×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج23 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

علاقة له بهم, سواء أكانوا أخياراً وأطهارا, وأنبياء أو أوصياء, أو لم ‏يكونوا كذلك, فإن ذلك لم يتعرض له حتى مع علمه به أو أنه لم يعلم به ‏من الأساس. ‏

ويلاحظ: أنه لم يذكر في الموردين المتقدمين إن كان الخوف أو الوجل ‏على المال أو على النفس, أو مجرد الأذى، أو غير ذلك.. ولكن قوله الآتي: ‏لتبقى على نفسك روحها التي بها قوامها, يدل على أن الحديث إنما هو في ‏مورد الخوف على المال والنفس والجاه.‏

أما ترك الصلاة المكتوبة, التي ورد أنها لا تترك بحال, فقد رخص ‏‏(عليه السلام) فيه في صورة الخشية على النفس من أن تنالها الآفات ‏والعاهات، فيعلم من تجويز ترك الصلاة في هذه الحالة: أن قوله (عليه ‏السلام): لا تترك الصلاة بحال، لا يشمل صورة الخوف على النفس..‏

الدوران بين الأهم والمهم:‏

وقد قرر (عليه السلام) في كلامه في هذا المورد: أنه إنما يأذن له ‏بالعمل بالتقية انطلاقاً من قاعدة تقديم الأهم على المهم, التي هي قاعدة ‏عقلية. فقد قال له:‏

‏(لئن تبرأت منا ساعة بلسانك, وأنت موالٍ لنا بجنانك لتبقي على ‏نفسك روحها التي بها قوامها, ومالها الذي به قيامها, وجاهها الذي به ‏تماسكها.. إلى أن قال: فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك, وتنقطع ‏به عن عمل في الدين, وصلاح إخوانك المؤمنين).‏

٤١

وبذلك يكون اللجوء إلى التقية أمراً مقبولاً ومفهوماً، ويعد تصرفاً ‏طبيعياً يمارسه كل عاقل إذا واجه التحدي, الذي لا طاقة له بدفعه عن ‏نفسه إلا بهذه الطريقة.‏

وبهذا البيان الواضح منه (عليه السلام) تصبح قاعدة الأخذ بالأهم ‏حين يدور الأمر بينه وبين المهم، قاعدة يمكن اعتمادها حتى في غير موارد ‏التقية, والحاجة إلى دفع الخطر عن النفس, أو عن المال والجاه.‏

هل الدنيا أهم من الدين؟!:‏

وقد يطرح سؤال يقول: كيف جاز التخلي عن العمل بأحكام ‏الشريعة, والالتزام بما يفرضه التدين والاعتقاد لمصلحة حفظ النفس ‏والمال والجاه؟!‏

وهل أصبحت الدنيا وشؤونها أهم من حفظ أحكام الدين, والعمل ‏بها؟!‏

ونجيب:‏

بأن المطلوب ليس هو إهمال الدنيا, والتخلي عنها, بل المطلوب هو ‏تسخيرها في خدمة الأهداف السامية, وحفظها, وتوفير إمكانات ‏الوصول إليها, على النحو الأفضل والأمثل.‏

فإن حفظ النفس والمال والجاه ليس لأجل أن القيمة تتجسد في هذه ‏العناصر الثلاثة, بحيث تكون الهدف الأقصى والنهائي للإنسان في الحياة.‏

بل المطلوب هو توفير هذه الطاقة، وصرف الأسواء عنها للاستفادة ‏منها فيما هو أهم ونفعه أعم, فيما يرتبط بصناعة مستقبل الإنسان, وحفظ ‏

٤٢

منظومة القيم التي يلتزم بها, ويريد لها أن تهيمن على مسار الحياة في ‏الدنيا، والانتهاء بها إلى تحقيق الفوز, ونيل السعادة في الآخرة..‏

وقد بين (عليه السلام) هذا الأمر بصورة واضحة, ووافية, وذلك ‏ضمن النقاط التالية:‏

‏١ ـ إن تفضيل الإنسان المؤمن في حالة خوفه أعداء أهل البيت على ‏أهل البيت لا ينفع أولئك الأعداء في شيء. لأن ظهور حالة الخوف تسقط ‏هذا التفضيل عن صلاحية الإلزام والالتزام به.‏

‏٢ ـ إن هذا التفضيل لا يضر أهل البيت, لأنه لا يعبر عن واقع, ولا ‏يشير إلى الالتزام بهذا التفضيل من قبل من صدر عنه.‏

‏٣ ـ إن إظهار البراءة منهم (عليهم السلام) عند سبيل التقية لا يدل ‏على أن هذه البراءة قد جاءت نتيجة اكتشاف خلل أو نقص كان خافياً.‏

فظهر أنه لا سلبيات للبراءة وللتفضيل في ممارسة التقية في حال ‏الخوف..‏

أما في الجانب الإيجابي, فإن من فوائد التقية:‏

‏١ ـ إن التبرء الظاهري اللساني من أهل البيت ساعة, مع استقرار ‏الإيمان في الجنان, يحفظ له حياته, ويبقي لنفسه روحها, التي بها قوامها إلى ‏أن يأذن الله.‏

‏٢ ـ إنه يصون إخوانه من التعرض للأذى, لأن ظهور أمره, وافتضاح ‏تشيعه وربما يمكِّن أولئك الطغاة من معرفة أمور كان يجب أن تبقى خافية ‏عليهم, لأنهم سيجدون فيها مبرراً لملاحقة الطغاة لكل من عرفوا بأنه على ‏

٤٣

مثل رأيه, ومن كانت له أدنى صلة به. وربما يمتد الأذى إلى النساء أيضاً, ‏فضلاً عن الرجال.‏

والنساء أكثر حساسية وأشد ضعفاً أمام وسائل القهر والتحدي.. ‏وبالتالي سيكون العدوان عليهن أشد أذى, وأبعد أثراً في إلحاق الهزيمة ‏الروحية بالمجتمع الإيماني كله..‏

‏٣ ـ إن الآثار التي تنشأ عن عدم ممارسة التقية سوف تمتد وتتلاحق ‏تفاعلاتها شهوراً وسنين كثيرة.. أما إذا مارس التقية فإنه سيفوز بالسلامة ‏الشخصية, وسيدفع الأذى عن أهل الإيمان. ويوفر عليهم الكثير من ‏المآسي والآلام طيلة سنين متمادية.‏

‏٤ ـ إن ذلك سيمكنه هو وسائر من هم على رأيه من مواصلة نشر ‏دعوتهم, والعمل على صلاح أمورهم..‏

النفس, والمال, والجاه:‏

وقد أظهرت كلماته (عليه السلام) أن المطلوب من العمل بالتقية هو ‏حفظ أمور ثلاثة:‏

‏١ ـ حفظ النفس.‏

‏٢ ـ حفظ المال..‏

‏٣ ـ حفظ الجاه..‏

ويبدو أن حفظ النساء والعُرض من التعرض لأذى وانتهاك أهل ‏الطغيان والباطل يدخل في نطاق حفظ الجاه, فإن المجتمعات الجاهلة لا ‏ترحم, لأن أكثر الناس لا يعون مسؤولياتهم, ولا يقومون بواجباتهم ‏

٤٤

الإنسانية والإيمانية. أو لا يبالون بآلام الناس, ولا يهتمون بمداواة ‏جراحاتهم, بل قد يظهرون الاستخفاف والسخرية والشماته بإخوانهم إذا ‏تعرضوا للعدوان على أعراضهم، أو لغير ذلك من أنواع العناء والبلاء. ‏والمصيبة بهؤلاء ستكون أدهى, والمرارة أشد وأعظم.‏

عناصر ضرورية للحياة وبقائها:‏

وقد أشار (عليه السلام) إلى ثلاثة أمور, يعطي التأمل فيها: أنها هي ‏العناصر الأساسية للحياة وللبقاء للإنسان في شخصيته الفردية, ‏والاجتماعية. وهذه العناصر هي:‏

‏١ ـ روحه التي بها قوام الإنسان وتمثل وجوده في شخصيته الفردية.‏

‏٢ ـ ماله، الذي به قيام الإنسان، فإن المال هو الذي يكرس له المنافع ‏المالية في دائرته الضيقة, ومحيطه العائلي, وهو الذي يقيم أوده، ويحقق له ‏وجوده ويؤكد فاعليته, كعضو فاعل ومؤثر في النظام الاجتماعي العام.‏

‏٣ ـ جاهه الذي به تماسكه, والذي يلامس شخصيته الاجتماعية, في ‏الدائرة الأوسع, حيث تتطلع مختلف الشرائح الاجتماعية للإفادة من هذه ‏الجاه, في حل مشكلاتها، وقضاء حاجاتها, وتولي إنجاز الكثير من ‏أمورها.‏

ومن شأن هذا الجاه أن يعطي الشخصية قوةً وتماسكاً في مكوناتها, ‏وسماتها وصفاتها الذاتية, وفيما يسرته لها طبيعة الحياة العامة من قدرات ‏وإمكانات ووسائل. حيث يمكِّنه جاهه من تحريك إمكاناته بصورة ‏معقولة ومقبولة, ويهيئ به لها وسائل الحفظ, ويفتح أمامها أبواب التأثير ‏فيما أريد لها أن تؤثر فيه.‏

٤٥

سلبيات التخلي عن التقية:‏

وقد بين (عليه السلام) سلبيات التخلي عن التقية بأبهى وأصدق ‏وأوضح بيان, فقال محذراً لذلك الرجل، مرة بعد أخرى:‏

‏(وإياك إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها فإنك:‏

‏١ ـ شائط بدمك.‏

‏٢ ـ ودماء إخوانك.‏

‏٣ ـ معرض لنعمك ونعمهم للزوال.‏

‏٤ ـ مذل لهم في أيدي أعداء دين الله. وقد أمرك الله بإعزازهم).‏

‏٥ ـ (فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك وإخوانك ‏أشد من ضرر الناصب لنا, الكافر بنا).‏

والوجه في هذا كله واضح: فإن ترك التقية هنا سيحدث هذا الضرر ‏الهائل عليه وعلى من معه، لما فيه من التفريط بحياتهم, وتعريض نعمهم ‏للزوال, وإذلالهم بأيدي أعدائهم..‏

أما الناصب الكافر, فقد لا يتمكن من إلحاق هذا المستوى من الضرر ‏بأهل الحق.. ويكون نُصْبُهُ الظاهر, وكفره المعلوم من موجبات التحرز ‏منه, والعمل على إبطال كيده, والحد من قدراته, ومن جدوى وسائله..‏

٤٦
٤٧

الفصل الثاني:‏

من أسئلة اليهود لعلي ‏(عليه السلام)‏..‏

٤٨
٤٩

سل بكل لسانك:‏

من إرشاد القلوب بحذف الإسناد روي: أن قوماً حضروا عند أمير ‏المؤمنين (عليه السلام) وهو يخطب بالكوفة ويقول: سلوني قبل أن ‏تفقدوني، فأنا لا أُسأل عن شيء دون العرش إلا أجبت فيه، لا يقولها ‏بعدي إلا مدع، أو كذاب مفتر.‏

فقام إليه رجل من جنب مجلسه، وفي عنقه كتاب كالمصحف، وهو ‏رجل آدم، ظرب، طوال، جعد الشعر. كأنه من يهود العرب، فقال رافعاً ‏صوته لعلي (عليه السلام): يا أيها المدعي لما لا يعلم، والمتقدم لما لا يفهم، ‏أنا سائلك فأجب.‏

قال: فوثب إليه أصحابه وشيعته من كل ناحية، وهموا به، فنهرهم ‏علي (عليه السلام) وقال: دعوه ولا تعجلوه، فإن العجل (والبطش) ‏والطيش لا يقوم به حجج الله، ولا بإعجال السائل تظهر براهين الله ‏تعالى.‏

ثم التفت إلى السائل، فقال: سل بكل لسانك ومبلغ علمك أجبك ‏إن شاء الله تعالى بعلم لا تختلج فيه الشكوك، ولا تهيجه دنس ريب الزيغ ، ‏ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.‏

٥٠

ثم قال الرجل: كم بين المشرق والمغرب؟!‏

قال علي (عليه السلام): مسافة الهواء.‏

قال الرجل: وما مسافة الهواء؟!‏

قال (عليه السلام): دوران الفلك.‏

قال الرجل: وما دوران الفلك؟!‏

قال (عليه السلام): مسير يوم للشمس.‏

قال: صدقت، فمتى القيامة؟!‏

قال (عليه السلام): عند حضور المنية، وبلوغ الأجل.‏

قال الرجل: صدقت فكم عمر الدنيا؟!‏

قال (عليه السلام): يقال: سبعة آلاف ثم لا تحديد.‏

قال الرجل: صدقت، فأين بكة من مكة؟!‏

قال علي (عليه السلام): مكة أكناف الحرم، وبكة موضع البيت.‏

قال الرجل: صدقت، فلم سميت مكة؟!‏

قال (عليه السلام): لأن الله تعالى مكَّ الأرض من تحتها.‏

قال: فلم سميت بكة؟!‏

قال علي (عليه السلام): لأنها بكَّت رقاب الجبارين، وأعناق ‏المذنبين.‏

قال: صدقت.‏

قال: فأين كان الله قبل أن يخلق عرشه؟!‏

فقال (عليه السلام): سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش على ‏

٥١

قرب ربواتهم من كرسي كرامته، ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات ‏جلاله، ويحك لا يقال: الله أين، ولا فيم، ولا أيٌّ، ولا كيف.‏

قال الرجل: صدقت، فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن ‏يخلق الأرض والسماء؟!‏

قال علي (عليه السلام): أتحسن أن تحسب؟!‏

قال الرجل: نعم.‏

قال للرجل لعلك لا تحسن أن تحسب.‏

قال الرجل: بلى إني أحسن أن أحسب.‏

قال علي (عليه السلام): أرأيت إن صب خردل في الأرض حتى يسد ‏الهواء، وما بين الأرض والسماء، ثم أذن لك على ضعفك أن تنقله حبة ‏حبة من مقدار المشرق إلى المغرب، ومد في عمرك وأعطيت القوة على ‏ذلك حتى نقلته وأحصيته لكان ذلك أيسر من إحصاء عدد أعوام ما لبث ‏عرشه على الماء من قبل أن يخلق الله الأرض والسماء، وإنما وصفت لك ‏عشر عشر العشير من جزء من مائة ألف جزء، وأستغفر الله عن (من خ) ‏التقليل والتحديد. ‏

فحرك الرجل رأسه وأنشأ يقول:‏


أنت أهل العلم يا هادي الهدىتجلو من الشك الغياهيبا
حزت أقاصي العلوم فماتبصر أن غولبت مغلوبا
لا تنثني عن كل أشكولةتبدي إذا حلت أعاجيبا

٥٢

لله در العلم من صاحب يطلب إنسانا ومطلوبا

‏(ملاحظة: في الشطرين الأولين من البيتين الأولين اختلال واضح، ‏فليلاحظ ذلك).‏

إيضاح: قال الجوهري: رجل ظرب مثال عتل: القصير اللحيم.‏

المراد هنا: اللحيم الغليظ(١).‏

ونقول:‏

في هذه الرواية أمور كثيرة ينبغي التوقف عندها، غير أننا نقتصر منها ‏على ما يلي:‏

ذنب اليهودي، وحلم علي ‏(عليه السلام)‏:‏

لاحظ ما يلي:‏

‏١ ـ إن ذلك الرجل قد ظلم علياً (عليه السلام) حين حكم عليه ‏مسبقاً: بأنه يدعي ما لا يعلم، ويتقدم لما لا يفهم..‏

‏٢ ـ إن هذا الذنب الذي ارتكبه اليهودي لا يستحق البطش به ‏بصورة طائشة، تهدف إلى الإنتقام من قبل من ثارت حميته، وحملته عصبيته ‏على الإقدام على ما لا يحق له الإقدام عليه إلا بعد أن يستأذن به إمامه.‏

‏٣ ـ إن تحرك الناس للبطش بذلك الرجل، عمل طائش أيضاً، لأنه لا ‏

١- بحار الأنوار ج١٠ ص١٢٦ ـ ١٢٨ عن إرشاد القلوب ج٢ ص١٨٦ ص١٨٧ وراجع ج٥٤ ص٢٣١ ـ ‏‏٢٣٢ و ٣٣٦ ـ ٣٣٨ والمحتضر ص١٥٨ ـ ١٦٠.‏

٥٣

تقوم به الحجة، ولا يثبت له: أن علياً (عليه السلام) يعلم، ويفهم، وإنما ‏يثبت له ذلك بالسؤال، وتلقي الجواب.‏

‏٤ ـ إن المطلوب: هو أن تقوم حجج الله وبراهينه، وليس الإنتقام ‏لعلي (عليه السلام) أو لغيره.. فقد أخطأ أولئك المتحمسون في فهم هذا ‏المطلوب..‏

متابعة التحدي:‏

ويلاحظ أيضاً:‏

‏١ ـ إن علياً (عليه السلام) في نفس الوقت الذي أعطى فيه الأمل ‏لذلك السائل، قد تابع تحديه له، ولكل الناس بأنه سيجيب على أسئلته ‏مهما كانت..‏

‏٢ ـ إن تعليقه (عليه السلام) إجابته على مشيئة الله تعالى لا يلغي هذا ‏التحدي، ولا يقلل من قيمته، لأنه ليس تعليقاً في سياق الترديد في القدرة، ‏بل هو تعليق يريد به تأكيد القدرة من حيث أنه يربط به علومه وأجوبته ‏الصادقة بأعلم العالمِين، ورب العالمَين.‏

‏٣ ـ إنه (عليه السلام) يتعهد بأن ما سيجيب به سيكون علماً ظاهراً، ‏لا سبيل إلى اختلاج الشكوك فيه، ولم يهجه دنس ريب الزيغ.‏

التحدي بالله سبحانه لا بدونه:‏

إن هذا التحدي إنما هو من واقع الارتباط بالله، لا بالاستناد إلى ‏القدرات الذاتية المنفصلة عنه تعالى، وذلك إنه (عليه السلام) برأ نفسه من ‏

٥٤

أن يدعي لها: أن تكون لها أية قدرات مستقلة عن الله تبارك وتعالى، ‏ليؤكد: أنه لا حول ولا قوة له إلا بالله.‏

وبذلك يكون قد ضمن سلامة اعتقاد الناس فيه، حيث لم يفسح ‏المجال لأي غلو، أو ارتفاع، فمن فعل ذلك يكون هو الذي يتحمل ‏مسؤولية ما أقدم عليه.‏

يقال: عمر الدنيا سبعة آلاف:‏

‏١ ـ قوله (عليه السلام) حين سأله السائل عن عمر الدنيا: (يقال: ‏سبعة آلاف)، يشير إلى أنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية صحة هذا القول ‏من جهة، ولا يريد أن يعطي وقتاً معيناً في ذلك، لأن ذلك يفتح المجال ‏أمام التشكيك في صحة ما جاء به، لأن عماده النقل الصحيح، الذي لا ‏سبيل إلى إثبات صحته إلا قول المعصوم، وما دام ذلك الرجل لم يؤمن ‏بعد بعصمة النبي (صلى الله عليه وآله)، أو علي (عليه السلام)، فإن ‏الدخول معه في نقاش كهذا سوف لا ينتهي إلى نتيجة.‏

كما أن ذلك يهيئ لذلك السائل الفرصة إلى الطعن في قوله (عليه ‏السلام): إنه سيجيبه بما لا تختلج فيه الشكوك.‏

‏٢ ـ أما قوله: ثم لا تحديد، فهو ناظر إلى بقية عمر الدنيا، الذي هو ‏أمر مستقبلي خاضع لمشيئة الله وإرادته، كما أن التعرض لذكر أي رقم في ‏ذلك سيكون مصيره مصير الرقم المرتبط بما سبق من عمرها.‏

‏٣ ـ إن قبول السائل بأن يكون عمر الدنيا هو سبعة آلاف سنة ليس ‏مما يمكن تكيد صجته، حتى لو كان مراده عمر الدنيا المعمورة بالبشر، ‏

٥٥

المنسوبين إلى خصوص أبينا آدم (عليه السلام)، فإن عمر الدنيا ـ فيما ‏يظهر ـ أكثر من ذلك. ولو كان المقصود هو عمر الدنيا من حين خلقها، ‏فلا بد من البحث عن جواب آخر أيضاً.. ولا يمكن إثبات صحته ولا ‏فساده إلا بقول المعصوم.‏

أسئلة يهوديين:‏

قال ابن شهرآشوب:‏

ابن عباس: أن أخويين يهوديين سألا أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ‏واحد لا ثاني له, وعن ثانٍ لا ثالث له, إلى مائة متصلة, نجدها في التوراة ‏والإنجيل وهي في القرآن يتلونه.‏

فتبسم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال:‏

أما الواحد فالله ربنا الواحد القهار لا شريك له.‏

وأما الإثنان فآدم وحوا، لأنهما أول اثنين.‏

وأما الثلاثة فجبرائيل وميكائيل وإسرافيل, لأنهم رأس الملائكة على ‏الوحي.‏

وأما الأربعة فالتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان.‏

وأما الخمسة, فالصلاة أنزلها الله على نبينا محمد وعلى أمته, ولم ينزلها ‏على نبي كان قبله, ولا على أمة كانت قبلنا, وأنتم تجدونه في التوراة.‏

وأما الستة, فخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام.‏

وأما السبعة, فسبع سماوات طباقاً.‏

٥٦

وأما الثمانية, فيحمل عرش ربك يومئذ ثمانية.‏

وأما التسعة, فآيات موسى التسع.‏

وأما العشرة, فتلك عشرة كاملة.‏

وأما الأحد عشر, فقول يوسف لأبيه: ‏‏{إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ ‏عَشَرَ كَوْكَبًا}‏‏.‏

وأما الإثنا عشر, فالسنة اثنا عشر شهراً.‏

وأما الثلاثة عشر, فقول يوسف لأبيه: ‏‏{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ‏رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}‏‏(١), فالأحد عشر أخوته, والشمس ‏أبوه والقمر أمه.‏

وأما الأربعة عشر, فأربعة عشر قنديلاً من نور معلقة بين السماء ‏السابعة والحجب, تسرج بنور الله إلى يوم القيامة.‏

وأما الخمسة عشر, فأنزلت الكتب جملة منسوجة من اللوح المحفوظ ‏إلى سماء الدنيا لخمس عشرة ليلة مضت من شهر رمضان.‏

وأما الستة عشر, فستة عشر صفاً من الملائكة، حافين من حول ‏العرش.‏

وأما السبعة عشر, فسبعة عشر اسماً من أسماء الله تعالى، مكتوبة بين ‏الجنة والنار, لولا ذلك لزفرت زفرة أحرقت من في السماوات والأرض.‏

وأما الثمانية عشر, فثمانية عشر حجاباً من نور, معلقة بين العرش ‏والكرسي, لولا ذلك لذابت الصم الشوامخ, واحترقت السماوات ‏

١- الآية ٤ من سورة يوسف.‏

٥٧

والأرض وما بينهما من نور العرش.‏

وأما التسعة عشر, فتسعة عشر ملكاً خرنة جهنم.‏

وأما العشرون, فأنزل الزبور على داود (على نبينا وآله وعليه السلام) ‏في عشرين يوماً من شهر رمضان.‏

وأما الأحد والعشرون, فألان الله لداود فيها الحديد.‏

أما في اثنين وعشرين, فاستوت سفينة نوح.‏

وأما الثلاثة وعشرون, ففيه ميلاد عيسى, ونزول المائدة على بني ‏إسرائيل.‏

وأما في أربعة وعشرين, فرد الله على يعقوب بصره.‏

وأما خمسة وعشرون, فكلم الله موسى تكليماً بواد المقدس, كلمه ‏خمسة وعشرين يوماً.‏

وأما ستة وعشرون, فمقام إبراهيم (عليه السلام) في النار, أقام فيها ‏حيث صارت برداً وسلاما.‏

‏ وأما سبعة وعشرون, فرفع الله إدريس مكاناً علياً, وهو ابن سبع ‏وعشرين سنة.‏

وأما ثمان وعشرون, فمكث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت.‏

وأما الثلاثون, ‏‏{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً}‏‏.‏

٥٨

وأما الأربعون, تمام ميعاده ‏‏{وَأَتْمَمْنَاهَا ‏بِعَشْرٍ}‏‏(١).‏

وأما الخمسون, خمسون ألف سنة.‏

وأما الستون, كفارة الإفطار: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.‏

وأما السبعون, ‏‏{سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا}‏‏(٢).‏

وأما الثمانون, ‏‏{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}‏‏(٣).‏

وأما التسعون, فـ ‏‏{تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً}‏‏(٤).‏

وأما المائة, ‏‏{فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ ‏جَلْدَةٍ}‏‏(٥).‏

فلما سمعا بذلك أسلما. فقتل أحدهما في الجمل, والآخر في صفين(٦).‏

ونقول:‏

لاحظ ما يلي:‏

١- الآية ١٤٢ من سورة الأعراف.‏

٢- الآية ١٥٥ من سورة الأعراف.‏

٣- الآية ٤ من سورة النور.‏

٤- الآية ٢٣ من سورة ص.‏

٥- الآية ٢ من سورة النور.‏

٦- مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٨٤ و ٣٨٥ و (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص٢٠٣ ـ ٢٠٥ وبحار الأنوار ‏ج١٠ ص٨٦ و ٨٧ وراجع ص٦ و ٧ وراجع: الخصال ص٥٩٩ ـ ٦٠٠.‏

٥٩
٦٠