعراف التي كانت ‏تهيمن على المواقف والقرارات, وتؤثر في الاندفاع تارة, والإنكفاء أخرى, ‏وفق الحالات, وانسجاماً مع المقتضيات.‏

أين كان نساء أهل المدينة؟!:‏

وقد لفت نظرنا قوله ‏(عليه السلام) عن عمرو بن عبدود ‏(خرجت ‏إليه ونساء أهل المدينة بواك إشفاقاً علي)‏.‏

فإنه يرد هنا سؤال:‏

أين كان نساء أهل المدينة من هذه الحرب, وهل حضروا حقاً ذلك ‏المشهد المثير, ورأوا ما كان يجري في ساحة الحرب؟!‏

٧٠

ويمكن أن يجاب بالإيجاب, فإن الخندق كان حول المدينة, وكان ‏جيش المسلمين عند الخندق, وكان كثير من النساء يترددن إلى منطقة ‏القتال. ويلتقين بأبنائهن وأزواجهن. وإن كانت طائفة منهن قد بقين في ‏بعض آطام المدينة, ولعل شطراً منهن قد بقين في بيوتهن, لأن النبي ‏(صلى ‏الله عليه وآله) كان قد أوكل مهمة حراسة المدينة إلى سرية خاصة كانت ‏تتجول في أنحائها..‏

الطاعة والصبر:‏

وذكر ‏(عليه السلام)‏: أن من سمات الأوصياء الطاعة والمحبة للنبي ‏‏(صلى الله عليه وآله) في حياته، والصبر على المكاره بعد وفاته..‏

والجمع بين الطاعة والحب للنبي ‏(صلى الله عليه وآله) في حياته ظاهر ‏الوجه، فإن الحب هو الحافز للطاعة وليس الرهبة والخوف, لأن الخوف ‏يدل على أن الطاعة ليست للآمر, وإنما هي لعصاه, فإذا فقدها, أو ضعف ‏عن تحريكها واستعمالها, فلا تبقى هناك طاعة, بل قد تتحول إلى تمرد, ‏وقسوة وارتداد على ذلك الآمر لتصفية الحسابات معه, ورد الصاع ‏صاعين..‏

أما إذا كان الحافز هو الحب, فإن الطاعة تدوم, ولعلها تصبح بعد ‏الوفاة أقوى مما كانت عليه في حال الحياة, حيث يضيف الأسى وألم الفراق, ‏والتوهج العاطفي والحنين حافزاً آخر, يزيد من الإندفاع نحو حفظ ‏الغايات, وصيانة الأهداف..‏

وربما احتاج ذلك كله إلى المزيد من الجهد, وتحمل المصاعب, والصبر ‏

٧١

على النوائب.‏

الرسول (صلى الله عليه وآله) عال النفس والأهل ‏والولد:‏

وقد قرر ‏(عليه السلام)‏: أن رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله) هو الذي ‏عال علياً ‏(عليه السلام) في نفسه, وأهله وولده..‏

فقد يحلو لمتحذلق أن يقول: إذا كان علي ‏(عليه السلام) رجلاً كاملاً, ‏وقادراً على السعي لتحصيل لقمة العيش, فما باله يعلن عن نفسه أنه كان ‏إتكالياً في معيشته، ومعيشة أهله، وولده؟!‏

ونجيب: ‏

بأن نظرته ‏(عليه السلام) في موضوع الرزق هي نفس نظرة القرآن. ‏فهو يرى: أن غناه وغنى أهله, وولده, إنما هو من الله ورسوله, فقد حكى ‏الله تعالى لنا عن نظرة المنافقين للمؤمنين، فقال: ‏{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ ‏أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} (١).‏

وقال تعالى: ‏{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا ‏رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ ‏وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ ‏رَاغِبُونَ} (٢).‏

١- الآية ٧٤ من سورة التوبة.‏

٢- الآيتان ٥٨ و ٥٩ من سورة التوبة.‏

٧٢

توازن الإنسان الكامل:‏

وقد وصف ‏(عليه السلام) حزنه وبكاءه على رسول الله ‏(صلى الله عليه ‏وآله) بعد وفاته.. مضمناً كلامه بما دل على أن هذا الحزن إنما هو لاندماجه ‏التام فيه, وأنسه به, ومحبته له, واعتماده عليه, وما خصه ‏(صلى الله عليه ‏وآله) به من فواضل، وحباه به من كرم ونائل, فقد رباه صغيراً, وبوأه ‏كبيراً, وكفاه العيلة وجبره من اليتم, وأغناه عن الطلب. وأسهم في صنع ‏مزاياه الإنسانية, وأكرمه بمقامات، وكرامات، ودرجات قادته إلى معالي ‏الحق..‏

فحقيق أن ينزل به من الأسى والحزن ما لا تنهض به الجبال.‏

ثم ذكر ما حل بأهل بيته من الحزن على رسول الله ‏(صلى الله عليه ‏وآله)‏، وأنه أذهل عقولهم, وأذهب بصرهم, وأفقدهم القدرة على ‏التصرف, والتعقل للأمور, فضلاً عن أن يتصدى لمعالجتها..‏

أما سائر الناس, من غير بني عبد المطلب, فلم يكن لديهم من الحزن ما ‏يحسن السكوت عليه. وهم على قسمين:‏

‏١ ـ قسم منهم يكتفون بتعزية بني عبد المطلب, ويأمرونهم بالصبر ‏والتحمل.. ‏

‏٢ ـ وقسم آخر يحزن لحزن بني عبد المطلب, ويبكي لبكائهم, وليس ‏أكثر من ذلك.‏

أما أمير المؤمنين الذي كان أعظم الناس حزناً وألماً، وأسىً وجزعاً, ‏فكان الرجل الكامل والمسؤول، الذي لا يمنعه حزنه مهما عظم من أن يقوم ‏

٧٣

بواجبه الذي يريده الله منه, فإنه يحمل أعظم المسؤوليات وأخطرها.. ‏ويتوجب عليه أن يعالج القضايا بحكمة وروية وتعقل، ولا يشغله عن ‏ذلك بادر دمعة, ولا هائج زفرة, ولا لاذع حرقة, ولا جزيل مصيبة، على ‏حد تعبيره ‏(صلوات الله وسلامه عليه)‏.‏

وهذه هي ميزة علي ‏(عليه السلام) عن أهل بيته, في حزنه وفي صبره, ‏وفي قيامه بالواجب لله عز وجل ولرسوله..‏

وحزن وجزع أهل بيته وبنو عبد المطلب الذي أذهب عقولهم كان هو ‏الذي ميزهم عن سائر الناس.. لأان الناس كانوا بين آمر بالصبر, وباكٍ ‏لبكاء بني عبد المطلب ولا يزيدون على ذلك..‏

وفي هذا دلالة أخرى على أنه ‏(عليه السلام) هو الوصي والإمام بعد ‏الرسول ‏(صلى الله عليه وآله)‏. وذلك لأجل هذه الميزة التي حباه الله تعالى ‏بها..‏

علي ‏(عليه السلام) كان يعلم:‏

ورد في النص المذكور في الفصل السابق: أنه لم يكن يختلج في نفس علي ‏‏(عليه السلام) منازعة أحد من الخلق له ‏(عليه السلام) في شيء من الأمر, ‏لا في حياة النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏, ولا بعد وفاته..‏

وذكر أيضاً: أن أبا بكر كان يلقاه طيلة أيامه يعتذر له عما جرى, فكان ‏‏(عليه السلام) يقول: إن حقه سيرجع إليه بعد انقضاء أيامه.‏

وفي عهد عمر أيضاً لم يكن يشك في أنه إذا انقضت أيامه استرجع ‏حقه.‏

٧٤

فهنا تطرح الأسئلة الثلاثة التالية:‏

الأول: إن النبي ‏(صلى الله عليه وآله) كان قد أخبر علياً ‏(عليه السلام) ‏بما يتعرض له من الأذى, وظهور الأحقاد عليه بعد وفاته ‏(صلى الله عليه ‏وآله)‏. وأوصاه بالصبر وعدم المواجهة. فكيف يقول هنا: إنه لم يكن يشك ‏بصرف الأمر عنه؟!‏

الثاني: إن دلائل نكثهم للعهد وتمردهم على أوامر النبي ‏(صلى الله عليه ‏وآله) قد ظهرت في عهد رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏, ولا سيما في حال ‏مرضه, فيما عرف برزية يوم الخميس, حيث امتنعوا من تقديم الكتف ‏والدواة له ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً, حتى قال قائلهم: إن ‏الرجل ليهجر, أو نحو ذلك..‏

ثم ظهر ذلك في تصدي أبي بكر للصلاة بالناس، وعزل النبي ‏(صلى ‏الله عليه وآله) له عنها..‏

ثم في التخلف عن جيش أسامة, مع لعن النبي ‏(صلى الله عليه وآله) ‏للمتخلفين.‏

الثالث: لنفترض أنه ‏(عليه السلام) لم يشك في هذا الأمر في حياة ‏الرسول, وبعد وفاته.. فلماذا لم يشك فيه بعد ذلك, فإن تطمينات أبي بكر ‏له لا توجب الطمأنينة له؟! لأن الأمور لم تكن مرهونة بإرادة أبي بكر ‏وحده، لأن للآخرين رأيهم وموقفهم أيضاً.‏

كما أنه‏(عليه السلام)‏كان يعرف خططهم وأطماعهم بهذا الأمر, وقد قال ‏هو نفسه حين واجه عمر: بأنه إنما عقدها لأبي بكر ليردها له عند وفاته..‏

٧٥

ولنفترض أيضاً: أن تطمينات أبي بكر قد أقنعته, ولم تكن لأجل حمله ‏على تخفيف ذكر حقه المغتصب، ويكف عن إحراجهم بالدلائل والحجج ‏والشواهد على مظلوميته، وعلى قبح ما أوتي إليه، وشناعة ما جنوه عليه، ‏ولكن لماذا اطمأن إلى أن الأمر سيكون له بعد عمر, ولم لم يَدُرْ في خلده أن ‏يرد عمر جميل عثمان لعثمان, فإنه هو الذي كتب اسمه في وصية أبي بكر ‏عندما أغمي على أبي بكر..‏

ويمكن أن يجاب: بأن علينا ملاحظة ما يلي:‏

‏١ ـ أن الإمام ‏(عليه السلام) يريد أن يقول: إن من ينظر إلى الأمور لا ‏محالة سيفهمها على هذا النحو، فإنه حين يرى أن أبا بكر يعتذر ويتملص، ‏ويؤكد ويشدد اعتذاره، لن يشك بأنه سيرجع الأمر إلى أهله، إذ الاعتذار ‏يفهم منه الندامة، والندامة تعني الصدق وصحة النوايا، حيث لا يدل دليل ‏على خلاف ذلك.‏

كما أن من يرى شدته في إظهار الموافقة، ومراجعته للإمام علي ‏(عليه ‏السلام) في الصغير والكبير إلى حد أنه لا يصدر الأمر إلا عن رأيه ‏(عليه ‏السلام)‏، سوف يظن: أنه لا محالة سيرجع الأمر إلى الإمام ‏(عليه السلام) ‏بعد وفاته، ولو في آخر لحظة من حياته، ولكنه يفاجأ بمخالفة أخرى أكثر ‏إيلاماً، وأشد مضاضة وفظاظة.. حيث ظهر أنهم كانوا يحاولون تكريس ‏هذا الأمر مرة أخرى في غير أهله الحقيقيين.‏

والخلاصة: إنه ‏(عليه السلام) كان عالماً بما يجري بلا شك, وكان أيضاً ‏يتوقع ما يكون منهم.. ولكنه أراد أن يجري الكلام وفق السياق الطبيعي ‏

٧٦

له, بغض النظر عن العلوم الخاصة التي تصل إليه بطرق غير عادية, بحكم ‏كونه الوصي والإمام بعد رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏.. وكان يخبره ‏‏(صلى الله عليه وآله) بهذه الغيوب في سياق تكوين علم الإمامة.‏

أما الناس العاديون، الذين ليس لهم هذا المقام, فلا سبيل له إلى العلوم ‏الغيبية، ولا بد أن تكون حالهم كما وصف ‏(عليه السلام)‏.‏

‏٢ ـ ذكرنا أكثر من مرة: أن النبي ‏(صلى الله عليه وآله) والإمام ‏(عليه ‏السلام) إنما يتعامل مع الناس وفق السياقات الطبيعية للأمور, لا من خلال ‏اطلاعه على لوح المحو والإثبات, ولا من خلال شاهديته على الخلق.. فلو ‏أن الإمام الرضا ‏(عليه السلام) رأى المأمون يضع السم في ماء الرمان, أو ‏أخبره بذلك من رآه يفعل ذلك, أو أقر نفس المأمون بفعله هذا له أو لغيره, ‏ثم شهد عليه به، لم يجز للإمام ‏(عليه السلام) أن يشرب من ذلك الكأس ‏شيئاً.. ولكنه إنما علم بأنه ما في الكأس مسموم بطريقة غير عادية, لا سبيل ‏للبشر العاديين إليها. وهذا هو السبب في أنه لم يعول على علمه غير العادي، ‏وتعامل مع المأمون وغيره وفق الظواهر المقدورة لهم.‏

‏٣ ـ وقد تقدم: أن النبي ‏(صلى الله عليه وآله) لم يدع أسلوباً, ولا طريقة ‏بيان وتأكيد, إلا استفاد منها في توطئة الأمر لعلي ‏(عليه السلام)‏, حتى لقد ‏أخذ البيعة له من عشرات الألوف في يوم الغدير, قبل استشهاده ‏(صلى الله ‏عليه وآله) بسبعين يوماً. بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى ذكرنا شطراً منها ‏في كتابنا هذا، وفي كتاب: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ‏(صلى الله عليه ‏وآله)‏..‏

٧٧

يضاف إلى ذلك: أن علينا أن نتوقع طاعة الناس لأمر نبيهم, وعدم ‏اللجوء إلى المكر والغدر, وأن يكون لهم موقف صارم لا يسمح بالتمرد ‏على أوامره, ومخالفة زواجره. ثم أن نحسن الظن بأهل الإيمان, ونلتمس ‏أوجه الصحة لما يتراءى لنا من مخالفات في أفعالهم.. فكيف ونحن نرى أن ‏من بينهم من ضحى بكل غالٍ ونفيس في طاعته ‏(صلى الله عليه وآله)‏. ‏ونسمع من بعض آخر منهم دعاوى عريضة في هذا المجال؟!‏

فلا بد بملاحظة هذه الأمور وسواها: من أن نطمئن إلى سلامة ‏المسيرة, وحسن الخاتمة, فإذا رأينا بعض التصرفات تأتي في غير هذا السياق, ‏فسيكون لنا أن نعتبرها مجرد نزوات فردية عابرة, لا يمكن أن ترضاها منه، ‏ولا تقره عليها الكثرة الكاثرة من الناس بعد وفاة الرسول..‏

‏٤ ـ وكذلك يقال بالنسبة لطمأنينته ‏(عليه السلام) إلى ظاهر أبي بكر ‏وسلوكه النادم المشفوع بالاعتذارات, والتملصات في كل أيامه من تبعات ‏نتائج السقيفة، وإلقائه التبعة على غيره. بل كان يطلب منه تحليله, ومسامحته ‏أبضاً..‏

ونفس الكلام يجري فيما كان يظهره عمر بن الخطاب له ‏(عليه السلام) ‏من موافقة, وطاعة, وقبول بأحكامه, واستجابة لمطالبه, والتزام بقضائه ‏وبحكمه..‏

‏٥ ـ وأخيراً.. فإن أبا بكر وعمر, وإن كانا قد استوليا على حق أمير ‏المؤمنين وفاطمة ‏(عليهما السلام)‏, وغصبا فدكاً والخلافة من أصحابها ‏الشرعيين,ولكن ذلك لا يمنع من لزوم ترتيب الأثر على ما يظهرانه من ‏

٧٨

تراجع وتوبة, فإن التوبة مما أمر به الشرع, ويفرضها العقل والوجدان. ولا ‏يستطيع أحد أن يسلب منهما حق التوبة, والاستفادة من آثارها, ومن هذه ‏الآثار قبولها من فاعلها.‏

ولذلك نقول:‏

ليس من المقبول توجيه اللوم إلى من رضي توبة التائب, وعامله وفق ‏ظاهر أمره, فإن هذا هو ما أوجبه شرع الله على عباد الله تبارك وتعالى.‏

التخلف عن جيش أسامة:‏

وقد أوضح النص المتقدم في الفصل السابق كيف دبر ‏(صلى الله عليه ‏وآله) بعث أسامة, وأنه:‏

‏١ ـ لم يدع أحداً من أفناء العرب, ولا من الأوس والخزرج, ولا ‏غيرهم ممن يخاف منه النقض والمنازعة, ولا أحداً ممن يبغض علياً ‏(عليه ‏السلام) ممن وترهم بأبٍ أو بأخ أو حميم..‏

كما لم يدع أحداً يخاف نقضه أو منازعته من المهاجرين والأنصار, ‏والمسلمين, وغيرهم، والمؤلفة قلوبهم, والمنافقين إلا وجعلهم في ذلك ‏الجيش..‏

‏٢ ـ وكان هدفه ‏(صلى الله عليه وآله) من هذا الإجراء هو:‏

ألف: أن تصفو المدينة ممن يخاف نقضه أو منازعته. وأن لا يدفعه دافع ‏عن الولاية، والقيام بأمر الرعية بعد رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏.‏

ب: أن تصفو قلوب من يبقى مع علي ‏(عليه السلام) بحضرة رسول ‏

٧٩

الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏.‏

ج: أن لا يقول قائل شيئاً يكرهه علي ‏(عليه السلام)‏.‏

‏٣ ـ إن آخر ما تكلم ‏(صلى الله عليه وآله) من أمر أمته هو: أن يمضي ‏جيش أسامة، ولا يتخلف أحد ممن أنهضهم معه..‏

وقد شدد في أوامره تلك, وأكثر من التأكيد فيها. وأمرهم بملازمة ‏أميرهم.‏

‏٤ ـ إن أبا بكر وعمر ومن معهما قد فاجآ الناس حتى علياً ‏(عليه ‏السلام) برجوعهم من جيش أسامة, ومخالفتهم لأمر الرسول ‏(صلى الله ‏عليه وآله) فيما أنهضهم له. ‏

‏٥ ـ لقد كانت سرعتهم المعبرة عن حرصهم الشديد لافتة للنظر، ‏لأنهم خلَّفوا أميرهم ـ الذي أمرهم الرسول بملازمته ـ وأقبلوا يتبادرون ‏على الخيل ركضاً.‏

‏٦ ـ إن هذا كان منهم بهدف حل عقدة عقدها الرسول ‏(صلى الله عليه ‏وآله) في أعناقهم, ونكث عهد أعطوه لله وللرسول.. ‏

وهذا ما حصل بالفعل، فقد نكثوا العهد, وحلوا العقد, واستبدلوه ‏بعقد آخر عقدوه لأنفسهم, من دون إعلام أو استشارة أحد من بني عبد ‏المطلب.‏

كما أنهم لم يطلبوا من أحد أن يقيلهم من البيعة التي كانت لأمير ‏المؤمنين ‏(عليه السلام) في أعناقهم!!‏

وكان‏(عليه السلام)‏مشغولاً عن ذلك كله بما كان واجباً عليه دون سواه, ‏ولا يجوز لأحد غيره التصدي له،وهو تجهيز رسول الله‏(صلى الله عليه وآله)‏.‏

٨٠