×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام (3) (بحوث الشيخ مسلم الداوري) / الصفحات: ١ - ٢٠

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج/٣ » محمّد علي المعلّم » (ص ١ - ص ٣٠)
١

التقية

في فقه أهل البيت عليهم السلام

تقريراً لبحث

سماحة آية الله

الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظله

الجزءالثالث

محمّد علي المعلّم

٢

هوية الكتاب:

الكتاب..............................................التقية في فقه اهل البيت عليهم السلامج/٣

تقريرا لبحث........................................سماحة آية الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)

المولف.............................................محمد علي صالح المعلم

الناشر..............................................المولف

صف الحروف و الاخراج الفني.....................السيد فاخر البطاط

المطبعة............................................العلمية

الطبعة.............................................الاولي

تاريخ النشر.......................................١٤٢٠ هـ . ق

عدد المطبوع......................................١٠٠٠ نسخة

الزينگغراف...................................... سيد الشهداء عليه السلام

حقوق الطبع محفوظة للناشر

شابک :٩-٣-٩٠٩٥٠-٩٦٤ (دوره ٣ جلدی)

ISB):٩٦٤-٩٠٩٥٠-٣-٩

٣

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٤
٥

کلمة الشيخ الاستاذ دام ظله

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٦
٧

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد ...

فهذا الكتاب ـ عزيزي القارىء ـ هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة البحوث الفقهية حول التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ، والتي كان يتفضّل بها سماحة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظلّه في بحثه اليومي في الحوزة العلمية في عشّ آل محمد عليهم السلام .

ويضمّ الكتاب بين دفّتيه بقية المباحث الفقهية التي اشتملت على أحكام التقية، وهي: النكاح، والطلاق، والمكاسب، والصيد، والذباحة، والفرائض، وما يلحق بها من مباحث كما يضمّ خاتمة تشتمل على ذكر بقيّة مستثنيات التقيّة.

وبذلك يتمّ الكتاب ويكمل نظامه بأجزائه الثلاثة في سبق علمي متميّز،

عالج هذه المسألة من جميع جوانبها، فإنه أول كتاب يتناول هذا الموضوع بهذا النحو من الدراسة والتحليل في جميع أبواب الفقه، إذ أنّ الدراسات الفقهية العليا وإن بحثت المسألة إلاّ أنها لم تكن بهذه الصورة من الاستيعاب والحصر والتنظيم، وكانت أغلب الدراسات التي تناولت التقية قد جاءت في بحوث استطرادية

٨

اقتضتها المناسبة.

هذا، ومما تجدر الإشارة إليه أنّ هذا الجزء قد تميّز بالتوسع في عرض أدلة العامة ومناقشتها على ضوء المباني الفقهية والرجالية المعتمدة لديهم، والموثقة بمصادرهم الكثيرة، مضافاً إلى مقارنتها بالمباني العلمية الدقيقة التي يعتمدها

فقهاء شيعة آل محمد صلي الله عليه و آله ، وكانت حصيلة ذلك نتائج مهمة تعين الباحثين في الفقه المقارن، وتكون رافداً لهم في دراساتهم المختلفة.

فقد تناول الكتاب مسألة المتعة أو النكاح المنقطع واستعرض فيها الجانبين التاريخي والاجتماعي عدا الجانبين الفقهي والروائي ورصد جميع أدلّتها ووضع النقاط فيها على الحروف.

ومثلها موضوع الطلاق بمسائله الخلافيّة المتعددة، وما يرتبط بها من فروع فقهيّة مهمّة.

وهكذا تناول الكتاب موضوع الغناء وبيان حدوده وموارده والأحكام المتعلّقة به.

وبحث الكتاب مسألة سوق المسلمين بحثاً تفصيلياً دقيقاً واضعاً في

الاعتبار أنّ المسألة من أكثر المسائل ابتلاءً وغموضاً في زماننا.

واحتلّ موضوع الإرث ـ ولا سيما مسألتنا التعصيب والعول ـ نصيباً كبيراً من الكتاب مستعرضاً الأدلة ومناقشتها على ضوء الكتاب والسنّة والعقل، إلى غير

ذلك من المسائل المهمّة التي تناولها الكتاب وسيقف عليها القارىء العزيز.

وقد كانت الخطّة الموضوعة للكتاب تقضي بتقديم مبحث التقية في المكاسب كما هو المتعارف في ترتيب أبواب الفقه، وكما أشرنا إلى ذلك في آخر الجزء الثاني، إلاّ أنّ سماحة الشيخ الأستاذ دام ظلّه رأى تقديم مبحثي التقية في النكاح والطلاق نظراً لأهمّيتهما وأهميّة المسائل المتعلّقة بهما.

٩

وقد قدّمنا دراسة مختصرة شاملة حول النكاح وأهمّيته في المجالين التكويني والاجتماعي والإلماح إلى نظرة الشريعة المقدسة في موضوع الزواج ومعالجة قضاياه المختلفة وسيادته على سائر الأنظمة الأخرى، بالإضافة

إلى بيان النكاح لا ينحصر بالإنسان أو الحيوان بل يشمل جميع ما في عالم الإمكان، ومن ثمّ البحث حول كيفيّة بدء النسل والتكاثر في البشر على ضوء الأدلّة الواردة.

وأرجو أنّي وفقت في عرض نظرات سماحة الشيخ الأستاذ وبيان مراده، وأسأل الله تعالى أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، مرعيّاً بنظر ولي الأمر وحجّة الزمان أرواحنا فداه.

كما وأبتهل إليه تعالى أن يمدّ في عمر شيخنا الأستاذ في خير وعافية.

وأن ينفع بعلومه طلاّب العلم والمعرفة في الحوزات العلمية المباركة، وأن يوفّقنا جميعاً لمراضيه، إنّه وليّ التوفيق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

محمد علي المعلم

قم المقدّسة وعش آل محمد عليهم السلام

الجمعة ١٤ / ١ / ١٤٢٠ هـ

١٠
١١

الفصل العاشر

٨ ـ التقية في النكاح

* النكاح حاجة روحية وجسدية

* أهمية النكاح في المجالين التكويني والاجتماعي

* معالجة الإسلام لجميع قضايا النكاح بأبعاده المختلفة، وعجز الأنظمة الأخرى

* التناكح بين جميع الممكنات، وعدم اختصاصه بالإنسان والحيوان والنبات

* كيف حدث انتشار النسل البشري؟ نقد وتحليل

* تقسيم البحث إلى مقامات خمسة وحكم كلّ منها

* جواز نكاح الكتابيّة وعدمه على ضوء الأدلّة

* التحقيق حول زواج الخليفة الثاني من ابنة أمير المؤمنين عليه اسلام

* ثبوت حلية نكاح المتعة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار

* بقاء حلّية المتعة ومشروعيتها وأهمّيتها في نظر أهل البيت عليهم السلام والتأكيد عليها

* تزييف دعوى نسخ حلّية المتعة واستعراض أدلّة التحريم وتقييمها

* الخليفة الثاني هو أول من نهى عن المتعة واعتراض الصحابة عليه

* عبد الله بن الزبير مولود من نكاح المتعة

* المتعة درع واقية لصيانة المجتمع عن الانحراف، وإفتاء بعض علماء السنّة بحلّيتها

* أحكام التقية المتعلّقة بالنكاح

* خاتمة المطاف

١٢
١٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

المدخل:

إنّ الحديث عن الزواج واقتران الذكر بالأنثى من أهم الأحاديث إلى القلوب وأحبّها إلى النفوس، ذلك لأنّ الزواج يشكّل الحاجة الجسدية والروحية بالنسبة إلى الإنسان، أوجدها الخالق الحكيم فيه لحفظ النوع وعمران الأرض، وإدراك حكم ومصالح أرادها الله تعالى من ذلك.

وقد أولته الشريعة المقدّسة عناية خاصّة، فأكّدت عليه نصوص الكتاب العزيز وروايات أهل بيت العصمة والطهارة، واعتبرته أمراً يحبّه الله ورسوله، ورغّبت في الإقدام عليه، وسعت إلى تيسير أمره وتسهيله، وجعلته أحد الأسباب المهمّة في صيانة الإنسان ـ الرجل والمرأة ـ عن الانحراف، ولم تأل جهداً في الترغيب فيه، بل عدّت الإعراض عنه نوعاً من الشذوذ وخروجاً عن السنن الطبيعية الفطرية التي فطر الله الناس عليها.

على أنّ الزواج لا ينحصر في الإنسان والحيوان والنبات، بل يتعدّاه إلى سائر الممكنات حتى الجمادات وغيرها، على ما سيأتي بيانه.

ونظراً لما ينطوي عليه هذا الموضوع من أسرار تسترعي الالتفات، وتثير

١٤

التساؤلات، وهي أمور تتجلّى فيها عظمة الخالق وحكمته، رأينا أنّ من المناسب أن نستجلي ـ في هذا المدخل ـ بعض تلكم الأسرار، وأن نجيب عن بعض تلكم التساؤلات بما يتناسب مع ما نحن بصدده من البحث الفقهي حول جانب من جوانب هذا الموضوع، وهو التقية في النكاح، وسيقع البحث في أمور خمسة:

الأول: أهمية الزواج من الناحية التكوينية:

إنّ حدث التوالد والتناسل وإيجاد المثل الذي هو ركن العالم وأساسه في البقاء والدوام لهو من أعظم الأحداث وأهمّها بعد خلق الإنسان.

وذلك لأنّ نظام التكوين إنما يتمّ باستمرار بقاء النوع الإنساني في هذا العالم على نحو يطابق مقتضى حكمة الخالق الحكيم، فإنّه تعالى بعد أن أوجد الإنسان الأول ـ آدم عليه السلام ـ وأحسن خلقه بدأ بخلق حواء وأنشأها لتكون زوجاً وسكناً له، وجعل بينهما الألفة والمودة، وفي ذلك تمهيد وإعداد لبدء التناسل والتكاثر، فقال عزوجل: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون﴾ (١) .

وقال عزّ شأنه: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ (٢) . وقال تبارك وتعالى: ﴿الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء ...﴾ (٣) .

ومن ذلك ندرك أهمية هذا الأمر وخطورته، حتى أنه سبحانه وتعالى جبل الفطرة الإنسانية على الميل إليه والرغبة فيه، وأودع في الطباع البشرة الشوق

١- ـ سورة الروم، الآية: ٢١ .

٢- ـ سورة الأعراف، الآية: ١٨٩ .

٣- ـ سورة النساء، الآية: ١ .

١٥

الأكيد إليه، وكأنّه إحدى الضروريات التي لا يستغني عنها الإنسان في حياته، ولذلك عدّ الإعراض عنه خللاً تكوينيّاً وخروجاً عن الفطرة السليمة.

وإنما أودع في الإنسان كلّ ذلك من أجل حتميّة تحقيقه على نحو مستمر لا توقّف فيه، وإن كان من دون شعور واختيار.

وما القوى الشهوانية والرغبات النفسانية إلاّ معدّات وآلات تمهيديّة غرزت في المخلوقات لتحقيق هذا الغرض.

وللتأكيد على ما أودع في الفطرة البشرية من ميل كلّ من الذكر والأنثى للآخر، يتوسّل كل منهما لإثارة الرغبة وتحريكها نحوه، فقد جبلت كلّ أنثى على إبراز مظاهر الجمال والزينة عندها لإحداث رغبة الرجل فيها واستجلاب مشاعره نحوها، كما أنّ همّ كلّ ذكر هو التحبّب والتودد لامتلاك قلب الأنثى بالأساليب المختلفة.

وذلك أمر قد فطر كلّ منهما عليه، فيمارسه بصورة عفوية طبيعية.

ولعلّ أغلب الناس في غفلة عن السبب والغاية، ولا يلتفت إلى أنّ وراء ذلك حكمة بالغة، فيقصر نظره وشعوره على الظاهر المحسوس، ويحسب أنّ هذا مجرّد لعب، ولهو وعبث، ويتصرّف على خلاف ما تقتضيه الحكمة والغرض الأسنى.

الثاني: أهمية الزواج من الناحية الاجتماعية:

إنّ استقرار الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة وقيام نظامها على أسس صحيحة علامة بارزة على استقرار نظام المجتمع، ذلك لأنّ المجتمع يتألف من الأسر التي تعيش حياة مشتركة في بيئة ذات منافع عامة مشتركة، وقوام هذه الأسر إنّما هو بالأفراد، ولاشكّ في أنّ صلاح الأفراد بصلاح الأصل والمنشأ،

١٦

فإن كان المنشأ زاكياً عفيفاً كان نتاجه قويماً صالحاً ذا نفع، فإنّ الفروع ـ في الأعم الأغلب ـ تحمل خصائص الأصول، وإنّ لعامل الوراثة دوراً كبيراً في ذلك، وسيكون المجتمع المتألّف من الأصل الطيب صالحاً مستقيماً في جميع شؤونه وأحواله، وأما إذا كان الأمر بالعكس فإنّ النتائج تتبع أخسّ مقدماتها، إذ أنّ اختلال الأسر ناشىء عن اختلال في الأفراد وهو يعود بالمآل إلى الأساس والمنشأ، وفي ذلك فساد النظام الاجتماعي وتلاشيه، إذ يترتب عليه الاعوجاج في السلوك فتتحكّم الأهواء الشخصية، والنوازع الفردية والخروج عن ضوابط العدالة، والتمرد على القانون للانحراف في أصله ومنشأه عن جادة الاستقامة.

وإنّ ما عانته البشرية من ويلات الدمار والخراب وهلاك النفوس وهتك الأعراض، إنما هو نتيجة لتمرّد بعض الأفراد على الضوابط المقرّرة الناشىء عن الانحراف.

وفي التاريخ صفحات حمراء كتبها أبطال الجريمة قديماً وحديثاً بسطور من دماء الأبرياء، وملؤها بقصص الرعب والدماء والفساد والخديعة والخيانة، ولا يبعد أن يكون السبب في ذلك هو أن بعض أولئك المجرمين قد انحدروا من أصول فاسدة غير زاكية، فهم ثمرات لعلاقات غير مشروعة، وطبيعي أنه إذا انحرف الأصل تبعه الفرع في الانحراف.

وإنّ في ما يحدّثنا به التاريخ عن بعض هؤلاء ممّن كانوا نتائج لتلك العلاقات كزياد بن أبيه(١) وعمرو بن العاص(٢) وغيرهما(٣) شاهداً على ما نقول،

١- ـ راجع تفاصيل مأساة الاستلحاق: كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب ١٠ : ٢١٦ ـ ٢٢٧ .

٢- ـ راجع تفاصيل أحواله ومصادرها كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب ٢ : ١٢٠ ـ ١٧٦ .

٣- ـ ذكر أصحاب المقاتل أنّ عمر بن سعد ـ بعد أن قتل الحسين عليه السلام ـ انتدب عشرة فرسان ليوطؤا الخيل صدره وظهره عليه السلام ، وهؤلاء العشرة: هم إسحاق بن حويّة، وأخنس بن مرتد (زيد)، وحكيم بن طفيل السنبسي، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي، وواحد بن ناعم (واحظ بن غانم) ، وصالح بن وهب الجعفي، وهاني بن شبث الحضرمي، وأسيد بن مالك، لعنهم الله تعالى، فداسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضّوا صدره وظهره ... قال أبو عمر (و) الزاهد (ي): فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدناهم كلّهم (جميعاً) أولاد زنا ... لاحظ اللهوف على قتلى الطفوف ص ١٨٢ ـ ١٨٣ ، ومثير الأحزان المجلس العاشر ص ٩٢ ، ومنتهى الآمال ١ : ٧١١ .

١٧

فقد عاثوا في الأرض فساداً، وهتكوا الحرمات وأهلكوا الحرث والنسل، وكانوا سبباً في حرمان البشر من الخير الكثير.

وفي التاريخ المعاصر ذكروا أنّ ادولف هتلر وأضرابه ممّن قادوا العالم بالحديد والنار إلى هاوية الدمار والخراب كانوا ثمرات فجّة لعلاقات غير مشروعة(١) .

ومن هنا ندرك ضرورة أن يكون هناك نظام دقيق ينظّم علاقة الرجل بالمرأة على أساس تراعى فيه جميع الأبعاد النفسية والأخلاقية وغيرها لإيجاد نسل صالح ينفع البشرية ويكون سبباً في العمران.

ولما كانت النظريات التي تناولت هذه المسألة متعددة ومختلفة، ونظراً لأهميّتها وأهمية آثارها فلابدّ من تسليط الأضواء على الأنظمة الموجودة ونظراتها حول هذه المسألة الخطيرة ومعرفة أيّ منها أحقّ بالاتباع.

الثالث: الزواج بين الإسلام والانظمة الأخرى:

إنّ استقصاء جميع الأنظمة ونظراتها حول مسألة الزواج وبيان قواعده وضوابطه ولوازمه يخرجنا عن الغرض المقصود، ونكتفي بالإشارة الإجمالية

١- ـ لاحظ تاريخ ألمانيا الهتلرية ١ : ٣٠ ، وتاريخ المانيا النازية ١ : ٩ ، والرجل الصنم كمال أتاتورك ١ : ٣٥ ـ ٥٢ .

١٨

إليها، ونحيلك ـ عزيزي القارىء ـ على المصادر التي تناولت هذه المسألة بالدراسة والتحليل(١) ، على أن يكون أكثر اهتمامنا بالنظرة الشرعية المتمثلة في الدين الإسلامي، حيث راعت قواعده وضوابطه في هذه المسألة جميع المصالح والحكم التكوينية والتشريعية الفردية منها والاجتماعية، وكان بدّقته وشموليته فوق أن يقارن بسائر القوانين والأنظمة الأخرى في هذه المسألة أو غيرها، وأما النظريات الدينية السماوية ـ غير الإسلام ـ فهي وإن كانت في حدّ ذاتها صحيحة إلاّ أنها لما كانت محدودة قد لوحظ في تشريعها زمن معيّن فلا تصلح لأن تكون منهجاً متبعاً كما لا تصحّ مقارنتها بنظرة الإسلام لعدم وفائها بالأغراض والمصالح.

وبعد هذا نقول: إنّ أهم الأنظمة(٢) التي تناولت مسألة الزواج واقتران الذكر بالأنثى ثلاثة: دينية وبشرية وإباحية.

وتسمية الإباحية نظاماً من باب المجاز، وإلاّ فهي في الواقع إشاعة للفوضى وعدم النظام، ولذا لن نعتني بالحديث عنها لكونها انسلاخاً عن الإنسانية وانحداراً إلى حضيض البهيمية، والذي يعنينا هو النظام الديني المتمثل بالإسلام كما أشرنا وسيأتي الحديث عنه.

وأما النظام البشري فقد ذكر بعض المحقّقين أنّ هناك عدة أساليب اتخذها البشر في كيفية اقتران الرجل بالمرأة، وأهمها ثلاثة:

الأول: عن طريق الأسر والاستيلاء، وقد كان هذا الأسلوب هو الطريق الوحيد والمتبع في ابتداء هذا الأمر عند البشر، فعلى أثر النزاعات والحروب بين

١- ـ راجع كتاب الزواج والطلاق في جميع الأديان لعبد الله المراغي، وكتاب الزواج وتطور المجتمع لعادل أحمد سركيس، وكتاب النكاح والقضايا المتعلّقة به لأحمد الحصري، وكتاب الزواج المؤقت للسيد محمد تقي الحكيم، والعدد ١٦٩ من سلسلة اقرأ، عادات الزواج وشعائره.

٢- ـ الزواج في القرآن والسنة : ٥١ ـ ٥٩ .

١٩

القبائل يستولي الأقوياء على الضعفاء ويأخذون أموالهم ويأسرون نساءهم ويتخذونهنّ أزواجاً لهم، أو يتم ذلك عن طريق اختطاف القويّ امرأة الضعيف أو ابنته وتبقى القبيلة الضعيفة مسلوبة الكرامة محرومة من حقوقها.

الثاني: عن طريق البيع والشراء فتباع المرأة كما تباع سائر السلع والبضائع، وتصبح مملوكة للمشتري، وقد ذكرت المصادر أنّ ظهور هذا الأسلوب كان متبعاً في روما، ويتمّ بحضور أشخاص معينين وحامل الميزان، ومعهم الولي أو القيّم على المرأة ويعطى ثمنها على حسب ما يتقرّر بين البائع والمشتري.

وكانت هذه الطريقة مألوفة عند الشعوب الأوربية قبل المسيحية، ولا تزال آثارها باقية إلى اليوم في جنوب أسبانيا عند الفلاحين، وبعض قبائل سومطرة، والقبائل الصينية، حتى أنّ المرأة قد تباع أكثر من مرة.

الثالث: عن طريق الإجارة، فإنه إذا عجز الرجل عن دفع ثمن المرأة أو مهرها آجر نفسه عند أوليائها للعمل لهم مدة من الزمن، وبذلك تصبح المرأة زوجاً له.

وقد يقال: بأنّ هذا الأسلوب كان متبعاً في زمان موسى عليه السلام ، حتى أنه عليه السلام تزوّج إحدى ابنتي شعيب عليه السلام عن هذا الطريق، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قال إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ...﴾ (١) .

هذا، ولكن من الواضح عدم صلاحية أيّ من هذه الأساليب لاقتران الرجل بالمرأة، فإنّ فيها حطّاً من قدر المرأة وشأنها إلى درجة تصبح فيها المرأة سلعة بل أخس قدراً، مضافاً إلى ما يترتّب على ذلك من هدم أساس الأسرة وعدم إمكان التربية الصحيحة لأولاد صالحين، وفي ذلك فساد المجتمع واختلال نظامه.

١- ـ سورة القصص، الآية: ٢٧ .

٢٠