×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

توثيق فقه الامامية من الصحاح والسنن / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وتعلم أ نّه من أهل السنّة(١) . فموضوع البسملة على سبيل المثال من المواضيع الاختلافية الهامّة ، فمدرسة أهل البيت ترى الجهر بالبسملة من علائم المؤمن(٢) إذ جاء عن الأئمّة من ولد علي ـ الباقر والصادق والرضا عليهم‏السلام ـ قولهم : اجتمع آل محمد على الجهر ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم . وعن الباقر قوله : لا ينبغي الصـلاة خلف من لا يجهر(٣) . وعن السجّاد قوله : اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك(٤) . وعن ابن عباس أنّ رسول اللّه‏ كان يجهر ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم(٥) . في حين أنّ الناس انساقوا في موضوع البسـملة وراء مدرسة بني أُميّة ، إذ قال فخر الدين الرازي : أنّ عليا كان يبالغ في الجهر ؛ بالتسمية ( أي البسملة ) فلما وصلت الدولة إلى بني أميّة بالغوا في المنع من الجهر سعيا في أبطال آثار علي(٦) . وعن أبي هريرة أ نّه صرّح بأنّ الناس تـركوا الجهر بالبسملة بعد

١- اعتقاد أهل السُّنة اللالكائي ١ : ١٥٤ / ح ٣١٤ .

٢- مصباح المتهجد : ٧٨٨ .

٣- أحكام البسملة ، للفخرالرازي : ٤٠ .

٤- دعائم الإسلام ١ : ١٦٠ .

٥- في هامش جامع المسانيد ٣٢ : ١٣٥ رواه الطبراني ١٠٦٥١ واسناده
صحيح .

٦- التفسير الكبير ١ : ٢٠٦ .

٤١
رسول اللّه‏ ، إذ قال : كان رسول اللّه‏ يجهر ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ثمّ تركه الناس(١) . ولأجل هذا ترى النقول تختلف عن أنس وغيره ، فتـارة يروى عنه الجهر ، وأخرى الإخفات ، وثالثة بشيء ثالث فقال فخر الدين الرازي في تفسيره : فلعلّ أنسا خاف منهم ، فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه ، ونحن وإن شكّكنا في شيء فإنّا لا نشكّ أ نّه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي طالب عليه‏السلام] في الجهر بالبسملة [ـ الذي بقي عليه طول عمره ـ فإنّ الاخذ بقول علي أولى فهذا جواب قاطع في المسألة(٢) . فهذه المفردات التي ذكرناها ما هي إلاّ غيض من فيض ، وقطـرة من بحر ، ذكرناها كنماذج تطبيقية لفقه النهجين ـ الطالبيين والحكّام ـ وإنّ الآخرين نسبوا كذبا أحاديث إلى أهل البيت تدعم فقههم ، والباحث بمراجعة سريعة لتاريخ المسألة وملابساتها يقف على أكذوبتهم . الخلاصة : نحن لو أخذنا بأحد النقلين عن الإمام علي ثمّ قارنّاها مع ما جاء في كتبنا الحديثية لاتضحت لنا ملابسات تلك الأحكام ، فانظر إلى ما روى في الكافي عن محمد بن مسلم قال : نشر أبو

١- احكام البسملة : ٤٥ عن سنن الدارقطني ١ : ٣٠٧ والحاكم في مستدركه
١ : ٢٣٢ ـ ٢٣٣ .

٢- التفسير الكبير ١ : ٢٠٦ .

٤٢
عبداللّه‏ صحيفة فأوّل ما تلقّاني فيها ابن أخ وجدّ ، المال بينهما نصفان . فقلت جعلت فداك إنّ القضاة عندنا لا يقضون لابن الأخ مع الجدّ بشيء !! فقال: إنّ هذا الكتاب بخطّ علي و إملاء رسول اللّه‏(١) . وعنه في رواية أُخرى قال : نظرت إلى صحيفة ينظر فيها أبو جعفر فقرأت فيها مكتوبا : ابن أخ وجدّ المال بينهما سواء . فقلت لأبي جعفر : إنّ من عندنا لا يقضون بهذا القضاء ولا يجعلون لابن الأخ مع الجدّ شيئا ؟ فقال أبو جعفر : أما إنّه إملاء رسول اللّه‏ وخطّ عليّ من فيه بيده(٢) . فانظر إلى محمّد بن مسلم تراه ينقل عن قضاة بلده أ نّهم لا يقضون بما يوافق كتاب علي ، والباقر عليهماالسلام ، أقرّ كلامه وقرّر أنّ القضاة في المدينة لا يقضون بما يقضي به أئمّة أهل البيت ، لذلك أكّد الباقر على أنّ حكمه مأخوذ من فيه بيده ، وأنّ الكتاب بخطّ علي وإملاء رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . وهناك مفردة أُخرى أتى بها ، وهي : مسألة الصيد ، فقد روي عن

١- الكافي ٧ : ١١٢ ، ح ١ وعنه في وسائل الشيعة ٢٦ : ١٥٩ ح ٣٢٧١٤ .

٢- الكافي ٧ : ١١٣ ، ح ٥ ، والتهذيب ٩ : ٣٠٨ ح ١١٠٤ ، وسائل الشيعة
٢٦ : ١٦ ح ٣٢٧١٨ .

٤٣

الحلبيّ أ نّه قال : قال الصادق : كان أبي يفتي وكان يتّقي ، ونحن نخاف في صيد البزاة والصقور ، أمّا الآن فإنّا لا نخاف ولا يحلّ صيدها ، إلاّ أن تدرك ذكاته ، فإنّه في كتاب علي إنّ اللّه‏ عزّوجلّ قال : « وما عَلَّمتم من الجوارح مُكلبين »(١) فسمّى الكلاب(٢) .

انظر إلى الإمام الباقر عليه‏السلام كيف كان يتخـوّف من أن يفتي وهو عالم آل محمد ، لكونه يعيش تحت ضغوط الإرهاب الفكري . وعليه فالنهج الحاكم كان لا يروي عن أهل البـيت عليهم‏السلام ، ولا يريد نشر ما تلقّوه عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وهو يوضّح لنا أنّ عدم وجود مرويات لأهل البيت عليهم‏السلام في كتب الآخرين كان مقصودا من قبلهم ، وهو ليس لضعف مروياتهم ، أو كونها مراسيل ، حسبما يقولون ، والباحث بنظرة سريعة إلى الصحاح والسنن يقف على الأرضية الخصبة الموجودة لتوثيق مرويات أهل البيت من كتبهم ، وإنّ كلّ ما تناقلوه عليهم‏السلام بأسانيدهم الصحيحة ، عن آبائهم عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله موجود عند بعض الصحابة عن رسول اللّه‏(٣) . وعليه فنحن لو اتخذنا مسألة البحث عن المتابعات الصحيحة لهذه المرويات عن الصحابة والتابعين لخرجنا بالفقه الذي نحن فيه إلى فقه إسلامي

١- سورة المائدة، لآية: ٤.

٢- الكافي ٦ : ٢٠٧ ، ح ١ ، التهذيب ٩ : ٣٢ ـ ٣٣ ح ١٣٠ والنص عنه ،
الاستبصار ٤ : ٧٣ الباب ٦٤ ح ٢٦٦ .

٣- تهذيب الكمال ٥ : ٧٧ / ت ٩٥٠ ، للإمام جعفر بن محمد عليه‏السلام ، وانظر سير
اعلام النبلاء ٦ : ٢٥٧ .

٤٤

اُممي كما أراد الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وبذلك تنجلي الغبرة عما يريدون أن يتهموننا به ، و يتبيّن أنّه ليس بالفقه الطائفي ـ الذي هو حجّة على البعض دون الآخرين ـ بل إنّه فقه إسلامي أممي يستقي من معين النبوة لصحّته عندنا ولموافقة بعض الصحابة لنا . كان هذا هو إجمال لإطروحتي ، وهو ما توصّلـت إليه بعد كتابتي لكتاب « وضوء النبي » فإنّي فكّرت في الطريقة التي يمكننا أن نوفّق فيها بين فقه الإمامية وفقه العامة ، رغم كثرة التقاطعات والإشكاليات الأساسية بينهما ، أو قل الوقوف على طريقة يمكننا من خلالها توثيق فقه الإمامية من طرقهم لتكون حجّة عليهم كما هي علينا ، فراودتني هذه الفكرة التي وضّحت بعض آفاقها وساوضّحها أكثر هذه الليلة وأطلب من الأخوة الأساتذة الفضلاء في الحوزة العلمية أن يطوّروها لاعتقادي بلزوم الاهتمام بهكذا مناهج؛ لأ نّه يعود بالخير الكثير على الفقه والعقائد . وعليه فالمحاور الأربعة التي أريد أن اقترحها هـذه الليلة يمكن اعتبارها الانطلاقة لتوثيق فقه الإمامية ، وسيكون جميع شخصيات هذه المحاور هم من الصحابة ، الذين يمكن أن نعدّهم أقرب فكرا لمدرسة أهل البيت من الآخرين إلى فكر والمحاور ، هي :

المحور الاول : المدوِّنين .

عرفنا سابقا بوجود نهج حاكم يترأسـّه اشخاص أمثال : أبي بكر ،
٤٥
وعمر ، وعثمان ، ومعاوية ، وهؤلاء كانوا لا يرتضون التحديث عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و يدّعون إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم ، و يخالفون تدو ين الحديث عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والتحديث به ، وفي المقابل كان هناك مجموعة من الصحابة يصرّون على التحديث والتدو ين عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و إن وضعت الصمصامة ( السيف ) على أعناقهم(١) . ونحن أوضحنا ليلة أمس بأنّ المخالفين لعمر بن الخطاب ـ في المفردات الفقهية ـ كانوا من أصحاب المدوَّنات ، أي من الذين يتحدّثون عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ويتبعون النصوص ، ولا يرتضون الرأي ، وهذا يرشدنا إلى أنّ الخلاف بين عمر والآخرين لم يكن في الأمور السياسية فقط ، بل كان يشمل المسائل الفقهية أيضا ، وقد أثبتنا في كتابنا ( منع تدوين الحديث ) أنّ أغلب المخطِّئين لعمر بن الخطّاب في فتاواه كانوا من أصحاب المدوّنات ، وهذا يدلّنا إلى إمكان الاستفادة من مرويّات أمثال هؤلاء الصحابة ؛ لدعم ما تنقله مدرسة أهل البيت عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فنحن لو تتبّعنا مرويّات أصحاب المدوَّنات ـ التي أحرقها عمر والتي لم يبق بأيدينا شيئا منها ، إلاّ أحاديثهم المتناثرة في الصحاح والسنن والمصنفّات ـ في إحدى المسانيد كمسند أحمد مثلاً لوجدنا أنّ ما يروونه عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يتفق بنسبة عالية مع ما يروى عن أئمتنا

١- انظر صحيح البخاري ١ : ٣٧ ، باب العلم قبل القول والعمل ، سنن الدارمي
١ : ١٤٦/٥٤٥ ، باب البلاغ عن رسول اللّه‏ وتعليم السنن ، الطبقات الكبرى ٢ : ٢٥٤ ، باب أهل العلم والفتوى ، سير اعلام النبلاء ٢ : ٦٤ .

٤٦

في معاجمنا الحديثية ، وإنّي تتبعتُ مرو يّات أربعة أو خمسة من هؤلاء الصحابة فرأيت مضامين ما يرونه عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قريبة إلى مرو ياتنا بنسبة ٧٠ % إلى ٩٠ % . فعليه يمكننا اعتبار مرويّات أصحاب المدوَّنـات هو المحور الأوّل ، الذي يمكننا أن نستفيد منه في توثيق مرو يّاتنا ، لأنّ هؤلاء هم الذين نهاهم عمر عن الرواية عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كتبهم ، وقال لمن جمعهم من الصحابة : نحن أعلم، نأخذ منكم، ونردُ عليكم(١) . وجاء في طبقات ابن سعد أنّ عمر بن الخطّاب جمع ما في أيدي الناس من الأحاديث فأمر بحرقها(٢) . في حين هؤلاء الصحابة كانوا لا يتصوّرون بأنّ الخليفة سيحرق ما جمعوه من أحاديث رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، بل كانوا يعتقدون أ نّه سيرى أعدلها واُقومها ، فيثبّت الحسن منها في مصاحف و يحرق ما سواها ، لكنّهم واجهوا بإحراقه لجميع ما رووه ، مع ما فيها من أسماء الجلالة . إذن الخلاف بين عمر وبعض الصحابـة كان سياسيا وفكريا وإيدلوجيا معا ، وإن تطوّر لاحقا فأصبح ينظر إليه اختلاف سياسي بحت .

١- تاريخ دمشق ٤٠ : ٥٠٠ ، كنز العمال ١٠ : ١٣٠/ ح ٢٩٤٧٩ .

٢- انظر طبقات ابن سعد ٥ : ١٨٨ ، سير اعلام النبلاء ٥ : ٥٩ / تقييد
العلم : ٥٢ .

٤٧
بلى ، إنّي بجردي الأوّلي لمرو يّات بعض هؤلاء الصحابة مع مرويّات أهل البيت قد تولّدت في نفسي قناعة الاعتماد على مرويّات هؤلاء الصحابة لتكون شاهدة على غيرنا ، وأنّ هذا الغير لا يمكنه إلاّ أن يعترف بمصداقية مرويّاتنا بحكم صحّة مرويّات الصحابة عنده ، فأحببت أن اذكّر الأخوة بهذه الحقيقة ، بما توصّلت إليه نظريا والتي طبّقت بعض جوانبها بالفعل عند دراستي لمرويّات عبداللّه‏ بن عباس في الوضوء(١) عمليا ، فكان أغلب الذين رووا المسح عن ابن عباس من المدوّنين ، بعكس من روى الغسل عنه ، فكانوا من القضاة وعلماء البلاط . وعليه يمكننا أن نعتبر مسـألة التدوين منعطفا فكريا لمعرفة جذور الخلاف بين المسلمين ، ومن خلاله يمكننا توثيق فقه الإمامية للآخرين من غير الشيعة ، الذين يعتبرون مرويات الشيعة مخالفة لمرويّات غيرهم من المسلمين . فلو أردنا ان نسـتخدم هذا المحور كمنطلق للعمل يجب علينا أوّلاً أن نتعرّف على أسماء المدوّنين ، ثمّ ندرس مرويّاتهم لنرى مدى تطابقها مع مروياتنا ، وإنّ تلك النسبة التي سنحصل عليها هل تجعلنا ندّعي أنّ المدوّنين هم أقرب فكرا إلى مدرسة أهل البيت من الذين يخالفون التدوين أم لا ؟! وماذا نفعل لو اطّلعنا بين تلك

١- المطبوع على انفراد تحت عنوان عبداللّه‏ بن عباس واختلاف النقل عنه وكذا ضمن « وضوء النبي » المجلد الثاني .

٤٨
المرو يّات على ما يخالفنا ؟ وبتصوّري لا أراها تزيد على نسبة ١٠ % إلى ٣٠ % ـ وهذا يدعونا إلى البحث عن أسبابها ؛ لكي نقف على المنتفع والمستفيد من نسبة هذه الأقوال إلى أمثال هؤلاء الصحابة ، وما هي الخلفيات والملابسات في صدور هكذا روايات عنهم ، فهل حقّا قالوها ؟ أم نسبت إليهم تلك الروايات دعما للحكّام ؟ وقد يمكن أ نّهم رووها عمن يعتقد بها ، وقد تكون هناك اُمور أخرى يجب الكشف عنها .

المحور الثاني : فقه الأنصار

من الثابـت المعلوم أنّ الانصار وأهل البيت يقفون على أرضية واحدة وهي أنّ حبّهم إيمان وبغضهم نفاق(١) ، وهذا ما رسمه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لهما ، وإنّك لو تابعت سيرة الانُصار وتاريخهم لرأيتهم من المضطهدين في عهد الخلفاء ، ولذا لم يوالوا أبا بكر ولا عمر ، ولم يولّهم هؤلاء الخلفاء في السرايا والإمارات(٢) ، بل كانوا على خلاف دائم مع أبي بكر وعمر وعثمان فلم يف أبا بكر بما تعهّد به للأنصار (نحن الأمراء وأنتم الوزراء)(٣) وقال عمر بن الخطاب :

١- صحيح مسلم ١ : ٨٥ كتاب الايمان ٤ : ١٩٤٨ باب فضائل الانصار وصحيح الترمذي ٥ : ٦٣٥ ٧ كنز العمال ١٣ : ١٠٦ .

٢- انظر في ذلك الكامل في التاريخ ٢ : ٣٤٦ ، ٤٠٢ ، ٤٢٠ في حين عقد أحد عشر لواءً كان غالبهم من قريش .

٣- انساب الاشراف ١ : ٥٨٤ .

٤٩
وتخلّفت عنّا الأنصار بأسرها(١) ، و إنّي بجرد إحصائي لأسماء المخطِّئين للخلفاء الثلاثة ، وقفت على أنّ اُكثر هؤلاء المخطّئين كانوا من المدوِّنين والأنصار(٢) ، وهذا يرشدنا إلى التخالف السياسي والفقهي بينهما ، إذن يجب الاستفادة من مرويّات هؤلاء كمحور ثانٍ للوقوف على فقهنا ، ولا أريد بكلامي أن أقول بأنّ الأنصار كلّهم صالحون ، فهناك نسبة عالية يروون بمثل ما روى أئمتنا عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وفي الوقت نفسه لا ننكر وجود شخصيات من الأنصار يقوّمون النهج الحاكم ، كزيد بن ثابت ، فلو قمت بمقارنة بسيطة بين روايات زيد بن ثابت وعبداللّه‏ بن مسعود مثلاً لعلمت بأنّ مرويّات ابن مسعود عن رسول اللّه‏ هي الأقرب لما ترويه مدرسة أهل البيت عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . أ مّا زيد بن ثابت فمرويّاته تتقاطع مع مرويّات أهل البيت . وهكذا الحال بالنسـبة إلى عائشة وأم سلمة ، فروايات عائشة طالما صبّت في إطار الفقه الحاكم ، بخلاف مرويّات السيدة أم سلمة الموافقة لمدرسة أهل البيت ، في كثير من الأحيان . فمما أقترحه في هذا المجال هو القيام بدراسات مقارنة بين هكذا شخصيات من النهجين ، لتوضيح معالم النهجين ، ولا أرى أن

١- صحيح البخاري ٤ : ١١١ تاريخ الطبري ٢ ٦ ٤٤٦ ، مسند أحمد ١ : ٥٥ .

٢- انظر ما كتبه الاستاد المحاضر في المجلد الثاني من كتابه «وضوء النبي» صفحة ٤١١ ـ ٤٣٥ نسبه الخبر إلى عبداللّه‏ بن زيد الانصاري .

٥٠
يختّص الأمر في المقايسة بين مرويّات الإمام علي ومرو يّات عمر بن الخطّاب مثلاً ، بل يجب تعميمه على بقية الصحابة ، لأنّ مرويّات عمرو بن العاص ومعاوية ، والمغيرة بن شعبة وأمثالهم تصبّ في جهة ، ومرويّات ابن عباس ومعاذ ، وابن مسعود وأمثالهم تصبّ في جهة أخرى ، و يا حبّذا أن يقوم أحد الأخوة بدراسة شخصية الرسول الأعظم من منظار زوجتيه عائشة وأم سلمة ، لأنّ عائشة تصوِّر رسول اللّه‏ شيئا وأم سلمة تصوّره شيئا آخر ، في حين ترى أنّ ما صوّرته عائشة هو السائد والمعروف عند المسلمين ، أمّا نقل أم سلمة عن رسول اللّه‏ فهو خافٍ على المسلمين كخفاء شخصيتها عليهم . وحينما أؤكّد على مرويّات الأنصار لا أعني كلّ الانصار لأنّ فيهم السيء والحسن ، لكن الصفة الغالبة عليهم كان الحسن ، لقول الرسول لهم : أ نّكم ستلقون الأثرة بعدي ، فاصبروا فموعدكم الجنة(١) . إلى غيرها من الروايات التي جاءت في مدحهم .

المحور الثالث : رواة الفضائل

وهناك محور ثالث يمكن الاستفادة منه لتوثيق فقهنا عند غيرنا من باب الالزام ، وهو من خلال رواة روايات فضائل الإمام علي ، فيجب أوّلاً أن نتعرّف على أسماء هؤلاء الصحابة الذين رووا فضائل الإمام علي ، ثمّ ننظر بعد ذلك في مرويّاتهم ونجمعها ، فقد يكون في

١- مسند أحمد ٣ : ١٧١ .

٥١
مرويّات هؤلاء ما يدعم الفقه الإمامي ، لا أقولها بضرس قاطع ، بل أطرحه كاحتمال يمكن الاستفاده منه في مسألة التوثيق .

المحور الرابع : الذين شهدوا عليّا حروبه

وهم الصحابة الذين لم يحرّفوا ولم يغيّروا ولم تأخذ بهم الأهواء وزخارف الدنيا مأخذها منهم ، الذين شهد لبعضهم الرسول بالصدق ، ولآخر بالإيمان، وشهد التاريخ بسيرة حياتهم المستقيمة وجهادهم الصادق ، وكذا شهد لهم الإمام علي عليه‏السلام بأكثر من ذلك وحزن عليهم وخاطبهم بإخواني ، فعلينا أوّلاً البحث عن هؤلاء وعن مرويّاتهم في كتب القوم لنرى مدى قربها أو بعدها عن مدرسة أهل البيت فقد تكون الحكم ، وقد تكون المؤيّد لمرويّاتنا عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . كان هذا هو خلاصة أطروحتي وبنظري هو منهج جديد ، يتخذ مرويّات الصحابة طريقا لتوثيق مدرسة أهل البيت عند من لا يراها موثوقة ، ولا يخفى عليك بأنّ الصحابي المقترح البحث عن مرو يّاته يمكن أن يمتاز بأكثر من محور من المحاور فكلّما ازداد محورا ازداد احتمالاً وقربا إلى مدرسة أهل البيت . مؤكّدا بأنّ أطروحتي هذه لم تدخل في حيّز التطبيق الكامل بل إ نّها مطروحة على شكل نظرية ، ومن أحبّ الوقوف على جذورها ومبتنياتها فليراجع كتاب (منع تدوين الحديث) و (وضوء النبي) وكتبي الأخرى .

٥٢

وعليه فتوثيق « فقه الإمامية من الصحاح والسنن العامية » ليس بالشيء العسير كما يتصوّر البعض ، و إنّا لو وفّقنا إلى تطبيق هذه النظرية بحذافيرها لخرجنا مما نحن عليه من الاتهـام ، وأدخلنا فقهنا إلى حيّز يقبله الجميع ، ومنه يخرج فقهنا من إطاره الطائفي ـ كما يقولون ـ إلى حيّز فقه إسلامي ، يجب على جميع المسلمين اتّباعه والاقتداء به ؛ لأ نّه مروي عن الصحابة بطرق صحيحة عندهم ، علاوة على أنّه مروي عندنا . و إنّك لو راجعت الكتب الفقهية الخلافية لعرفت بأنّ ما نقول به قاله اُحد أئمة المذاهب الأربعة أو علمائهم ، وعلى أقلّ تقدير قالت به بعض المذاهب المنقرضة ، استنادا لتلك المرويّات عندهم عن الصحابة والتابعين ، فترى تارة مالك يوافقنا، وأخرى أبا حنيفة ، وثالثة الشافعي وهكذا ، فيجب علينا التعرّف على المذاهب التي توافقنا للنظر في أدلّتهم التي اعتمدو عليها ، وكيفية ردّهم لأدلّة المذاهب الأخرى المخالفة لهم ولنا ، فمثلاً القبض والإرسال في الصلاة ، فالمالكية تبعا لإمامهم قالو بكراهة وضع اليدين(١) أحدهما على الأخرى ، بل في الاستذكار(٢) إنّ الإمام مالك قطع بأنّ السنة هي إرسال اليدين ، وهؤلاء ردّوا ما استدلّ به الآخرون على القبض ،

١- بداية المجتهد ١ : ١٩٢ (المسألة الخامسة وانظر رسالة مختصرة في الفيض للدكتور عبدالحميد بن المبارك) .

٢- الاستذكار لابن عبدالبر ٢ : ٢٩١ وانظر بدائع الصنائع ١ : ٢٠١ .

٥٣
وحملو ما رواه مسلم عن وائل بن حجر(١) على أنّ رسول اللّه‏ التحف بثوبه ووضع يده اليمنى على اليسرى كان اتقاءً من البرد ، لأ نّه لو كان سنّة للزم القول باستحباب الالتحاف بالثوب أثناء الصلاة وهذا ما لم يقله أحد . وهذا منهج دعانا إليه الأئمة وجاء عن أبي حنيفة أنّه سأل الإمام الصادق عليه‏السلام يقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربّما تابعنا ، وربّما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعا ثمّ قال أبو حنيفة . إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(٢) . إذن علينا النهوض بفقه وحدوي مداره فقه آل الرسول ، مسندا ومؤ يّدا بأقوال الصحابة؛ لأ نّهم عدل القرآن وأحد الثقلين الذين أخلفهم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في أمّته ، فلو فعلنا هذا لكان فيه سدّ الطريق على من يزعم الطائفية والانفرادية لمذهبنا وفقهنا . ونحن اليوم، والحمد للّه‏ في معقل العلم والثقافة ( قم ) وإنّ الـدروس الفقهيه والاستدلالية فيها في أعلى مستوياتها ، وفقهاءنا ليسوا بالقليل ، فالذي أقترحه على الأخوة الأساتذة والطلاّب النابهين هو أن يأخذوا الرأي الآخر بنظر الاعتبار وليناقشوه ، ونحن في بحوثنا الفقهية ـ من منطلق البحث العلمي النزيه المستند إلى ثوابت أهل البيت في الفقه والعقيدة ـ نناقش أقوال الشيخ الطوسي أو

١- صحيح مسلم باب ١٥ رقم ٤٠١ .

٢- جامع مسانيد أبي حنيفة ١ : ٢٢٢ ، مناقب أبي حنيفة للموفق ١ : ٧٣ .

٥٤
الشيخ الأنصاري أو صاحب الجواهر أو ... ، بكلّ احترام ومتانة ، وكذا لا نهاب من مناقشة رأي الشافعي ومالك وأبي حنيفة ، حتّى نخرج برؤية وحدوية ، وعليه فعرض الآراء وأقوال المذاهب الأخرى وإن كان ضروريا للوقوف على مواطن الضعف والقوّة فيها ، لكن لا يمكن الاكتفاء بها وحدها، بل علينا مناقشة الرأي الذي لا يتفق معنا ، لأنّ لأولئك آرائهم ولنا أدلّتنا ، فلنناقشها بروح علمية ، ورؤيه وحدودية يقبلها الجميع ، وهو ما سعيت تطبيقه في كتابي ( وضوء النبيّ ) وفي أبحاثي ودراساتي الأخرى . فلا أكتفي بعرض الأقوال فقط، بل أشير إلى ملابساتها ، فبعض الخلافيات يعود سببها إلى جهل الصحابة ، وبعضها الآخر يرجع إلى سوء فهمهم ، وثالث إلى اُغراض سياسية ، وهناك رابع وخامس وسادس ، وليس هذا تقوّلاً على الصحابة ، ولو أحببتَ التأكّد راجع كتابي ( منع تدوين الحديث ) . وعليه فتطبيق هذه الأطروحة وغيرها يحتاج إلى جهد مضاعف من قبل إخواننا ، مع إيماننا بأنّ المقوّمات الأساسية لهذا العمل موجودة في رواياتنا ورواياتهم ، غاية ما في الأمر هو أنّه يحتاج إلى بذل الوسع من قبل الباحثين للوقوف عليها ، وإنّ مدرسة أهل البيت قد أعدّتْنا لهذا الغرض ، وعلّمتْنا وجوه التفسير والتأويل ، وإنّهم عليهم‏السلام علّمونا كيف نحمل كلامهم على المحامل لقول الصادق عليه‏السلام : ولا يكون الرجل منكم فقيها حتّى يعرف معاريض

٥٥
كلامنا وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج(١) . إذن قوّة الاجتهاد موجودة عندنا ، وقوّة الاستنباط موجودة كذلك، والحمد للّه‏ لنا أساتذة مرموقون ، وطلاّب نابهون في الحوزات العلمية يقضون غالب وقتهم في الفقه والأصول ، فياحبّذا أن تكون دروسهم الفقهية هي دروس مقارنة تأخذ الفقه الآخر بعين الاعتبار ، وليناقشوا ما استدلّ به الشافعي ومالك وأبو حنيفة وابن حنبل ، كما هم اعتادوا أن يناقشو ادلّة من يختلف معهم من فقهاء الإمامية .

أثر البحث التاريخي على الاستدلال الفقهي

من المؤسف حقّا أن نرى التاريخ الإسلامي ـ بالنظر لملابساته ـ لا يعطى له تلك الأهمّيّة في حوزاتنا العلمية ، في حين أنّ كثيرا من الأمور المؤثّرة في فهم الفقه يمكن أن نستوحيها ونستنطقها من التاريخ ، لعلمنا بأنّ أحد الأدلّة الشرعية هو السنّة النبوية ، وما هو إلاّ قول وفعل وتقرير المعصوم ، والتاريخ يوضّح هذه الأمور ، فمواقف وأقوال النبي هي سنّة ، كما أنّ سيرة أئمتنا سنّة ، ففي مواقفهم وأقوالهم المتناثرة في كتب التاريخ ما يفيدنا في العمل الفقهي

١- معاني الاخبار : ٢ ، وعنه في البحار ٢ : ١٨٤ / ح ٥ ، وانظر الصفحة الاولى
أيضا من كتاب معاني الأخبار ، وانظر بصائر الدرجات : ٣٤٨ ، الباب التاسع في ان الأئمة يتكلمون على سبعين وجها .

٥٦
كذلك ، وإنّ الوقوف على تاريخ الاختلاف ـ في أيّ فرع من الفروع ـ ومعرفة ملابساته والمستفيدين منه يمكن أنّ تحلّ لنا كثيرا من المسائل الخلافية ، و إنّي من خلال بحوثي قد استفدت كثيرا من مادّة التاريخ ، وقد بدءت كتابي ( وضوء النبي ) بتحديد تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء خلافا لما اعتاد عليه الفقهاء في عرض الأدلّة ، ومن خلاله أمكنني أنّ أحلّ مشكلة اختلاف النقل عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الوضوء ، وإنّ البحث التاريخي بنظري أهمّ من بحث اختلاف القراءات وما يشابهها في مسألة الوضوء من البحوث؛ لأن مبحث القراءات ومناقشة الأدلّة لم تحلّ لنا المشكلة ومنذ قرون ، لكنّنا ومن خلال تحديد زمن الاختلاف ودواعيه أمكننا أن نقوم بخطوة إيجابيه في هذا المضمار . لأنّا بوقوفنا على تاريخ الخلاف في الوضوء وأسبابه ودواعيه ، ومعرفة المنتفعين منه ، أمكننا أن نعتبره مرجّحا لأحد القولين ، وهو ما يسمّى في اصطلاح الفقهاء بجهة الصدور؛ لأنّ الفقيه يستعين بهكذا أمور عند التعارض وخصوصا في الأمور الخلافية ، سواء كان الاختلاف في الرواية أو في القراءات القرانية أو غيرها . والكلّ يعلم بأنّ فقهاءنا ومتكلّمينا ومفسّرينا كانوا يبحثون مسألة الوضوء من الوجهة اللغوية ، والنحوية ، والقراءة القرانية ، متناسين البحث عن دواعي الاختلاف وأسبابه من الجهة التاريخية ، وتحديد زمن الاختلاف ، في حين أنّ هذه المسألة لم تحلّ بالطريقة الآنفه بل

٥٧
بقيت عالقة لقرون متمادية ، أمّا نحن ومن خلال البحث التاريخي أمكننا أن نوضّح بأنّ عثمان بن عفّان ـ الجامع للذكر الحكيم فيما قيل ـ كان وراء غسل الأرجل في الوضوء الذي اختلفت القراءة القرانية فيه ، وذلك بالغاء قرائة الصحابة الآخرين الذين سمعوا القرآن من فم النبي سماعا . ونحن بتصويرنا وتحديدنا لتاريخ الخلاف في الوضوء رفعنا ـ ولحدء ما ـ ما يقال من وجود التعارض بين نقولات المسح ونقولات الغسل ، بل وضّحنا بأنّ هناك مستفيدا الشرعية في غسل الأرجل، وهو عثمان بن عفّان ، والأمويون الذين كانوا يهدفون إلىأمر ما في مثل هذا الاختلاف ، ومن خلاله اتضحت لنا أموراً كثيرة أخرى ، مثل أنّ قتل عثمان لم يكن لتقريبه لأقاربه وعشيرته بل كان لإحداثاته الشرعية الموجبة لهدر دمه ، أي لعدم عمله بالكتاب والسنّة ، وإتيانه ما لم يكن في الشريعة ، فقال ابن مسعود : إنّ دم عثمان حلال(١). وقال عبدالرحمان بن عوف : إنّما قتله أصحاب رسول اللّه‏(٢). وقال الحجاج بن غزيه الأنصاري : واللّه‏ لو لم يبق بين أجله إلاّ ما بين العصر إلى الليل لتقرّبنا إلى اللّه‏ بدمه(٣). وقال ابن عمر :

١- انساب الاشراف ٥ : ٣٦ .

٢- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣ : ٢٧ ـ ٢٨ .

٣- انساب الاشراف ٥ : ٩٠ .

٥٨
واللّه‏ ما فينا إلاّ خاذل أو قاتل(١). وقال سعد بن أبي وقّاص : وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه(٢) . جاء في رسالة من بالمدينة من أصحاب محمّد إلى من بالآفاق وفيه: فإنّ دين محمّد قد أفسده من خلّفكم ( وفي الكامل : خليفتكم ) وترك ... فهلمّوا فأقيموا دين محمّد(٣) . وهذه التغيّرات والإحداثات في الدين لم يُسلّط الضوء عليها ، بل إنّهم يفسّرون الإحداثات بأ نّها كانت لتقريبه أقاربه ، في حين أنّ تقريب الأقارب وإعطائهم الأموال لا يستوجب القتل ، بل إنّ ذلك يعتبر سوء سيرة لا إحداثا بينما الصحابة جوّزوا قتله وأحلّو دمه ، واللّه‏ سبحانه يقول في محكم كتابه « ولا تقتلوا النفس التي حرم إللّه‏ إلاّ بالحق » (٤) وقوله « ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها » (٥) ونحن أمام ماجرى لا يسعنا إلاّ أن نقول بعدول جميع الصحابة عن جادة الصواب، وتهاونهم بالأحكام الإسلامية ، وأمّا أن نذهب إلى انحراف عثمان وخروجه عن رأي الجماعة ، ولا ثالث . فإن قلنا بعدالة الصحابة وعدم اجتماعهم على الخطأ لزم القول بانحراف عثمان عن الجادة ، وخصوصا حينما نرى من بينهم من سمّوا بالعشرة المبشّرة أمثال : سعد بن أبي وقّاص ، وطلحة ،

١- شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ : ٨ .

٢- الإمامة والسياسة ١ : ٤٨ .

٣- تاريخ الطبري ٤ : ٣٦٧ ، الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٨ .

٤- سورة الأنعام، الآية: ١٥١.

٥- سورة النساء، الآية: ٩٣.

٥٩
والزبير ، وأمّا لو قلنا ببراءة الخليفة فهو يستلزم فسق الصحابة . نترك الكلام عن مثل هذه الأمور ونرجع إلى ما قلناه عن لزوم دراسة الأمور التاريخية مع المسائل الفقهية ، لتحديد تاريخ الاختلاف في المسائل المختلفة وبيان وداعي الاختلاف ، فنحن وبفضل البحوث التاريخية أمكننا أن نفتح كلام الإمام الصادق في الوضوء : ( الثالثة بدعة ) وأ نّه عليه‏السلام كان يعني عثمان بن عفان ، لأنّ الأخير كان يؤكّد في وضوئه على المرة الثالثة و يعتبرها سنّة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، في حين ثبت عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه توضأ المرّة والمرّتين ، أمّا الثالثة فكان اختلافي بين المسلمين ، تبعا للصحابة ، فمدرسة أهل البيت كانت تعتبره بدعة ، أمّا عثمان وموالية كحمران بن أبان كانوا يرونها سنّة ، و إنّ إشهاد عثمان الصحابة على الوضوء ثلاثا يفهمنا بأ نّه كان على خلاف مع الناس(١) في هذه المفردة ، لأنّ الإشهاد يأتي غالبا في أمر مختلف فيه . فإذن البحث عن المسائل الخلافية يدعونا للبحث عن جذورها التار يخية معها ، وإنّ مناقشة الأدلّة ـ بنظرنا ـ لا تكفي إلاّ لو بحثت مع جذورها وعللها ، وهذا ما يعبّر عنه بفلسفة التاريخ والمناشيء والأسباب وهو (ما نرجوا لحاظه) في مثل هكذا أبحاث فقهية ، كلامية ، عقائدية . وفي الختام اٌكرّر تاكيدي على لزوم توثيق فقهنا من الصحاح

١- صحيح مسلم ١ : ٢٠٧ ح ٨ ، كنز العمال ٩ : ٤٢٣ ح ٢٦٧٩٧ .

٦٠