×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ٤١ - ٦٠

و حمايته عن نزار.

فاتّجه شرقاً و أسّس دويلة في نواحي قزوين بإيران، استطاعت البقاء إلى أن قضى عليها (هولاكو) .

وفي منتصف القرن (١٣ هجري) فرّ (أغا خان المحلّاتي )، وكان نزاريّاً من القاجاريين، واتّجه صوب (مومبي) بالهند فنشر الدعوة الباطنيّة النزاريّة بإمامته و زعامته.ولا تزال دعوته باقية إلى الآن.

وتدعى النزاريّة الآن بـ( الأغاخانيّة ).

المستعلية:

وهم أتباع المستعلي الفاطمي الذين استقرّت الإمامة فيهم حتّى سقوط الخلافة الفاطمية بمصر سنة (٥٥٧هـ) .

وبعد فترة ظهرت فرقة (البهرة) بالهند على نفس الطريقة وهي لاتزال موجودة .

الدروزيّة:

وهي من الباطنيّة و تنتسب إلى « نشتكين الدّرزي أو الدّروزي »، وهو من أتباع أحد الخلفاء الفاطميّين بمصر .

وتقف « الدروزية » عند الخليفة « الحاكم بالله » معتقدة بأنّه غائب عن الأنظار وأنّه سوف يعود ثانية.

والزيدية، والإسماعيلية بتشعّباتها، تعدّ من الأقليات التي انشعبت عن الأكثرية الشيعية الإمامية أو الاثني عشرية،التي لا تختلف عن سائر

٤١

المسلمين، سوى بالقول بالإمامة و بأنّها أصل من أصول الدّين و أنّها بالنصّ وأنّها محصورة في اثني عشر إماماً من أهل البيت عليهم السلام . وبأنّهم معصومون مطهّرون لا يجوز أن يتقدّم عليهم أحد من الأمّة ( إذ كيف يتقدّم المفضول مع وجود الفاضل )؟

الفرق بين الإمامية وكل من الزيدية و الإسماعيلية:

* إنّ الاختلاف الأساسي بين الشّيعة الإمامية و الزيدية يتمثّل في :

- أنّ الزيدية لا تحصر الإمامة في أهل البيت، ولا تقتصر في عدد الأئمّة على الاثني عشر.

- ولا تّتبع فقه أهل البيت عليهم السلام ولا تلتزم بتعاليمهم، على خلاف الشيعة الإمامية.

* والفارق الأساسي بين الإمامية والإسماعيليّة هو :

« أنّ الإسماعيليّة تعتقد بأنّ الإمامة تدور على(سبع)، ولم تختم النّبوّة في محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، ولا تمنع من تغيير أو تبديل أحكام الشّريعة، وحتّى ارتفاع أصل التّكليف، خاصّة على قول الباطنيّة .

على خلاف مذهب الشّيعة الإماميّة الذي يعتقد بخاتميّة النّبوّة في محمّد صلى الله عليه و آله وسلم وأنّه خاتم الأنبياء، وله اثنا عشر وصيّاً، وتعتبر ظاهر الشّريعة غير قابل للنّسخ، ويثبتون للقرآن ظاهراً وباطناً »(١) .

١- المصدر السابق (ص:٨٧-٨٨) .

٤٢

الإماميّة :

تعدّ الإمامية أسبق الفرق الإسلامية، وتاريخها يتّصل بتاريخ الإسلام منذ فجره الأول. وهي أكثر المذاهب أصالة و استقلاليّة، وإليها يعود الفضل في المحافظة على الإسلام المحمّدي الأصيل و نشر المعارف الإسلامية الحقّة .

وإنّ المتتبّع لتاريخ الفرق والمذاهب يجد بصمات الإمامية واضحة على الجميع بدون فرق بين سنّيها و شيعيها، في الأصول و الفروع على السواء.

وإنّ هذه الحقيقة هي أوضح وأجلى من أن تحاول إخفائها مكابرة بعض المعاندين أو المتعصّبين.

والشيعة الإمامية هم الطائفة من المسلمين الذين ينقادون في عباداتهم ومعاملاتهم لأهل البيت عليهم السلام ، الذين توارثوا علومهم عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم .

وإنّ رجوع الشيعة في أحكام دينها إلى هذه العترة الطاهرة، إنّما يأتي امتثالاً للنصوص والأدلة الثابتة والصحيحة التي أوجبت اتّباعها وموالاتها ومودّتهI.

ويذهب بعض المحققين إلى أنّه ما من شيء من عقيدة الشيعة الإمامية إلّا وله مصدر متسالم على صحته عند أهل السنّة، حتّى عدد الأئمّة والعصمة والتقية وفكرة المهدي وغيرها(١) .

هذا وإنّ أهمّ ما امتازت به الإمامية عن سائر فرق المسلمين هو :القول

١- مغنية : « الشيعة والتشيع » مقدّمة ط ٢.

٤٣

بإمامة الأئمّة الاثني عشر، وبه سميت هذه الطائفة (إمامية).

فالإمامة « هو الأصل الذي امتازت به الإمامية وافترقت عن سائر فرق المسلمين، وهو فرق جوهري أصلي،وما عداه من الفروق عرضية، كالفروق التي تقع بين أئمّة الاجتهاد »(١) .

هذا وإنّ « اعتبار الشيعة كون الإمامة أصل من أصول الدين،و منصب إلهي يمنّ به الله تبارك وتعالى على من يشاء من عباده الذين يمتازون عن غيرهم بمواصفات خاصة تجعلهم أهلاً لهذا التكليف العظيم، ليس هو نتاج أفكارهم الخاصّة، بل على العكس من ذلك، فقد ابتنت عليه جملة كبيرة من أفكارهم ومعتقداتهم ؛ لأنّهم يمتلكون على إثبات هذا الأمر جملة واسعة من الأدلّة النقلية والعقلية التي يتّفق عليها الفريقان »(٢) .

وتعتقد الإمامية أنّ الإمامة متسلسلة في اثني عشر إمام، كلّ سابق ينصّ على اللاحق، ويشترط في الإمام أن يكون معصوماً، كالنبي، عن الخطأ و الخطيئة، وأن يكون أفضل أهل زمانه، وأعلمهم.

فمن اعتقد بالإمامة بهذا المعنى فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخصّ، ومن اقتصر على بقية الأركان ( وهي: التوحيد والعدل و النبوّة والمعاد )، فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم تترتب عليه جميع أحكام الإسلام(٣) .

١- كاشف الغطاء : « أصل الشيعة و أصولها » ( ص:٢٢٣) .

٢- المصدر السابق .

٣- المصدر السابق (ص:٢١٣) .

٤٤

هذا وإنّ الإمامية تفترق عن غيرها من الفرق في أمور:

-منها أنّ باب الاجتهاد لا يزال مفتوحاً عندهم بخلاف جمهور المسلمين.

-ومنها أنهم لا يعملون بالقياس. وقد تواتر عن أئمّتهم عليهم السلام : « أن الشريعة إذا قيست محق الدين » .

-ومنها أنهم لا يعتبرون من السنّة، ( أي الأحاديث النبوية )، إلّا ما صحّ من طرق أهل البيت عليهم السلام عن جدهم صلى الله عليه و آله وسلم .

وفيما عدا ذلك من أمور، فالإمامية وسائر المسلمين فيها سواء، لا يختلفون إلّا في الفروع، كاختلاف علماء الإمامية أو علماء السنّة فيما بينهم من حيث الفهم والاستنباط »(١).

أئمّة أهل البيت عليهم السلام :

وردت الكثير من الأحاديث النبوية في وصف الأئمّة وعددهم، و أنّهم من قريش، و من أهل بيت النّبي صلى الله عليه و آله وسلم، وأنّ منهم الإمام المهدي وهو آخرهم(٢) .

١- المصدر السابق ( ص:٢٣٦-٢٣٧) .

٢- من ذلك ما ورد عن جابر بن سمرّة، قال: « سمعت رسول الله يقول: لا يزال هذا الدّين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، قال : فكبّر النّاس وضجّوا ثم قال كلمة خفيّة.قلت لأبي:يا أبه، ما قال؟ قال: قال كلّهم من قريش ».

صحيح أبي داود (ج٢/ص:٢٠٧) ومسند أحمد (ج٥/ص:٩٢).

٤٥

كما توجد نصوص صريحة في إمامة علي عليه السلاموولديه الحسن والحسين عليهما السلام .

كما أنّ كلّ إمام من الأئمّة يُنبّئ بالإمام الذي يليه ويأتي من بعده »(١).

وبالعودة لهذه النصوص، فإنّ أئمّة المسلمين، هم اثنا عشر إماماً وفق الترتيب التالي :

(١) علي بن أبي طالب عليهما السلام .

(٢) الحسن بن علي عليهما السلام .

(٣) الحسين بن علي عليهما السلام .

١- يمكن الرّجوع للمصادر التّالية:

١-« الغدير » للعلّامة الأميني .

٢-« ذخائر العقبى » لمحبّ الدّين الطّبري .

٣-« المناقب » للخوارزمي .

٤-« تذكرة الخواص » لابن الجوزي .

٥-« ينابيع المودّة » للحنفي .

٦-« الفصول المهمّة » لابن الصبّاغ .

٧-« دلائل الإمامة » لمحمّد بن جرير الطّبري .

٨-« النّص والاجتهاد » لشرف الدّين الموسوي .

٩-« الإرشاد » للشّيخ المفيد .

١٠-« أصول الكافي » للكليني (ج ١) .

١١-« إثبات الهداة »للحر العاملي .

١٢-« غاية المرام » للبحراني .

وغير ذلك كثير...

٤٦

(٤) علي بن الحسين (زين العابدين) عليهما السلام .

(٥) محمّد بن علي (الباقر) عليهما السلام .

(٦) جعفر بن محمّد (الصادق) عليهما السلام .

(٧) موسى بن جعفر (الكاظم) عليهما السلام .

(٨) علي بن موسى (الرضا) عليهما السلام .

(٩) محمّد بن علي (الجواد) عليهما السلام .

(١٠) علي بن محمّد (الهادي) عليهما السلام .

(١١) الحسن بن علي (العسكري) عليهما السلام .

(١٢) محمّد بن الحسن (المهدي) عجل الله تعالى فرجه الشريف .

نبذة عن حياة الأئمّة الاثني عشر:

قال الرّسول صلى الله عليه و آله وسلم: « نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد »(١) .

١- المتّقي الهندي : « كنز العمال » ( ١٢/١٠٤-ح: ٣٤٢٠١) .

٤٧

(١) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

ولد علي عليه السلام في الكعبة(١) بمكّة المكرّمة يوم الجمعة ١٣ رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة و قبل البعثة النبويّة بعشر سنوات.

ولمّا أصاب مكّة وأطرافها الجدب، انتقل إلى بيت ابن عمه محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ليتربّى في كنفه وهو في السادسة من عمره.

وبعد نزول الوحي كان أوّل من آمن بالنبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، وكان ملازماً له لا يفارقه، وكانت له عنده منزلة خاصّة، وكان صلى الله عليه و آله وسلم يشرف على تربيته وإعداده ورعايته بنفسه.

وقد عبر الإمام عليه السلام عن هذه العلاقة الحميمة والمكانة الخاصة بقوله:

« وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصّيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني على صدره ويكنفني إلى فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد كنت اتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولم

١- يقول الحافظ الكنجي الشافعي فيما يرويه عن الحاكم النيشابوري:

« ولم يولد قبله-أي قبل علي عليه السلام-ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه، إكراماً له بذلك وإجلالاً له لمحله في التعظيم ».

« كفاية الطالب »:(ص:٢٦١) و« الأئمّة الاثنا عشر عليهم السلام - سيرة و تاريخ »:(ج١ /ص٢٠-٢١).

٤٨

يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله و خديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النّبوّة »(١) .

مظلوميّة علي :

بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله وسلم كان عمر علي (٣٣ سنة) فنحّي عن منصب الخلافة رغم النّصوص العديدة على إمامته(٢) .

واعتذر المخالفون بأعذار واهية لأنّهم كانوا ينظرون للنّبوة على أنّها سلطان عشيرة معيّنة وهي قريش .

وهذه النظرية، التي أضفت السّيادة والحكم والمالكيّة للعشيرة، قد تحدّت في الحقيقة وجود الأُمّة وكيانها، وأنكرت عليها أصالتها ووجودها وشخصيّتها .

وقد طرحت هذه النظرية، لأوّل مرة، كمفهوم في السقيفة، ثمّ اتسعت بعد ذلك وامتدّت و تشعبّت نظريّاً و عمليّاً .

ويمكن أن نلخّص أهم العوامل و الأسباب التي أدّت إلى مخالفة

١- طاهر عيسى درويش : « علي كما وصف نفسه » ( ص:٣٠ ) .

٢- يقول الشيخ مغنية في كتابه « الشيعة و الحاكمون » (٢٧-٢٨ ):

« وما رأيت أحداً من علماء السنّة يشكّك في سند أحاديث الولاية و الوصية لعلي من النبي، ولكنّهم تمحّلوا وتأوّلوا الولاء بالحبّ والإخلاص لا بالحكم و السلطان، والوصية بالعهد إلى الإمام بتجهيز النبي ودفنه، وما إلى ذالك من التكلف و التعسف الذي لا يشعر به اللفظ من قريب أو بعيد، وليس من شكّ أنّه لو جاء حديث واحد منها في حق صحابي غير الإمام لكتبوه بماء الذهب، وأكثروا حوله الحواشي والشروح ».

٤٩

النصوص على ولاية علي عليه السلام، بما يلي :

أولاً : انعدام الوعي بالرسالة الإسلاميّة وأبعادها.

حيث إنّ الغالبيّة الساحقة من المسلمين، رغم توافرهم على الطاقة الحراريّة التي تجعل منهم أمّة مجاهدة، قد تصل بهم أحيانا إلى درجة الجهاد والتضحية بالنفس في سبيل الله، إلّا أنّ معظمهم لا يملكون وعياً .

ويرى الشهيد الصّدر بأنّ هؤلاء المسلمين المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه و آله وسلم لم يكونوا على درجة واحدة من الوعي، وكانت الكثرة الكاثرة منهم أناساً يملكون الطاقة الحرارية، بدرجة متفاوتة، ولم يكونوا يملكون وعياً، إذن فقد تبادر إلى ذهن عدد كبير من هؤلاء أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله وسلم يفكّر أن يعلي مجد بني هاشم، أن يعلي كيان هذه الأسرة، أن يمجّد بنفسه بعده .

فاختار عليّاً، ابن عمّه، لأجل أن يمثّل علي بن أبي طالب أمجاد أسرته، هذا التفكير كان تفكيراً منسجماً مع الوضع النفسي الذي يعيشه أكثر المسلمين كراسب الجاهلية، كراسب عرفوه ما قبل الإسلام، ولم يستطيعوا أن يتحملوا تحمّلاً تاماً أبعاد الرسالة(١) .

« ماذا صنعوا في غزوة حنين حينما وزّع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم المال، وزّع الغنائم على قريش ولم يعط الأنصار، أخذ بعضهم يقول لبعض إنّ محمّدا لقي عشيرته فنسينا، إذن فكان هؤلاء على المستوى الذي تصوّروا في هذا القائد الرائد العظيم، الذي كان يعيش الرسالة، آثر قبيلته بمال، فكيف لا يتصوّرون أنه يؤثر عشيرته بحكم، بزعامة، بقيادة على مرّ الزمن وعلى مرّ

١- انظر« أَهْل البيت عليهم السلام تنوع أدوار.. » (ص:٢٧ وما بعدها ).

٥٠

التاريخ .

هذا التصوّر كان يصل إلى هذا المستوى المتدنّي من الوعي، هؤلاء لم يكونوا قد أدركوا بعد أبعاد محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، ولم يكونوا قد أدركوا أبعاد الرسالة الإسلامية وكانوا بين حين و حين يطفو على أنفسهم الرّاسب الجاهلي وينظرون إلى النبيّ من منظار ذلك الرّاسب الجاهلي، ينظرون إليه كشخص يرتبط بالعرب ارتباطاً قومياً، ويرتبط بعشيرته ارتباطاً قبلياً ويرتبط بابن عمّه ارتباطاً رحميّاً »(١) .

ثانياً : سيطرة المنافقين على جانب من المشهد السياسي داخل المجتمع الإسلامي.

والمنافقون، وكما يرى الشّهيد الصّدر، كثيرون داخل هذا المجتمع، لاسيّما و أنّه قد انفتح قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه و آله وسلم على مكّة وعلى كثير من القبائل الأخرى التي دخلت الإسلام.

وكثيرون هم الذين دخلوا الإسلام نفاقاً أو طمعاً أو حرصاً على الجاه أو استسلاماً للأمر الواقع.

دخل كثير من الناس بهذه العقلية، وهؤلاء كانوا يدركون كلّ الإدراك أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام هو الرجل الثاني للنبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، وهو الاستمرار الصلب العنيد للرسالة،لا الاستمرار الرخو المميّع لها.

وهؤلاء كانوا مشدودين إلى أطماع وإلى مصالح كانت تتطلّب أن

١- المصدر السابق (ص:٨٢-٨٣) .

٥١

تستمرّ الرسالة ويستمرّ الإسلام، لأنّ الإسلام إذا انطفأ معنى هذا أنّه سوف تنطفئ هذه الحركة القويّة التي بنت دولة ومجتمعاً والتي يمكن أن تطبق على كنوز دولة كسرى وقيصر وتضمّ أموال الأرض كلّها إلى هذه الأُمّة، كان من المصلحة أن تستمرّ هذه الحركة،لكن كان من المصلحة أن لا تستمرّ بتلك الدّرجة من الصلابة و الجديّة، بل أن تستمرّ بدرجة رخوة هيّنة ليّنة، كما وصف الإمام الصادق عليه السلام، حينما سئل، كيف نجح أبو بكر وعمر بقيادة المسلمين وفشل عثمان في هذه القيادة، قال:لأنّ عليّاً أرادها حقّاً محضاً، وعثمان أرادها باطلاً محضاً، وأبو بكر وعمر خلطا حقّاً وباطلاً(١).

ثالثـاً : عامل نفسي خلقي يتعلّق بفضائل علي و مكانته، حيث إنّ عليّاً، وكما يرى الشّهيد الصّدر، كان يمثّل باستمرار تحدّياً بوجوده التكويني، بجهاده، بصرامته، باستبساله، بشبابه ... بكلّ هذه الأمور، كان علي يضرب الرقم القياسي الذي لا يمكن أن يحلم به أيّ صحابي آخر...

فعلي كان تحدّياً، كان استفزازاً للآخرين، وهؤلاء الآخرون ليسوا كلّهم يعيشون الرّسالة فقط، بل جملة منهم يعيشون أنفسهم أيضاً .

فكان ردّ فعلهم هو مشاعر ضخمة ضدّ علي بن أبي طالب عليه السلام(٢).

و هكذا فإن هذه العوامل تضافرت، مع غيرها، لتشكّل حاجزاً منيعاً حال دون تنفيذ النّصوص الثّابتة والمتواترة على ولاية علي عليه السلام .

١- المصدر السابق (ص: ٨٣. ٨٤ ) .

٢- المصدر السابق (ص: ٨٤. ٨٥ ) .

٥٢

ومن جملة ما قاله علي عليه السلام حول هذا الموضوع:

قال عليه السلام : « أمّا بعد فإنّ الله سبحانه بعث محمّداً نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو الله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلّا انثيال النّاس على فلان يبايعونه »(١).

وقال عليه السلام : « ... حتّى إذا قبض الله رسوله، رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل واتّكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرّحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودّته، ونقل البناء عن رصّ أساسه، فبنوه في غير موضعه »(٢).

وكان عليه السلام كثيرا ما يوجّه لومه بل غضبه ودعاءه على قريش. وممّا قاله :

« اللهم إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي، أمراً هو لي، ثمّ قالوا ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه وفي الحقّ أن تتركه . فاصبر مغموماً أو مت متأسّفاً فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ذابّ ولا مساعد، إلّا أهل بيتي، فضننت بهم على المنيّة، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشّجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم، وآلم للقلب من وخز الشّفار»(٣) .

١- « علي كما وصف نفسه » (ص:١١٨) .

٢- المصدر السابق (ص:١١٩) .

٣- المصدر السابق (ص: ١٢٢) .

٥٣

وذكر ابن أبي الحديد في شرحه أنّ الأخبار قد تواترت عنه عليه السلام حول مظلوميّته، نحو قوله :

« مازلت مظلوماً منذ قبض الله رسوله حتّى يوم النّاس هذا » .

وقوله: « اللهم اخز قريشاً فإنّها منعتني حقي وغصبتني أجري » .

وقوله و قد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم، فقال :

« هلمّ فلنصرخ معاً، فإنّي مازلت مظلوماً »(١) .

عليّ والخلافة :

بعد أن تجرّع علي مرارة الظلم والأسى اعتزل السّاحة السّياسيّة متفرّغاً لجمع القرآن الكريم وتربية الخاصّة من أصحابه وأهل بيته .

لكنه لمّا أحسّ بأنّ غيابه ومقاطعته لمجلس الخلافة قد يعطي نتائج سلبيّة يجني ثمارها أعداء الإسلام، لاسيّما بعد اتّساع حركة الردّة بين العرب، آثر عند ذلك، حرصاً على مصلحة الإسلام، وهو الجندي الوفي دائما، أن يكون إلى جانب جماعة المسلمين يداً واحدة .

ومما قاله عليه السلام في ذلك : «... فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه و آله وسلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السّراب، أو كما يتقشع السّحاب »(٢) .

١- المصدر السابق (ص: ١٢٢) .

٢- المصدر السابق (ص١٢٦ ) .

٥٤

وقال أيضاً : « وأيمّ الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، و أن يعود الكفر ويبور الدّين لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه »(١) .

ورغم أنّ المصلحة العليا قد أملت عليه مسايرة الأوضاع الرّاهنة، والتغاضي عن حقه السّليب، إلّا أنّه ظلّ متمسّكاً بالشرعيّة الحقيقيّة المستفادة من عشرات بل مئات النّصوص على إمامته، رافضاً بذلك الاعتراف بما يسمّى اليوم بشرعيّة الأمر الواقع.

ومما قاله عليه السلام: « ولقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، ووالله لأسلّمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلّا عليّ خاصّة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تتنافسون من زخرفه وزبرجه »(٢) .

وهكذا كانت شجاعته عليه السلام في مضمار الصبر لا تقلّ عن شجاعته في ميدان الحرب .

وبعد مضي( ٢٥عاماً) على وفاة النّبي صلى الله عليه و آله وسلم، وهي مدّة خلافة الثّلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان)، وعلى إثر مقتل الأخير اتّجهت الأُمّة إلى علي عليه السلام.

ولنستمع إليه وهو يصف حالة الأُمّة حينذاك :

« فما راعني إلّا والنّاس إليّ كعرف الضّبع، ينثالون من كلّ جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم »(٣) .

١- المصدر السابق .

٢- المصدر السابق .

٣- المصدر السابق (ص: ١٣٠) .

٥٥

« ثمّ تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيّم على حياضها يوم وردها، حتّى انقطعت النّعل، وسقط الرّداء، ووطئ الضّعيف، وبلغ من سرور النّاس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصّغير، وحسرت إليها الكعاب »(١).

ورغم أنّ حكومته عليه السلام لم تدم طويلاً (حوالي٤ سنوات و٩ أشهر)، إلّا أنّها سارت على نهج الرّسول عليه السلام. وشرعت بإصلاحات ثوريّة أدّ ت إلى الإضرار بمصالح بعض المنتفعين، الذين رفعوا لواء المعارضة وأشهروا سيوف الحرب . فكانت معركة الجمل ثمّ صفّين ثمّ النّهروان .

وخاض علي عليه السلام هذه الحروب مع النّاكثين والقاسطين والمارقين كما خاضها من قبل مع المشركين .

وفي سنة( ٤٠ للهجرة )، استشهد أمير المؤمنين عليه السلام بعد حياة حافلة بالجهاد مفعّمة بالعلم والورع والتّقوى.

عظمة علي:

قيل الكثير عن علي وعظمته، وإنّ الحديث عن ذلك لا ينتهي إلّا بانتهاء الكلام نفسه.

و« إنّ عظمة علي من عظمة محمّد، وعظمة محمّد من عظمة الله سبحانه، ومن أنكر على علي تفوّقه على عصره، وسموّه على مجتمعه فقد أنكر ذلك على محمّد و القرآن، وعلى عيسى والإنجيل، وعلى موسى والتوراة »(٢) .

١- المصدر السّابق: (ص:١٣١).

٢- مغنية: « موسوعة الإمام علي عليه السلام » ( ص: ١٥٩) .

٥٦

وإن هذه العظمة كانت مثال إعجاب العقلاء و الحكماء من جميع الملل والنحل و الأديان عبر العصور .

وحتّى أعداء علي لم يتمالكوا من التأثر والإعجاب به. فهاهو معاوية، كما تذكر بعض الروايات، يبكي حينما يسمع ضرار بن ضمرة الكناني وهو يصف أمير المؤمنين عليه السلام.

قال ضرار : « كان بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطلق الحكمة من لسانه، يستوحّش من الدنيا وزهرتها، ويأنس باللّيل ووحشته، كان غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب [أي تغيّر] .

وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ونحن والله مع قربه منّا لا نكاد نكلّمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدّين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضّعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا، إليّ تعرّضت، أم لي تشوّقت ؟! هيهات هيهات غرّي غيري! قد أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير. آه من قلّة الزّاد، وبعد السّفر، ووحشة الطّريق »(١) !

١- المصدر السابق : ( ص: ٥٠٤ . ٥٠٥ ) .

٥٧

وشارك علي في غزوات النّبيّ كلّها ماعدا تبوك، حيث استخلفه على المدينة،وقال له يومها قولته الشّهيرة :

« ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبيّ بعدي »(١) .

وهذا الحديث، كما يقول الشّيخ مغنيّة، يدلّ دلالة صريحة على أنّ عليّاً عليه السلام يستوجب من محمّد صلى الله عليه و آله وسلم كلّ ما وجب لهارون من موسى ممّا نطقت به الآية الكريمة :

﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾(٢) .

وكما استجاب الله لموسى عليه السلام بقوله : ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾(٣) .

فقد شهد لمحمّد صلى الله عليه و آله وسلم أنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى(٤).

شجاعة علي :

وقد سارت بأخبارها الرّكبان، ونسجت من وحيها القصص بل و الأساطير .

فلقد « أنسى عليه السلام فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، وهو

١- صحيح البخاري (ج٦/ص:٣٠٩/ح٨٥٧) وسنن مسلم (ج٤/ص:١٨٧٠/ح:٢٤٠٤) وصحيح الترمذي (ج٥/ص:٦٤٠-٦٤١/ح٣٧٣٠-٣٧٣١).

٢- طه (٢٠): ٢٩ - ٣٢ .

٣- طه (٢٠): ٣٦.

٤- « موسوعة الإمام علي عليه السلام» (ص : ١١) .

٥٨

الشّجاع الذي ما فرّ قط، ولا ارتاع من كتيبة،ولا بارز أحداً إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية.وفي الحديث:كانت ضرباته وتراً »(١) .

وهو القائل : « والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليّت عنها ».

والقائل : « أنا قاتل الأقران،ومجندل الشّجعان،أنا الذي فقأت عين الشرك،وثللت [ أي هدمت ] عرشه، غير ممتنّ على الله بجهادي، ولا مدلّ إليه بطاعتي، ولكن أحدّث بنعمة ربّي ».

علم علي :

روى ابن عبّاس أنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قال: « ومن أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ».

قال الكنجي معقّباً: « تشبيهه لعلي عليه السلام في علمه لأنّ الله علّم آدم صفة كلّ شيء، كما قال عجل الله : ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ﴾، فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلّا وعند علي عليه السلام فيها علم، وله في استنباط معناها فهم »(٢).

وفي رواية بريد الأسلمي، أنّ النّبي صلى الله عليه و آله وسلم قال لعلي: « إنّ الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلّمك أن تعي، وحقّ على الله تعالى أن تعي،

١- « علي كما وصف نفسه » (ص : ٧١) .

٢- الكنجي: « كفاية الطّالب » (ص:١٢٢) .

٥٩

قال:فنزل قوله تعالى: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ »(١) .

قال علي عليه السلام : « كنت أدخل على رسول الله ليلاً ونهاراً، فكنت إذا سألته أجابني، وإن سكتّ ابتدأني، و ما نزلت عليه آية إلّا قرأتها، وعلمت تفسيرها وتأويلها، ودعا الله لي أن لا أنسى شيئاً علّمني إيّاه، فما نسيته، من حرام وحلال، وأمر ونهي، وطاعة ومعصية، وأنّه وضع يده على صدري، وقال : اللهم أملأ قلبه علماً وحكماً ونوراً، ثم قال لي: أخبرني ربّي عجل الله أنّه قد استجاب لي فيك »(٢).

ولذلك كان علم علي عليه السلام ظاهرة فريدة ومميّزة في تاريخ الإنسانيّة.

قال عليه السلام :

- « بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة ».

- « أيّها النّاس سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض » .

وقال عليه السلام ذات مرّة وهو يشير إلى صدره : « إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة، بل أصبت لقناً غير مأمون عليه، مستعملاً آلة الدّين للدّنيا، ومستظهراً بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقاداً لحملة الحقّ لا بصيرة له »(٣).

١- الحاقّة (الآية:١٢) .

٢- « علي كما وصف نفسه » (ص:٥٠) .

٣- المصدر السابق (ص:٥٤) .

٦٠