×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

اليمن القريب، لاسيّما بعدما وصلته أخبار أبي عبد الله وفتوحاته، كما شجّعه على ذلك ما بلغه من أنباء عن إخلاص أهل المغرب وحبّهم لأهل البيت عليهم السلام .

وبعد رحلة طويلة مضنية قادته في البداية إلى سجلماسة، دخل عبيد الله المهدي القيروان مبشّراً بعهد جديد سمّاه العهد الفاطمي (نسبة إلى فاطمة الزهراء عليهما السلام التي يدعي الانتساب إليها ) .

وبذلك دخل المغرب حقبة جديدة لازالت آثارها ماثلة للعيان إلى يومنا هذا.

وكان عمر المهدي حين دخوله إفريقية، منتصراً، سبعة وثلاثون سنة . وكان وصوله إليها « يوم الخميس لعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة سبع وتسعين ومائتين... »(١) .

فدعي له بالخلافة وأنشده الشعراء ومدحوه.

وأوّل من مدحه من شعراء إفريقية « سعدون الورجيني » الذي يعدّ من فحول شعراء إفريقية في العهد الأغلبي، وهو من بلاد الجريد. وقد مدحه بأبيات، استهلّها بما يلي :


قف بالمطيّ على مرابـــــــع دورليست معالمهن ثوب دثـــــــور

لعبت بها حتّى محت آثارهـــــــاريحان ريح صبا وريح دبــــور

إلى أن انتهى إلى قوله :

١- المصدر السابق (ص:٢٩٠).

١٨١
مدخل الى تاريخ التشيع في تونس » عبدالحفيط البناني » (ص ١٨١ - ص ٢١٠)


هذا أمير المؤمنين تضعضعت لقدومه أركان كلّ أمير


هذا الإمام الفاطميّ ومن به أمنت مغاربها من المحذور


والشرق ليس لشامه وعراقه من مهرب من جيشه المنصور


حتّى يفوز من الخلافة بالمنـى ويفاز منه بعدله المنشور

ثمّ مر فيها إلى ذكر أبي عبد الله :


يا من تخيّر من خيار دعاته أرجاهم للعسر والميسور


حتّى استمال إليه كلّ قبيلة ورمى إليه قياد كلّ عثور


أشبهت موسى وهو حيتك التيتلقى فتلقف كلّ إفك سحور(١)

وهكذا دانت لعبيد الله المهدي جلّ بلاد المغرب . فأقام دولته المسمّاة بالفاطمية على أنقاض دول آخرين.

قال ابن الأثير في تاريخه:

« وزال ملك بني الأغلب وملك بني مدرار الذين منهم اليسع، وكان لهم ثلاثون ومائة سنة منفردين، وزال ملك بني رستم من تاهرت(٭) ، ولهم ستون ومائة سنة تفرّدوا بتاهرت، وملك المهدي جميع ذلك... »(٢) .

ثمّ سرعان ما عصفت بهذا الكيان الناشئ أولى الخلافات السياسية وإنّ اتّخذت، في ظاهرهاً، طابعاً دينياً مذهبياً.

١- المصدر السابق (ص:٣٠٠-٣٠٢) .والشّعر من الكامل.

(٭) تاهرت هي وهران حالياً بالجزائر.

٢- « الكامل في التاريخ » (ج٨/ ص:٣٨).

١٨٢

فلقد اجتمع أبو عبد الله، بتحريض من أخيه أبو العباس، ببعض وجوه كتامة، وتذاكروا في أمر عبيد الله المهدي.

فأخبرهم أبو عبد الله بأنّه ربّما اشتبه في المهدي وأنّه ليس الإمام المنتظر. وممّا قاله لهم، بحسب بعض المصادر:

«أخشى أن أكون قد غلطت فيه وعرض لي ما عرض لإبراهيم الخليل إذ جن عليه الليل فرأى كوكباً، فقال هذا ربّي »(١) .

وعالج عبيد الله القضية بدهائه السياسي المعروف، « فسمّى عدداً من زعماء المعارضة السريّة في مناصب مختلفة بعيدة عن رقادة، ليشتت شملهم، ويتمكن من التخلص منهم »(٢) .

ثم أمر باغتيالهم الواحد تلو الآخر، ومن بينهم أبي عبد الله وأخيه أبي العباس.

وهكذا « كان مصير أبي عبد الله الداعي - الذي كان من أدهى وأذكى زعماء المذهب الفاطمي- على يد الشخص الذي كرس حياته للدعوة إليه وخدمة مذهبه »(٣) .

وحاله في ذلك شبيه بحال أبي مسلم الخراساني .

وكان لمقتل أبي عبد الله نتائج سياسية سلبية على حياة الدولة الناشئة .

١- « البيان المغرب في أخبار المغرب » (ج١/ص:١٦١).

٢- « القيروان » (ص:٨٩).

٣- المصدر السابق (ص:٩٠).

(٭) وهذا ما يمكن لمسه في حركتين على الأقل:

أولاً: في ثورة الخارجي أبي يزيد صاحب الحمار، التي ما كانت لتنتشر لولا الأجواء السلبيّة التي أشاعتها الفتنة المذكورة.

ثانياً: في مباركة البربر وتأييدهم لاستقلال المغرب عن الخلافة الفاطميّة بعد انتقال مركزها إلى مصر.

١٨٣

فلقد كان معروفاً و محبوباً بين الناس، لاسيما أهل كتامة، أكثر من المهدي نفسه.

على أنّ الفتن التي أشعلها مقتل أبي عبد الله وأصحابه لم يقتصر أثرها على قبيلة كتامة فقط. بل اتسع مداها و تأثيرها ليعم سائر قبائل البربر(٭).

واستطاع عبيد الله بحنكته ودهائه، استمالة وجوه كتامة من جديد بعد نفورهم منه وإعراضهم عنه بل وثورتهم عليه إثر مقتل أبي عبيد الله الذي كان وجيهاً عندهم. فأذعنوا له وأطاعوه وأخلصوا له ولبنيه من بعده.

وكذلك كانت حال جلّ البربر و شيمهم مع من ينتسب لأهل البيت عليهم السلام ، أو يمتّ لهم بسبب، سواء أدانوا، (أي البربر)، بالتشيّع أم بقوا على تسنّنهم.

تأسيس المهدية :

لم يطمئن المهدي لبقائه في القيروان بسبب ولاء أهلها القديم للخلفاء، ومناصبة بعضهم العداء لأهل البيت عليهم السلام بسبب هوى أموي قديم أذكته السياسة وأنعشته الصراعات المذهبية.

فخرج عبيد الله سنة (٣٠٠هـ /٩١٥م) « في طلب موضع لبناء مدينة

١٨٤

تؤويه وتصون أهل بيته .

فأتى تونس وقرطاجنة وطاف الساحل التونسي إلى أن وقع اختياره على شبه جزيرة بين سوسة وصفا قس، فأمر ببناء مدينة في ذلك الموضع سمّاها المهدية نسبة إليه.

ولمّا تمّ تشييدها وتحصينها بأقوى ما يكون، انتقل إليها بمن معه سنة (٣٠٥هـ / ٩٢٠م) مقرّاً لدولته »(١) .

وكان الهدف من بناء المهدية:

أولاً : « الابتعاد عن مركز إلى مذهب، ومأوى خليط من الناس من الصعب الاطمئنان إليهم نهائياً »(٢) .

ثانياً : الخشية من الأخطار التي قد يمثّلها زحف القبائل البربرية، لاسيمّا من جبال الأوراس، على العاصمة .

إذ « أنّ اتّخاذ عاصمة على ساحل البحر متحصّنة بحصون منيعة من ناحية البرّ يجعل هذا الخطر أضعف بكثير من الخطر الذي يمكن أن يهدّد رقادة... »(٣) .

ثالثاً : إنّ اختيار المهدي لمكان عاصمته الجديدة لم يكن بعيداً عن برنامجه في إنشاء أسطول حربي « يحفظ للفاطميين السيادة المطلقة في حوض البحر الأبيض المتوسّط، ويستعمله في غزو مصر »(٤) .

١- « خلاصة تاريخ تونس » (ص:٧٠) .

٢- « القيروان » (ص:٩٢).

٣- « القيروان » (ص:٩٢).

٤- المصدر السابق (ص:٩٣).

١٨٥

ولقد أثبتت البحوث الأثرية « أنّ الطابع الذي ميز المهدية منذ تأسيسها هو طابع مدينة حربية تعتمد على أسطول حربي بني له فيها حوض لبناء السفن خصّيصاً وهذا ما يعلّل قلّة القصور فيها المعدّة لحياة مترفة، فهي مدينة إستراتيجية لخدمة هدف معين، أكثر منها عاصمة أمراء كما كان الشأن في مدينة رقادة مثلاً ... »(١) .

وبعد حياة حافلة بالانجازات (العسكرية و السياسية) توفّي المهدي سنة (٣٢٢هـ / ٩٣٤م) عن عمر يناهز الثلاث وستين سنة.

ومن أروع ما قيل في رثائه، قصيدة للشاعر « عثمان بن سئيل الصيقل، وهو من شيعة القيروان، جاء فيها:


وهت مرر الصبر فانحلّتورثّت عرى الحزم فاجتثّت


وأي سبيل إلى سلوة أوعية الدمع قد فضّتو


وكيف العزاء وقد خــدّدت خدود الخرائد واربدّت


جنود التجلّد قد ولّت وألوية الوجد قد صفّت


وداهية قد أتت فجأة ا فمنها المسامع قد سكّت


ألمّت فلم أر لي مذهباء كأنّ المسالك قد سـدّت


ءفأومأت أرمق نحو السما وأرنو إليها هل انشقّت


ألا ليت شعري أهل ميّـزتكفّ المنيّة من بزّت... (٢).

١- المصدر السابق (ص:٩٣).

٢- إدريس القرشي : « عيون الأخبار وفنون الآثار » (ج٥ / ص: ٧٧- ٧٨).

١٨٦

القائم بأمر الله :

تولّى الخلافة إثر وفاة أبيه عبيد الله المهدي سنة (٣٢٢هـ / ٩٣٤م) واسمه نزار ولقّب نفسه « بالقائم بأمر الله ».

« واعتنى من أوّل ولايته بشأن الأسطول فجهّز سفناً عظيمة شحنها بالجنود وسيّرها بقيادة يعقوب بن إسحاق إلى بلاد الروم، فافتتح مدناً وقلاعاً عديدة منها جنوه، وغزا سردا نية وكورسيكا وغيرهما، وبذلك عــلا صيت المسلمين في البحر الأبيض المتوسّط وخشيهم نصارى السواحل...»(١).

وأثناء ولايته واجه القائم ثورة كادت تعصف بالفاطميين وتقتلعهم من بلاد المغرب.

ثورة صاحب الحمار:

« أبو يزيد » صاحب الحمار، واسمه مخلد بن كيداد،زناتي من منطقة الجريد (توزر) بجنوب تونس.

ولد سنة (٨٨٥م) بالسودان (بإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى)، حيث كان أبوه يتعاطى التجارة.

وكان « هذا الأعرج ذا مزاج عجيب كأنه فطر على الشغب فتمكّن بفضل دعايته المحمومة من إثارة المغرب وجعل الدولة الفاطمية على قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ولم يكن جاهلاً، قال ابن حماد « فلمّا كبر

١- « خلاصة تاريخ تونس » (ص:٧١).

١٨٧

وشبّ قرأ مذهب الإباضية ففقه فيه ومهر في الجدل عليه ». وبطبيعة الحال انتسب إلى النّكارة وهم أشدّ خوارج المغرب تقشّفاً وتطرّفاً »(١) .

وكان يعلّم الأطفال القرآن في «توزر»، ثمّ رحل نحو«تاهرت» (معقل الخوارج)، حيث بدأ دعوته ضدّ الفاطميين.

« ولم تنتشر دعوته إلّا بعد موت المهدي، فكان يجوب المغرب الأوسط ممتطياً حماره الأشهب مصحوباً بأبنائه الأربعة وزوجته.. لابساً كعامة الشعب جبّة بسيطة، ضارباً المثل بأشدّ ألوان الزهد، محرّضاً البربر على طرد الفاطميين وتعويضهم بمجلس من الشيوخ، أي من الفقهاء، حسب الطريقة المعمول بها ولا شك، في دول الخوارج... »(٢) .

ولم تحض دعوته في البداية بالاهتمام سوى في الأوراس، حيث معاقل «زناتة».وكان لهذه الدعوة أسبابها وعواملها الاجتماعية وان كانت شعاراتها دينية،« كما اقتضت طبيعة تلك العصور»(٣).

على أن حركة أبي يزيد ودعوته تدخل ضمن حركة الخوارج التي احتلّت مكانة خاصّة في تاريخ بلاد المغرب.

ويرى الدكتور الجنحاني :

أنّ مؤرّخ الحركات السياسية والدينية في المغرب الإسلامي تعترضه

١- « تاريخ إفريقيا الشماليّة » (ج٢/ص:٨٢).

٢- المصدر السابق (ص:٨٢-٨٣).

٣- « القيروان » (ص:٩٤) .

(٭) وهذا قياس مع الفارق لأنّ أبي عبد الله مشرقي كوفي شيعي.وهو ليس إفرازاً للساحة المغاربية المليئة بالمتناقضات.

١٨٨

شخصيّتان لامعتان ومختلفتان كلّ الاختلاف :

شخصية أبي عبد الله الشيعي(٭)، ثمّ شخصية معلّم الصبيان بقرية تقيوس بالقرب من مدينة توزر : أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي الزناتي.

كان أبو يزيد زعيماً ذكياً، وقائداً مقداماً، وكان خارجي المذهب متطرّفاً... [و] كان يلقب نفسه بشيخ المؤمنين وأخفى مذهبه الحقيقي على الجماهير الشعبية، وكان يعلن أنّه جاء يدعو للحقّ، وبذلك اكتسب ثقة علماء السنة، وفقهاء القيروان. قال ابن عذارى « ولم يعلم الناس مذهبه فرجوا فيه الخير و القيام بالسنّة»(١) .

وكان لأبي يزيد ميزات الزعيم الخارجي : داعية ثوري، حياة متقشفة « يلبس الصوف ويركب الحمار ويأكل الخشن ».

ولمّا رأى أبو يزيد إمكانية نجاح دعوته غادر توزر، واتّجه إلى مناطق القبائل البربرية، إلى تاهرت، ثمّ إلى جبال الأوراس، تلك المناطق التي كانت الضمان الوحيد لنجاح أية حركة جديدة، وبدأ أبو يزيد يتنقل من قرية إلى أخرى، ولمّا كثر أنصاره بدأ يغزو المدن، ويهاجم جيش الفاطميين، وكان يبيح لجيشه ارتكاب جميع الجرائم في المدن التي يحتلّونها... »(٢) .

١- « البيان المغرب في أخبار المغرب » (ج١/ص:٢٢٤).

٢- « القيروان » (ص:٩٤-٩٥).

١٨٩

ثورة أبي يزيد صاحب الحمار

(من خلال المصادر الفاطمية)

اجتمع لمخلد « الدجال » على تعبير القاضي النعمان، خلق عظيم من لفيف الناس وطغامهم، وطمعوا في « باغاية » حين انصرف جموع كتامة عنها.

وكاتب أبو يزيد من حول « قسطيلية » من البربر كبني واسين وغيرهم يأمرهم بحصار قسطيلية، فحاصروهم ثمّ زحف إلى باغاية.

ومن بعدها إلى « تبسا » وعاث فيها قتلاً ونهباً وإفساداً.

ورحل إلى « مرماجنة » فلقيه رجل من أهلها يقال له ابن خلاف فاستأمنه وأهدى إليه حماراً أشهب . وكان الدجّال يركب ذلك الحمار و به سمي صاحب الحمار.

ثمّ أمر أبو يزيد أبا سليمان بن خيران الزويلي، وهو رجل كثير الشرّ من مزاته، وأمره أن يقتل من وافاه على الطريق، ويسبي ويحرق كلّ منزل يمرّ به ليرهب بذلك كتامة الذين « بدقة ».

وانهزمت كتامة وتمادوا إلى القيروان.

وغلب صاحب الحمار على « دقة ».ووجّه جماعة من أصحابه إلى «سبيبة» فغلبوا عليها. وصار « الدجّال » إلى «الأربس» فغدر بأهلها بعد أن

١٩٠

أعطاهم الأمان.

ودخل البربر « الأربس » وتغلّبوا عليها . وقتلوا المشارقة وأتباع السلام وكثيراً من أهل الأربس ونهبوها وأحرقوا كثيرا منها بالنار.

واجتمع لأبي يزيد خلق عظيم من كلّ ناحية من كلّ داعر ومفسد، وقاطع طريق، وسارق ومارق، وتوجه إلى باجة. فدخلها وأعمل فيها السيف وأحرق دورها، وحكم على أهلها بالقتل والسبي وفعل بهم الأفاعيل(١).

وكان في القيروان يومها خليل بن عدنان التميمي من قبل القائم ليحفظ الأمن بها ويدافع عنها.

لكن بدا منه من سوء الحكمة والتدبير والاستهانة بالعدو ما تسبب في سقوط القيروان بيد أبي يزيد وما رافق ذلك من مآس وكوارث كادت تودي بالخلافة الفاطمية.

قال صاحب كتاب عيون الأخبار:

« وظهر منه [أي خليل] سوء التدبير لما جرت به أحكام المقادير، وأراد الله التمحيص للمؤمنين ليزداد عتوّاً كلّ كفور »(٢) .

وذلك أنّه « قد كاتب جماعة ممّن مع أبي يزيد، ووعدوه بقتل أبي يزيد ورجا ذلك، واستخفّ بأمره.

١- « عيون الأخبار.. » (ج٥/ص:٨١-٨٦).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:٨٨-٨٩).

١٩١

...ولم يكن في خليل تخلّق ولا سوء تدبير في ما قبل ذلك..، ولكنّها إذا جاءت بأمر الله المقادير، عمي لها الناظر البصير، وجهل عواقبها العروف الخبير... »(١) .

واستولى أبو يزيد على القيروان وحكم في أهلها السيف قتلاً ونهباً وسبياً.

ثمّ « دخل البربر مدينة سوسة بالسيف، وانتهبوها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها، وأخربوا منازلها... وأخلوا الأقاليم بإفريقية، فلم يبق سقف مرفوع، ولا مهاد موضوع...

وجمع البربر من السبايا المسلمات وأموال الناس التي اغتصبوها وانتهبوها إلى معسكر « الدجّال » وإلى القيروان، ثمّ إلى نواحيهم ما لا يحصى عدده, ولا يدرك أمده.

وكانت ظلمة عمّت المغرب ومحنة شملت على كلّ مسلم من كل بعيد ومقترب »(٢) .

ثمّ توجّه أبو يزيد صوب المهديّة وضرب حولها الحصار.

وفي تلك الأثناء أنشأ « القائم » خطبة يحرّض فيها المؤمنين على القتال وأمر « المروذيّ » قاضيه بالمهدية أن يقرأها عليهم، يقول فيها:

بعد حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على النبي محمّد وعلى آله الطاهرين.

١- المصدر السابق (ج٥/ص:٨٨-٨٩).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:١٠٧-١٠٨).

١٩٢

أيّها الناس إنّ هذا اللعين النّكاريّ قد استشرى أشره واستوبأ مرتعه، وحملته الأماني الغرارة والنفس التي هي بالسوء أمّارة، على أن غمط نعمة الله – تعالى- عليه وسوّل له الشيطان، الذي هو قرينه، أن لا غالب له.

وإنّما أرخى له أمير المؤمنين في زمامه ليعثر في فضل خطامه، ولعنه الله لعناً وبيلاً، وأخزاه خزياً طويلاً، وصيّره إلى نار تلظّى ﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾(١)، وقد علمتم يا معشر كتامة ما مضى عليه آباؤكم، وقدماء أسلافكم من لزوم الطاعة والاعتصام بحبلها، والتفيء بظلّها، والمجاهدة في الله حقّ جهاده، وأنّكم خبيئة الله لهذا الحقّ المحمّدي الفاطمي المهدي حتّى أظهره وأعلاه، وجعل لكم فخره وسناه.

أليس بكم أزال الله دول الظالمين التي مضت لها أحقاب السنين، حتّى جعلهم حصيداً خامدين، وأورثكم أرضهم وديارهم؟ فصرتم تَغْزُون بعد أن كنتم تُغْزَون؟

ونزل بإزائكم دجال ملعون في شرذمة ضالّة مضلّة، لم يستضيئوا بنور هداية فهم كالأنعام المجفلة. والخشب المسنّدة والحمر المستنفرة، إن أقاموا هلكوا، وإن طولبوا أدركوا. فلا تنكصوا بعد الإقدام وانتم حزب الله وهم حزب الشيطان.

فقاتلوا - رحمكم الله - أحزاب الضّلال وذئاب الطمع وفراش النّار،واطلبوا في نواحي الأرض وأقاصي البلدان، وجميع الآفاق حتّى يحقّ

١- الليل (٩٢): ١٥ - ١٦.

١٩٣

الله الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المشركون »(١) .

وكانت البربر تنهب ما بافريقية، وترجع إلى عسكر أبي يزيد . فحين أفنوا ما بافريقية كلها توقفوا عن الوصول إلى أبي يزيد , ولم يبق معه غير أهل جبل أوراس وبني كملان.

وهو يبعث كل يوم في طلب الناس إلى البربر وإلى جبل أوراس، وإلى أعمال إفريقية فكان إذا أتاه قوم ذهب عنه آخرون .

ثم وافته بعد ذلك جيوش عظيمة. وتمادى الحصار على من بالمهدية وهرب منهم كثير في المراكب إلى الروم ومصر وطرابلس وصقلية.

ثمّ دارت رحى الحرب بين أبي يزيد وأهل المهدية وكانت سجالاً في البداية ثمّ انقلبت لصالح الفاطميين، بعدما انهزم عن مخلد أصحابه وتفرّق جنده فولّى راجعا إلى القيروان(٢) .

ولمّا وصلها « في قليل من العدد ويسير من العدد بذلّ الهزيمة، وضعف العزيمة. فبات بمصلى القيروان، وخرج إليه صاحبه أبو عمّار الأعمى فعنّفه ووبّخه، وقال له : تشاغلت عن الجهاد وأكلت لذيذ الطعام، ولبست لين الثياب، وافتضضت الأبكار حتّى أحبلت ثمانية عشر امرأة هم الآن مقيمات في عسكرك، وكثر ما أتيت به من منكرك وما كذا يفعل من قام لله، وأظهر نصر دينه؟

١- المصدر السابق (ج٥/ص:١٢٠-١٢١).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:١٢٧-١٢٨).

١٩٤

فقال أبو يزيد : صدقت وإنمّا كان ما كان لذنوبي، وأنا متنصّل مما فعلت. وأظهر التوبة بزعمه على يدي أبي عمّار وأشهد أصحابه على نفسه، ورجع إلى لبس الصّوف وركوب الحمار.

وكان فيما يقال من أذلّ خلق الله إذا خاف وأكثرهم بطراً وأشراً إذا أمن»(١) .

ولمّا رأى أهل القيروان ما هو عليه من الذلّ و القلّ، وما بلغ به من الهزيمة والفلّ، خافوا من عساكر الفاطميين أن تأتيهم، وعرفوا ما قدّموه من بغيهم وتعدّيهم. فاجتمع وجوههم وكاتبوا القائم وضمنوا له إن هو أرسل بجنده إليهم أن يقبضوا على أبي يزيد فلم يجبهم لما تقدّم من نكثهم ونفاقهم.

وتسامع كلّ من تفرّق من عسكر أبي يزيد بوقوفه في القيروان فجاوزوا من كلّ ناحية إليه، ووفدوا من كلّ وجهة عليه.

وكان أهل مدن إفريقية كاتبوا أبي القاسم أن يبعث إليهم عماله.

وقبض أهل سوسة على عامل مخلّد الدجال وعلى جماعة معه، ووجّهوا بهم إلى القائم(٢) .

واستولى البربر (أصحاب مخلّد) على تونس وملكوها بالسيف « فانهبوا ما فيها وقتلوا أهاليها واستبوا ذراريها، وأحرقوا المسجد الجامع فيها. ولجأ

١- المصدر السابق (ج٥/ص:١٣٤-١٣٥).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:١٣٥-١٣٦).

١٩٥

كثير من أهلها إلى أن ارتموا في البحر، فماتوا غرقاً، ونجا منهم من نجا، فماتوا جوعاً وهزالاً »(١) .

وكان السّبي والنّهب بنواحي إفريقية في إقبال البربر وإدبارها وغدوّها ورواحها. وكانت البربر تدخل بالسبي والنهب إلى القيروان ما لا يحصى كثرة. وكلّما اتّصل ذلك بمخلّد، وما يلقى المسلمون ونساؤهم وأولادهم من البربر، سرّه ذلك وأبهجه وأقرّ قلبه وأثلجه.

وذكر له ذاكر ما يلقى الناس من بغيهم وما هم فيه من ضلالهم وغيّهم.

فقال : والله لأقتلنّ جميع من في المغرب بمن قتل من أولائي.

فقال له بعض جلسائه : العفو أقرب للتقوى، فأغضبه ذلك وأقبل يهيج كالبعير يكثر من القول النكير(٢) .

ووجّه أبو يزيد حشاده ورجاله إلى قبائل البربر، فأتوه من كلّ جهة . ورجع من القوة إلى ما كان عليه وقد غلب على مدن إفريقية وقتل أكثر الجند والكتاميين الذين فيها.

وخرج إلى مدينة سوسة ليحاصرها وقد اجتمع إليه من البربر ومن أهل إفريقية والزويليين خلائق عظيمة.

فحاصرها حصاراً شديداً . وكان يقاتل أهلها كل يوم. فمرّة له ومرّة

١- المصدر السابق (ج٥/ص:١٣٧).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:١٣٩).

١٩٦

عليه(١) .

الخليفة إسماعيل المنصور:

في تلك الأثناء، وبينما كانت الحرب على قدم وساق، نودي للأمير إسماعيل المنصور بولاية الأمر، بعد وفاة أبيه القائم سنة (٣٣٤ هـ / ٩٤٦م). وقد أبلى البلاء الحسن في إخماد فتنة أبي يزيد وفي القضاء على حركة الخوارج نهائيا.

وكانت للمنصور شمائل عظيمة وأخلاق فاضلة. وقد قيل الكثير عنه شعراً ونثراً .

من ذلك ما قاله الشاعر محمّد بن أبي القاسم التونسي:


توسّم صباح المجد من أين يشرق وعرف الرّضى والحلم من أن يعلق


ومثل على أن النّجوم كثيرةبأي سراج تهتدي وتوفق


لقد صحّ للمرتاد ما كان يبتغي وصاب له الغيث الذي كان يبرق


وقد كانت الأيام خرساً فأصبحت لها ألسن بالشكر لله تنطق


فما بعد هذا للوسائل ملجأولا المنى في غيره متعلّق(٢)

عود على بدء :

ثمّ كرّ أهل سوسة ومعهم الجند الذين أرسلهم المنصور على أبي يزيد «فانكسر ونكص على عقبه، وحفّ به غزاته، وتوجّه هارباً منهزماً إلى مدينة

١- المصدر السابق (ج٥/ص:١٥٠).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:١٥٥-١٥٦).والشعر من الطويل.

١٩٧

القيروان، لا يلوي على أحد. وهرب البربر على وجوههم، وافترقوا في كلّ جهة، وقتل منهم خلق كثير »(١) .

ثمّ توجّه المنصور إلى القيروان واستصلح أمرها وأمر بحفر خندق حولها. ودارت الحرب بينه وبين أبي يزيد إلى أن كانت المعركة الحاسمة.

وحمل [ المنصور] بنفسه على (الدجّال المارق)، لا يريد سواه، ولا يقصد إلّا إيّاه. فكلّ من حال بينه وبينه من البربر، حمل عليه، فأرداه. وكرّ عليه بذي الفقار وقد انتضاه. فحين دنا الدجّال وكاد أن يصدّ مفرق رأسه بذي الفقار، أدبر ناكصاً على عقبيه. فانهزمت جيوشه شرّ انهزام.

« وأمكن الله من المارقين الأرجاس، وأراح من بغيهم وعتوهم الناس، وانصرف الدجّال في من بقي معه هاربين من جهات افريقية، متوغّلين في الفرار لخيفة الجنود المنصورة »(٢) .

ثمّ خرج المنصور متعقّباً أثر أبي يزيد ودامت مطاردته له عاماً كاملاً إلى أن ظفر به أخيراً بموضع في جبال عقار، تحت قلعة شاكر، وهي متّصلة بقلعة كيانة، وقد اجتمع إليه جماعات كثيرة من الإباضية ممّن بذل نفسه واعتقد جهاد المسلمين فرضاً عليه لا ينبغي له تركه وقد اعتصموا بجبال كيانة وهي جبال شامخة، ومسالكها وعرة ضيّقة ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾(٣) .

١- المصدر السابق (ج٥/ص:١٦٦).

٢- المصدر السابق 'ج٥/ص:١٩٢-١٩٤.

٣- المصدر السابق (ج٥/ص:٢٣٠)، الحشر (٥٩): ٢ .

١٩٨


تبدّلت بعد الزعفران وطيبهصدأ الدرع من مستحصلات المسامر
وفي الأثناء أنشأ المنصور شعراً جميلا قال فيه :


ألم ترني بعت المقامة بالسّرىولين الحشايا بالخيول الضوامر


وفتيان صدق لا ضغائن بينهميثورون ثورات الأسود الخوادر


روني فتى يغنى غنائي ومشهديإذا رهج الوادي بوقع الحوافر(١)

وبعد معارك عنيفة انهزم جيش الخوارج وقتل معظمهم. وأتي بأبي يزيد إلى المنصور، أسيراً بعد أن أثخن بالجراحات، فأمر بمداواة جراحه.

إقامة الحجّة على أبي يزيد :

ولمّا كان بعد يومين من أخذ « الدجّال »، أمر المنصور بإحضاره إليه لإقامة الحجّة عليه.

فدار بينهما حوار جاء فيه :

- المنصور: أي عدو الله. كيف رأيت صنع الله؟ ألم ينصر الحقّ على قلّة أنصاره، وخذل الباطل على كثرة أعوانه ؟

- أبو يزيد : (طأطأ رأسه ولم يتكلّم).

- المنصور : « وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّي جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم. »

- أبو يزيد : قد أقدرك الله والعفو أولى بك.

١- المصدر السابق (ج٥/ص:٢١٧) والأبيات من البحر الطويل.

١٩٩

- المنصور :أي عدو الله . تشتم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

- أبو يزيد : معاذ الله. وكيف أشتم عليّاً ونحن حزبه الذين نصرناه على أهل الشام ؟

- المنصور : أو كان علي محتاجاً إلى نصرك كلّا . والذي فضّله وكرّمه، سيف علي ناصره، والله مؤيّده لا أنت ولا غيرك...

- أبو يزيد : (لا جواب).

- المنصور : إنّما قمت زعمت للإسلام محتسباً.

- أبو يزيد : نعم .

- المنصور : فهل غيّر الإسلام ونقض شريعة محمّد صلى الله عليه و آله وسلم وبدّل وأهلك أمّته غيرك ؟

- أبو يزيد : وكيف ؟

- المنصور : وكيف أيضاً ؟

- أبو يزيد : نعم وكيف ؟

- المنصور : بما ارتكبت من المحارم،وصغّرت من العظائم، وسفكت من الدّماء و هتكت من الحرمات.

- أبو يزيد : ذلك من أقوام سوء اتّبعوني.

- المنصور : ما تقول في بني كملان هؤلاء خاصة ؟

- أبو يزيد : قوم سوء ملاعين.

٢٠٠