×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

توثيق فقه الامامية من الصحاح والسنن / الصفحات: ١ - ٢٠

توثيق فقه الامامية من الصحاح والسنن » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)

١

منهج جديد لدراسة الفقه المقارن

(توثيق فقه الإمامية من الصحاح والسنن

العامية)

٢

٣

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

٤

٥
دليل الكتاب :

المقدمة

حوار بين الاستاذ المحاضر وأحد علماء السنة

دعوة إلى البحث

المحور الاول : المدونين

المحور الثاني : فقه الانصار

المحور الثالث : رواة الفضائل

المحور الرابع : الذين شهدوا عليا حروبه

اثر البحث التاريخي على الاستدلال الفقهي

المصادر

٦

٧

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لا زلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحوالفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة ،ممّا يستدعي الالتزام الجاد بالبرامج والمناهج العلمية التي توجدحالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة ، بشكل يتناسب معلغة العصر والتطوّر التقني الحديث .وانطلاقا من ذلك ، فقد بادر «مركز الابحاث العقائدية» الذيأسس برعاية سماحة آيد اللّه‏ العظمى السيّد السيستاني ـ مد ظلّه ـإلى اتّخاد منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلاميالشيعي على أوسع نطاق ممكن .ومن هذه المحاور : عقد الندوات العقائديّة المختصّة ، باستضافةنخبة من اساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين ، التي تقومنوعا على الموضوعات الهامّة ، حيث يجري تناولها بالعرض والنقدوالتحليل وطرح الرأي وطرح الرأي الشيعي المختار فيها ، ثميخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار والمناقشات الحرّةلغرض الحصول على أفضل النتائج .ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكةالانترنيت العالمية صوتا وكتابةً .كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعهاعلى المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتىأرجاء العالم .وأخيرا ، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل

٨
كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراءمجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها .وقد تمّ لأخر شهر رمضان سنة ١٤٢٩ ه عقد ١٦٢ ندوة .وهذا الكراس الماثل بين يدي القارئ الكريم ، عبارة عنمحاضرة قيّمة ألقاها أخونا العلاّمة الباحث السيّد علي الشهرستانيفي المركز ، وأتبع فيها اسلوبا فقهيا جديدا من أجل بيان خصائصالفقه الجعفري وتمييزه عن فقه أصحاب المذاهب الإسلاميّةالأخرى ، فهو لم يعتمد الطريقة القديمة التي اعتمدها الفقهاء الذينكتبوا في فقه الوفاق وفقه الخلاف كالسيّد المرتضى والشيخ الطوسيوغيرهما ، بل إتبّع منهجا علميا متّميزا .ختاما نتمنى لأخينا الكريم أبي حسين مزيدا من التوفيق ، علىأن يتحف المكتبة الإسلاميّة بأبحاث بكر ، كما عوّدنا ، والحمد للّه‏رب العالمين .

محمد الحّسون

مدير مركز الابحاث العقائدية

٢٩ رجب ١٤٣٠ ه

http: // www.aqaed.com/muhammad

[email protected]

٩
بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

وصلّى اللّه‏ على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين ؛ وبعد هناك إثاراتكثيرة يطرحها البعض بين الفينة والأُخرى في كتب الفقه والعقيدةوالتاريخ حول مشروعية فقه الإمامة والإمامية ، فأحببت في هذهالليلة تسليط الضوء على هذه المدّعيات ، ودراسة مسألة توثيق فقهالإمامية من الصحاح والسنن العامية ، فقد قال ابن خلدون في الفصلالسابع من مقدّمته ، باب « علم الفقه وما يتبعه من الفرائض » : وشذّأهل البيت في مذاهب ابتدعوها ، وفقه انفردوا به ـ إلى أن يقول ـ فلانعرف شيئا من مذاهبهم ، ولا نروي كتبهم ولا أُثر بشيء منها إلاّ فيمواطنهم(١) .وقال الدكتور محمد كامل حسين في مقدّمته على موطّأ مالك :يروي الشيعة عن طريقه [ يعني بذلك عن طريق الإمام الصادق ]أحاديث كثيرة لا نجدها إلاّ في كتب الشيعة(٢) .وقال ابن سعد في الطبقات الكبرى في ترجمة الباقر : وكان ثقةً،كثير العلم والحديث ، وليس يَرْوي عنه من يُحْتَجّ به(٣) .

١- تاريخ ابن خلدون ١ : ٤٤٦ .

٢- موطأ مالك ١ : ٢١ « مقدمة المحقق » .

٣- الطبقات الكبرى ٥ : ٣٢٤ ، وقد علق الاستاذ أسد حيدر طاب ثراه في كتابه
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ٢ : ١٤٩ تحقيق نشر الفقاهة ، على كلام ابن سعد بقوله : فهل كان يقصد ابن سعد أنّ جميع من روى عن الإمام الباقر لا يحتجّ به ؟ كيف وقد روى عنه ثقات التابعين وعلماء المسلمين ، وقد احتجّ أصحاب الصحاح بتلك الروايات ، ولم يتوقّف أحد عن قولها . وليس من البعيد أنّ ابن سعد يقصد بكلمته هذه رواته من الشيعة ، فهم في نظره غير ثقات ، نظرا لنفسيته وارتكازاته الذهنية التي علّقت به من إيحاء الأوهام ، وعوامل السياسة ، وتدبير السلطة ضدّ شيعة أهل البيت عليهم‏السلام ، أو مجاراة للظرف الذي نشأ فيه . ثمّ أخذ الأستاذ يعدّ أسماء الرواة عن الإمام الباقر عليه‏السلام .

١٠
نعم هذه الإثارات والأقوال موجودة في كثير من المصنَّفات ،وهي الأُخرى تختلج في صـدور كثير ممن يتقاطع مع مدرسة أهلالبيت ، وأولئك الأشخاص وبإثارتهم لهذه المسألة بين الحينوالآخر أرادوا التشكيك فيما يرويه الأئمة عن رسول اللّه‏ ، بدعوىأ نّها مراسيل وليس إسنادها صحيح متصل .ونحن في هذه الليلة نريد أن نبيّن كذب هذه المدّعيات، بل« توثيق روايات الشيعة الإمامية من الصحاح والسنن » وإنّ هذا العملـ بنظرنا ـ ليس بالعسير ، ومحاضرتنا جاءت لتساهم في معالجة وردمهذه الفجوة التي أحدثها أمثال : ابن تيمية وابن قيّم الجوزية وغيرهممن أئمة مدرسة السلف ؛ لأنّ هؤلاء تارة يشكّكون في الرواة عنالأئمة ، وأخرى في مرويّات نفس الأئمّة ، وهدفهم في كلاالمرحلتين هو تضـعيف مدرسة أهل البيت من خلال تشكيكهم فياتصال مرويات الأئمة الرواة عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وأُخرى عنالراوين عنهم .

١١

حوار بين الأستاذ المحاضر وأحد علماء السنّة

لابدّ لي قبل أن أبدأ في بيان تفاصيل رؤيتي أن أنقل لكم قضيةحدثت لي مع عالم من أهل السـنّة والجماعة زارني في مدينةمشهد ، وطرح عليّ هذه الإثارة ، وكان خلاصة كلامه : أ نّه لا خلافبين المسلمين في مكانة الإمام علي ، فهو وصي رسول اللّه‏ وخليفتهمن بعده عندكم ، أمّا عندنا فهو الخليفة الرابع، وصهر الرسول ،والكلّ يشهد بفضله وعلمه وتقواه ، فلو أمكنكم أن تثبتوا لنا أنّ الفقهالذي تعملون به هو فقه الإمام علي لقبلنا مذهبكم ، واتبعنا سيرةأئمتكم ؛ لأنّ كلام الإمام علي هو حجّة علينا وعليكم ، وهو واجبالاتّباع عندنا وعندكم ، لكنّكم تنسبون إلى علي والأئمة من أهلالبيت أشياء لم تثبت عنهم ، ولا تصحّ هذه الطرق التي تروونهاعنهم ، فعلي بن أبي طالب عندنا هو غير علي بن أبي طالب عندكم .فقلت له : أنا لا أريد أن أدخل معك في مهاترات ، وأقول بمثل ماقلت بأنّكم تتقوّلون على الإمام علي ، لكنّي سأثبت لك بالأرقام عدمصحّة كلامك ، ثمّ أخذ ذلك العالم يكرّر عليّ ما قاله الآخرون عنّا ،مؤكّدا لزوم إثبات مشروعية فقهنا من فقههم ، وصحّة أحاديثنا منأحاديثهم حتّى يصحّ العمل به عندنا وعندهم ؛ لأنّ منهج التوثيق هوالمنهج الصحـيح لتوحيد المسلمين على الطريق الصحيح .فقلت له : لنتفق أوّلاً على منهجية في البحث ثمّ ننطلق بعد ذلك

١٢
إلى الجهات الأخرى فيه .

فقال : لا مانع من ذلك . فقلت له : من المعلوم إنّ الروايات المحكية عن الإمام علي ـ سلام اللّه‏ عليه ـ لا تتجاوز عن أربعة محاور . المحور الأوّل : ما اتفق عليه الفريقان سنة وشيعة على صدوره عن الإمام علي عليه‏السلام . المحور الثاني : ما اختلف عليه الفريقان سنّة وشيعة ، فالشيعة تروي شيئا عن الإمام علي ، وأهل السنّة شيئا آخر . المحور الثالث : ما انفردت به أهل السنّة والجماعة عن علي ، ولم يُؤثر ما يماثلها عند مدرسة أهل البيت . المحور الرابع : ما انفردت به الشـيعة الإمامية عن علي ، ولم يُؤثر ما يماثلها في مصادر أهل السنّة والجماعة . أ مّا المحور الأوّل: فلا خلاف في حجّيته عندنا وعندكم، وذلك لعدم وجود ما يثير الريب فيه ، لكن الخلاف في المختلف فيه عن الإمام علي سلام اللّه‏ عليه ، فنحن نحكي عن علي شيء ، وأنتم تنسبون إليه شيئا آخر ، والفريقان يدعيان صحّة طريقيهما إلى الإمام علي ، فما هو الصحيح عن علي ؟ هل ما تنقله الشيعة الإمامية ، أم ما روته كتب العامّة ، وهذا هو الجانب الأهمّ ـ ضمن المحاور الأربع ـ الذي يجب الوقوف عنده ، ومن خلاله يمكننا أن نعرف قيمة المحورين الثالث والرابع ؛ لأ نّه لو ثبت وجود دور للسياسة في

١٣
الاختلاف عن الإمام علي سلام اللّه‏ عليه لعرفنا عدم إمكان اعتماد ما

تنفرد بها العامّة عن أهل البيت ؛ لكونه فقه حكومي ابتنى على المصالح و يصبّ في مشرعة الخلفاء . فقد يروى النهج الحاكم أخبارا عن الإمام لتحكيم أحكام سلطانية صادرة من قبل الخلفاء وأصحاب النفوذ ، ولا نشكّ في أنّ كثيرا من كبار الصحابة كانوا خصوما بارزين للإمام علي عليه‏السلام ، كما لا نشكّ في أنّ لهذه الخصومة مردودها السلبي على أصول الدين الإسلامي ، والمنقول عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على وجه الخصوص . أمّا عن المحور الرابع: فلا يمكننا أن نعتبر ما تنفرد بها الشيعة الإمامية شيئا غريبا عن فقه المسلمين ؛ لأ نّهم اتباع مدرسة أهل البيت وأبنائهم ، وهؤلاء قد يختصّون بأمور لا يطّلع عليها الآخرون من فقه وحديث رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وهو امر طبيعي يشاهد عند اتباع كلّ مذهب ، فقد تقف على أشياء عند اتباع مالك لا يعرفها اتباع أبي حنيفة النعمان عن مالك ، وأبو حنيفة تفرّد بأشياء لا يعرفها الشافعي ، وهكذا؛ فإنّ لكلّ مذهب معايير واُمور خاصّة به ، وقد يتبلور ما نقوله بعد وقوفنا على الجو السياسي الحاكم آنذاك ، ومطاردة الحكّام لأهل البيت ، فقد يكون أهل البيت قد خصّوا بعض اتباعهم ببعض الروايات والأخبار خوفا من الاتجاه الحاكم . فقلت لذلك العالم السنّي: هذا هو المنهج المقترح، فهل لك اقتراح آخر؟

١٤
قال : لا .

فقلت له : فأطرح موضوعا ـ من المسائل المختلفة عن الإمام عليّ ـ كي أطبّق لك رؤيتي ، فقال : كيف تجوّزون المتعة ، وعلي بن أبي طالب قد روى أنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد حرم متعة النساء(١) . قلت : هذا الكلام غير صحيح ؛ لأ نّه لو ثبت عن علي ـ كما تزعم مدرسة الخلفاء ـ منعه من المتعة، فلماذا الإصرار من قبل آله في الدفاع عن حِلّية التمتّع ، والتأكيد على أ نّها مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‏السلام . ولماذا غدا أشياع علي موضع سهام الانتقاد والمحاربة من أجل القول بمشروعيتها ؟ ولِمَ تحارَب الشيعة من أجله حتّى اليوم ؟ إنّ حِلّية المتعة ثبت صدورها عن علي بطرق متعدّدة عند الفريقين ، وأجمع على حِلّيتها أئمة أهل البيت ، وهو المحفوظ عنه في الصحاح والأخبار ، وأمّا حديث المنع المدّعى فيها على علي ـ فهو افتراء عليه وعلى غيره(٢) ـ لأنّ أنصار مدرسة الخلفاء والرأي

١- زاد المعاد ٣ : ٤٦٢ لابن قيم الجوزية .

٢- نسبوا القول بالتحريم إلى ابن عباس وابن مسعود وجابر كذلك ( انظر فتح الباري ٩:١٤٢، أحكام القران للجصاص ٢:١٤٧، الجامع لاحكام القران ٥:١٣٢، المعنى لابن قدامه ٧:٥٧٢، المبسوط للسرخسي ٥ : ١٥٢ ، المهذب ٢ : ٤٦ ، تحفة الاحوذي ٤:٢٦٧) في حين ان الثابت القطعي عن هؤلاء هو قولهم بتحليل المتعة ( انظر المحلى، لابن جزم ٩ : ٥١٩ ) ، وقد روى عن علي وابن عباس قولهما ( لو لا نهي عمر لما زنى الا شقي ) انظر النّهاية ٢ : ٢٤٩ و ٤٨٨ وهو يضعف ما نسب إليه من القول بالتحريم .

١٥
قد انفردوا في هذا النقل عن علي ؛ لمصالح ارتضوها ـ كما سيتضح لك بعد قليل ـ وممّا يزيد الأمر التباسا أو تلبيسا هو اختلاف نقلهم عن علي ، فتارة نقلوا عنه أ نّه قال : نهى عنها رسول اللّه‏ يوم خيبر ، وفي آخر : في يوم حنين ، وفي ثالث : في غزوة تبوك(١) . في حين أنّ الباحث وبإلقاء نظرة سريعة إلى أخبار الباب يقف على عدم صحّة ادعاء نهج الخلفاء ؛ وذلك لوجود رعيل من الصحابة ، مثل : ابن عبّاس(٢) وابن عمر(٣) وسعد بن أبي وقّاص(٤) وأبي موسى الأشعري(٥) وغيرهم(٦) كانوا يعتقدون بمشروعية التمتّع بالنساء ، و يعتبرونه فعلاً شرعيا نصّ عليه اللّه‏ ورسوله ولم

١- فتح البارئ ٩ : ١٣٧ ، احكام القران للقرطبي ٥ : ١٣١ .

٢- زاد المعاد ١ : ١٢١ ـ ٢١٣ ، مسند أحمد ١ : ٣٢٧ ، ارشاد النقاد للصنعاني : ٢٤ ـ ٢٥ ، سنن الترمذي ٢ : ٢٩٥ .

٣- سنن الترمذي ٢ : ١٥٩ / ٨٢٣ ، ارشاد النقاد ، للصنعاني : ٢٥ .

٤- السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ١٧ ، زاد المعاد ١ : ١٧٩ ، سنن الدرامي ٢ : ٣٥ .

٥- صحيح مسلم ٢ : ٨٩٦ / ١٥٧ ، مسند أحمد ١ : ٥٠ ، سنن النسائي المجتبى ٥ : ١٥٣ ، السنن الكبرى ، للبيهقي ٥ : ٢٠ ، تيسير الوصول ١ : ٣٤٠ / ٣٠ ، سنن ابن ماجة ٣ : ٩٩٢ / ٢٩٧٩ .

٦- كعمران بن الحصين ، انظر صحيح مسلم ٢ : ٨٩٩ / ١٦٨ ، شرح صحيح مسلم للنووي ٧ ـ ٨ : ٤٥٦ .

١٦
ينسخ ، كما كان الإمام علي(١) يعتقد بذلك . بخلاف عمر بن الخطّاب(٢) وعثمان بن عفّان(٣) ومعاوية بن أبي سفيان(٤) وبقية أئمة النهج الحاكم فكانوا لا يرتضون ذلك الفعل ؛ لأنّ عمر بن الخطّاب نهى عنه بقوله « متعتان كانتا على عهد رسول اللّه‏ حلالاً أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما »(٥) . إذن الحكومات هي التي كانت وراء ظاهـرة اختلاف النقل عن الصحابي الواحد ، والأمر لا يرتبط بالإمام علي وحده ، فهناك نقولات مختلفة عن أنس بن مالك في البسملة(٦) وغيرها من الفروع الفقهية ، وكذا عن عبداللّه‏ بن عبّاس في أكثر المسائل الفقهية ، وهكذا الأمر بالنسبة إلى كبار الصحابة أمثال : ابن مسعود ، وأبو سعيد الخدري ، ومعاذ بن جبل ، وجابر بن عبداللّه‏ الأنصاري، وغيرهم ، فقد نقلوا نصوصا عن أمثال هؤلاء تتفق مع فتاوى الخلفاء ، ففي

١- مسند أحمد ١ : ٥٧ ، سنن النسائي المجتبى ٥ : ١٥٢ ، المستدرك على
الصحيحين ١ : ٤٧٢ الموطّأ ١ : ٣٣٦ / ٤٠ ، سنن الترمذي ٢ : ٢٩٥ .

٢- أحكام القرآن للجصّاص ٢ ٦ ١٥٢ وغالب المصادر السابقه .

٣- سنن النسائي «المجتبى» ٥ : ١٥٢ المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٧٢ ، مسند أحمد ١ : ٥٧ ، الموطّأ ١ : ٣٣٦ .

٤- السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢٠ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥٧ / ١٧٩٤ زاد المعاد ١ : ١٨٩ .

٥- احكام القرآن للجصّاص ٢ : ١٥٢ .

٦- تفسير الفخرالرازي ١ : ٢٠٦ وانظر الأم ١ : ١٠٨ وأحكام البسملة للرازي : ٧٦ .

١٧
بعض تلك النقول ما يستشم منها رائحة الفقه الحكومي ، وهناك نصوص بريئة وصحيحة موجودة في الصحاح والسنن تؤيّد مدرسة أهل البيت وإن سعى علماء البلاط لتضعيفها ، لكنّها لو جمعت ـ تلك الروايات ـ مع ما جاء عن علي في مرويّات أهل البيت عند الشيعة الإماميه لرأيت أنّ نقل أهل البيت عن علي هو الأمتن والأصحّ ، للرواية عنه عليه‏السلام بطريقين : ١ ـ بأحد نقلي العامّة عن علي ٢ ـ ما صحّ في طرق الخاصّة عنه عليه‏السلام . إذن الروايات التي تصبّ في مصبّ السـنّة النبوية الأصيلة لا يمكن تضعيفها بروايات مكذوبة على أهل البيت، وبعض الصحابة تخدم اهداف الخلفاء ؛ إذ كيف يكون موقف الخلفاء ـ وهم أشرس خصوم أهل البيت ـ معيارا لترجيح بعض المرويّات على اُخرى . وهنا انبرى هذا العالم ليسأل سـؤالاً آخر وبلحن اعتراضي شديد . فقال : ما تقول في روايات علي في المسح على الخفّين والذي تواتر النقل عنه بأ نّه كان يقول : للمسـافر ثلاث ليال وليلة للمقيم ، أو ما روي عنه أ نّه كان يغسل رجليه ؟ قلت : هذا هو الآخر لا يمكن الاعتـماد عليه ؛ لأنّ موضوع المسـح على الخفّين كان حكما حكوميا صدر عن عمر بن الخطّاب ، وكان بعض الصحابة لا يرتضونه ، فقد ثبت عن عمر بن

١٨
الخطّاب أ نّه كان يمسح على خفيه، و يفتي بذلك(١) ، ويأمر به(٢) ، وكتب إلى زيد بن وهب الجهني وهو بأذربايجان كتابا في ذلك ، يشترط الثلاث للمسافر وليلة للمقيم(٣)، وروي عنه أنّه قال : لا يختلجنّ في نفس رجل مسلم أن يتوضّا على خفّيه وإن كان جاء من الغائط(٤) وقد بال عمر مرّة فمسح على خفّيه(٥) . كلّ هذه النصوص تؤكّد أنّ الإفتاء بمشروعية المسـح على الخفّين كان من قبل عمر ، وأ نّه هو الذي أمر به وكتب إلى الأمصار ، فلا يبعد أن يروى عن علي ، وابن عباس ، وعائشة ، وابن عمر(٦) ما يؤيّد موقف عمر بن الخطّاب في المسح على الخفّين . فقد نسب إلى علي بن أبي طالب أ نّه مسـح على خفيه(٧) وقال : للمسافر ثلاث ليال ويوم وليلة للمقيم(٨) ومثله نسب إلى ابن

١- موسوعة فقه عمر بن الخطّاب : ٨٧٠ .

٢- المصنّف ، لعبد الرزاق ١ : ١٩٧ / ح ٧٦٦ .

٣- المصنّف ، لعبد الرزاق ١ : ٢٠٦ / ح ٧٩٧ . وقد كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أهل المصيصة أن اخلعوا الخفاف في كلّ ثلاث ، المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٩٣ / ح ١٨٧٩ .

٤- المصنّف ، لعبدالرزاق ١ : ١٩٥ / ح ٧٦٠ ، و ١٩٦ / ح ٧٦٣ .

٥- المصنّف ، لابن أبي شيبة ١ : ١٦٦ / ح ١٩٠٥ .

٦- أنظر المحلّى ٢ : ٦٠ ، والمجموع ١ : ٤٧٧ ـ ٤٧٨ ، وفتح الباري ١ : ٢٤٥ ، وأحكام القرآن ، للجصّاص ٢ : ٢٥٠ .

٧- المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٥ / ح ١٨٩٤ .

٨- المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٥ / ح ١٨٩٢ .

١٩
عبّاس(١) وابن مسعود(٢) . في حين ثبت عن علي وابن عباس قولهما : سـبق الكتاب الخفّين(٣) . ونحن في كتابنا ( وضوء النبيّ ) ذكرنا أنّ الإمام علي كان من المعـترضين على عمر لقوله بالمسح على الخفّين بقوله :( ما يروى هذا عليك ) بدلاً من ( عنك ) لاحتماله التقوّل على عمر ... وجاء عن خصيف أنّ مقسما أخبره أنّ ابن عبّاس قال : أنا عند عمر حين سأله سعد وابن عمر عن المسح على الخفّين ؟ فقضى عمر لسعد فقال ابن عباس : فقلت : يا سعد ، قد علمنا أنّ النبي مسـح على خفّيه ، ولكن أقبل المائدة أم بعدها ؟ قال : فقال روح [ وهو من رواة السنّة ] : أو بعدها ؟ قال : لا يخـبرك أحد أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مسح عليها بعدما أنزلت

١- المصنف ، لعبد الرزاق ١ : ٢٠٨ / ح ٨٠٢ ، المصنف لابن أبي شيبة
١ : ١٦٥ / ح ١٨٩٣ و ١٩١١ .

٢- المصنف ، لعبد الرزاق ١ : ٢٠٧ / ح ٧٩٩ ، المصنف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٤ / ح ١٨٨٣ و ١٨٨٨ و ١٨٩٠ .

٣- مصنّف بن أبي شيبة ١ : ١٦٩ / ح ١٩٤٦ قول علي وفي ١٩٤٧ ، ١٩٤٩
قول ابن عبّاس . وانظر عن ابن عبّاس في زوائد الهيثمي ١ : ٢٥٦ قال : رواه الطبراني في الأوسط ، انظر الطبراني ( ١١٤٠ ) ، وجامع المسانيد ٣٢ : ٢٦٦ و ج ٣٠ : ٢٤٥ عن المعجم الكبير للطبراني ١١ : ٤٣٦ / ح ١٢٢٣٧ .

٢٠