×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج23 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

التحدي العلوي:‏

وقد لاحظنا: أن علياً (عليه السلام) لم يحاول أن يقنع ذلك اليوناني ‏بالأدلة والبراهين العقلية، والبحث العلمي والموضوعي، بل بادر إلى ‏اعتماد أسلوب التحدي، والدفع بالأمور إلى أقصى مدى، حيث اختار ‏تناول دواء قاتل وسريع التأثير، يفتك بالجسم، ويقضي عليه في ساعته ولا ‏يعطي الفرصة لاستعمال معالجات تدفع سورته وتزيل أثره.‏

وقد اختار (عليه السلام) إظهار المعجزة والكرامة لذلك اليوناني في ‏نفس الوقت والساعة.. وقد جاءت النتيجة فوراً، وكانت مناقضة ‏لتوقعات ذلك اليوناني، فبدلاً من حلول الكارثة تحققت المعجزة، وهي ‏الانتعاش الظاهر، والقوة، والصحة والسلامة، والعافية بأجلى صورها، ‏وأحسن حالاتها، وأظهر تجلياتها..‏

ولعله (عليه السلام) رأى أن ذلك الطبيب لم يكن من أهل المعرفة ‏بغير الفن الذي مارسه وعرف به، وهو الطب.‏

بل قد يكون أقل تنبهاً من غيره حتى بالنسبة للأمور العادية، كما تدل ‏عليه غفلته عن أن المجنون لا يمكن أن يقيم دولة، ولا يبقى الدين الذي ‏جاء به من بعده كما شرحناه آنفاً، ولا يمكن أن يكون دين المجانين ‏منسجماً، وصحيحاً ومرضياً ومقبولاً، لأنه سيكون على تشريعاته ‏وأحكامه وتعاليمه مسحة من الجنون أيضاً..‏

٢١

فآثر (عليه السلام) أن يواجهه بمعجزة حسية تحسم الأمر، قوامها: ‏نقض معادلة يؤمن بها، من خلال خبرته وما صنعته يده، وما عرف هو ‏عُجْرَهُ وبُجْرَهُ، لا بالتصرف بأمر آخر بعيد عنه، قد يزين الشيطان احتمال ‏التأثير الخفي أو السحري فيه..‏

وهذا ما حصل فعلاً، فقد شرب (عليه السلام) ذلك السم الذي ‏استحضره ذلك الطبيب بنفسه، وأجرى عليه الطبيب اختباراته، ليتأكد ‏من النتيجة التي جاءت عكس توقعاته العلمية..‏

المطلوب حفظ نتائج المعجزة:‏

وقد رأينا كيف أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مهتماً بحفظ ‏المعجزة في آثارها ونتائجها، واستلاب فرصة إجهاضها من قِبَلِ الآخرين، ‏بتحريرها من أسر أهوائهم، وصيانتها من الارتهان لتقلبات أهوائهم، ‏وعوادي نزواتهم..‏

ولذلك لم يرض (عليه السلام) بأن يخضع إرادة ذلك الطبيب ‏للتصرف الإعجازي لسببين:‏

أحدهما: أن تأثير المعجزة واستثمارها في الدعوة سيصبح رهناً بإرادة ‏وبإنصاف ذلك الطبيب، وبصحة نواياه، وعدم خضوعه لأهوائه، ‏ولتسويلات الشيطان.. وهذا ما لا يملك أحد ضمانة فيه، ولا يخضع ‏لضابطة، ولا تقبل دعوى الاطلاع عليه من أحد من الناس. ولا مجال ‏لفرض الصدق في التعبير والإخبار عنه.. ولذلك رفض (عليه السلام) ‏الارتهان إلى خصمه في هذا الأمر.‏

٢٢

الثاني: أنه يمكن لذلك الطبيب نفسه، ويمكن للآخرين الذين يرون ‏هذه المعجزة أيضاً أن يدعوا: أن ما يجري بين علي (عليه السلام) وبين ‏ذلك الطبيب قد جاء على سبيل التواطؤ بينهما، وأنه مجرد تمثيلية تهدف إلى ‏خداع الناس بما لا حقيقة له.. بمعنى: أن علياً (عليه السلام) قد اتفق مع ‏ذلك اليوناني على التظاهر بشلل إرادته، وعجزه عن الإختيار، وعن ‏الحركة. وليس ثمة ما يثبت عكس هذا الاحتمال بصورة ظاهرة وقاطعة..‏

فمن أجل هذا وذاك رفض (عليه السلام) جعل إرادة ذلك اليوناني ‏موضعاً للتصرف الإعجازي، وألزمه باقتراح آية بعيدة عن هذا السياق، ‏مما لا يمكن توهم التواطؤ فيه..‏

فاقترح اليوناني: أن يأمر أجزاء النخلة القريبة منهم بالتفرق، ‏فتفرقت، ثم أمرها بالاجتماع فاجتمعت، ولم يباشرها في هذا وذاك أي ‏كان من الحاضرين بغير المراقبة، والنظر من بعيد.‏

وقد جعل (عليه السلام) ذلك اليوناني رسوله إلى تلك النخلة، ‏وولاه مخاطبتها وإبلاغها أوامره.‏

ولم يباشر هو (عليه السلام) خطابها، ربما ليبعد عنه وعن الحاضرين ‏أي توهم في أن يكون (عليه السلام) قد ضمن كلماته مع النخلة أي شيءٍ ‏من الأوراد، أو الكلمات ذات التأثير السحري فيها.‏

المعجزة ونزول العذاب:‏

تضمن النص المقتدم: إظهار عدة آيات لذلك الطبيب اليوناني ولمن ‏حضر.. ولكنها كلها جاءت بمبادرات من أمير المؤمنين (عليه السلام) ‏

٢٣

نفسه.. ولم يكذبها ذلك الطبيب ولا عاندها، ولكنه حين اقترح هو أن ‏تخرج النخلة له ثمراً قد أينع، وأن يأكل منه (عليه السلام)، ويطعم ‏الحاضرين بما فيهم اليوناني نفسه.. فحصل له ما أراد.. فلما بلغ الأمر إلى ‏أكله منها جاءه التحذير القوي والحازم بأنه إن أكل منها، ولم يؤمن حلت ‏به العقوبة الموجبة لاعتبار الخلق به.‏

وهذا هو جزاء من يقترح الآيات، مدعياً أنه سوف يؤمن بها إن ‏جاءته، ثم يكفر بها، فإن تكذيبه بتلك الآيات، يعد سخرية منه بالقدرة ‏الإلهية، فلذلك استحق أمثال هذه العقوبة.‏

ما طلبه علي ‏(عليه السلام)‏ من اليوناني:‏

وما طلبه علي (عليه السلام) من الطبيب اليوناني يحتاج إلى دراسة ‏خاصة.. نسأل الله أن يوفق لها من هو أهل لها، وأن ينعم عليه بتوفيقاته ‏لاكتشاف كنوزها التي لا تقدر بثمن، غير أنني أشير هنا إلى شيء يسير ‏منها على النحو التالي:‏

الشهادة لله بالجود:‏

إن أول ما طلبه (عليه السلام) من اليوناني بعد الإقرار بتوحيد الله، ‏والإقرار بجوده تعالى. وحيث يبدو أن المطلوب هو التعاطي مع شؤون ‏الإيمان من موقع تأثيرها العملي المباشر في واقع الحياة.‏

وتتجلى أهمية الإقرار بجوده تعالى إذا لاحظنا: أن الكثير من المشكلات، ‏والانحرافات، والكوارث والمآسي الناشئة عن الفساد والإفساد سببها سوء ‏

٢٤

الظن بالله تعالى، فتجد بعض الناس يمارس الاحتيال، والاحتكار، ‏والسرقة، والتزوير، والسلب، ويشن الحروب، ويفتعل الأزمات، ويرشو ‏ويرتشي، ويسعى للتسلط على الناس، ويرتكب جميع أنواع الجرائم ‏والعظائم، لأنه يريد أن يحصل على المال وعلى الموقع، وعلى الجاه، ‏والسلطة، والنفوذ بنفسه، وبوسائله السريعة التأثير، لأنه يخشى أن تفوته، ‏ويرى أن حنكته وحيلته وظلمه، و.. و.. وهو الذي يوصله إليها، ولا يثق ‏بكرم الله، ولا بتوفيقاته، ولا بقدرته على الإعطاء والمنع، بل هو يرى أن ‏الله تعالى بخيل، لا يرزق، ولا يعطي ولا يوفق لنيل لقمة الحلال، وأنه لا ‏يشفي المريض، ولا يعطيه المقام والجاه والعزة.. ولا.. ولا..‏

كما أن انقطاعه عن الجود الإلهي يدفعه للانغماس بمختلف الرذائل ‏الأخلاقية، مثل الكذب، والخيانة، والخديعة، وخلف الوعود، ونقض ‏العهود، وتزوير العقود. ويرميه في براثن الحقد، والحسد، والبخل، ‏والحرص وما إلى ذلك..‏

ثم هو يشعر بأنه ليس بحاجة إلى الله وإلى طاعته، ويدعوه ذلك ‏للتخلى عن دينه، وعن قيمه، ويرى أنه تعالى لا يحق له أن يحاسبه ويعاقبه، ‏وأن يطالبه بأي حق سلبه، أو حرمة انتهكها، أو جريمة ارتكبها..‏

فإن فعل ذلك كان الله ـ والعياذ بالله ـ معتدياً عليه، ظالماً له..‏

وسيصبح الحق أعدى أعداء هؤلاء الناس. وسيزيدهم بيان الحق ‏والحقوق، والحديث عن الله وعدله، وعن دار الجزاء وعن الجنة والنار ـ ‏سيزيدهم ذلك ـ طغياناً وكفراً، وسيكون حب الدنيا الذي يجمعهم هو ‏

٢٥

نفسه الذي يفرقهم، ويوجب تباغضهم ثم تناحرهم فيما بينهم.‏

وهذا ما جرى لليهود بالفعل، حيث قالوا: ‏‏{إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ ‏وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}‏‏(١).‏

وقال: ‏‏{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا ‏بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ ‏إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ ‏وَالْبَغْضَاءَ}‏‏(٢).‏

والحديث حول هذا الموضوع طويل ومتشعب والمقصود هو مجرد ‏الإشارة.‏

أفضلية نبينا ‏(صلى الله عليه وآله)‏:‏

ولوحظ أيضاً: أنه (عليه السلام) يطلب من هذا الطبيب أن يقر ‏لمحمد (صلى الله عليه وآله) بالأفضلية على جميع البشر.‏

ولعل السبب في الحديث عن أفضليته (صلى الله عليه وآله) على جميع ‏الخلق هو إخراج ذلك اليوناني من رواسب عقيدية، قد يغفل عنها، في ‏حين يبقى لها بعض التوهج في أعماق ذاته، بما لها من ارتكاز خفي الذي قد ‏يظهر بصورة عفوية في سياق الترجيح والتفضيل، أو في نظرة الإكبار والإعظام ‏الخفي لمن كان يرتبط بهم، ويدعي لهم المقامات السابحة في آفاق الجمال ‏

١- الآية ١٨١ من سورة آل عمران.‏

٢- الآية ٦٤ من سورة المائدة.‏

٢٦

والكمال والعظمة والجلال إلى حد ادعاء صفات الألوهية لها. مثل عزير، ‏وعيسى (عليه السلام).‏

فأراد (عليه السلام) أن يضعه أمام قرار صريح وحاسم، من شأنه أن ‏يصده عن أمثال هذه الانسياقات العفوية، ويصونه من تبعاتها وآثارها، ‏ويطهر ضميره منها بصورة تلقينية مؤثرة وحاسمة..‏

محمد الذي أنا وصيه:‏

وعن تنصيصه (عليه السلام) في هذا الموضع بالذات على أن ‏المطلوب هو الشهادة لمحمد (صلى الله عليه وآله) الذي وصيه علي (عليه ‏السلام) نقول:‏

إنه يريد أن يقول له، ولنا: إن الشهادة بالنبوة لمحمد وحده لا تكفي، ‏فإن توحيداً من غير علي (عليه السلام)، ونبوة محمد إذا لم ينضم إليها علي ‏‏(عليه السلام)، واعتقاداً بالآخرة، وبالشفاعة من دون علي، وصلاة ‏وصوماً وزكاة وجهاداً وحج من دون علي (عليه السلام) لا يجدي نفعاً..‏

ولأجل ذلك قال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث سلسلة ‏الذهب في نيشا بور: (كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن ‏من عذابي).‏

ثم عقب ذلك بقوله: (بشروطها وأنا من شروطها)، فدل على أن ‏كلمة التوحيد لا تحقق أهدافها، ولا تؤثر آثارها في بناء الإنسان والحياة إلا ‏إذا انضم إليها الاعتقاد بإمامة الرضا، وقبله وبعده سائر الأئمة (عليهم ‏السلام)..‏

٢٧

وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ‏‏{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ ‏إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..}‏‏.. لأن ‏المطلوب هو تبليغ التوحيد والعدل، والنبوة، والآخرة، والصلاة والزكاة ‏و.. و.. تامة غير منقوصة، ولا تتم بدون ولاية علي (عليه السلام).‏

فالصلاة التي بدون علي لا يريدها الله، وكذلك الزكاة، وسائر حقائق ‏الدين وأحكامه، لأن الإسلام بمثابة جسد تام الأجزاء والأوصاف ‏والمزايا. فله عينان، ولكنه لا يبصر بهما، وله لسان لا يتكلم ولا يتذوق به، ‏وله أذنان ولكنه لا يسمع بهما، وله يدان لكنهما من دون قوة.. وهكذا..‏

فإذا حلت في هذا الجسد الروح صار يرى ويسمع، ويشم ويتذوق، ‏ويحرك يديه، وصارت لهما قوة يستفيد منها، ويحمل بهما الأشياء، وصار ‏يحب ويبغض، ويضحك ويبكي، ويفرح ويحزن، ويحسد ويحقد، ويشجع ‏ويجبن، ويخاف ويرجو. وصار يفكر ويعقل، وينام ويستيقظ، ويسهو ‏ويلتفت، ويعلم ويجهل، وما إلى ذلك..‏

فظهر أن الإسلام بدون ولاية كبدن بلا روح، فإذا ولجته الروح، ‏وهي ولاية علي، صار كل ما في هذا الإسلام نافعاً، ويؤدي مهماته المنوطة ‏به، ويوصل إلى الغايات التي رسمت له، ويحقق الغايات التي توخاها الله ‏منه لعباده..‏

وهذا هو السبب في قوله (عليه السلام) هنا: (وأن تشهد أن محمداً ‏‏(صلى الله عليه وآله) الذي أنا وصيه سيد الأنام إلخ..).‏

٢٨

النعم التي أولاها علي ‏(عليه السلام)‏ لليوناني:‏

وصرح (عليه السلام) لذلك اليوناني: بأن علياً (عليه السلام) قد ‏أولى ذلك اليوناني نعماً تستحق التنويه بها في هذا الحوار بالذات، رغم أنه ‏يلتقي به للمرة الأولى كما هو ظاهر سياق الرواية..‏

فالظاهر أنه (عليه السلام) يريد أن يفهمه: أن هدايته ووضعه على ‏صراط النجاة نعمة يستحق الشكر عليها، ولا سيما وأنه قد أراه من ‏المعجزات ما رسخ يقينه، وأغناه بذلك عن كثير من الجهود لتحصيل هذا ‏اليقين.‏

وقد أشار إلى ذلك (عليه السلام) بقوله: (إن علياً الذي أراك ما ‏أراك).‏

وربما كان يقصد بالنعم ما هو أبعد من نعمة الهداية، ليشمل ما أشار ‏إليه الله تعالى بقوله: ‏‏{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ‏وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ ‏رَاغِبُونَ}‏‏(١).‏

وبقوله تعالى: ‏‏{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ ‏فَضْلِهِ}‏‏(٢).‏

علي ‏(عليه السلام)‏ خير خلق الله:‏

وقد بين (عليه السلام) أن المطلوب ليس مجرد الشهادة لعلي (عليه ‏

١- الآية ٥٩ من سورة التوبة.‏

٢- من الآية ٧٤ من سورة التوبة.‏

٢٩
٣٠

المؤمنون يساعدون الرجل على دينه:‏

وقد ألمح (عليه السلام) إلى ذلك اليوناني: أن المؤمنين المشاركين له في ‏النهج والاعتقاد، هم المساعدون له على القيام بما أمره به (عليه السلام).‏

فترد هنا الأسئلة التالية:‏

أولاً: هل تتحقق المساعدة في أمور الاعتقاد، وفي القيام ‏بالواجبات؟!‏

ثانياً: إذا كانت تتحقق، فلنا أن نسأل عن كيفية هذه المساعدة، ‏ومداها، والدافع إليها؟!.‏

ثالثاً: هل هذه المساعدة خاصة به، أم تشمل غيره أيضاً؟!‏

ونجيب بما يلي:‏

‏١ ـ لعل مساعدة إخوانه له في الأحكام والاعتقادات تتمثل بإرشاده ‏إلى كيفية القيام بما كلفه الله تعالى به، وتهيئة الوسائل لما يحتاج منها إلى ‏وسائل. وتعليمه ما يحتاج إلى تعليم، ولا سيما ما كان منها من قبيل ‏الاعتقادات أو الأحكام.‏

‏٢ ـ إن القيام بمقتضيات التقية التي أمره (عليه السلام) بها يحتاج إلى ‏مؤونة وتسديد ومعونة، فهو يحتاج إلى إخوانه أيضاً لمساعدته في مثل هذه ‏الحالات.‏

‏٣ ـ أما مدى وحجم، وزمان هذه المساعدة، فهو بلا حدود ولا قيود، ‏لأنها من الخير الذي لا ينتهي محبوبيته والرغبة فيه بانتهاء المقدرة عليه، بل ‏يتجاوزها إلى أن يصبح حب الخير هو الغذاء الروحي الذي ينعش الوجود ‏كله، ويجعله كادحاً إلى ربه، لا يقف في كدحه وسعيه هذا عند حد، لأنه ‏

٣١

يصل نفسه باللامحدود وبمحض الخير اللامتناهي.‏

ويكون الدافع إلى ذلك هو حب الله، والفناء فيه تبارك وتعالى.‏

وهذا هو التجسيد الحي لمفهوم ومضمون قوله تعالى: ‏‏{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}‏‏ التي تجعل هذا ‏التعاون خُلُقاً يسع أهل الإيمان كلهم، ولا يختص ببعض منهم دون ‏بعض..‏

خير أمة محمد:‏

وأصحاب هذا الخلق، العاملون بقوله تعالى: ‏‏{وَتَعَاوَنُوا ‏عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}‏‏ هم خير أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، ‏ويكون حالهم هذا دليلاً على خيريتهم، وتقدمهم في الفضل على غيرهم. ‏وهم صفوة شيعة علي (عليه السلام)..‏

وإن من مفاخر شيعة علي (عليه السلام) أن يكون ما يميزهم عن كل ‏من عداهم هو سمة سلوكية وعملية، وليست مجرد حالة كامنة في داخل ‏وجودهم. بل تكون الحالات الشخصية الكامنة، كالعمل، وطهارة ‏الضمير، والعبادة والطاعة لله بمثابة أدوات منتجة للخيرية الذاتية التي ‏تكرس هذا السلوك الاجتماعي.‏

وبتعبير آخر: إنه (عليه السلام) لم يجعل كثرة عملهم، ولا كثرة ‏عبادتهم، ولا زهدهم في الدنيا، ولا طهارة ضميرهم، ولا صفاء نياتهم، ‏ولا عصمتهم عن الذنب والخطأ.. ولا غير ذلك دليلاً على فضلهم.‏

بل جعل تعاونهم العملي على البر والتقوى هو الشاهد والدليل على ذلك ‏

٣٢

الفضل العظيم، لأنهم يكونون بذلك قد جمعوا الفضل من جميع جهاته ‏وأطرافه، وقد غمر كل وجودهم، واستفاض حتى شملوا به غيرهم..‏

وقوله (عليه السلام): (وصفوة شيعة علي) معطوف على قوله: خير ‏أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، من باب عطف الخاص على العام. فإن ‏شيعة علي (عليه السلام) هم بعض أمة محمد (صلى الله عليه وآله).‏

يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب:‏

بقي أن نشير إلى أننا رأينا علياً (عليه السلام) يتحدث عن نفسه هنا ‏بصيغة الغائب، ولعله لأجل أنه (عليه السلام) كان بصدد وضع الأساس ‏العقيدي الذي لا بد من الالتزام به، فاحتاج إلى أن يجرد الفكرة التي هو ‏بصدد بيانها عن المحيط الحسي الذي يحتضنها، لكي توغل في وعي ذلك ‏المتلقي لها. وتنشر في عمق وجوده النور والهدى، والصفاء والصلاح.‏

وبتجردها هذا هو الذي يهيؤها للاتساع وللنفوذ إلى كل الحنايا، لكي ‏تلامس كل الكوامن والخفايا. فتملؤها طهراً، ونقاء، وتتجلى بهاء وصفاء.‏

ولكنه (عليه السلام) حين انتقل إلى مجال التنفيذ والعمل، ووضع ‏ذلك اليوناني في مواجهة مسؤولياته وواجباته أصدر له أوامره كقائد ‏وإمام، لا بد أن يتابع حركة الواقع في المجال العملي بأمانة ودقة.‏

المطلوب: المواساة:‏

وقد كان أول توجيه عملي منه (عليه السلام) لذلك اليوناني هو أن ‏يواسي إخوانه بإمكاناته المالية..‏

٣٣

وقد اكتفى (عليه السلام) بالمساواة ولم يتجاوزها إلى الإيثار.‏

وهذا في حد نفسه يعطيه شعوراً بالأمن والاطمئنان إلى المستقبل، ‏والمصير، فإن ديناً يكون أول مطالبه بعد صحة الاعتقاد، والقيام بفروض ‏العبادة والطاعة الله ـ هو مساواة الإنسان المؤمن غيره بما يملكه من ‏إمكانات ـ إن هذا الدين هو الذي يصح أن يؤتمن على الأموال ‏والأعراض والأنفس والمستقبل والمصير.‏

وذلك لأن المواساة هي السبيل الأمثل للتخلص من المشكلات ‏الحياتية التي تعترض طريقه، كما أنها ترسخ العلاقة، وتذكي المشاعر ‏الروحية الفاعلة، والمؤثرة، وتغمره بفيضٍ من الحب والحنان بأسمى ‏وأصفى معانيه، وتوحي إلى كل فرد من أعضاء المجتمع الكثير من المعاني ‏والقيم، التي تضعه أمام مسؤوليات تفرضها عليه.‏

كما أن ذلك يمنع من تبلور سلبيات أو عقد قد تكون موجباتها قد ‏أفرزت حالات ضعف مر بها بعض أهل الإيمان. هذا إن لم نقل: إنه ربما ‏يؤثر في ضمور تلك السلبيات إلى أن تختفي بالكلية.‏

إعانة المطابقين:‏

وقد وصف (عليه السلام) شيعته بكلمتي (الإخوان) و (المطابقين)، ‏أي أنه (عليه السلام) لم يكتف في وصف المؤمنين بكلمة إخوانك بل ‏أضاف إليها كلمة: (المطابقين لك على تصديق محمد (صلى الله عليه وآله) ‏وتصديقي، والانقياد له، ولي). ليدل على أن مجرد الانتساب العام إلى ‏المذهب أو إلى أهل الإيمان لا يكفي في إيجاب المساواة لهم، بل لا بد من ‏

٣٤

تحصيل العلم بالمطابقة وبالتوافق التام في أمرين، هما:‏

‏١ ـ التصديق.‏

‏٢ ـ الطاعة..‏

فلا يكتفى بأحدهما دون الآخر، ولا يكتفى بالتصديق في بعض ‏الموارد دون بعض..‏

ولا يكتفى أيضاً بالطاعة في بعض الموارد.. بل لا بد من التطابق ‏والتوافق التام في التصديق والطاعة، في كل الموارد، فلو حصل التخلف في ‏مورد واحد منها سقط وجوب المساواة هذا. كما أن التصديق والطاعة ‏الكاملة والشاملة لا بد أن تكون لرجلين هما

‏١ ـ النبي (صلى الله عليه وآله).‏

‏٢ ـ علي (عليه السلام) بشخصه وعينه..‏

فلو تخلف أحد أهل الإيمان عن الطاعة والتصديق لعلي مثلاً ولو في ‏مورد واحد لم تجب مواساته، لأنه أخل بالتطابق التام لهما صلى الله عليهما ‏في جميع الموارد في هذين الأمرين..‏

وهذا يدل: على أن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلياً (عليه السلام) ‏متوافقان في جميع الأمور، بحيث يكون أمر علي (عليه السلام) في كل ‏مورد هو أمر النبي (صلى الله عليه وآله). ويكون عدم تصديق علي (عليه ‏السلام) ولو في مورد مساوقاً لعدم تصديق النبي (صلى الله عليه وآله).‏

ويدل أيضاً: على أن من عصى علياً مرة واحدة فإنه يخرج بها عن دائرة ‏الأخوة الإيمانية، وتسقط بذلك حقوق هذه الإخوة، التي منها المساواة، كما ‏

٣٥

دل عليه التعبير بكلمة (المطابقة)، القائم عليه إشتراط الطاعة والتصديق ‏للنبي ولعلي (عليه السلام) معاً..‏

يضاف إلى ذلك: علمنا بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد طبق ‏مفهوم قوله تعالى: ‏‏{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}‏‏(١). في ‏عملية المؤاخاة بين المسلمين، حين أقامها على الحق وعلى المساواة.. كما ‏فعل علي (عليه السلام) أيضاً هنا..‏

ويؤكد ذلك: أنه (صلى الله عليه وآله) ـ كما روي ـ كان يؤاخي بين ‏الرجل ونظيره(٢).‏

١- من الآية ١٠ من سورة الحجرات.‏

٢- راجع: العمدة لابن البطريق ص١٧١ و ١٧٢ وبحار الأنوار ج٣٨ ص٣٣٣ و ٣٣٥ و ٣٤٥ و ٣٤٦ ‏وينابيع المودة ج١ ص١٧٨ والأمالي للطوسي ص٥٨٧ والطرائف لابن طاوس ص١٠٧ ودلائل ‏الصدق ج٢ ص٢٧٢ و ٢٧٣ والعثمانية للجاحظ ص١٣٤ ومستدرك الحاكم ج٣ ص١٤ و ٣٠٣ ‏ووفاء الوفاء ج١ ص٢٦٧ و ٢٦٨ وفتح الباري ج٧ ص٢١١ والسيرة الحلبية ج٢ ص٢٠ وكتاب ‏الأربعين للماحوزي ص٢٣٦ و ٢٣٩ والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص٣٠٧ و ٥٦٥ والدرجات ‏الرفيعة ص٢٨٧ ونهج الإيمان ص٤٢٧ وكشف الغمة ج١ ص٣٣٦ وكشف اليقين ص٢٠٨ والسيرة ‏النبوية لدحلان ج١ ص١٥٥ والاستيعاب وغير ذلك.‏

٣٦

المعيار في المساواة:‏

وقد أرشد (عليه السلام) إلى المعيار الذي لا بد من اعتماده في ‏موضوع الإنفاق على الإخوة المطابقين في الطاعة والتصديق للنبي (صلى ‏الله عليه وآله) ولعلي (عليه السلام)، فذكر ما يلي:‏

‏١ ـ في صورة التساوي في الدرجة في الإيمان عليه أن يساويه في ماله ‏بنفسه

‏٢ ـ إن كان أفضل منه في الدين، فعليه أن يؤثر بماله على نفسه.‏

ولكنه (عليه السلام) لم يبين له الطريقة التي يعرف بها مساواته له، أو ‏أفضليته عليه.. ربما لأنه يريد أن يترك الأمر إلى وجدانه وإنصافه في ‏نظرته. لأن القناعة الوجدانية هنا هي التي تحقق طيب النفس له بالمال في ‏صورة المساواة، أو في صورة ظهور الفضل.‏

وأما سبب عدم ذكر الشق الثالث، وهو أن يكون الطرف المحتاج ‏للمال هو المفضول في الدين والإيمان. فهو أن هذا الشق لا موضع له بعد ‏فرض المطابقة في التصديق والطاعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ‏ولأمير المؤمنين (عليه السلام)..‏

صيانة الدين والعلم والأسرار:‏

وقد ذكر (عليه السلام) لذلك اليوناني: أن الأنبياء والأوصياء ‏‏(عليهم السلام) هم المصدر لأمور ثلاثة، لا بد من صيانتها، وهي:‏

‏١ ـ الدين.‏

٣٧

‏٢ ـ العلم.‏

‏٣ ـ الأسرار‏

أما صيانة الدين، فإنما هو بالالتزام بأحكامه وشرائعه، وتبني حقائقه ‏واعتقاداته، وعقد القلب عليها. ثم دفع الشبهات عنه، والدعوة إليه.‏

وأما صيانة العلوم الصحيحة، فإنما يكون:‏

أولاً: إبعادها عن أن تكون في متناول يد من ينتهك حرمتها من ‏يستخف بها, أو يسعى لإثارة الشبهات حولها.‏

ثانياً: إبعاد حملة هذه العلوم عن الإساءات إليهم بالشتم واللعن، ‏وتناول العرض والبدن بالأذى. فإن هذا قد يوجب الزهد بالحقائق, ‏والمضامين الصحيحة, واللجوء إلى الأباطيل والترهات.‏

أما صيانة الأسرار، فلأن إفشاء الأسرار معناه: كشف الحالات ‏المنسجمة مع واقع ملتزم بمنظومة قيم, ومثل, ومعايير، ربما لم يجربها أو ‏لعله لم يعرفها, ولم يتذوق طعمها, ولم يتلمس آثارها على السلوك ‏والممارسة، وعلى الروح والقلب, والمشاعر, وما إلى ذلك.. وسيجد فيها ‏الكثير من الناس ما ربما لا ينسجم مع ذائقتهم، ومع طريقة حياتهم، وما ‏يلبي رغباتهم وشهواتهم، فيسقط محلها في نفوسهم، وربما ينفرون منها، ‏ويشهرون لها العداء..‏

وقد يندفع بعض منهم بسبب جهله, وطيشه ورعونته ـ إلى التشنيع على ‏رموز الطهر والصدق, وقد يتمادى الأمر بأولئك الجاهلين والطائشين إلى ‏حد التطاول عليهم بما يوجب هتك حرمتهم, والعدوان على كراماتهم.‏

٣٨

هل التقية بحاجة إلى إذن؟!:‏

ثم إنه (عليه السلام) يقول لذلك اليوناني: (وقد أذنت لك في ‏تفضيل أعدائنا علينا, إن ألجأك الخوف إليه, وفي إظهار البراءة منا إن ‏حملك الوجل عليه, وفي ترك الصلوات المكتوبات, إن خشيت على ‏حشاشتك الآفات والعاهات إلخ..).‏

فقد تضمن هذا الكلام إذناً منه (عليه السلام) لذلك الرجل بأن ‏يمارس التقية. فقد يسأل سائل عن هذا الأمر, ولا يتسع القول بأن التقية ‏تحتاج إلى إذن, بعد أن شرعها الله تعالى للبشر جميعاً حين يكرههم الظالمون ‏على الجهر بخلاف ما يعتقدونه، تحت طائلة التعذيب، وربما يصل الأمر ‏إلى القتل. ويكفي شاهداً على ذلك ما جرى مع ياسر وزوجته سمية، ‏وولده عمار, الذي نزل في حقه قوله تعالى: ‏‏{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ ‏مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}‏‏(١).‏

وقصة مؤمن آل فرعون الذي نزل فيه قوله تعالى: ‏‏{وَقَالَ ‏رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}‏‏(٢) شاهد آخر على ‏ذلك.‏

ويمكن أن يجاب:‏

بأن العمل بالتقية بحضور الإمام يختلف عنه في حال غيبته ففي حال ‏الغيبة تمس الحاجة إلى وضع ضوابط وأحكام يعول الناس عليها حين ‏

١- من الآية ١٠٦ من سورة النحل.‏

٢- من الآية ٢٨ من سورة غافر.‏

٣٩

يحتاجون إليها. لأن عدم العمل بالضابطة لا بديل له وعنه إلا هدر ‏الطاقات, وإزهاق الأرواح, من دون وجود ما يدل على وجود مصلحة ‏في إزهاقها..‏

أما في حال حضور الإمام, فإنه هو الذي يتعاطى الشأن العام, فقد ‏تقتضي الحال ضرورة الجهر بالحقائق, حتى لو كلف ذلك إتلاف المال, أو ‏التعرض للأذى في النفس، بحيث توجب ممارسة التقية مفسدةً وضرراً ‏عظيماً على الدين وأهله.. وقد لا تقتضي شيئاً من ذلك..‏

والإمام هو الذي يحدد هذا أو ذاك. فلا بد من الرجوع إليه للوقوف ‏على جلية الأمر من الإمام نفسه, ويكون إعطاؤه الإذن بالتقية, أو حجبه ‏الإذن بها هو الفيصل في هذا الأمر.‏

للتقية حالات مختلفة:‏

وقد لاحظنا: أنه (عليه السلام) قد أجاز لذلك الرجل تفضيل ‏أعدائهم عليهم, إن ألجأه الخوف إلى هذا التفضيل. أما إظهار البراءة منهم ‏‏(عليهم السلام) فيكفي فيه حصول الوجل, وهو استشعار الخوف كما ‏يقول الراغب, أي مجرد الإحساس به. وهذه مرتبة أقل من مرتبة الخوف ‏الملجئ إلى التفضيل.‏

فدل ذلك: على أن إظهار البراءة أسهل من تفضيل أعداء أهل البيت ‏عليهم, لأن هذا في التفضيل تضليل وإيقاع في الشبهة، فاحتاج التنازل ‏عنه في التقية إلى تحقق خوف شديد يلجئ إليه.‏

أما إظهار البراءة, الذي يكفي فيه مجرد الوجل، فهو مجرد ادعاء أنه لا ‏

٤٠