×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 08) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

كَفَرُواْ﴾(١) من آية محرّمات الأكل من سورة المائدة. وبالبناء على ما تقدّم تصير لفظة أهل البيت اسماً خاصاً -في عرف القرآن- بهؤلاء الخمسة وهم النبيّ وعلي وفاطمة والحسنان عليهم‏السلام ولا يطلق على غيرهم، ولو كان من أقربائه الأقربين، وإن صحّ بحسب العرف العام إطلاقه عليهم.

المقصود من الرجس في آية التطهير:

الرجس -بالكسر فالسكون- صفة من الرجاسة، وهي القذارة، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها، وتكون بحسب ظاهر الشيء كرجاسة

الخنزير، قال تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾(٢)، وبحسب باطنه -وهو الرجاسة والقذارة المعنوية- كالشرك والكفر وأثر العمل السيء، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾(٣).

وقال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾(٤).

وأيّاما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلّق القلب بالاعتقاد بالباطل أو العمل السيء وإذهاب الرجس -واللام فيه للجنس- إزالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تخطئحقّ الاعتقاد والعمل، فتنطبق على العصمة الإلهية التي هي صورة علميّة نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيء العمل.

على أنّك عرفت أنّ إرادة التقوى أو التشديد في التكاليف لا تلائم اختصاص الخطاب في الآية بأهل البيت عليهم‏السلام وعرفت أيضاً أنّ إرادة ذلك لا تناسب مقام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من العصمة.

١- المائدة ٥ : ٣.

٢- الأنعام ٦ : ١٤٥.

٣- التوبة ٩ : ١٢٥.

٤- الأنعام ٦ : ١٢٥.

٥٠١
فمن المتعيّن حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة، ويكون المراد

بالتطهير في قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ -وقد أكّد بالمصدر- إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله، ومن المعلوم أن يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحقّ في الاعتقاد والعمل، ويكون المراد بالإرادة أيضاً غير الإرادة التشريعية لما عرفت أنّ الإرادة التشريعيّة التي هي توجيه التكاليف إلى المكلّف لا تلائم المقام أصلاً.

والمعنى أنّ اللّه‏ سبحانه تستمر إرادة أن يخصّكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيء عنكم أهل البيت وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة(١).

نشاطه بعد الاستبصار.:

يقول ﴿ظافر مدني﴾ كانت رحلتي العقائدية شاقّة وصعبة للغاية، ولكنّني وجدت نفسي مخيّراً بين الجنّة والنار، فقلت: العار ولا النار، فأعلنت استبصاري، وتوجّهت إلى نشر علوم ومعارف أهل البيت عليهم‏السلام، فنشرت جملة من المقالات دفاعاً عن التشيّع في بعض المجلات والجرائد الحكوميّة، وترجمت بعض المقالات الشيعية إلى لغة بلدنا، ونشرتها في الصحف، وهكذا واصلت عملي التوجيهي حتّى تشيع على يدي الكثير وأملي أن يوفقني اللّه‏ للمزيد من خدمة مذهب أهل البيت عليهم‏السلام.

١- الميزان في تفسير القرآن، العلاّمة الطباطبائي ١٦: ٣٠٩ ـ ٣١٣ بتصرّف يسير.

٥٠٢

(٩١) محمّد أشرف (شافعي / سيرلانكا)

ولد في ﴿سيرلانكا﴾، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الأشعري في العقيدة، والمذهب الشافعي في الفقه والأصول، وبقي على انتمائه الموروث حتّى استبصر أحد أصدقائه في المدرسة، فاستغرب ﴿محمّد﴾ من استبصار صديقه، فأسرع إليه ليصرفه عن تغييره في الصعيد المذهبي، ولكنه واجه أمامه شخصاً لا يمتلك تلك الشخصية السابقة ؛ لأنّه قد تحوّل إلى شخصية واعية، ومثقّفة ومتزنة، تفهم ما تقول، وتجيد أسلوب محاورة الآخرين.

تعجّب ﴿محمّد﴾ من تغيير شخصية صديقه، وارتقاء مستواها إلى هذا الحد من التسامي والعلو، وعرف أنّ السر الكامن وراء هذا التغيير في الصعيد السلوكي هو التغيير في الصعيد الفكري والعقائدي، فاشتاق أن يتعرّف على الأفكار الجديدة التي انتمى إليها صديقه، ولم يشك ﴿محمّد﴾ قط بأنّه لن يترك مذهب أسلافه، ولن ينتمي إلى مذهب التشيّع أبداً، ولكّنه أحبّ أن يتعرّف على أصول ومبادئهذا المذهب ليدرك كيف استطاع هذا المذهب أن يجذب صديقه إلى نفسه.

بداية الانعتاق من الانغلاق الفكري:

بدأ ﴿محمّد﴾ بعد ذلك يأخذ الكتب العقائدية من صديقه ويقوم بقراءتها ليطّلع على الفكر الشيعي، وبمرور الزمان شعر ﴿محمّد﴾ أنّه بدأ يتحرّر من الانغلاق

٥٠٣
الفكري والنظر من زاوية واحدة إلى الحقائق، ورأى بأنّ نظرته بدأت تتسم بالشمولية نتيجة اتّساع أفاق رؤيته إلى الأُمور، ثُمّ بدأ بأمر المقارنة والمقايسة بين أصول ومبادئ المذهبين، وشعر بالصعوبة البالغة في بداية الأمر ؛ لأنّ عقله لم يتعوّد من قبل على التفكير في الصعيد العقائدي، وكانت مهمته فيما سبق حفظ ما يلقى عليه من أمور ومسائل عقائدية من دون المبادرة إلى إعمال العقل فيها أو المبادرة إلى تحليلها وتفكيك أجزائها والوثوق من وجود الانسجام بينها وبين الثوابت العقلية، وهذا الجمود في الصعيد الفكري لفترة سنوات مديدة أدّى

بـ﴿محمّد﴾ إلى مواجهة الصعوبة في غربلته للمفردات العقائدية التي ورثها، ومقايستها مع المعتقدات الجديدة التي بدأ يتعرّف عليها من خلال قراءة الكتب الشيعية.

وصف الإنسان بالخالقية:

إنّ من أهم الأُمور التي لفتت انتباه ﴿محمّد﴾ هي مسألة إيمان أتباع مذهب أهل البيت عليهم‏السلام بإمكانية نسبة الخلق إلى غير اللّه‏ تعالى، فاستغرب ﴿محمّد﴾ في بداية الأمر ؛ لأنّه كان يعتقد بأنّ إثبات الخالقية لغير اللّه‏ يستلزم الاعتقاد بوجود شريك للّه‏ في الخالقية، واللّه‏ سبحانه وتعالى منزّه عن الشريك في الخلق.

ولكنه اقتنع بعد الإلمام بعقيدة أتباع مذهب أهل البيت عليهم‏السلام بأنّ الاشتراك اللفظي لا يستلزم الشرك ؛ لأنّ الإنسان يشترك مع اللّه‏ تعالى في بعض الأوصاف المشتركة في اللفظ من قبيل العلم، فنقول: اللّه‏ عالم، ونقول: فلان شخص عالم، ولا يعني ذلك الشرك في العلمية ؛ لأنّنا نعتقد بأنّ علم اللّه‏ تعالى مطلق، ولا حدّ له، ولكن علم الإنسان محدود، ولا يعلم الإنسان إلاّ باذن اللّه‏.

والمثال الآخر هو القدرة، فنقول: اللّه‏ تعالى قادر، ونقول أيضاً: فلان شخص قادر، ولا يعترض أحد ؛ لأنّنا نعلم بوجود الفرق بين القدرة الإلهية وقدرة الإنسان

٥٠٤
؛ لأنّ قدرة اللّه‏ تعالى مطلقة، ولكن قدرة الإنسان محدودة.

ومن هذا القبيل مسألة الخلق، فلا يوجد مانع أن نقول: بأنّ اللّه‏ تعالى خالق، وأن نقول: بأنّ فلان شخص أيضاً خالق، وذلك مع الاعتقاد بأنّ اللّه‏ تعالى يخلق بالاستقلالية، ولكن الإنسان لا يخلق إلاّ بإذن اللّه‏ تعالى.

نسبة الخلق إلى الإنسان في القرآن الكريم:

إنّ من الشواهد القرآنية الدالة على إمكانية نسبة الخلق إلى الإنسان هي

قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(١)، فهذه الآية تثبت بصراحة بأنّ اللّه‏ تعالى خالق، وغيره أيضاً خالق، ولكنه تعالى أحسن الخالقين.

والآية القرآنية الأخرى التي بيّنت هذه الحقيقة هي قوله تعالى لعيسى بن

مريم: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾(٢)، فهذه الآية صريحة في نسبة الخلق إلى عيسى عليه‏السلام، ولهذا ورد على لسان عيسى عليه‏السلام في آية أخرى أنّه قال لقومه: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾(٣).

ومن هنا يتبيّن بأنّ نسبة الخلق إلى الإنسان لا تستلزم الشرك في الخالقية الإلهية، وإنّما الشرك يتحقّق فيما لو اعتقد الإنسان بوجود خالق مستقل غير اللّه‏، له القدرة على الخلق من دون إذن اللّه‏ تعالى، ولكن الاعتقاد بأنّ الإنسان قادر على الخلق بإذن اللّه‏، وفي إطار القدرة التي أقدره اللّه‏ تعالى عليها، فهو أمر طبيعي، وهوما تدلّ عليه الآيات القرآنية بصراحة.

المفاجأة غير المتوقّعة:

عرف ﴿محمّد﴾ بعد اطّلاعه على معظّم عقائد مذهب أهل البيت عليهم‏السلام بأنّ

١- المؤمنون ٢٣ : ١٤.

٢- المائدة ٥ : ١١٠.

٣- آل عمران ٣ : ٤٩.

٥٠٥
الصورة التي يمتلكها التشيّع على خلاف الصورة التي كان قد صوّرها له علماء مذهبهم، فتفاجأ من هذا الأمر الذي لم يتوقّعه أبداً، ووجد ﴿محمّد﴾ على خلاف ما كان ينسب إلى مذهب التشيّع أنّه مذهب عقلاني وموزون ومستند، وبمرور الزمان تبلورت قناعته بأفضلية المذهب الشيعي، ثُمّ دفعته هذه القناعة إلى تغيير انتمائه المذهبي والتحوّل إلى مذهب أهل البيت عليهم‏السلام.

٥٠٦

(٩٢) محمّد سفير (شافعي / سيرلانكا)

ولد في مدينة ﴿ايراوور﴾ بدولة سيرلانكا، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب، واصل دراسته حتّى المرحلة الجامعيّة، ثُمّ اهتمّ بالدراسات الدينيّة، ومن هذا المنطلق تفتّح ذهنه على حقائق غيّرت مجراه الفكري ودفعته نحو التحوّل المذهبي.

ويرى ﴿محمّد سفير﴾ بأنّ اهمّ طريقة تركت الأثر في استبصاره هي المناظرة، بحيث تمكّن من خلالها أن يتعرّف على الكثير من الحقائق الدينية.

المظلوم والظالم:

يقول ﴿محمّد سفير﴾: أهمّ المواضيع التي تأثّرت بها هي ما يرتبط بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء والإمام الحسين عليهماالسلام.

ومن خلال الإلمام بمظلوميّة فاطمة الزهراء ومظلوميّة الإمام الحسين بحث

﴿محمّد سفير﴾ حول معرفة الظالم، فكشفت له البحوث التي أجراها والمناظرات التي دارت بينه وبين الشيعة حقائق لم يتوقّع لها وجوداً خارجياً على أرض الواقع قط.

فلمّا اصطدم بالحقيقة تفاجأ لها، فأربكت الحقائق الجديدة توازنه الفكري

٥٠٧
ودفعته نحو المزيد من البحث والتحقيق.

فاطمة الزهراء وموقفها من خلافة أبي بكر:

وجد ﴿محمّد سفير﴾ بأنّ فاطمة الزهراء جنّدت كلّ قواها -بعد وفاة أبيها ووقوع الخلافة بيد غير أهلها- للدفاع عن الإمامة الإلهية، ويشهد بذلك خطبتيها المعروفتين والتي قالت في أحداهما مخاطبة لجمهور المسلمين:

فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، إنّما زعمتم خوف الفتنة ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾(١).

أما لعمر اللّه‏ لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب، ثُمّ احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً هنا يخسر المبطلون ويعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون، ثُمّ طيبوا عن أنفسكم نفساً، وابشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة عليكم.

ويقول الشهيد محمّد باقر الصدر تعليقاً على هذا المقطع من الخطبة:

لئن كان الصدّيق وصاحباه يشكّلون حزباً ذا طابع خاص فمن العبث أن ننتظر منهم تصريحاً بذلك أو نتوقع أن يعلنوا عن الخطوط الرئيسية لمنهاجهم ويبرروا بها موقفهم يوم السقيفة، ومع هذا فلابدّ من مبرر . . .

ولابدّ من تفسير . . .

فقد ظهر في ذلك الموقف تسرّعهم إلى إتمام البيعة لأحدهم، وتلهفّهم على المقامات العليا تلهّفاً لم يكن منتظراً بالطبع من صحابة على نمطهم ؛ لأنّ المفروض فيهم أنّهم اُناس من نوع أكمل، وعقول لا تفكر إلاّ في صالح المبدأ، ولا تعبأ إلاّ بالاحتفاظ له بالسيّادة العليا. أمّا الملك الشخصي وامّا اقتناص الكراسي فلا ينبغي

١- التوبة ٩ : ٤٩.

٥٠٨
أن يكون هو الغاية في حساب تلامذة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم .

أحسّ الحاكمون بذلك وأدركوا أنّ موقفهم كان شاذّاً على أقل تقدير، فأرادوا أن يرقّعوا موقفهم بالأهداف السامية والخوف على الإسلام من هبوب فتنة طاغية تُجهز عليه، ونسوا أن الرقعة تفضح موضعها، وأنّ الخيوط المقحمة في الثوب تشي بها.

ولذا دوّت الزهراء بكلمتها الخالدة:

زعمتم خوف الفتنة ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾(١). نعم أنّها الفتنة ثُمّ هي أمّ الفتن بلا ريب.

ما أروعك يا بضعة النبيّ حين تكشفين القناع عن الحقيقة المُرّة وتتنّبئين لاُمّة أبيك بالمستقبل الرهيب الذي تلتمع في افقه سحب حمراء!

ماذا أقول..؟ بل أنهار من دم تزخر بالجماجم وهي تنعى على سلفها الصالح فعلهم وتقول: ألا أنّهم في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين.

الفتنة الكبرى:

كانت العمليّات السياسيّة يومئذٍ فتنة وكانت أمّ الفتن.

كانت فتنة في رأي الزهراء -على الأقل- لأنّها خروج على الحكومة الإسلاميّة الشرعيّة القائمة في شخص علي هارون النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والأولى من المسلمين بأنفسهم.

ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق عن موقفه ؛ بأنّه خاف الفتنة وهو لا يعلم أنّ انتزاع الأمر ممّن أراده له رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم باعتراف عمر هو الفتنة بعينها المستوعبة لكلّ ما لهذا المفهوم من ألوان.

١- التوبة ٩ : ٤٩.

٥٠٩
وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في السلطان إلاّ بمقدار ما يتّصل بصالح الإسلام أن يسألوا رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم عن خليفته، أو يطلبوا منه أن يعيّن لهم المرجع الأعلى للحكومة الإسلاميّة من بعده؟ وقد طال المرض به أيّاماً متعدّدة، وأعلن فيها مراراً عن قرب أجله، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفيّة غسله وتفصيلات تجهيزه، ولم يقع في أنفسهم مطلقاً أن يسألوه عن المسألة الأساسيّة، بل لم يخطر في بال أولئك الذين أصرّوا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الأمّة وألحّوا عليه في ذلك خوفاً من الفتنة أن يطلبوا نظير هذا من رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم !

فهل ترى أنّهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بفتن كقطع الليل المظلم؟! حتّى إذا لحق سيّد البشر بالرفيق الأعلى توهّجت مشاعرهم بالغيرة على الدين، وملأ قلوبهم الخوف من الفتنة والانعكاسات السيّئة. أو تعتقد معي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان قد اختار للسفينة ربّانها الأفضل ولذلك لم يسأله السائلون!!

دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير، فإنّ هؤلاء الغيارى على الإسلام لم يكتفوا بترك السؤال، بل منعوا رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب كتاباً لا يضلّ المسلمون بعده أبداً(١). والفتنة ضلال، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبداً، فهل كانوا يشكّون في صدق النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟! أو يرون أنّهم أقدر على الاحتياط للإسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبيّ الإسلام ورجله الأوّل!

وخليق بنا أن نسأل عمّا عناه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بالفتن التي جاء ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اُخريات أيّامه إذ يقول: ﴿ليهنكم ما أصبحتم فيه قد أقبلت الفتن

١- إشارة إلى قول الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم في مرضه الأخير: أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده... ، صحيح البحاري ١: ٣٧١ كتاب العلم ـ باب كتابة العلم.

٥١٠
كقطع الليل المظلم﴾(١).

ولعلّك تقول: إنّها فتن المرتدّين، وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان يتخوّف على موتى البقيع من الارتداد، فأمّا إذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك -كما هو في الواقع- لأنّهم على الأكثر من المسلمين الصالحين، وفيهم الشهداء فلماذا يهنّئهم على عدم حضور تلك الأيّام؟ وإذن فتلك الفتن التي عناها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لابدّ أن تكون فتناً حادثة بعده مباشرة، ولابدّ أيضاً أن تكون أكثر اتصالاً بموتى البقيع لو قدّرت لهم الحياة من فتن الردّة والمتنبّئين.

وهي إذن عين الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها: ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾(٢)(٣). يقول ﴿محمّد سفير﴾، واصلت دراستي في معهد منبع الهدى للدراسات الإسلاميّة حتّى توصّلت إلى بطلان معتقداتي الموروثة وأحقيّة مذهب أهل البيت عليهم‏السلام، فأعلنت استبصاري والحمد للّه‏ الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه‏.

١- انظر: مسند أحمد ٢: ٣٩٠.

٢- التوبة ٩ : ٤٩.

٣- فدك في التاريخ، محمّد باقر الصدر: ١٣٣ ـ ١٣٧.

٥١١
موسوعة حياة المستبصرين ٨ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٥١١ - ص ٥٤٠)

(٩٣) محمّد عبد الحليم لبي (شافعي / سيرلانكا)

ولد سنة ١٣٨١ه (١٩٦٢م) في مدينة ﴿واليجيناي﴾ بدولة سيرلانكا، ونشأ في أسرة شافعية المذهب، أكمل الدراسة الثانوية العامة، وواصل الدراسة فيما بعد في الحوزة العلمية بعد استبصاره.

له نشاطات علمية واجتماعية وتبليغية، فهو الأمين العام لجمعية العلماء في المنطقة الشرقية من بلاده، ومدير مدرسة نبع الهدى للعلوم الدينية، وهو مبلّغ فعّال حيث يؤم الناس في صلاة الجمعة والجماعة، كما يدرّس العلوم الدينية، ويعمل على تبليغ المعارف الإسلاميّة بطرق مختلفة.

ظلامات أهل البيت عليهم‏السلام هدتني إلى التشيّع:

يقول ﴿محمّد﴾: كان أخي الكبير إسحاق من الناشطين في الجماعة الإسلاميّة بقيادة الشيخ عبد الأعلى المودودي، وصادف أنّه زار إيران في بداية الثورة الإسلاميّة في ضمن وفد من الجماعة الإسلاميّة، فتأثر بهذه الثورة، ووجّهت له دعوة للدراسة في إيران فقبلها وانتمى للحوزة العلمية، وبقي يدرس فيها لمدة أربع سنوات، وكان قد اهتدى للتشيّع بعد سّتة أشهر من مجيئه إلى إيران. ويتابع ﴿محمّد﴾ قائلاً: عند عودة أخي في العطلة الصيفية في نهاية السنّة

٥١٢

الأولى من دراسته في إيران، دعاني إلى السفر إلى إيران والدراسة فيها، فقبلتُ، وسافرت للدراسة هناك، وكنت جدّياً في دراستي، وبعد سنتين عدتُ إلى بلادي وأنا محتفظ بمذهبي السنّي، وبقيت في بلدي لمدّة ستة أشهر، ثُمّ عاودني الحنين بعدها للدراسة، فعدت للدراسة مرة اخرى في إيران، وتفتحت أمامي آفاق جديدة علمياً ودينياً واجتماعياً فقد اطلعت على معارف أهل البيت عليهم‏السلام، وعرفت شأنهم، ودورهم العظيم في الحفاظ على الدين الإسلامي، كما أطلعت على المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة كمسألة الإمامة، وبحثت فيها بعمق، كما اُعجبت بعلماء الشيعة من حيث سعة علمهم، وشدّة احتياطهم في الفتيا، وارتحت كثيراً للمظاهر الإسلاميّة المطبّقة في إيران كالالتزام بالحجاب، واحترام الشعائر الإسلاميّة التي هزتني كثيراً، كشعائر الإمام الحسين عليه‏السلام التي تبيّن مظلوميته، ومظلومية أبناء الرسول الأعظم بصورة عامة على يد الطغاة الذين تسموا أنّهم خلفاء رسول اللّه‏!!

لكن الذي آلم ضميري، وأقرح عيوني بالبكاء هو مأساة الزهراء عليهاالسلام، التي لم أكن أعرف عنها شيئاً قبل ذلك، فقد راعني أمر الاعتداء عليها، والهجوم على بيتها، واغتصاب فدك منها، واختفاء قبرها إلى يومنا هذا، وقد كانت قضيّتها السبب الرئيسي في إزالة الغشاوة عن عيني في أمر من كنت أعتقد أنّهم صحابة رسول اللّه‏ وخلفاءه الذين لا يعتريهم الريب!!

لقد هدتني الزهراء عليهاالسلام بظلامتها إلى التمسّك بولاء أهل البيت عليهم‏السلام دون غيرهم، لأنّهم عمود الإسلام الذي قام عليه، ولأنّهم قدّموا أنفسهم رخيصة في سبيل اللّه‏، فكم عانى أبوها وبعلها وبنوها من أجل الدفاع عن دين اللّه‏، وقد كانت لهم ظلامات كثيرة لو أطلّع عليها المسلمون بشكلها الواقعي لذابت نفوسهم وجداً عليهم، ولنادت ألسنتهم: ألا لعنة اللّه‏ على القوم الذين عادوهم وظلموهم.

٥١٣

ظلامات الزهراء عليهاالسلام في شعرها:

كانت السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام خطيبة مفلّقة، تشهد لها الخطبتان اللتان خطبتهما بعد وفاة رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : الأولى: أمام المسلمين في المسجد النبوي الشريف، والأخرى أمام النساء في بيتها.

كما كانت فصيحة الكلام، ومبيّنة في الخطاب في محاكمتها لأبي بكر وصاحبه عمر في قضية اغتصاب فدك.

هذا وقد حزنت الزهراء عليهاالسلام حزناً شديداً على فقدان أبيها، فبكت الليل والنهار على رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم ، حتّى اشتكى أهل المدينة من بكائها، فبنى لها الإمام علي عليه‏السلام بيتاً في البقيع خارج المدينة آنذاك سُمّي بيت الأحزان، بكت فيه أباها رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم .

وللزهراء عليهاالسلام سابقة في البكاء على الشهداء، وتعظيم شأنهم، فقد كانت تزور قبورهم في حياة أبيها، تبكي عليهم وتذكر فضلهم، وخصوصاً سيّد الشهداء عمّ أبيها حمزة بن عبد المطلب، فلم يكن بُكاء الزهراء عليهاالسلام عَبرةً فقط، بل كان عبرةً وعِبرةً، فيه الوفاء للشهداء، وفيه التذكير بالآخرة، وفيه معانٍ سامية كثيرة يقف عليها المتأمّل في مواقفها، والمحقّق في سيرتها.

إنّ عواطف الزهراء الجياشة في بكائها على رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم قد تبلورت في بعض المواقف على شكل أشعار رقيقة عذبة تهزّ المشاعر، وتذوب الروح عند سماعها، خصوصاً عند محبيها، كما تعرّضت ضمن وصفها لحالها بعد وفاة رسول اللّه‏ لظالميها أو في الواقع الظالمين للأمّة الإسلاميّة جمعاء باغتصاب ولاية أهل البيت عليهم‏السلام الذين عيّنهم رسول اللّه‏ هداةً للأمّة وقادة للمسلمين، فكان هذا الاغتصاب منهم، ثُمّ الاعتداء على حرمات الرسول بالاعتداء على أهل البيت، وتضييع حقوقهم وتصغير منزلتهم التي جعلها اللّه‏ لهم خسارة عظيمة للأُمّة، وتضييع

٥١٤
للرحمة المهداة لها.

قالت الزهراء سلام اللّه‏ عليها:


قلّ صبري وبان عنّي عزائي بعد فقدي لخاتم الأنبياءِ

عينُ يا عين اسكبي الدمع سحّاً ويك لا تبخلي بفيض الدماءِ

يا رسول الإله، يا خيرة اللّه‏ وكهف الأيتام والضعفاءِ

قد بكتك الجبال والوحش جمعاً والطير والأرض بعد بكي السماءِ


وبكاك الحجون والركن والمشعريا سيدي مع البطحاءِ

ِوبكاك المحراب والدّرسللقرآن في الصبح معلناً والمساء

وبكاك الإسلام إذ صار في النّاسِ غريباً! من سائر الغرباءِ

لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه علاه الظلام! بعد الضياءِ

يا إلهي عجّل وفاتي سريعاًفلقد تنغّصت الحياة! يا مولائي(١)

١- بحار الأنوار ٤٣: ١٧٤ ـ ١٨٠.

٥١٥

وقالت عليهاالسلام في رثاء الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم :


قد كانَ بعدك أنباء وهنبثةٌ لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها واختلّ قومك! فاشهدهم ولا تغبُ

فليت قبلك كان الموت صادفنا لما نعيت وحالت دونك الكتبُ

تجهمنا رجال فاستخف بنا! مذ غبت عنّا وكلّ الخير قد غصبوا!

سيعلم المتولي ظلم جانبنا! يوم القيامة أنّي كنت أنقلبُ

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم! لما فقدت وكلّ الإرث قد غصبوا!(١)

وقالت عليهاالسلام في رثاء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم :


قل للمغيب تحت أطباق الثرى إن كنت تسمع صرختي وندائيا

صُبّت عليّ مصائب لو أنّها صُبّت على الأيام صِرنَ لياليا!

قد كنت ذات حمىً بظلّ محمّد لا أخش من ضيمٍ وكان جماليا

فاليوم أخضع للذليل وأتقي ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا!

فإذا بكت قمرية في ليلها شجناً على غصنٍ بكيتُ صباحيا

فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا

١- ديوان فاطمة الزهراء: ٢٩ ـ ٣١، قافية الباء.

٥١٦

ماذا على من شمّ تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا(١)

آهات الزهراء عليهاالسلام فضيحة الظالمين:

مثلما طلبت الزهراء من مولاها أمير المؤمنين عليه‏السلام أن يخفي قبرها، ليكون ذلك علامة سؤال كبرى تواجه المسلمين عند زيارة البقاع الشريفة، تفتح أمامهم العشرات من علامات السؤال الأخرى والتي تقودهم بالتالي إلى التوصّل إلى نتائج مخالفة لما يقال لهم من قبل أجهزة الدعاية الرسمية التابعة للحكام الظالمين، مثل هذا الطلب من حيث النتائج كان بكاؤها وآهاتها وحزنها حيث يتساءل المرء السوي، ما الذي حدث؟

وهل أنّه مجرّد بكاء لفقد عزيز؟

أم هو بكاء لفقد عزيز مركب مع أمر آخر مثل الظلم الشديد لهذا العزيز بظلم أهل بيته السائرين على خطّه، والرافعين راية الإسلام بأمر من اللّه‏ ورسوله؟!

إنّ بكاء الزهراء عليهاالسلام وشعرها دليل واضح وصريح على إدانة الظالمين رغم ادعائهم أنّ شيئاً غريباً لم يحدث بعد وفاة رسول اللّه‏، وأنّهم ساروا على المنهاج الصحيح الذي كان رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم يسير عليه، حيث يدّعون أنّهم اتبعوا سنتّه وحكّموا شريعته، وأنّ أهل البيت عليهم‏السلام كانوا على وفاق تام مع صحابة الرسول العظام! وأنّ الرافضة هم الذين يدّعون كذباً حدوث الاختلاف بينهم! أو أن الصحابة وخصوصاً الخلفاء غصبوهم حقاً هو لأهل البيت عليهم‏السلام خصوصاً دون غيرهم!

لكن فات هؤلاء أنهم مهما فعلوا، ومهما مكروا -مع أنّ مكرهم تزول منه الجبال- لا يستطيعون إطفاء نور اللّه‏ وهو الإسلام والقرآن المقترن بآل البيت عليهم‏السلام أئمّة له ومفسرين دون غيرهم ؛ لأنّ غيرهم عيال عليهم، وتابعين لهم ومهتدين بهم

١- مناقب آل أبي طالب ١: ٢٩٩ ـ ٣٠٠.

٥١٧

-إن كانوا مهتدين- قال تعالى ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾(١). إنّ الزهراء عليهاالسلام في بعض هذه المقطوعات الشعرية المتقدّمة، تصرّح بغربة

الإسلام في قولها: ﴿وبكاك الإسلام إذ صار في الناس غريباً﴾، وتعلن أنّ منبر رسول اللّه‏ قد علاه الظلام بعد أن كان يعلوه الضياء -وهو الرسول فمن هو الظلام؟!- قالت عليهاالسلام مخاطبة الرسول:


لو ترى المنبر الذي كنت تعلو ه علاه الظلام! بعد الضياءِ

فهل هناك تصريح أكثر من هذا، أم على قلوب أقفالها؟! سلام اللّه‏ عليك يا سيّدة نساء العالمين يوم ولدت، ويوم وقفت تبكين الشهداء، ويوم وقفت تبكين أباك، ويوم فضحت القوم الظالمين بخطابك الذي أخرسهم، ويوم شهادتك إذ طلبت من الولي المظلوم أن يخفي قبرك!! بينما نراهم يقحمون أنفسهم على قبر الرسول ظلماً.

١- يونس ١٠ : ٣٥.

٥١٨

(٩٤) مولوي فيروز (شافعي / سيرلانكا)

ولد عام ١٣٩٩ه (١٩٧٩م) في دولة ﴿سيرلانكا﴾، ونشأ في أُسرة مسلمة شافعية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس، وإلى جانب ذلك تلقّى التعاليم الدينيّة في معهد ﴿منهج الهدى﴾ باللغة العربية وتخرج منه عام ١٩٩٨م.

يقول ﴿مولوي فيروز﴾ حول مرحلة ما بعد استبصاره وهدايته إلى سبيل الرشاد إنني أبلغ مذهب أهل البيت عليهم‏السلام على قدر الاستطاعة ؛ أسرتي بالدرجة الأولى، زملائي وغيرهم.

وحيث إنّي معلم في المرحلة الثانوية، فعندما أدرّس الطلبة أحاول أن أوضح لهم الحقائق مع أدلّتها أثناء الدرس.

إلى جانب ذلك قمت بترجمة عدّة كتب حول أهل البيت عليهم‏السلام إلى اللغة التاميلية ضمن نشاطاتي التبليغية، خصوصاً في مجال الإمامة.

الأدلّة العقليّة على وجوب النصّ على الإمامة:

ذهب الشيعة الإمامية إلى أنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنص من قبل اللّه‏ سبحانه وتعالى، لا بالتعيين من جانب الناس ولا مبايعة أهل الحل والعقد.

٥١٩
وقالت العباسية: إنّ الطريق إلى تعيين الإمام النصّ أو الميراث.

وقالت الزيدية: تعيين الإمام بالنص أو الدعوة إلى نفسه. وأمّا باقي المسلمين فقد قالوا بأنّ الطريق إنّما هو النص أو اختيار أهل الحلّ والعقد(١).

والأدلّة على ما ذهب إليه الإمامية عديدة منها:

الدليل الأوّل: يجب أن يكون الإمام معصوماً، وإلاّ صحّ منه فعل الحرام، وباتباعه من جهة الجمهور ينتقض الغرض من إقامته وهو إصلاح الأمّة وردعها عن المحرّمات، وإذا كان الإمام معصوماً والحال أنّ العصمة أمرٌ خفيّ، لزم أن يكون النصّ عليها من جانب اللّه‏ سبحانه لأنّه وحده يعلمها.

الدليل الثاني: يجب أن يكون الإمام أعلم من غيره، والأعلمية أيضاً من الأُمور الخفيّة، ولو فرض لبعض الناس الاطلاع عليها، فإنّ الاختلاف بينهم في تعيين الواجد لها غير مأمون، وفي ذلك أيضاً نقض للغرض الذي من أجله يحتاج إلى الإمام وهو هدايتهم بعلمه الكامل.

الدليل الثالث: لقد ثبت بالعقل والنقل أنّ شفقة اللّه‏ بعباده وهدايتهم إلى طريق

السداد وإرشادهم إلى ما فيه صلاح معاشهم بلا حدّ ولا غاية.

فقد ورد في السنّة الشريفة في عدّة مواضع ما يدلّ على كمال رأفته ونهاية شفقته بالعباد، فلم يهمل حتّى بيان كيفية الأعمال الجزئية كحلاقة الشعر وقص الشارب وكيفية الدخول لقضاء الحاجة والخروج منه والاستنجاء وغيرها من الأُمور الجزئية التي أوردها على لسان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بالتفصيل ليُفهمها سائر العباد.

فإذا كان هذا حدّ اللطف منه تعالى فمن الواضح أنّ تعيين الخليفة بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ليظهر ضبط الشريعة ونسق قاعدة الدين والملّة ويحفظ الناس من الشر

١- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٤٩٥.

٥٢٠