×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج24 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ولكن هناك رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام)، في الذي تدركه ‏الصلاة وهو على ظهر الكعبة قال:‏

إن قام لم يكن له قبلة. ولكن يستلقي على قفاه، ويفتح عينيه إلى ‏السماء، ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء: البيت المعمور، ويقرأ. فإذا أراد ‏أن يركع غمض عينيه. وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه. ‏والسجود على نحو ذلك(١).‏

وقد ادعى الشيخ (رحمه الله) الإجماع على مضمون هذا الحديث(٢).‏

وقد توقف فيه جماعة من المتأخرين، لأنه ينافي وجوب القيام والركوع والسجود، وحكموا: بأن المصلي على ظهر الكعبة يبرز بين يديه شيئاً منها، ‏ويصلي إليه(٣).‏

وقال الحر العاملي: يمكن حمله (أي حمل حديث الإمام الرضا (عليه ‏السلام)) على النافلة، أو على العجز عن القيام، أو على الضرورة.. (٤).‏

١- الكافي ج٣ ص٣٩٢ وتهذيب الأحكام ج٢ ص٣٧٦ ووسائل الشيعة (آل ‏البيت) ج٤ ص٣٤٠ و (الإسلامية) ج٣ ص٢٤٨ وغوالي اللآلي ج٣ ص٧٢ ‏وجامع أحاديث الشيعة ج٤ ص٥٨٥.‏

٢- الخلاف ج١ ص٤٤١.‏

٣- راجع: القواعد للعلامة ج١ ص٢٦ والشرائع ج١ ص٦٥ والذكرى ‏ص١٦١ ومفتاح الكرامة ج٢ ص٨٢.‏

٤- وسائل الشيعة (آل البيت) ج٤ ص٣٤٠ و (الإسلامية) ج٣ ص٢٤٨.‏

٦١

كسر رباعية الرسول الأكرم ‏(صلى الله عليه وآله)‏:‏

وذكرت الرواية المتقدمة: أن رباعية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ‏كسرت، وشج وجهه يوم الأربعاء.‏

ونحن لا نريد الخوض في تحديد اليوم الذي شج فيه وجه رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله)، ولكننا نقول:‏

ورد في الروايات خلاف ما ذكر هنا، فقد سأل الصباح بن سيابة ‏الإمام الصادق (عليه السلام): كسرت رباعيته كما يقول هؤلاء؟!‏

قال: لا والله، ما قبضه الله إلا سليماً، ولكنه شج في وجهه(١).‏

هاجر تجر ذيلها:‏

وبعد.. فإن الرواية المتقدمة نسبت إلى هاجر زوجة إبراهيم: أنها جرَّت ذيلها حين تخلصت من سارة التي كانت تؤذيها..‏

ونحن لم نرَ في حياة هاجر ما يدل على أنها من النوع الذي يتجرأ على ‏ما لا يرضي الله تبارك وتعالى، بل كانت مثال المرأة الصالحة التي تلد ‏لإبراهيم أفضل أولاده، هو إسماعيل النبي (الذبيح)، فما معنى: أن تنسب ‏إليها الرواية المتقدمة الإقدام على أمر لا يحبه الله بل يبغضه، وهو جرُّ الذيل ‏الذي أكدت الروايات على ذمه، وبينت مبغوضيته لله تعالى؟!(٢).‏

١- إعلام الورى ج١ ص١٧٩ وبحار الأنوار ج٢٠ ص٩٦.‏

٢- راجع: وسائل الشيعة (آل البيت) ج٥ ص٤١ ووسائل الشيعة ‏‏(الإسلامية) ج٣ ص٣٦٧ باب كراهة إسبال الثوب، وتجاوزه الكعبين ‏للرجل ومستدرك الوسائل ٣ ص٢٦٢ نفس الباب.‏

٦٢

بل هذه الرواية تمعن في تجسيد قباحة هذا الأمر وشناعته، حين ‏ذكرت: أنه لم يسبقها إلى جر الذيل أحد من النساء، ولا سيما بعد مقارنتها ‏بقارون، وأنه كان أول من جر ذيله من الرجال قارون، الذي خسف الله به ‏وبداره الأرض، خلد الله ذمه في القرآن الكريم..‏

فهل أريد بذلك التشويش على هاجر، لأنها أم إسماعيل، ثم تنزيه ‏سارة التي هي أم إسحاق، وكان اليهود يهتمون بتعظيمه وتقديمه على ‏إسماعيل؟!‏

وحسبنا ما ذكرناه حول هذه الرواية، فإنه يكفي لوضع علامة ‏استفهام كبيرة حول صحتها، ويؤكد عدم إمكان الاعتماد عليها.‏

٦٣

الفصل الثاني:‏

ابن الكواء وعلي ‏(عليه السلام)‏..‏

٦٤
٦٥

ابن الكواء: هل كلَم الله جميع خلقه؟!:‏

روى الرضي بإسناد مرفوع إلى الأصبغ قال، سأل ابن الكوا أمير ‏المؤمنين ـ وكان متعنتاً في المسائل ـ فقال: يا أمير المؤمنين، خبرني عن الله عز ‏وجل، هل كلم أحداً من ولد آدم قبل موسى؟!‏

فقال: قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم، وردوا عليه الجواب.‏

قال: فثقل ذلك على ابن الكواء، ولم يعرفه، فقال: وكيف كان ذلك؟!‏

قال: أوما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبينا: ‏‏{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ‏بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا ‏بَلَى..}‏؟! فقد أسمعهم كلامه، وردوا عليه الجواب. كما تسمع ‏في قول الله يا بن الكواء: ‏‏{قَالُوا بَلَى..}‏‏(١)، وقال ‏لهم: ‏‏{إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا..}‏‏(٢)، وأنا ‏‏{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}‏‏. فأقروا له بالطاعة ‏والربوبية..(٣).‏

١- الآية ١٧٣ من سورة الأعراف.‏

٢- الآية ١٤ من سورة طه.‏

٣- خصائص الأئمة ص٨٧ وقضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) للتستري (ط ‏الأعلمي) ص١٠٢عنه، وبحار الأنوار ج٥ ص٢٥٨ وج٤٠ ص٢٨٤ و ‏‏٢٨٥ وج٦٤ ص١٠١ وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج١١ ‏ص١٩١ وتفسير العياشي ج٢ ص٤١ وتفسير نور الثقلين ج٢ ص٩٩ ‏وتفسير الميزان ج٨ ص٣٢٤ وعجائب أحكام أمير المؤمنين للسيد محسن ‏الأمين ص٢١٩.‏

٦٦

ونقول:‏

طرح المسائل المشكلة على علي ‏(عليه السلام)‏:‏

إن مواجهة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمسائل المشكلة من مختلف ‏الفئات كانت هي السمة الطاغية على حياته (صلوات الله وسلامه عليه)..‏

كما أن الكثيرين من هؤلاء السائلين كانت نواياهم تتجه إلى إحراجه ‏ولو بمقدار أن يتردد ولو في مسألة واحدة، طيلة عمره، لأنهم يريدون ‏إسقاط معنى الإمامة فيه.‏

ولا يمكن استثناء ابن الكوا الخارجي الذي كان يحرص كل الحرص ‏على هذا الأمر، ولم يزل يبذل المحاولة تلو الأخرى عله يظفر به.‏

حيرة ابن الكوا:‏

لقد فوجئ عبد الله ابن الكوا بجواب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ‏فقد كان يظن: أن الله تعالى لا يكلم إلا الأنبياء. وإذ به يسمع: أنه تعالى ‏ليس فقط يمكن أن يكلِّم غير الأنبياء، بل هو قد كلَّم بالفعل شرار خلقه

٦٧

‏وخيارهم على حد سواء. وأنهم قد ردوا عليه الجواب..‏

وكان الأشد على قلب ابن الكوا: أن يكون الجواب مذكوراً في القرآن ‏بصورة صريحة ولا يتنبه له.‏

المضمون العام للآية:‏

إن الروايات التي شرحت الآية قد بينت: أن الله تعالى قد أخذ من بني ‏آدم ذريتهم من ظهورهم ـ وكان ذلك في عالم الذر ـ وأشهدهم على ‏ألوهيته، وعلى نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، وولاية مولانا أمير ‏المؤمنين علي (عليه السلام).‏

وقد شهدوا بذلك. وأخذ الله عليهم الميثاق به. وأشهد الملائكة على ‏قبولهم لهذا الميثاق.‏

وقد صرحت الآية المباركة أيضاً: بأنهم سيعتذرون يوم القيامة: بأنهم ‏قد نسوا ميثاقهم في دار الدنيا، وعملوا بخلافه.‏

وقد توهم بعضهم: أن الآية تدل على أن الإنسان قد اختار أعماله في ‏عالم الذر فهو يطبق في الدنيا ما اختاره في ذلك العالم.‏

وهو كلام غير دقيق، فإننا لا نرى أن الآية والروايات قد دلت على ‏شيء من ذلك.‏

عالم الذر.. والإشهاد:‏

ويمكن تلخيص الكلام في الآية بما يلي:‏

إن الإنسان يمر في عوالم مختلفة في حالاتها، وأحكامها، ونظامها.

٦٨

‏فهناك الحياة الآخرة، وحياة البرزخ، والحياة في هذه الدنيا. وهناك الحياة في الخزائن الإلهية التي لا حد لها. وإنما يتحدد الإنسان وغيره من المخلوقات ‏ويُقدَّر بعد خروجه من الخزائن. ونزوله إلى الدنيا.‏

كما أن إخراج الله للإنسان من الخزائن، وإيجاده في الدنيا، يكون ‏بإفاضة دفعية، بكلمة (كن)، فيأخذ أحكام الدنيا في تدرجه وفي حالاته ‏وتلحقه أحكامها، ويخضع لنظمها. ويتكامل تدريجاً، إلى أن يحين نقله إلى ‏العالم الآخر وهو عالم البرزخ، فتتبدل حالاته بما يتناسب مع أحوال عالمه ‏الجديد، ويخضع لنظمه، وتلحقه أحكامه. إلى أن ينتهي إلى عالم الآخرة. ‏وكل ذلك يكون بصورة تدريجية.‏

ولكن للإنسان من جهة أخرى وجه آخر، وهو حضوره لدى الله ‏تعالى في خزائنه. وهو عالم آخر لهذا الإنسان غير عالم الدنيا. له أيضاً نظمه ‏وأحكامه، فهو حضور دائم بين يدي الله، لا يعرض له التدرج، ولا ‏الانتقال من حالة إلى أخرى، ولا يخضع في حضوره هذا لعوارض الزمان. ‏وهذا هو عالم الملكوت، الذي أراه الله تعالى لإبراهيم في قوله: ‏‏{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ‏الْمُوقِنِينَ}‏‏(١).‏

فإذا كان الوجه الدنيوي ـ كما يقول العلامة الطباطبائي ـ الذي نشاهده ‏نحن من العالم الإنساني يفرق بين الآحاد، ويشتت الأحوال والأعمال، ‏ويفرقها على قطعات الزمان، ويحجب الإنسان عن ربه. ويشغله بالماديات ‏

١- الآية٧٥ من سورة الأنعام.‏

٦٩

‏واللذائذ، فإن هذا التفرق والتشتت والتوزع في الزمان، والحجب عن الله، لا يقع في النشأة الأولى في الخزائن، فإنها اتصال دائم به تعالى، ولا يلحقه ‏فيها أي من القذارات والتلوثات، التي هي من أحكام نشأة الدنيا..‏

ولذلك تقول الآية المباركة: إن هناك نشأة سابقة، أشهد الله فيها أفراد ‏البشر على أنفسهم، فشهدوا له بالألوهية والربوبية وبغير ذلك مما قدمناه.‏

علي ‏(عليه السلام)‏ لابن الكوا: سل عما يعنيك:‏

عن صفوة الأخبار قال: قام ابن الكواء إلى أمير المؤمنين (عليه ‏السلام)، فقال: أخبرني عن بصير بالليل بصير بالنهار.‏

وعن بصير بالنهار أعمى بالليل.‏

وعن بصير بالليل أعمى بالنهار.‏

فقال (عليه السلام) له: [ويلك] سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك.‏

‏[ويلك] أما بصير الليل بصير النهار، فهذا رجل آمن بالرسل ‏‏[والأوصياء] الذين مضوا [وبالكتاب والنبيين، وآمن بالله]، وأدرك النبي ‏فآمن به، [وأقر لي بالولاية]، فأبصر في ليله ونهاره.‏

‏[وأما أعمى بالليل أعمى بالنهار، فرجل: جحد الأنبياء والأوصياء، ‏والكتب التي مضت، وأدرك النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يؤمن به، ولم ‏يقر بولايتي، فجحد الله عز وجل ونبيه (صلى الله عليه وآله) فعمي بالليل ‏وعمي بالنهار].‏

وأما أعمى بالليل بصير بالنهار، فرجل: جحد الأنبياء الذين مضوا، ‏

٧٠

‏ ‏‏[والأوصياء] والكتب(١). وأدرك النبي فآمن به، [فآمن بالله وبرسوله ‏محمد (صلى الله عليه وآله)، وآمن بإمامتي وقبل ولايتي، فعمي بالليل ‏وأبصر بالنهار] فعمي بالليل وأبصر بالنهار.‏

وأما أعمى بالنهار بصير بالليل، فرجل: آمن بالأنبياء والكتب، وجحد ‏بالنبي [وولايتي، وأنكرني حقي] ، فأبصر بالليل وأعمى بالنهار(٢).‏

ما بين المعقوفات أخذناه من كتاب الاحتجاج للطبرسي. وزاد على الرواية ‏المتقدمة قوله: ويلك يا بن الكواء، فنحن بنو أبي طالب بنا فتح الله ‏الإسلام وبنا يختمه.‏

قال الأصبغ: فلما نزل أمير المؤمنين (عليه السلام) من المنبر تبعته، ‏فقلت: يا سيدي يا أمير المؤمنين، قويت قلبي بما بينت.‏

فقال لي: يا أصبغ، من شك في ولايتي فقد شك في إيمانه، ومن أقر ‏بولايتي فقد أقر بولاية الله عز وجل، ولايتي متصلة: بولاية الله كهاتين ـ ‏

١- أي وجحد الكتب.‏

٢- قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) للتستري (ط الأعلمي ـ الطبعة ‏العاشرة) ص١٠٤ و ١٠٥ والإحتجاج للطبرسي ج١ ص٥٤٣ و ٥٤٤ و (ط ‏دار النعمان) ج١ ص٣٣٩ وبحار الأنوار ج٤٠ ص٢٨٣ عن كتاب صفوة ‏الأخبار، وعجائب أحكام أمير المؤمنين للسيد محسن الأمين ص٢٠٨. ‏وكتاب التوحيد للصدوق ص٢٨١ وتفسير فرات ص٤٦ وتفسير القمي ج٢ ‏ص١٠٦ وتأويل الآيات ج١ ص٣٦٥.‏

٧١

وجمع بين إصبعيه ـ.‏

يا أصبغ، من أقر بولايتي فقد فاز، ومن أنكر ولايتي فقد خاب وخسر، ‏وهوى في النار، ومن دخل في النار لبث فيها أحقاباً(١).‏

ونقول:‏

قال المحقق التستري (رحمه الله):‏

قلت: مصداق قوله (عليه السلام) في الجواب عن السؤال الأول من ‏البصير بالليل والنهار: صرمة بن أبي أنس، من بني النجار من الأنصار، ‏فإنه فارق الأوثان في الجاهلية وقال: أعبد رب إبراهيم. ولما قدم رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله) المدينة أسلم وحسن إسلامه، وهو القائل في الجاهلية ‏في الله تعالى: ‏

سبحوا الله شرق كل صباح طلعت شمسه وكل هلال

وفي الإسلام وفي رسول الله (صلى الله عليه وآله):‏

ثوى في قريش بضع عشرة حجة‏ بمكة لا يلقى صديقاً مواتيا‏
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يوفي ولم ير داعيا‏
فلما أتانا أظهر الله دينه وأصبح مسروراً بطيبة راضيا‏

وعن السؤال الثاني من الأعمى بالليل والبصير بالنهار: أكثر الصحابة.‏

وعن السؤال الثالث من البصير بالليل والأعمى بالنهار: أمية بن أبي ‏

١- راجع: الاحتجاج للطبرسي ج١ ص٥٤٣ و ٥٤٤ و (ط دار النعمان) ج١ ‏ص٣٣٨ ـ ٣٤٠ وبحار الأنوار ج١٠ ص٨٣ عنه.‏

٧٢

الصلت، فإنه كان في الجاهلية قرأ الكتب، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان ‏يخبر: بأن نبياً يبعث قد أظل زمانه، فلما سمع بخروج النبي كفر حسداً له.‏

ولما أُنْشِدَ النبيُّ شعرَه قال (صلى الله عليه وآله): آمن لسانه وكفر ‏قلبه(١).‏

‏ أسئلة ابن الكواء الخارجي:‏

وسأله ابن الكواء علياً (عليه السلام): كم بين السماء والأرض؟!‏

فقال (عليه السلام): دعوة مستجابة.‏

قال: وما طعم الماء؟!‏

قال طعم الحياة.‏

وقالوا: وكم بين المشرق والمغرب؟!‏

فقال (عليه السلام): مسيرة يوم الشمس.‏

قال: وما أخوان ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد، وعمر ‏أحدهما خمسون ومائة سنة، وعمر الآخر خمسون سنة؟!‏

فقال (عليه السلام): ولد عزير وعزرة أخوة, لأن عزيراً أماته الله مائة ‏عام ثم بعثه.‏

وسأله عن بقعة ما طلعت عليها الشمس إلا لحظة واحدة؟!‏

١- قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) للتستري (ط الأعلمي) ص١٠٥ ‏وتفسير السمرقندي ج١ ص٥٨٠ والمعارف لابن قتيبة ص٦٠ وخزانة ‏الأدب للبغدادي ج١ ص٢٤٦.‏

٧٣

فقال: ذلك البحر الذي فلقه الله لبني إسرائيل.‏

وعن إنسان يأكل ويشرب ولا يتغوط؟!‏

قال (عليه السلام): ذلك الجنين.‏

وعن شيء شرب وهو حي, وأكل وهو ميت؟!‏

فقال: ذلك عصا موسى شربت وهي في شجرتها غضة, وأكلت لما ‏التقفت حبال السحرة وعصيهم.‏

وعن بقعة علت على الماء في أيام الطوفان؟!‏

فقال (عليه السلام): ذاك موضع الكعبة، لأنها كانت ربوة.‏

وعن مكذوب عليه ليس من الجن ولا من الإنس؟!‏

فقال: ذلك الذئب, إذ كذب عليه إخوة يوسف.‏

وعن من أوحي إليه، لا من الجن، ولا من الإنس؟!‏

فقال: ‏‏{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}‏‏(١).‏

وعن أطهر بقعة على وجه الأرض، لا تجوز الصلاة عليها؟!‏

فقال: ذلك ظهر الكعبة.‏

وعن رسول ليس من الجن ولا الإنس, والملائكة والشياطين؟!‏

فقال: الهدهد, اذهب بكتابي هذا؟!‏

وعن مبعوث ليس من الجن, والإنس, والإنس, والملائكة, والشياطين؟!‏

١- الآية ٦٨ من سورة النحل.‏

٧٤

فقال (عليه السلام): ذلك الغراب, ‏‏{فَبَعَثَ اللهُ ‏غُرَابًا}‏‏(١).‏

وعن نفس في نفس ليس بينهما قرابة ولا رحم؟!‏

فقال (عليه السلام): ذلك يونس النبي في بطن الحوت.‏

قال: ومتى القيامة؟!‏

قال: عند حضور المنية وبلوغ الأجل.‏

قال: وما عصا موسى؟!‏

فقال (عليه السلام): كان يقال لها: الإربية, وكان [نت] من عوسج, ‏طولها سبعة أذرع بذراع موسى, وكانت من الجنة, أنزلها جبرائيل (عليه ‏السلام) على شعيب (عليه السلام)(٢).‏

‏ ابن الكواء يسأل علياً ‏(عليه السلام)‏:‏

‏١ ـ وعن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) ‏على منبر الكوفة، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال:‏

أيها الناس، سلوني، فإن بين جوانحي علماً جماً.‏

فقام إليه ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين، ما الذاريات ذرواً؟!‏

قال: الرياح.‏

١- الآية ٣١ من سورة المائدة.‏

٢- راجع: مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٨٣ و ٣٨٤ و (ط المكتبة الحيدرية) ‏ج٢ ص٢٠٣ و ٢٠٤ وبحار الأنوار ج١٠ ص٨٤ ـ ٨٦.‏

٧٥

قال: فما الحاملات وقرا؟!‏

قال: السحاب.‏

قال: فما الجاريات يسراً؟!‏

قال: السفن.‏

قال: فما المقسمات أمراً.‏

قال: الملائكة.‏

قال: يا أمير المؤمنين، وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضاً. ‏

قال: ثكلتك أمك يا ابن الكواء، كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، ولا ‏ينقض بعضه بعضاً، فسل عما بدا لك.‏

قال: يا أمير المؤمنين سمعته يقول: ‏‏{بِرَبِّ الْمَشَارِقِ ‏وَالْمَغَارِبِ}‏‏(١). ‏

وقال في آية أخرى: ‏‏{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ‏الْمَغْرِبَيْنِ}‏‏(٢). ‏

وقال في آية أخرى: ‏‏{رَبُّ الْمَشْرِقِ ‏وَالْمَغْرِبِ}‏‏(٣).‏

قال: ثكلتك أمك يا بن الكواء، هذا المشرق، وهذا المغرب.‏

وأما قوله: ‏‏{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}‏، فإن ‏مشرق الشتاء على حدة، ومشرق الصيف على حدة. أما تعرف ذلك من ‏قرب الشمس ‏

١- الآية ٤٠ من سورة المعارج.‏

٢- الآية ١٧ من سورة الرحمن.‏

٣- الآية ٩ من سورة المزمل.‏

٧٦

وبعدها؟

وأما قوله: ‏‏{بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}‏، فإن لها ‏ثلاثمائة وستين برجاً، تطلع كل يوم من برج، وتغيب في آخر، فلا تعود إليه ‏إلا من قابل في ذلك اليوم.‏

قال: يا أمير المؤمنين، كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك؟!‏

قال: ثكلتك أمك يا بن الكواء سل متعلماً، ولا تسأل متعنتاً. من ‏موضع قدمي إلى عرش ربي أن يقول قائل مخلصاً: (لا إله إلا الله).‏

قال: يا أمير المؤمنين، فما ثواب من قال: لا إله إلا الله؟!‏

قال: من قال لا إله إلا الله مخلصاً طمست ذنوبه، كما يطمس الحرف ‏الأسود من الرق الأبيض.‏

فإن قال ثانية: لا إله إلا الله مخلصاً خرقت أبواب السماوات وصفوف ‏الملائكة حتى يقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله.‏

فإذا قال ثالثة: لا إله إلا الله مخلصاً، لم تنته دون العرش، فيقول الجليل: ‏‏(اسكني، فوعزتي وجلالي لأغفرن لقائلك بما كان فيه).‏

ثم تلا هذه الآية: ‏‏{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ ‏الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}‏‏(١). يعني: إذا كان عمله صالحاً ارتفع قوله ‏وكلامه.‏

قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قوس قزح.‏

١- الآية ١٠ من سورة فاطر.‏

٧٧

قال: ثكلتك أمك، لا تقل: قوس قزح، فإن قزحاً اسم شيطان، ولكن قل: قوس الله، إذا بدت يبدو الخصب والريف.‏

قال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن المجرة التي تكون في السماء. ‏

قال: هي شرج في السماء، وأمان لأهل الأرض من الغرق، ومنه أغرق ‏الله قوم نوح بماء منهمر.‏

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر. ‏

قال (عليه السلام): الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل ‏عن مسألة عمياء، أما سمعت الله تعالى يقول: ‏‏{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ‏وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ ‏مُبْصِرَةً}‏‏(١).‏

قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه ‏وآله).‏

قال: عن أي أصحاب رسول الله تسألني؟!‏

قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن أبي ذر الغفاري.‏

قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (ما أظلت ‏الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر).‏

قال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن سلمان الفارسي.‏

قال: بخ بخ سلمان منا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم، علم ‏علم الأول والآخر. ‏

١- الآية ١٢ من سورة الإسراء.‏

٧٨

قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن حذيفة بن اليمان.‏

قال: ذاك امرء علم أسماء المنافقين، إن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها ‏عارفاً عالماً.‏

قال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن عمار بن ياسر.‏

قال: ذاك امرؤ حرم الله لحمه ودمه على النار: أن تمس شيئاً منها.‏

قال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن نفسك.‏

قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتُدِئْتُ.‏

قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول الله عز وجل: ‏‏{قُلْ ‏هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ ‏يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}‏‏(١).‏

قال: كفرة أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق، ‏فابتدعوا في أديانهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.‏

ثم نزل عن المنبر، وضرب بيده على منكب ابن الكواء. ثم قال: يا بن ‏الكوا، وما أهل النهروان منهم ببعيد.‏

فقال: يا أمير المؤمنين، ما أريد غيرك، ولا أسأل سواك.‏

قال: فرأينا ابن الكواء يوم النهروان، فقيل له: ثكلتك أمك، بالأمس ‏تسأل أمير المؤمنين عما سألته، وأنت اليوم تقاتله؟! فرأينا رجلاً حمل عليه ‏

١- الآيتان ١٠٣و ١٠٤ من سورة الكهف.‏

٧٩

فطعنه، فقتله(١).‏

‏٢ ـ روى هذا الخبر إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات ‏بأسانيده عن أبي عمرو الكندي، وابن جريح وغيرهما. وزاد فيه:‏

قال: فما معنى السماء ذات الحبك؟!‏

قال: ذات الخلق الحسن.‏

قال: فكم بين المشرق والمغرب؟!‏

قال: مسيرة يوم للشمس، تطلع من مطلعها فتأتي مغربها، من حدثك ‏غير ذلك كذبك.‏

فسأله: من الذين بدلوا نعمة الله كفراً؟!‏

فقال: دعهم لغيهم هم قريش.‏

قال: فما ذو القرنين؟!‏

قال: رجل بعثه الله إلى قومه فكذبوه وضربوه على قرنه فمات، ثم ‏أحياه الله، فبعثه إلى قومه، فكذبوه، وضربوه على قرنه فمات، ثم أحياه الله، ‏فهو ذو القرنين.‏

١- الإحتجاج ج١ ص٦١٢ ـ ٦١٧ و (ط دار النعمان) ج١ ص٣٨٥ ـ ٣٨٨ وبحار ‏الأنوار ج١٠ ص١٢١ ـ ١٢٣ وراجع ج٢٢ ص٣٢٩ وج٥٦ ص٣٢٧ وج٥٥ ‏ص٩٠ و ١٥٩ وراجع: التبيان ج٩ ص٣٧٨ وتفسير العياشي ج٢ ص٢٨٣ ‏والغارات ج١ ص١٧٧ وتفسير القمي ج٢ ص٣٣٧ ونفس الرحمن للنوري ‏ص٢١٣.‏

٨٠