×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

توثيق فقه الامامية من الصحاح والسنن / الصفحات: ٦١ - ٨٠

والمسانيد ، وأقترح المحاور الأربعة كمنطلق للوقوف على من هم أقرب إلى فكر ومنهج أهل البيت ، وباعتقادي أنّ مرويّات المدوّنين ، والأنصار ، ورواة الفضائل ، والذين شهدوا الإمام علي حروبه هي مادّة أوّلية يمكننا من خلالها توثيق فقهنا ورواياتنا عند من يراها مكذوبة على لسان الأئمّة ، وباعتقادي أنّ غالب فقه أهل البيت موجود عندهم من الطهارة إلى الديات ، وهو يدعونا للعمل على انتزاعه من مطاوي المصنفّات والمسانيد ، وأن لا نكتفي في بحوثنا بما قالت به الشافعية أو المالكية أو غيرهما ، بل علينا الخروج برؤية وحدودية توثّق مدرسة أهل البيت وتضعّف ما سواها من أتباع المنهج الحاكم ، لأنّ النهج الحاكم كان يسعى جادّا لمخالفة الإمام علي فكرا وسياسة ، فعن الإمام الصادق أنّه قال : أتدري لمَ أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة ؟ فقلت : لا أدري . فقال : إنّ عليا عليه‏السلام لم يكن يدين اللّه‏ بدين إلاّ خالفت عليه الأُمّة إلى غيره ، إرادة لابطال أمره ، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشي الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم ، جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا على الناس(١) . وجاء عن الإمام الباقر أ نّه قال : ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب ، ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حقّ ، إلاّ ما خرج من عندنا أهل البيت ، وإذا تشعّبت بهم الأمور كان الخطا منهم ،

١- علل الشرائع : ٥٣١ ح ١ وعنه في وسائل الشيعة ٢٧ : ١١٦ .

٦١
توثيق فقه الامامية من الصحاح والسنن » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٥٨ - ص ٨٧) والصواب من علي . وعن سعيد بن أبي الخطيب عن جعفر بن محمّد ] الصادق ] في حديث : أنّه قال لابن أبي ليلى : بأيّ شيء تقضي ؟ قال : بما بلغني عن رسول اللّه‏ وعن علي وعن أبي بكر وعمر . قال : فبلغك عن رسول اللّه‏ أ نّه قال : إنّ عليّا أقضاكم ؟ قال : نعم . قال : فكيف تقضي بغير قضاء علي وقد بلغك هذا ؟ ...(١) وهذه النصوص تؤكّد ـ وبوضوح ـ بأنّ النهج الحاكم كان مخالفا لعلي ، وكان يسعى دوما أن يجعل آخرين معه ، لأنّ الإمام عليا والزهراء والأئمة من ولده كانوا لا يرتضون ما شرّعه الآخرون من أعمال اعتادوا عليها وعرفوها في الجاهلية وادخلوها في الإسلام . وهكذا الحال بالنسبة إلى دراسة الفقه المقارن فكان أئمة أهل البيت يشجّعون الآخرين في التعرّف على فقه غيرهم ، وأن يسمحوا بدرج فقههم بجنب فقه الآخرين ، ودراستها معا . فعن أبي بصير عن أبي جعفر [ الباقر ] قال: الحكم حكمان : حكم اللّه‏ عزّ وجلّ ، وحكم أهل الجاهلية، وقد قال اللّه‏ عزّ وجلّ « ومن احسن من اللّه‏ حكما لقوم يوقنون »(٢) وأشهد على زيد بن ثابت لقد

١- الكافي ٧ : ٤٠٨ ح ٥ وعنه في وسائل الشيعة ٢٧ : ٢٠ .

٢- سورة المائدة، الآية: ٥٠.

٦٢
حكم في الفرائض بحكم الجاهليه(١) . وفي الفقيه : الحكم حكمان حكم اللّه‏ ، وحكم أهل الجاهلية ، فمن أخطا حكم اللّه‏ حكم بحكم أهل الجاهلية ، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل اللّه‏ عزّ وجلّ فقد كفر باللّه‏ تعالى(٢) . وعن معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبداللّه‏ [ الصادق ] قال : بلغني ، أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلت : نعم [ ثمّ أضاف معاذ ]وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج ، إنّي أقعد في المسجد ، فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء ، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون ، و يجيء الرجل أعرفه بمودّتكم وحبّكم ، فأخبره بما جاء عنكم ، و يجيء الرجل لا أعرفه ، ولا أدري من هو ، فأقول : جاء عن فلان كذا ، وجاء عن فلان كذا ، فأدخل قولكم في ما بين ذلك ، فقال لي : إصنع كذا ، فإنّي كذا أصنع (٣). إذن التعرّف على فقه العامة خطوة لتأصيل فقهنا عند غيرنا وأ نّه فقه النبي محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وحديثنا هو حديث رسول اللّه‏، وأرى ضرورة تدريسها مع دروسنا ، لأنّ الفقه المقارن خير ميدان للتعارف والتعرّف على المبتنيات الفكرية عند المذاهب الإسلامية، وباعتقادي أنّ فتح الحوار الفقهي الأصولي بين المذاهب سيقلّل من حدّة الصدام ، و يوقف كلّ طرف على أدلّة الطرف الآخر ، وفي ذلك

١- الكافي ٧ : ٤٠٧ ح ٢ وعنه في وسائل الشيعة ٢٧ : ٢٣ .

٢- الفقيه ٣ : ٣ ح ٦ .

٣- وسائل الشيعة ١٦ : ٢٣٣.

٦٣
ما يعذر الآخرين . وأختم كلامي كما بدأته بواقعة حدثت لي مع أحد علماء أهل السنّة والجماعة في مدينة مشهد حيث زارني ودار الحديث بيننا عن وضع الأُمّة الإسلامية ، وما وصلت إليه من التمزّق والتشتّت ، ووضعها الحالي المؤسف . وأخذ كلّ واحد منّا يحمل المسؤولية على الآخر ، حتّى حضر وقت الصلاة . فقلت له : نقوم نصلي ، قال نعم جعلك اللّه‏ من المصلّين ، ولكن كيف نصلّي ؟ هل اُصلّي بصلاتك اُم تصلي بصلاتي ؟ فقلت له : كلامك هذا دعاني أن نبحث معك صلاة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهقال : كيف ؟ وهل هناك اختلاف في الصلاة عن رسول اللّه‏ ، قلت : نعم، وأنت تعرف ذلك ، نحن ننقل عن رسول اللّه‏ شيئا وأنتم تحكون عنه شيئا آخر . قال : وضّح لي صلاتك ؟ قلت : حسنا لنتّفق على منهج يعرّفنا بصلاة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وليكن القاسم المشترك بيننا وبينكم الإتيان بما هو لازم وواجب ، وترك ما هو مخلّ ومبطل للصلاة عند الطرفين ، طاوين كشحا عن الأفضل ، وجائز و يجوز . قال : مرحبا وهلمّ ماعندك . فقلت : نعلم جميعا أنّ الصلاة أوّلها التكبير وآخرها التسليم ، قال : نعم .

٦٤
فكبّرت وأرسلت يديّ ـ لكي أصوّر له صلاتي ـ فقال : هذا أوّل فعل أتيت به مخالف لصلاتنا . فقلت : إذن ماذا أفعل ؟ هل أقبض بيديّ، اليمنى على اليسرى، وأجعلها تحت السرّة كما جاء عن أبي حنيفة ؟ أو فوق السرّة كما قال بها الشافعي ؟ وهل يجب أن أقبض بيديّ اليمنى على اليسرى أم أضعها عليه كما جاء عن أحمد ، أم يلزم علىّ الأخذ بالعضد بأحد قولي أحمد ؟ أم أبقيها على الإرسال كما ثبت عن مالك . فالمسألة خلافية عندكم ولا يمكنكم تحديد فعل رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، بالصور التي تصوّرتها ، فسكت ، فقلت له : لو صليت مسبلاً هل تصحّ صلاتي طبق أصول فقهك أم أ نّها باطلة ؟ فأصبح لا يحير جوابا ، وبعد هنيئة قال : إفعل ما شئت فقد فعلها رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . قلت : نعم ، إنّها سنّة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وقد فعلها الصحابة وأهل البيت ، وقطع بها الإمام مالك . وهنا انبرى ليعلّق على كلامي : لكن كان يمكنك القبض ، لما روي عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ... قلت له : دعني عما هو ممكن وغير ممكن ، وأسألك ـ بالتحديد ـ هل صلاتي بنظرك باطلة ؟ قال : لا ، بل صلاتك صحيحة . فقلت له : الحمد للّه‏ ، لكن صلاتك طبق فقهنا باطلة ؛ لأنّك تؤدّي فعلاً ليس من أفعال الصلاة ، وهو مبطل للصلاة بنظرنا ، فعليك تركه احتياطا ، لأنّ الإرسال حسب رواياتك، وأحد فقهاءك لا يُبطل

٦٥
الصلاة ، اُمّا القبض فهو مخلّ بالصلاة ومبطل له حسب رواياتنا وفقهنا ، فالاحتياط يدعوك إلى ترك المشكوك والعمل بالمتفق عليه عندنا وعندكم ، ولأجل هذا وغيره ترى الصحابة منزعجين من التحريفات التي ادخلت في الصلاة ، لأنّ كثيرا من الأحكام شرعية سلطانية ، وإن قيلت عنها أ نّها نبوية : فقد جاء في صحيح البخاري ، بأنّ الناس كان يؤمرون بأن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة(١) . وهذا النصّ يؤكّد بأنّ الناس كانوا يؤمرون بوضع اليمنى على اليسرى ، وهو الذي دعا بعض الصحابة أن لا يصلّوا إلاّ سرّا . فعن حذيفة بن اليمان قال : ابتلينا حتّى جعل الرجل لا يصلّي إلاّ سرّا(٢) . نعم ، إنّ الصحابة كانوا يأسفون على تلاعب الحكّام بالأحكام الشرعية لتغييرهم السنّة ، لأ نّهم كانوا يغيّرون مواقيت الصلاة ، و يلزمون النّاس بأمور غير واجبة ، مصوّرين الأمر لهم على أ نّها واجبة . فجاء عن الزهري أنّه قال : دخلت على أنس بن مالك بدمشق ، وهو وحده يبكي قلت : ما يبكيك ؟ قال : لا أعرف شيئا ممّا أدركت

١- صحيح البخاري ٢ : ٤٨٠/٦٩٧ باب : ٤٨٠ .

٢- صحيح مسلم ١/٩١ ، صحيح البخاري ٢/١١٦ .

٦٦
إلاّ هذه الصلاة وقدّ ضيّعت(١) . وأخرج البخاري بسنده ، عن اُمّ الدرداء قال : دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب ، قلت : ما أغضبك ؟ فقال أبو الدرداء : واللّه‏ لا أعرف فيهم من أمر محمّد شيئا إلاّ أ نّهم يصلّون جميعا(٢) . وعن عبد اللّه‏ بن مسعود : إنّها ستكون ائمّة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فلا تنتظروهم واجعلوا الصلاة معهم سبحة(٣) . وفي آخر : نظر عبداللّه‏ بن مسعود إلى الظلّ فرآه قدر الشراك فقال : إن يصب صاحبكم سنّة نبيكم يخرج الآن ، قال : فواللّه‏ ما فرغ عبد اللّه‏ من كلامه حتّى خرج عمّار بن ياسر يقول الصلاة(٤) . وعن عبد اللّه‏ عمرو بن العاص إنّه قال : لو أنّ رجلين من أوائل هذه الأُمّة خلوا بمصاحفهم في بعض هذه الأودية لأتيا النّاس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه(٥) . وروى الإمام مالك عن عمّه أبي سهل ابن مالك عن أبيه أنّه قال : ما أعرف شيئا ممّا أدرك في النّاس إلا النداء في الصلاة(٦) .

١- جامع بيان العلم ٢ : ٢٤٤ ، الطبقات الكبرى ترجمة أنس ، صحيح البخاري
١ : ١٤١ ، جامع الترمذي ٤ : ٦٣٢ .

٢- مسند أحمد ٦ : ٢٤٤ ، صحيح البخاري ١ : ١٦٦ ، فتح الباري ٢ : ١٠٩ .

٣- مسند أحمد ١ : ٤٥٥ ـ ٤٥٩ والسبحة تعني النافلة .

٤- مسند أحمد ١ : ٤٥٩ .

٥- الزهد والرقائق : ٦٦ كما في الصحيح في سيرة النبي ١ : ١٤٤ .

٦- المؤطأ (المطبوع مع تنوير......) ١ : ٩٣ ، جامع بيان العلم ٢ : ٢٤٤ .

٦٧
وعن الصادق قال : لا واللّه‏ ماهم على شيء ممّا جاء به رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلاّ استقبال الكعبة فقط(١) . وعن عمران بن حصين قوله لمطرف بن عبد اللّه‏ لمّا صليّنا خلف علي بن أبي طالب : لقد صلى صلاة محمّد ، ولقد ذكرني صلاة محمّد(٢) . وعن أبي موسى الأشعري قال : ذكّرنا علي صلاة كنّا نصليها مع النّبي إ مّا نسيناها وامّا تركناها عمدا ، يكبّر كلّما خفض وكّلما رفع وكلّما سجد . فإذا كانت صلاة علي بن أبي طالب في ذلك الزمان تذكّر الصحابة بصلاة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فما بالنا الآن وقد طال الزمان وتغيّرت المعالم وبعدت الشقّة ، فمن رأى من يصلّي بصلاة الإمام علي عليه‏السلام التي أقرّ بها عمران بن حصين وأبو موسى الأشعري بأ نّها صلاة محمّد ، فما يقول وبماذا يقرّ ؟ وألم تكفينا هذه النصوص التي ذكرناها أنّ تحريفا وقع في الشريعة سيّما في الصلاة ، فأطرق برأسه متفكّرا ، فقلت : لا عليك ، فلنواصل الحديث من حيث انتهينا . وقلت بعدها : بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم قال : ما هذه البسملة ؟ قلت : أريد أن أقرأ السورة فأبدأ بالبسملة ، ماذا يكون ؟ قال : وما

١- بحار الأنوار ٦٦ : ٩١ .

٢- مسند أحمد ٤ : ٤٢٨ ، ٤٢٩ ، ٤٤١ ، ٤٤٤ ، ٤٠٠ ، ٤١٥ ، كنز العمّال
٨ : ١٤٣ ، سنن الكبرى ٢ : ٦٨ .

٦٨
يكون لو قرأت السورة بدون البسملة ، كما فعل بعض الصحابةوالمنقول عن الرسول . قلت : لا ، بل إنّي أطرح عليك سؤالاً : ألم يكن عندنا وعندكم لزوم الإتيان بسورة كاملة ؟ قال : نعم ، قلت : فعندنا البسملة جزء من السورة ، و إن لم ناتي بها تكون السورة غير كاملة ، أي غير مجزية ، فقال : ولمَ ، وكيف ، وبعض الصحابة لم يأتوها وأبو بكر وعمر أخفياها قلت : جاء في التفسير الكبير للرازي : أنّ عليا عليه‏السلام كان مذهبه الجهر ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم في جميع الصلوات(١) . وهذا يعني بعض آخر من الصحابة كانوا يأتون بها، وهو يؤكّد وجود نهجين عند الصحابة ، وقد علّق الرازي على هذه الرواية بقوله : إنّ هذه الحجّة قويّة في نفسي ، راسخة في عقلي ، لا تزول البته ببسبب كلمات المخالفين(٢) أي المخالفين للجهر بالبسملة . وروى الشافعي في الاُم : بإسناده أنّ معاوية قدم المدينة فصلّى بهم ولم يقرأ بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، ولم يكبّر عند الخفض إلى الركوع والسجود ، فلمّا سلّم ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية سرقت من الصلاة ، أين بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، وأين التكبير عند الركوع والسجود ؟ فصلّى بهم صلاة اُخرى(٣) .

١- تفسير الكبير للرازي ١ : ١٦٨ .

٢- تفسير الكبير للرازي ١ : ١٦٨ .

٣- الاُم ١ : ١٠٨ .

٦٩
ثمّ أردف الشافعي ما رواه بالتعليق قائلاً : إنّ معاوية كان سلطان عظيم القوّة ، شديد الشوكة ، فلو لا أنّ الجهر بالتسميّة كان كالأمر المتقرّر عند كلّ الصحابة من الأنصار والمهاجرين و إلاّ لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية . ثمّ سرد الشافعي رواية اُخرى في الاُم مفادها : أنّ معاوية جاء بالتسمية في فاتحة الكتاب ولم يأت بها في السورة الثانية ، إن الصحابة اعترضوا عليه حتّى اضطرّ إلى إعادة الصلاة . قال الرازي : إنّ عليا كان يبالغ في الجهر بالتسمية ، فلمّا وصلت الدولة إلى بني اُمية بالغوا في المنع من الجهر ، سعيا في إبطال آثار علي عليه‏السلام(١) . وروي في أحكام القرآن عن اُمّ سلمة : كان رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يصلي في بيتها فيقرأ بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم(٢) . واعترض مرّة ابن عبّاس على عثمان لعدم الإتيان ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم، وهو يؤكّد بأنّ الطالبيين كانوا لا يرتضون الصلاة بدون البسملة . وغيرها من الروايات التي تصرّح بوجوب الإتيان بالبسملة والجهر بها . فأسألك باللّه‏ ، ألم تكن هذه الروايات موجبة للإتيان ببسم اللّه‏

١- تفسير الكبير الرازي ١ : ١٦٩ . اُنظر رحمك اللّه‏ إلى ما قال الرازي بتأمل .

٢- أحكام القرآن ١ : ١٦ .

٧٠
الرحمن الرحيم في الصلاة ؟ ثمّ أعود وأسالك طبقا لما اتفقنا عليه ، هل أنّ قراءة السورة مع بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم مبطلة للصلاة أم لا ؟ قال : لا إشكال في إتيانكم لها ، وكذا عندنا من أتى بها لا شيء عليه ، فقلت : الحمد للّه‏ ، فقد وافقتني على ذلك . ثمّ استرسلت في قرأءة الفاتحة الى ( والضالين ) ، وأردفت بعدها بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم لقراءة سورة صغيرة اُخرى ، فانتفض معترضا وقال : أين أصبحت آمين ؟ قلت : نحن لم نأتِ بها ؛ لأنّها كلام إضافي ، أي زائد عما أمرنا اللّه‏ ورسوله به ، فيكون مبطلاً للصلاة عندنا . فقال : قد أتى بها الصحابة وغيرهم. قلت : لا نخرج عما اتفقنا عليه وقل لي عدم الإتيان بها عندكم مبطل للصلاة عندكم ، وخصوصا إذا صلّى منفردا أم لا ؟ قال : لا ، قلت : فنحن لم نأتِ بها لبطلانها للصلاة عندنا ، أ مّا عدم الإتيان بها عندكم غير مبطل ، فما المانع من تركها احتياطا وتحاشيا من الوقوع في البدعة . قال : لا مانع من ذلك . وانحدرت في إكمال السورة الصغيرة بعدها ، فأشار بيده : اقطع ، فقطعت القراءة . فقال : لماذا تقرأ سورة كاملة ويجزيك بعد الحمد أن تقرا آية أو

٧١
آيتين ، قلت : نحن عندنا لا يجزي بعد الحمد إلاّ سورة كاملة ، ونحننقرأ في صلاتنا السور الصغار . فأجابني : يكفيك الآية والآيتين وقد فعلها الصحابة . فقلت : يا أخي دعني عن هذا ، وقل لي : هل الإتيان بسورة كاملة بعد الحمد مبطل للصلاة أم لا ؟ قال : يجوز لك إن لا تاتي بها . قلت : اُعيد عليك كلامي وأقول دعني عن هذا ، وقل لي صلاتي صحيحة بنظرك ام لا ؟ قال : نعم صلاتك صحيحة حسب مذاهبنا . فقلت : أمّا عندنا فلا يجوز أن تأتي بسورة كاملة بعد الحمد ، فما المانع من أن تاتي بسورة كاملة من السور الصغار بدل الآية

والآيتين ؟ ألم يكن الإتيان بسورة كاملة هو الأقرب إلى الاحتياط

والأوفق إلى الشريعة ، لأنّ مدرسة أهل البيت توجب الإتيان بسورة كاملة بعد الحمد ، أمّا أنتم فلا تقولون ببطلان الصلاة بسورة كاملة بعد الحمد ، ألم يكن من الاحتياط قراءتها؟ قال : صدقت أكمل ، قلت : يؤيّد كلامي ما رواه عبدالرزاق في مصنّفه عن معمر عن الزهري عن عبداللّه‏ بن أبي رافع قال كان ـ يعني عليا ـ يقرا في الأولين من الظهر والعصر بأم القران وسورة ولا يقرأ في الآخرين . قال الزهري : وكان جابر بن عبداللّه‏ يقرأ في الأولين من الظهر والعصر بأم القران وسورة ، وفي الأخيرين بأمّ القران ، قال الزهري :

٧٢
والقوم يقتدون بإمامهم(١) . قلت : نحن بعد أن نكمل القراءة نذهب إلى الركوع الذي نقول فيه ذكر للّه‏ تعالى . فقال : ونحن كذلك . فقلت : وأفضل ذكر عندنا فيه «سبحان ربي العظيم وبحمده» . فقال : ونعم الذكر ، ولم يعترض علىّ ذلك . فقلت : الان أرفع رأسي من الركوع وانتصب ثمّ أهوي إلى السجود . فقال : هنيئه قد وصلنا إلى الطامّة الكبرى . قلت : رحمك اللّه‏ ورحمني ، وماهي ؟ قال : إذا هويت إلى السجود تسجد على ماذا . قلت : أسجد كما علمني النبي وأهل بيته بقوله : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا(٢) أي أسجد على الأرض وما ينبت منه بشرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوسا فقال : أنتم تسجدون على حجر أو كما تسمّونها تربة ، فقلت : أنا فحصت بذلك لو تأمّلتَ ، وأنقل لك رواية ذكرها أحمد في مسنده عن وائل بن حجر في ذلك قال :

١- مصنف عبدالرزاق ٢ : ١٠٠ وقول الزهري والقوم يقتدون بأمامهم اشارة
إلى الشيعة في عهده ، وأنّهم يقتدون بعلي بن أبي طالب وان فقههم ليس باجنبي عنه .

٢- صحيح البخاري ١ : ١٢٨ باب من لم لا يجد ماء ولا ترابا حديث : ٣٢٨ .

٧٣
رأيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض . وهناك روايات أخرى تؤكّد بأنّ النبي كان يسجد على الحصى والخمره(١) . وقد روى البيهقي في سننه عن بن عبّاس إنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله سجد على الحجر(٢) . وورد في كنز العمّال ان عائشة قالت : ما رأيت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله متقيا وجهه بشيء(٣) . وجاء عن أبي الدرداء إنّه قال في حديث ـ هذا بعضه ـ : وتعفير وجهي لربّي في التراب فإنّه مبلغ العبادة من اللّه‏ تعالى . فلا يتقينَّ أحدكم التراب ، ولا يكرهنّ السجود عليه ؛ فلا بدّ لأحدكم منه . ولا يتقي أحدكم المبالغة ، فإنّه إنّما يطلب بذلك فكاك رقبته وخلاصها من النار(٤) . فقال ذلك العالم السنّي على : استحياء مبتسما : البعض يقول أنتم تسجدون لصنم ، فقلت قد أجبتك بعدّة روايات من كتبكم وأنت تقول لي بهذا الكلام ، ومعاذ اللّه‏ من أن نسجد لغير اللّه‏ ، وكيف نسجد لصنم ونحن نقول في سجودنا : سبحان ربّي الأعلى وبحمده، فلمن

١- تهذيب الاثار ١ : ١٩٣/٣٠١ .

٢- سنن البيهقي ٢ : ١٠٢ .

٣- كنز العمّال ٤ : ٢١٢ .

٤- طبقات الحنابلة ١ : ٣٣١ .

٧٤
هذا التحميد والتقديس الذي يجري على السنتنا في السجود أللّه‏ أم للاصنام ؟! وكيف يكون ذلك ونحن نصرخ في اليوم والليلة بالأذان والإقامة باشهد أن لا إله إلاّ اللّه‏ وأن لا إله الاّ اللّه‏ . كيف طاوعتكم أنفسكم على هذه التهم وترانا نسجد على التربة الطاهرة امتثالاً لأمر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ألم تفرّق أخي العزيز بين السجود للشيء والسجود على الشيء؟ ، فنحن نسجد على هذه التربة للّه‏ ، لا أنا نسجد لهذه التربه وإن كنّا نحترمها ، لأ نّها ماخوذة من تربة سيد الشهداء الحسين . قال : هوّن عليك يا أخي مازحتك ، قلت : لا تثريب عليك رحمك اللّه‏، ولكن نعود لما اتفقنا عليه ، وأقول : سجودي على هذا التراب أو الخشب أو القرطاس ، أو على أرض اذا كان ميسورا ، هل يصحّ أم لا ؟ مبطل ام غير مبطل ؟ قال : لا غير مبطل ، وتصحّ الصلاة ، لأنّه جاء عندنا في صحيح البخاري ... فصلّى بنا النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حتّى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأرنبته(١) . فقلت : أثابك اللّه‏ ، فقال : وأثابك ، فقلت الآن تمت الصلاة النظرية فقم نجعلها صلاة عملية ، فضحك ، وقال : إذن نصلي صلاة شيعية ، قلت : وما يمنعكم من ذلك إن كانت تلك الصلاة صحيحة بنظرك ، وإن أردت أن لا تصلي بصلاتنا فلا تحملوا علينا ولا تقولوا بما ليس

١- صحيح البخاري ١ : ٢٨٠/٧٨٠ ، وأخرجه مسلم ٢ : ٨٢٦ ح ١١٦٧ .

٧٥
لكم به من علم . وعليه فقد عرفت أنّ البحث الفقهي الخلافي والتعرّف على الأسس الفكرية والمباني الرجالية والأصولية للآخرين تخدم الفكر والعقيدة ، وإنّي من خلال هكذا بحوث أمكنني التعرّف على وضوء رسول اللّه‏ ، وصلاة رسول اللّه‏ ، وكذا يمكنني أن أتعرّف على حجّ رسول اللّه‏ ، وهل الخمس واجب وأمثالها، ولي دراسات مقارنة أخرى في هذا المجال أتحاشى من ذكرها هذه الليلة لضيق الوقت ، فاستميحكم عذرا من الإطالة، والسلام عليكم ورحمة اللّه‏ وبركاته .

٧٦

المصادر

١ ـ احكام البسملة وما يتعلق بها من الأحكام والمعاني واختلاف العلماء : للفخرالرازي ، محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني (ت ٦٠٦) ، تحقيق : مجدي السيد إبراهيم ، مكتبة القران ، القاهرة .

٢ ـ أحكام القرآن : للجصاص ، أحمد بن علي الرازي ، أبي بكر (ت ٣٧٠) ، دار الفكر ، بيروت .

٣ ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه‏ على العباد : للشيخ المفيد ، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي ، أبي عبداللّه‏ (ت ٤١٣) ، تحقيق : مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، ط ١ ، ١٤١٣ ه .

٤ ـ ارشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد : للصنعاني ، محمد بن إسماعيل (ت ١١٨٢) ، مكتبة التراث العربي ، بغداد ١٩٩٠ م ، طبعت مع رسالتين أخريتين تحت عنوان (ثلاث رسائل) .

٥ ـ الاستبصار فيما اختلف من الاخبار : للشيخ الطوسي ، محمد بن الحسن ، أبي جعفر (ت ٤٦٠) ، تحقيق : السيّد حسن الموسوي الخرسان ، دار الكتب الإسلامية ، ١٣٩٠ .

٧٧

٦ ـ الاستذكار الجامع لمذاهب أهل الامصار : للنمري ، يوسف بن عبداللّه‏ بن عبدالبر القرطبي أبو عمر (ت ٤٦٣) ، تحقيق : سالم محمد عطا ، محمد علي معوض ، دار الكتب العلمية ، بيروت ٢٠٠٠ .

٧ ـ الاعتصام بحبل اللّه‏ المتين : للقاسم بن محمد ، الإمام الزيدي (ت ١٠٢٩) ، مطابع الجمعية الملكية ، عمان ـ الأردن ، ١٤٠٣ .

٨ ـ الام : للشافعي ، محمد بن إدريس ، أبي عبداللّه‏ (ت ٢٠٤) ط ٢ ، دار المعرفة ، بيروت ، ١٣٩٣ ـ ١٩٧٣ .

٩ ـ الإمام الصادق والمذاهب الاربعة : الاستاذ اسد حيدر .

تحقيق ونشر : نشر الفقاهة ، ط ١ قم ١٤٢٧ ه .

١٠ ـ الإمامة والسياسة : لابن قتيبة الدينوري ، عبداللّه‏ بن مسلم ، (ت ٢٧٦) ، تحقيق : طه محمد الزيني ، مؤسسة الحلبي وشركاؤه .

١١ ـ اعتقاد أهل السنة = شرح اصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة واجماع الصحابة : اللالكائي ، هبة اللّه‏ بن الحسن بن منصور ، أبو القاسم (ت ٤١٨) ، تحقيق : الدكتور أحمد سعد حمدان ، دار طيبة ، الرياض ١٤٠٢ .

١٢ ـ الانساب : للسمعاني ، عبدالكريم بن محمد ، أبي سعيد (ت ٥٦٢) . تقديم وتعليق : عبداللّه‏ البارودي (مركز الخدمات

٧٨
والابحاث الثقافية) ، ط ١ ، دار الجنان ، بيروت ، ١٤٠٨ ـ ١٩٨٨ .

١٣ ـ انساب الاشراف (المجلد الخامس ـ رحلي) : للبلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (ت ٢٧٩) ، مكتبة المثنى ، بغداد (اوفسيت عن طبعة سابقة) .

١٤ ـ بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الأئمة الاطهار : للمجلسي ، الشيخ محمد باقر (ت ١١١١) ، مؤسسة الوفاء ، بيروت ١٤٠٣ ـ ١٩٨٣ .

١٥ ـ البداية والنهاية = تاريخ ابن كثير . لابن كثير الدمشقي ، أبي الفداء (ت ٧٧٤) .

١٦ ـ بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع : للكاساني ، أبو بكر بن

مسعود (ت ٥٨٧) ط ٢ ، دار الكتاب العربي ، بيروت ١٤٠٢ ـ ١٩٨٢ .

١٧ ـ بداية الدرجات الكبرى : لابن رشد القرطبي ، محمد بن أحمد ، أبو الوليد (ت ٥٩٥) ط ٢ ، دار الكتاب العربي ، بيروت ١٤٠٢ ـ ١٩٨٣ .

١٨ ـ بصائر الدرجات الكبرى : للصفار ، محمد بن الحسن بن فروخ ، أبو جعفر (ت ٢٩٠) ط ٢ ، تقديم وتعليق : الحاج ميرزا محسن كوجه باغي ، منشورات الاعلمي ، طهران ١٤٠٤ ه .

١٩ ـ تاريخ ابن خلدون : لابن خلدون . عبدالرحمن بن محمد الحضرمي (ت ٨٠٨) ط ٥ ، دار القلم ، بيروت ١٩٨٤م .

٧٩

٢٠ ـ تاريخ بغداد أو مدينة السلام : للخطيب البغدادي ، أحمد

٢١ ـ تاريخ دمشق = تاريخ ابن عساكر : لابن عساكر ، علي بن الحسين بن هبة اللّه‏ الشافعي ، أبي القاسم (ت ٥٧١) .

٢٢ ـ تاريخ الطبري = تاريخ الامم والملوك : للطبري ، محمد بن جرير ، أبي جعفر (ت ٣١٠) ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار التراث ، بيروت .

٢٣ ـ تحفة الاحوذي شرح جامع الترمذي : للمباركفوري ، محمد بن عبدالرحمن بن عبدالرحيم (ت ١٣٥٣) ، ط ١ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ١٤١٠ ه ـ ١٩٩٠ م .

٢٤ ـ ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة اعلام مذهب مالك : لابن عياض ، موسى بن عياض الشيني (ت ٥٤٤) ، بيروت ١٩٦٧ م .

٢٥ ـ التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح : للباجي ، سليمان بن خلف بن سعد ، أبو الوليد (ت ٤٩٣) ، تحقيق : الدكتور أبو لبابة حسين ، ط ١ ، اللواء للنشر ، الرياض ١٤٠٦ ه ـ ١٩٨٦ م .

٢٦ ـ التفسير الكبير = تفسير الفخرالرازي : محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين ، أبي عبداللّه‏ (ت ٦٠٦) ط ٣ .

٨٠