×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج23 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

وما تفعله يا محمد أمر حسن كان لا بد منه في السابق.. ولكن الأمر ‏الآن قد اختلف, فإن الله تعالى قد تكفل بإبطال كيد هؤلاء الناس, فيجب ‏أن يتمحض عملك بعد الآن في خشية أخرى هي أهم وأولى. وهي خشية ‏الله سبحانه وتعالى, ومراقبته فيما يطلبه منك, لتأتي به على أفضل وجه ‏وأتمه, فإنك لم تعد مكلفاً بمراعاة الحذر في هذا الجانب.‏

فلماذا تتعب نفسك في أمر تحمله الله تعالى عنك؟! ولماذا تحمِّل نفسك ‏أثقالاً وهموماً عظيمة, مع أنه يكفيك الاهتمام بمراعاة جانب واحد, ‏وتخفف عن نفسك فيما عداه, مما تكفل الله سبحانه به، وسيدفع عنك ‏شرهم وكيدهم فيه..‏

وليس في الآية: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حين خشي الناس لم ‏يخش الله تعالى, وليس فيها: أنه (صلى الله عليه وآله) مخطئ في خشيته ‏للناس, بل فيها ترجيح لخشية الله تعالى، وأنها هي الأهم والأولى.‏

فهو أسلوب من أساليب الإخبار بكفاية الله له أحد الأمرين اللذين ‏كانا مفروضين عليه معاً. وبعد أن حصلت الكفاية من أحدهما, فعليه أن ‏يصرف كل جهده في إنجاز الأمر الآخر, الذي هو على درجة عظيمة من ‏الأهمية, بحيث يكاد يجب ترك كل شيء من أجله.. ‏

وهذا من قبيل من يشرب دواءً لشفاء بعض الأمراض، ثم يطمأنه الله ‏تعالى إلى أنه قد تكفل بدفعها عنه، فعليه أن يهتم بمعالجة الأمور الأخرى ‏التي تحتاج إلى جهد من نوع آخر.‏

أو هو من قبيل قولك: الطبيب الفلاني يعالج مرضى القلب ومرضى ‏

٣٠١

الملاريا والأولى والأهم معالجة مرضى القلب، ولا سيما بعد أن تكفل ‏طبيب آخر بمعالجة مرضى الملاريا.‏

فليس معنى هذا: أنه قد أخطأ في معالجته لمرضى الملاريا إلى جانب ‏مرضى القلب, بل معناه: أن كلا الأمرين كانا حقاً, لكن معالجة مرضى ‏القلب أحق وأولى.‏

ألم يكن ‏(صلى الله عليه وآله)‏ يخشى الله؟!:‏

وملاحظة أخيرة نذكرها هنا, وهي: أن أول آية في سورة الأحزاب ‏بدأت هكذا: ‏‏{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ‏وَالْمُنَافِقِينَ..}‏‏ وهذا يشير إلى إرادة تعظيم أمر التقوى والحث ‏عليها, حتى إن الله تعالى يطلب من نبيه أن لا يقتصر على بعض مراتبها, ‏بل المطلوب هو السعي لنيل سائر المراتب السامية منها.‏

فالأمر بالتقوى لا يستبطن اتهام النبي (صلى الله عليه وآله) بعدم ‏مراعاة جانبها.. وكذلك الحال بالنسبة لمراتب الخشية من الله تعالى. فإن ‏قوله تعالى: ‏‏{وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}‏‏ لا يدل على: أنه ‏‏(صلى الله عليه وآله) لم يكن يفعل ذلك, بل فيها: أن عليه أن يواصل ‏السير في طريق الخشية, ونيل مراتبها، التي بعضها أهم من بعض واحدة ‏بعد أخرى.‏

فخشية الله مطلوبة في السير والسلوك إليه تعالى, فهي كمعرفة الله, ‏وتقواه وطاعته, حيث لا موضع للقول بالجبر في أفعال العباد(١).‏

١- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج١٤ ص١١٨ ـ ١٢٢.‏

٣٠٢

وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ:‏

أما عن كيفية الجمع بين قوله تعالى: ‏‏{وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ‏وَلَا بِكُمْ}‏‏ وبين قوله سبحانه: ‏‏{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ ‏فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}‏‏, إذ كيف يحصي الله كل شيء في الوصي والإمام. ‏ثم يقول النبي (صلى الله عليه وآله): إنه لا يعرف ما يفعل به, أليس النبي ‏أولى بمعرفة كل شيء؟!‏

أليس هذا إزراء وإهانة وانتقاصاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله)..‏

فنقول في جوابه:‏

إنه (صلى الله عليه وآله) حين قال: ‏‏{وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ‏وَلَا بِكُمْ}‏‏ لا يريد نفي علمه بالغيب عن طريق الوحي ‏الإلهي, والتعليم الرباني. بل هو قد نفى ما يدعيه الكفار من أن من ‏صفات الأنبياء علمهم بالغيب بصورة ذاتية, وامتلاكهم قدرات مطلقة, ‏تجعل ذلك من ضروريات حياتهم، ومن طبائعهم وخصائصهم التي ‏تميزهم عن سائر البشر.‏

فنفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الزعم, وقرر أنه لا يملك ‏قدرات وخصائص ذاتية تمكنه من علم الغيب, ومن التصرفات الخارقة, ‏بحيث يكون امتلاكه لهذه الخصائص هو الذي دعا إلى اتخاذه نبياً.‏

ومع انتفاء هذه الأمور عنه (صلى الله عليه وآله) يظهر أن ما يجري ‏عليه وعليهم من حوادث خارج عن اختياره وإرادته.‏

ولكن ذلك لا يمنع من أن يعلمه الله تعالى ببعض أو بكل غيبه, فقد ‏

٣٠٣

قال تعالى: ‏‏{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا ‏إِلَيْكَ}‏‏(١).‏

وقال: ‏‏{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ ‏إِلَيْكَ}‏‏(٢).‏

وقال سبحانه: ‏‏{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ‏ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ..}‏‏(٣).‏

١- من الآية ٤٩ من سورة هود.‏

٢- من الآية٤٤ من سورة آل عمران، ومن الآية ١٠٢ من سورة يوسف.‏

٣- من الآية ٢٧ من سورة الجن.‏

٣٠٤
٣٠٥

الفصل التاسع:‏

النص الأقرب.. والأصوب..‏
مشكلات قرآنية, وحلها..‏

٣٠٦
٣٠٧

بداية:‏

لعل حديث الزنديق في الفصل السابق تعرض لبعض التصرف الذي ‏أفسد بعض مضامينه، ولعل الصحيح، هو هذه الرواية التي ذكرناها آنفاً.‏

حوار حول القرآن:‏

روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن القطان, عن ابن زكريا القطان, ‏عن ابن حبيب, عن أحمد بن يعقوب بن مطر, عن محمد بن الحسن بن عبد ‏العزيز الأحدب الجنديسابوري قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا ‏طلحة بن يزيد, عن عبيد الله عبيد, عن أبي معمر السعداني أن رجلاً أتى ‏أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال:‏

يا أمير المؤمنين إني قد شككت في كتاب الله المنزل.‏

فقال له علي (عليه السلام): ثكلتك أمك, وكيف شككت في كتاب ‏الله المنزل؟!‏

قال: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضاً, فكيف لا أشك فيه.‏

فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): إن كتاب الله ليصدق بعضه ‏بعضاً, ولا يكذب بعضه بعضاً, ولكنك لم ترزق عقلاً تنتفع به, فهات ما ‏

٣٠٨

شككت فيه من كتاب الله عز وجل.‏

قال له الرجل: إني وجدن الله يقول: ‏‏{فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا ‏نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا}‏‏.‏

وقال أيضاً: ‏‏{نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}‏‏.‏

فمرة يخبر أنه ينسى، ومرة يخبر أنه لا ينسى، فأنى ذلك يا أمير ‏المؤمنين؟!‏

قال: هات ما شككت فيه أيضاً

قال: وأجد الله يقول: ‏‏{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا ‏يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}‏‏.‏

وقال: وقد استنطقوا فقالوا: ‏‏{وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا ‏مُشْرِكِينَ}‏‏.‏

‏ وقال: ‏‏{يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ ‏بَعْضًا}‏‏. وقال: ‏‏{إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ‏النَّارِ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ ‏بِالْوَعِيدِ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ ‏أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}‏‏.‏

فمرة يخبر: [أنهم يتكلمون، ومرة] أنهم ‏‏{لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا ‏مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}‏، ومرة يخبر أن الخلق لا ‏ينطقون، ويقول عن مقالتهم: ‏‏{وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا ‏مُشْرِكِينَ}‏‏. ومرة يخبر أنهم يختصمون، فأنى ذلك يا أمير

٣٠٩

‏ المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: هات ويحك ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله عز وجل يقول: ‏‏{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى ‏رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}‏‏.‏

ويقول: ‏‏{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ ‏الْخَبِيرُ}‏‏.‏

ويقول: ‏‏{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ ‏الْمُنْتَهَى}‏‏.‏

ويقول: ‏‏{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ‏وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ ‏عِلْمًا}‏‏ ومن أدركته الأبصار فقد أحاط به العلم(١)، فأنى ‏ذلك يا أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: هات أيضاً ويحك ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله تبارك وتعالى يقول: ‏‏{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ ‏يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا ‏يَشَاءُ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}‏‏.‏

وقال: ‏‏{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا}‏‏.‏

وقال: ‏‏{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ}‏‏.‏

١- يلاحظ: أن نفس هذه العبارة وردت على لسان الإمام الرضا (عليه السلام) في جوابه لأبي قرة حين ‏ادعى رؤية الله تعالى حين المعراج، أو في الآخرة.‏

٣١٠

وقال: ‏‏{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ ‏رَبِّكَ}‏‏. فأنى ذلك يا أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما ‏تسمع؟!‏

قال: هات ويحك ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله جل جلاله يقول: ‏‏{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ ‏سَمِيًّا}‏‏ وقد يسمى الإنسان سميعاً بصيراً وملكاً ورباً يخبر أن ‏له أسامي كثيرة مشتركة، ومرة يقول: ‏‏{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ ‏سَمِيًّا}‏‏ فأنى ذلك يا أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما ‏تسمع؟!‏

قال: هات ويحك ما عندك.‏

قال: ووجدت الله تبارك اسمه يقول: ‏‏{وَمَا يَعْزُبُ عَنْ ‏رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}‏‏.‏

ويقول: ‏‏{وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا ‏يُزَكِّيهِمْ}‏‏.‏

ويقول: ‏‏{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ ‏لَمَحْجُوبُونَ}‏‏ كيف ينظر إليهم من يحجب عنه، فأنى ذلك يا ‏أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: هات ويحك أيضاً ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله عز ذكره يقول: ‏‏{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ ‏يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}‏‏.‏

وقال: ‏‏{وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ‏وَجَهْرَكُمْ}‏‏.‏

وقال: إنه هو الظاهر والباطن ‏‏{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا ‏كُنْتُمْ}‏‏..‏

٣١١

وقال: ‏‏{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}‏‏.‏

فأنى ذلك يا أمير المؤمنين!! وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: هات أيضاً ويحك ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله جل ثناؤه يقول: ‏‏{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا ‏صَفًّا}‏‏.‏

وقال: ‏‏{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ ‏مَرَّةٍ}‏‏. وقال: ‏‏{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ ‏مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}‏‏. وقال: ‏‏{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ ‏تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ ‏رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا ‏خَيْرًا}‏‏.‏

فمرة يقول: يأتي ربك، ومرة يقول: يوم يأتي بعض آيات ربك، فأنى ‏ذلك يا أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: هات ويحك ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله جل جلاله يقول: ‏‏{بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ ‏كَافِرُونَ}‏‏.. وذكر المؤمنين فقال: ‏‏{الَّذِينَ يَظُنُّونَ ‏أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ ‏لَآتٍ}‏

وقال: ‏‏{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا ‏صَالِحًا}‏‏.‏

فمرة يخبر أنهم يلقونه، ومرة يخبر أنه ‏‏{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ‏وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}‏‏.‏

٣١٢

ومرة يقول: ‏‏{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}‏، فأنى ذلك ‏يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: هات ويحك ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله تبارك وتعالى يقول: ‏‏{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ ‏فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا}‏‏.‏

‏ وقال: ‏‏{يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ ‏الْحَقُّ الْمُبِينُ}‏‏. ‏

وقال: ‏‏{وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا}‏‏.‏

فمرة يخبر أنهم يظنون، ومرة يخبر أنهم يعلمون، والظن شك، فأنى ‏ذلك يا أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما تسمع؟!‏

قال: ويحك هات ما شككت فيه.‏

قال: وأجد الله تعالى ذكره يقول: ‏‏{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ‏الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}‏‏.‏

وقال: ‏‏{تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ}‏‏.‏

وقال: ‏‏{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي ‏أَنْفُسِهِمْ}‏‏.‏

فأنى ذلك يا أمير المؤمنين؟! وكيف لا أشك فيما تسمع؟! وقد هلكت ‏إن لم ترحمني، وتشرح لي صدري فيما عسى أن يجري ذلك على يديك، فإن ‏

٣١٣

كان الرب تبارك وتعالى حقاً، والكتاب حقاً، والرسل حقاً، فقد هلكت ‏وخسرت، وإن لم تكن الرسل باطلاً فما علي بأس، وقد نجوت.‏

فقال علي (عليه السلام): قدوس ربنا قدوس، تبارك وتعالى علواً ‏كبيراً. نشهد أنه هو الدائم الذي لا يزول، ولا نشك فيه، و ‏‏{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}‏، وأن ‏الكتاب حق، وأن الثواب والعقاب حق.‏

فإن رزقت زيادة إيمان أو حرمته فإن ذلك بيد الله، إن شاء رزقك، وإن ‏شاء حرمك ذلك. ولكن سأعلمك ما شككت فيه، ولا قوة إلا بالله، فإن ‏أراد الله بك خيراً أعلمك بعلمه، وثبتك، وإن يكن شراً ضللت وهلكت.‏

أما قوله: ‏‏{نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ}‏‏ إنما يعني ‏‏{نَسُوا اللهَ}‏‏ في دار الدنيا، لم يعملوا بطاعته ‏‏{فَنَسِيَهُمْ}‏‏ في الآخرة، أي لم يجعل لهم في ثوابه ‏شيئاً، فصاروا منسيين من الخير.‏

وكذلك تفسير قوله عز وجل: ‏‏{فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا ‏لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا}‏؟! يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب ‏أولياءه الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين، حين آمنوا به وبرسله، ‏وخافوه بالغيب.‏

وأما قوله: ‏‏{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}‏، فإن ربنا ‏تبارك وتعالى علواً كبيراً ليس بالذي ينسى ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم. ‏وقد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان، فلا يذكرنا، أي أنه لا يأمر ‏لهم بخير، ولا يذكرهم به.‏

فهل فهمت ما ذكر الله عز وجل؟!‏

قال: نعم فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة، فعظم الله أجرك.‏

٣١٤

قال: وأما قوله: ‏‏{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا ‏يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}‏‏.‏

‏ وقوله: ‏‏{وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ ‏بَعْضًا}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ ‏بِالْوَعِيدِ}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ ‏أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}‏، فإن ذلك في [مواطن] غير واحد ‏من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة.‏

يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذٍ في مواطن:‏

يتفرقون, ويكلم بعضهم بعضاً, ويستغفر بعضهم لبعض, أولئك ‏الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا من الرؤساء والأتباع, ويلعن أهل ‏المعاصي الذين بدت منهم البغضاء, وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار ‏الدنيا, المستكبرين والمستضعفين يكفر بعضهم ببعض, ويلعن بعضهم ‏بعضاً.‏

والكفر في هذه الآية البراءة, يقول: فيبرأ بعضهم من بعض, ونظيرها ‏في سورة إبراهيم (عليه السلام) قول الشيطان: ‏‏{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا ‏أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}‏‏. ‏

وقول إبراهيم خليل الرحمان: ‏‏{كَفَرْنَا بِكُمْ}‏‏ ‏يعني تبرأنا منكم.‏

ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه، فلو أن تلك الأصوات بدت ‏

٣١٥

لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معايشهم, ولتصدعت قلوبهم إلا ما ‏شاء الله, فلا يزالون يبكون الدم.‏

ثم يجتمعون في موطن آخر، فيستنطقون فيه، فيقولون: ‏‏{وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}‏، فيختم الله تبارك ‏وتعالى على أفواههم، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود, فتشهد بكل ‏معصية كانت منهم, ثم يرفع عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: ‏‏{لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ ‏شَيْءٍ}‏‏.‏

ثم يجتمعون في موطن آخر، فيستنطقون, فيفر بعضهم من بعض, ‏فذلك قوله عز وجل: ‏‏{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * ‏وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}‏‏ فيستنطقون, فلا يتكلمون إلا من أذن له ‏الرحمن وقال صواباً، فيقوم الرسل صلى الله عليهم فيشهدون في هذا ‏الموطن, فذلك قوله تعالى: ‏‏{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ‏وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}‏‏.‏

ثم يجتمعون في موطن آخر, فيكون فيه مقام محمد (صلى الله عليه وآله) ‏وهو المقام المحمود, فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه أحد من قبله.‏

ثم يثني على الملائكة كلهم, فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد (صلى ‏الله عليه وآله).‏

ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد مثله.‏

ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة, يبدأ بالصديقين والشهداء، ثم ‏بالصالحين، فحمده أهل السماوات وأهل الأرض. وذلك قوله عز وجل: ‏‏{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}‏‏.‏

٣١٦

فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ ونصيب, وويل لمن لم يكن له ‏في ذلك المقام حظ ولا نصيب.‏

ثم يجتمعون في موطن آخر، ويدال بعضهم على بعض.‏

وهذا كله قبل الحساب فإذ أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه، ‏نسأل الله بركة ذلك اليوم.‏

قال: فرجت عني فرج الله عنك يا أمير المؤمنين، وحللت عني عقدة ‏فعظم الله أجرك.‏

فقال (عليه السلام): وأما قوله عز وجل: ‏‏{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ‏نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ‏الْأَبْصَارَ}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ ‏الْمُنْتَهَى}‏‏.‏

وقوله: ‏‏{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ‏وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ ‏عِلْمًا}‏‏.‏

فأما قوله: ‏‏{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا ‏نَاظِرَةٌ}‏، فإن ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل ‏بعد ما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمى الحيوان، فيغتسلون فيه، ويشربون ‏منه، فتنضر وجوههم إشراقاً، فيذهب عنهم كل قذى ووعث، ثم يؤمرون ‏بدخول الجنة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم، ومنه ‏يدخلون الجنة.‏

فذلك قول الله عز وجل في تسليم الملائكة عليهم: ‏‏{سَلَامٌ ‏عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}‏‏.‏

٣١٧

فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنة، والنظر إلى ما وعدهم ربهم. فذلك ‏قوله: ‏‏{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}‏‏. وإنما يعني بالنظر إليه النظر ‏إلى ثوابه تبارك وتعالى.‏

وأما قوله: ‏‏{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ‏الْأَبْصَارَ}‏، فهو كما قال: لا تدركه الأبصار، ولا تحيك به ‏الأوهام، وهو يدرك الأبصار، يعني يحيط بها، وهو اللطيف الخبير.‏

وذلك مدح امتدح به ربنا نفسه تبارك وتعالى وتقدس علواً كبيراً.‏

وقد سأل موسى (عليه السلام) وجرى على لسانه من حمد الله عز ‏وجل ‏‏{رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}‏، فكانت مسألة تلك ‏أمراً عظيماً، وسأل أمراً جسيماً، فعوقب، فقال الله تبارك وتعالى: ‏‏{لَنْ تَرَانِي}‏‏ في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة، ‏ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه ‏فسوف تراني.‏

فأبدى الله جل ثناؤه بعض آياته، وتجلى ربنا تبارك للجبل، فتقطع الجبل ‏فصار رميماً وخر موسى صعقاً ثم أحياه الله وبعثه، فقال: ‏‏{سُبْحَانَكَ ‏تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}‏‏. يعني أول مؤمن آمن بك منهم أنه ‏لن يراك.‏

وأما قوله: ‏‏{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ ‏الْمُنْتَهَى}‏‏ يعني محمداً، حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله.‏

وقوله في آخر الآية: ‏‏{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى ‏مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}‏‏ رأى جبرئيل (عليه السلام) في صورته ‏مرتين: هذه المرة، ومرة أخرى. وذلك أن خلق جبرئيل (عليه السلام) عظيم، ‏فهو من الروحانيين ‏

٣١٨

الذين لا يدرك خلقهم وصفتهم إلا الله رب العالمين.‏

وأما قوله: ‏‏{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ‏وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ ‏عِلْمًا}‏‏ لا تحيط الخلائق بالله عز وجل علماً، إذ هو تبارك وتعالى ‏جعل على أبصار القلوب الغطاء، فلا فهم يناله بالكيف، ولا قلب يثبته ‏بالحدود، فلا نصفه إلا كما وصف نفسه، ‏‏{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ‏وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}‏، الأول الآخر، والظاهر والباطن، ‏الخالق الباري، المصور، خلق الأشياء فليس من الأشياء شيء مثله تبارك ‏وتعالى.‏

فقال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة، فأعظم الله ‏أجرك يا أمير المؤمنين.‏

‏[فقال (عليه السلام)]: (وأما قوله: ‏‏{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ ‏يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا ‏يَشَاءُ}‏، وقوله: ‏‏{وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى ‏تَكْلِيمًا}‏، وقوله: ‏‏{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا}‏‏ ‏وقوله: ‏‏{يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}‏‏ ما ‏ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، وليس بكائن إلا من وراء حجاب، أو ‏يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال الله تبارك وتعالى علواً ‏كبيراً قد كان الرسول يوحى إليه من رسل السماء، رسل الأرض، وقد ‏كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع ‏رسل أهل السماء.‏

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل هل رأيت ربك؟!‏

فقال جبرئيل (عليه السلام): إن ربي لا يرى.‏

٣١٩

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فمن أين تأخذ الوحي؟!‏

فقال: آخذه من إسرافيل.‏

فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل؟!‏

قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين.‏

قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟!‏

قال: يقذف في قلبه قذفاً.‏

فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام الله ليس بنحو واحد، ‏منه ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرسل، ‏ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ، فهو كلام الله.‏

فاكتف بما وصفت لك من كلام الله، فإن معنى كلام الله ليس بنحو ‏واحد، فإنه منه ما تبلغ منه رسل السماء رسل الأرض.‏

قال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة، فعظم الله ‏أجرك يا أمير المؤمنين.‏

‏[فقال (عليه السلام):] وأما قوله: ‏‏{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ ‏سَمِيًّا}‏، فإن تأويله هل تعلم له أحداً اسمه الله، غير الله تبارك ‏وتعالى.‏

فإياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء، فإنه رب تنزيل ‏يشبِّه بكلام البشر، وهو كلام الله، وتأويله لا يشبه كلام البشر، كما ليس ‏شيء من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تعالى شيئاً من أفعال البشر، ‏ولا يشبِّه شيء من كلامه بكلام البشر.‏

٣٢٠