×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 1 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

التحريف بالنقصان حسب الروايات

إنّ الروايات الواردة في كتبنا نحن الإماميّة ، في ما يتعلّق بموضوع نقصان القرآن الكريم ، يمكن تقسيمها إلى أقسام عديدة ، وهذا التقسيم ينطبق في رأيي على روايات أهل السنّة أيضاً ; لأنّي أُريد أن أبحث عن المسألة بحثاً موضوعيّاً ، ولست في مقام الدفاع أو الردّ :

القسم الأوّل : الحمل على اختلاف القراءات

إنّ كثيراً من الروايات الواردة في كتبنا وفي كتبهم قابلة للحمل على اختلاف القراءات ، وهذا شيء موجود لا إنكار فيه ، الاختلاف في القراءات شيء موجود ، في كتبنا موجود ، في رواياتنا ، وفي روايات متعدّدة .

إذاً ، لو أنّ شيعيّاً أراد أن يتمسّك برواية قابلة للحمل على الاختلاف في القراءة ليُفحم الخصم بأنّك تقول بتحريف القرآن ، أو في رواياتكم ما يدلّ على تحريف القرآن ، هذا غير صحيح ، كما لا يصحّ للسنّي أن يتمسّك بهكذا روايات موجودة في كتبنا .

فهذا قسم من الروايات .

القسم الثاني : ما نزل لا بعنوان القرآن

نزل عن الله سبحانه وتعالى ، ونزل بواسطة جبرئيل ، لكن لا بعنوان القرآن ، وقد وقع خلط كبير بين القسمين : ما نزل من الله سبحانه وتعالى على رسوله بعنوان القرآن ، وما نزل من الله سبحانه وتعالى على رسوله لا بعنوان القرآن ، وقع خلط كبير بين القسمين من الروايات ، وهذا موجود في رواياتنا وفي رواياتهم أيضاً .

القسم الثالث : ما يصحّ حمله على نسخ التلاوة

وهذا البحث بحثٌ أصوليّ ، ولابدّ أنّكم درستم أو ستدرسون هذا الموضوع ،

٢١

مسألة النسخ كما في الكتب الأصوليّة .

فبناءً على نسخ التلاوة ، ووجود نسخ التلاوة ، وأن يكون هناك لفظ لا يتلى إلاّ أنّ حكمه موجود ، إذ النسخ ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

١ ـ منسوخ اللفظ والحكم .

٢ ـ منسوخ الحكم دون اللفظ .

٣ ـ ومنسوخ اللفظ دون الحكم .

هذه ثلاثة أقسام في النسخ ، يتعرّضون لها في الكتب الأُصوليّة ، وفي علوم القرآن أيضاً يتعرّضون لهذه البحوث .

فلو أنّا وافقنا على وجود نسخ التلاوة ، فقسم من الروايات التي بظاهرها تدلّ على نقصان القرآن ، هذه الروايات قابلة للحمل على نسخ التلاوة .

القسم الرابع : الروايات القابلة للحمل على الدعاء

فهناك بعض الروايات تحمل ألفاظاً توهّم أنّها من القرآن ، والحال أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو بها ، هذه أيضاً موجودة في كتبهم وفي كتبنا .

وتبقى في النتيجة أعداد قليلة من الروايات هي لا تقبل الحمل ، لا على نسخ التلاوة ـ بناءً على صحّته ـ ولا على الحديث القدسي ، ولا على الاختلاف في القراءات ، ولا على الدعاء ، ولا على وجه آخر من الوجوه التي يمكن أن تحمل تلك الروايات عليها ، فتبقى هذه الروايات واضحة الدلالة على نقصان القرآن .

البحث في سند الروايات

حينئذ تصل النوبة إلى البحث عن سند تلك الروايات ; لأنّ الرواية إنّما يصحّ الاستناد إليها في مسألة من المسائل ، في أي باب من الأبواب ، إنّما يصحّ التمسّك برواية إذا ما تمّ سندها ، وتمّت دلالتها على المدعى .

٢٢

فلو فرضنا أنّ الرواية لا تقبل الحمل على وجه من الوجوه المذكورة وغيرها من الوجوه ، فحينئذ تبقى الرواية ظاهرة في الدلالة على نقصان القرآن ، فتصل النوبة إلى البحث عن سندها .

هنا نقطة الخلاف بيننا وبين أهل السنّة ، ومع الأسف فإنّنا وجدنا الروايات التي تدلّ دلالة واضحة على نقصان القرآن ولا تقبل الحمل على شيء من الوجوه الصحيحة أبداً ، وجدنا تلك الروايات كثيرةً عدداً وصحيحة سنداً في كتب أهل السنّة .

اللهمّ ، إلاّ أن نجد في المعاصرين ـ كما نجد مَن يقول بما نقول ـ بأنْ لا كتاب صحيح عند السنّة من أوّله إلى آخره أبداً(١) ، ونحن أيضاً منذ اليوم الأوّل قلنا بالنسبة إلى كتبهم : إنّهم تورّطوا عندما قالوا بصحّة الكتب الستّة ولا سيّما الصحيحين ، ولاسيّما البخاري بناءً على المشهور بينهم ، حيث قدّموه على كتاب مسلم ، وقالوا بأنّه أصحّ الكتب بعد القرآن المجيد ، تورّطوا في هذا .

نعم ، نجد الآن في ثنايا كتب المعاصرين ، وفي بعض المحاضرات التي تبلغنا عن بعضهم ، أنّهم ينكرون أو ينفون القول بصحّة الكتابين أيضاً ، وهذا يفتح باباً لهم ، كما يفتح باباً لنا .

وأمّا بناءً على المشهور بينهم من صحّة الصحيحين والكتب الأربعة الأُخرى ، بالإضافة إلى كتب وإن لم تسمّ بالصحاح إلاّ أنّهم يرون صحّتها ككتاب المختارة للضياء المقدسي ، الذي يرون صحّته ، والمستدرك على الصحيحين ، حيث الحاكم يراهُ صحيحاً ، وغيره أيضاً ، ومسند أحمد بن حنبل الذي يصرّ بعض علمائهم على صحّته من أوّله إلى آخره ، وهكذا كتب أُخرى .

فماذا يفعلون مع هذه الروايات ؟ وماذا يقولون ؟ روايات لا ريب في دلالتها على التحريف ، يعني كلّما حاولنا أن نحملها على بعض المحامل الصحيحة

١- انظر : أضواء على السنة المحمّدية : ٢٩٧ ـ ٣٣٠ ، أضواء على الصحيحين : ٨٥ ، دراسات في الحديث والمحدّثين : ١٦٥ .

٢٣

ونوجّهها التوجيه الصحيح ، لا نتمكّن . . .

أمّا نحن ، فقد تقرّر عندنا منذ اليوم الأوّل ، أنْ لا كتاب صحيح من أوّله إلى آخره سوى القرآن ، هذا أوّلاً .

وثانياً : تقرّر عندنا أنّ كلّ رواية خالفت القرآن الكريم فإنّها تطرح .

نعم ، كُلّ خبر خالف الكتاب بالتباين فإنّه يطرح ، إن لم يمكن تأويله ، وفرضنا أنّ هذا القسم الأخير لا يمكن تأويله .

نعم ، في رواياتنا ـ ونحن لا ننكر ـ توجد روايات شاذّة ، قليلة جدّاً ، هذه لا يمكن حملها على بعض المحامل .

لكن هذه الروايات أعرض عنها الأصحاب ، السيّد المرتضى رحمة الله عليه المتوفّى قبل ألف سنة تقريباً يدّعي الإجماع على عدم نقصان القرآن ، مع وجود هذه الروايات الشاذّة ، يدّعي الإجماع على ذلك(١) ، فيدلّ على إعراضهم عن هذه الروايات وعدم الاعتناء بها ، وكذلك الطبرسي في «مجمع البيان»(٢) ، والشيخ الطوسي في «التبيان»(٣) ، وهكذا كبار علمائنا(٤) .

والأهمّ من ذلك كلّه ، لو أنّكم لاحظتم كتاب «الاعتقادات» للشيخ الصدوق ، فنصّ عبارته : «ومن نسب إلينا أنّا نقول : إنّه ـ أكثر من ذلك ـ فهو كاذب»(٥) .

١- نقله عنه مجمع البيان لعلوم القرآن ١ : ١٨ ، وقال إنّه (استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات ، ولم نجده في المجموعة الثانية والثالثة منها ، وربما كان في المجموعة الأولى التي لم نعثر عليها .

٢- مجمع البيان لعلوم القرآن ١ : ١٨ .

٣- التبيان في تفسير القرآن ١ : ٣ و٤ .

٤- أعرض علمائنا الكبار عن الاعتناء بهذه الروايات قديماً وحديثاً ، وممن صرح بالإجماع منهم على عدم التحريف الشيخ جعفر الجناجي في كشف الغطاء ٣ : ٤٥٣ ، كتاب القرآن ، المبحث السابع والثامن والسيّد محسن الأمين فى أعيان الشيعة ١ : ٤٤ ، والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في أصل الشيعة وأصولها : ٢٢٠ ، مبحث النبوة .

٥- الاعتقادات للشيخ الصدوق (ضمن مصنفات الشيخ المفيد ٥) : ٨٤ ، وقال قبل هذا الكلام ما نصه : (اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمّد (صلى الله عليه وآله) هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك . . .) .

٢٤

مع العلم بأنّ الصدوق نفسه يروي بعض الروايات الدالّة على التحريف في بعض كتبه ، وقد تقرّر عندنا في الكتب العلميّة أنّ الرواية أعمّ من الاعتقاد ، ليس كلّ راو لحديث يعتقد بما دلّ عليه الحديث ، تشهد بذلك عبارة الصدوق رحمة الله عليه الذي هو رئيس المحدّثين ، فإنّه قد يروي بعض الروايات التي هي بظاهرها تدلّ ـ على نقصان القرآن(١) ، لكنّه يقول : «من نسب إلينا أنّا نقول : إنّه ـ أكثر من ذلك فهو كاذب ـ .

إذاً ، لا يقول بمضامين هذه الروايات ، فهذه نقطة أُخرى .

لقد تتبّعت كتبنا منذ القديم ، كتبنا في الحديث ، كتبنا في التفسير ، كتبنا في علوم الحديث ، وفي الأُصول أيضاً ، وفي الفقه أيضاً في أبواب القراءة حيث تطرح مسألة نقصان القرآن ، فلم أجد من علمائنا الكبار الذين يُرجع إليهم ويعتمد عليهم في المذهب من يقول بنقصان القرآن بعدد أصابع اليد الواحدة .

إلاّ أنّك إذا راجعت كتاب البخاري الذي التزم فيه بالصحة ، وإذا راجعت كتاب مسلم الذي التزم فيه بالصحة ، والكتب الأُخرى ، ككتاب «مسند أحمد» وغيره وغيره . . . بل لقد ذكرت في كتابي في هذا الموضوع اسم أربعين عالماً من كبار علماء القوم ، في مختلف القرون ، يروون أحاديث التحريف ، ومن بينهم أكثر من عشرة يلتزمون بصحّة تلك الأحاديث التي رووها في كتبهم(٢) ، فلو أردنا أن ننسب هذا القول إلى قوم من المسلمين فبالأحرى أن ينسب إلى . . .

أمّا نحن ، فلا نقول هكذا ; لأنّه قد قلنا : إنّ البحث على صعيد الأقوال يجب أن لا يختلط بالبحث على صعيد الأحاديث ، ففي الأقوال نجدهم أيضاً يدّعون الإجماع على عدم نقصان القرآن .

١- لاحظ كتابه ثواب الاعمال : ١٣٧ ، ومن لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٦ ، ح ٤٩٩٨ .

٢- التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف : ١٧٧ ـ ١٩٢ .

٢٥

إذاً ، القرآن غير ناقص ، لا عندنا ولا عندهم ، ولو كان هناك قول فهو قول شاذّ منّا ومنهم ، لكنّ الروايات عندهم كثيرة ، وهي عندهم صحيحة ، أكثرها عن عمر بن الخطّاب ، وعن عائشة ، وعن أبي موسى الأشعري ، وعن زيد بن ثابت ، وعن عبد الله بن العباس ، وعن جماعة آخرين من كبار القرّاء عندهم ، من أُبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، هم يروون تلك الأحاديث ، ولا يوجد عُشر أعشارها في كتبنا .

إلاّ أنّ الطريق الصحيح أن نقول ببطلان هذه الأحاديث كما يقولون ، ويبقى عليهم أن يرفعوا اليد عن صحّة الصحيحين والصحاح الستّة ، فلو رفعوا اليد عن هذا المبنى المشتهر بينهم ، وأيضاً رفعوا اليد عمّا اشتهر بينهم من عدالة الصحابة أجمعين ، فلو أنّا وجدناهم لا يقولون بعدالة الصحابة ، ووجدناهم لا يقولون بصحّة الصحيحين أو الصحاح ، ارتفع النزاع بيننا وبينهم ; لأنّ النزاع سيبقى في دائرة الروايات الموجودة في كتبهم ، إذ المفروض أنّهم على صعيد الأقوال لا يقولون بتحريف القرآن وإنْ كنت عثرت على أقوال أيضاً منهم صريحة في كون القرآن ناقصاً .

كتاب فصل الخطاب

إلاّ أنّهم ما زالوا يواجهون الطائفة الشيعيّة بكتاب «فصل الخطاب» للميرزا النوري ، صحيح أنّ الميرزا النوري من كبار المحدّثين ، إنّنا نحترم الميرزا النوري ، الميرزا النوري رجل من كبار علمائنا ، ولا نتمكّن من الاعتداء عليه بأقلّ شيء ، ولا يجوز ، وهذا حرام ، إنّه محدّث كبير من علمائنا ، لكنّكم لم تقرأوا كتاب «فصل الخطاب» ، لربّما قرأتم كتباً لبعض الهنود ، أو الباكستانيين ، أو بعض الخليجيين ، أو بعض المصريين ، الذين يتهجّمون على الشيعة ، ولا يوجد عندهم في التهجّم إلاّ نقاط منها مسألة تحريف القرآن ، وليس عندهم إلاّ الميرزا النوري وكتاب «فصل الخطاب» ، هذا تقرؤونه ، وما زالوا يكرّرون هذا ، ما زالوا وحتّى يومنا هذا ، بعضهم يحاول أن ينسب إلى الطائفة هذا القول من أجل كتاب «فصل الخطاب» ، ولكنّكم

٢٦

لو قرأتم كتاب «فصل الخطاب» لوجدتم خمسين بالمائة من رواياته من أهل السنّة أو أكثر من خمسين بالمائة ، ولوجدتم أنّ «فصل الخطاب» يشتمل على الروايات المختلفة التي تقبل الحمل على اختلاف القراءات ، وتقبل الحمل على الحديث القدسي ، وتقبل الحمل على الدعاء ، ولا يبقى هناك إلاّ القليل الذي أشرت إليه من قبل ، والذي يجب أن يدرس من الناحية السنديّة .

وحتّى إنّي وجدت كتاباً قد أُلّف من قبل بعضهم ، نظير كتاب «فصل الخطاب» ، إلاّ أنّ الحكومة المصريّة صادرت هذا الكتاب وأحرقته بأمر من مشيخة الأزهر ، وحاولوا أن يغطّوا على هذا الأمر ، فلا ينتشر ولا يسمع به أحد ، إلاّ أنّ الكتاب موجود عندنا الآن في قم ، كتاب صادرته الحكومة المصريّة .

والفرق بيننا وبينهم ، أنّا إذا طبع عندنا كتاب «فصل الخطاب» مرّةً واحدة منذ كذا من السنين ، ليست هناك حكومة تصادر هذا الكتاب ، إلاّ أنّهم لو أنّ باحثاً كتب شيئاً يضرّ بمذهبهم بأيّ شكل من الأشكال حاربوه وطاردوه وصادروا كتابه وحرّقوه وحكموا عليه بالسجن ، والكتاب الذي أشرت إليه موجود عندنا في قم ولا يجوز لي إظهاره لكم ، وقد ذكرت لكم من قبل إنّا لا نريد أن نطرح المسألة بحيث تضرّ بالإسلام والقرآن .

وعلى الجملة ، فإنّ هذا الموضوع يجب أن يبحث عنه في دائرة البحث العلمي الموضوعي ، وعلى صعيدي الأقوال والروايات كلاًّ على حدة ، بحيث يكون بحثاً موضوعيّاً خالصاً بحتاً ، ولا يكون هناك تهجّم من أحد على أحد ، ولو أنّ السنّي أراد أن يواجه شيعيّاً عالماً مطّلعاً على هذه القضايا لأفحم في أوّل لحظة ، ولكنّهم ينشرون كتبهم على مختلف اللغات وبأشكال مختلفة ، ولربّما حتّى في موسم الحجّ يوزّعون كتبهم على الحجّاج ، حتّى ينتشر هذا الافتراء منهم على هذه الطائفة ، إلاّ أنّ واحداً منهم لا يستعدّ لأنْ يباحث في مثل هذا الموضوع الحسّاس الذي طالما حاولوا أن يخصموا به هذه الطائفة المظلومة منذ اليوم الأوّل .

٢٧

إنّ الفرق بيننا وبينهم هو أنّهم دائماً يحاولون أن يغطّوا على مساوئهم وسيّئاتهم ، ثمّ يتهجّمون على الآخرين بالافتراء والشتم ، ولست بصدد التهجّم على أحد ، وإنّما البحث ينجرّ أحياناً وينتهي إلى ما لا يقصده الإنسان .

فنرجع إلى ما كنّا فيه وحاصله : أمّا على صعيد الروايات ، فروايات التحريف بمعنى نقصان القرآن في كتب أُولئك القوم هي أكثر عدداً وأصحّ سنداً ، ومن أراد البحث فأهلاً وسهلاً ، أنا مستعد أن أُباحثه في هذا الموضوع .

٢٨

التحريف بالنقصان حسب الأقوال

وأمّا على صعيد الأقوال ، فنحن وهم متفقون على أنّ القرآن الكريم سالم من النقصان ، وليس فيه أيّ تحريف بمعنى النقصان ، ولم يقع فيه أيّ نقيصة ، هذا متّفق عليه بين الطائفتين ، ولا يُعبأ بالشذوذ الموجود عندنا وعندهم .

فالقرآن مصون من التحريف ، سالم من النقيصة ، ليس بيننا وبين الفرق الأُخرى من المسلمين خلاف في أنّه القرآن العظيم الكريم الذي يجب أن يُتلى ، يجب أن يتّبع ، يجب أن يتحاكم إليه ، يجب أن ينشر ، يجب أن يُدرس ، وإلى آخره ، هذا هو القرآن .

إلاّ أنّ في ثنايا أحاديثهم ما يضرّ بهذا القرآن ، ممّا نقل عن عثمان بسند صحيح : «إنّ فيه لحناً»(١) ، وعن ابن عبّاس : «إنّ فيه خطأ» ، وعن آخر : «إنّ فيه غلطاً»(٢) ، وهذه الأشياء غير موجودة في رواياتنا أبداً ، والمحقّقون من أهل السنّة يعرضون عن هذه النقول ، وقول بعض الصحابة : «حسبنا كتاب الله»(٣) ، فالغرض منه شيء آخر ، كان الغرض من هذه المقولة عزل الأُمّة عن العترة الطاهرة ، وعزل العترة عن الأُمّة ، وعلى فرض صحّة الحديث القائل : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي» ، فقد عزلوا السنّة عن الأُمّة والأُمّة عن السنّة أيضاً عندما قالوا : «حسبنا كتاب الله» ، لكنّ قولهم : «حسبنا كتاب الله» يقصد منه شيء آخر أيضاً ، أليس الوليد قد رماه ومزّقه ، ألم يقل :

إذا ما جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْر *** فَقُلْ يا ربِّ مزّقَني الوَليدُ(٤)

١- الدر المنثور ٢ : ٢٤٦ ، تاريخ القرآن : ٥٦ .

٢- الاتقان في علوم القرآن ١ : ٥٣٨ .

٣- مسند أحمد ١ : ٣٢٥ ، صحيح البخاري ٥ : ١٣٨ ، باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله) ، صحيح مسلم ٥ : ٣٦ باب الأمر بقضاء النذر ، والمقولة لعمر بن الخطاب .

٤- تفسير القرطبي ٩ : ٣٥٠ ، الكامل في التاريخ ٥ : ٢٩٠ .

٢٩

أليس عبد الملك بن مروان الذي هو خليفة المسلمين عندهم ، عندما أُخبر أو بُشّر بالحكم وكان يقرأ القرآن قال : هذا فراق بيني وبينك ؟ !(١)

إذاً ، لم يبق القرآن كما لم تبق العترة ولم تبق السنّة .

أكانت هذه الخطّة مدبّرة ، أو لا عن عمد قال القائل كذا وانتهى الأمر إلى كذا ، لكنّ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِب عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ﴾(٢) .

١- تاريخ بغداد ١٠ : ٣٨٩ ، البداية والنهاية ٩ : ٧٦ .

٢- آل عمران : ١٤٤ .

٣٠

ملحق البحث(١)

١ ـ حول قرآن عليّ (عليه السلام)

هذا الموضوع تعرّضت له في بحثي حول تحريف القرآن(٢) ، فهو يشكّل فصلاً من فصول الكتاب ، أو شبهةً من شبهات تحريف القرآن ، صحيح أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) جمع القرآن ، وقد أشرت إلى هذا من قبل ، فالإمام جاء بالقرآن إليهم ، فرفضوه ، وهذا أيضاً موجود ، كان لعليّ قرآن ، هذا موجود والكلّ يذكره ، عليّ جمع القرآن ، الكلّ يذكره ، حتى جاء في «فهرست النديم» أيضاً : «إنّ قرآن عليّ كان موجوداً عند أحد علماء الشيعة الكبار في عصر النديم» ، أتذكر يقول : «رأيته عند أبي يعلى حمزة الحسني» ، فهذا القرآن الآن موجود عند الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه كسائر المواريث الموجودة عنده .

ويختلف هذا القرآن عن القرآن الموجود الآن في الترتيب أوّلاً ، ويختلف عن القرآن الموجود في أنّ عليّاً قد أضاف في هوامش الآيات بعض الفوائد التي سمعها من النبي والمتعلّقة بتلك الآيات ، ذكرها في الهوامش .

أمّا أن يكون ذلك القرآن يختلف عن هذا القرآن في ألفاظه ، أي في سور القرآن ومتن القرآن ، هذا غير ثابت عندنا ، غاية ما هناك أنّه يختلف مع هذا القرآن الموجود في الترتيب ، وفي أنّ فيه إضافات أمير المؤمنين تتعلّق بالآيات وقد سمعها من النبي ، فكتبها في هوامش تلك الآيات ، إذاً ، هذا الموضوع لا علاقة له بمسألة نقصان القرآن .

وهذا القرآن موجود عند الإمام الثاني عشر (عليه السلام) كما في رواياتنا .

١- يعقب المركز ندواته العقائدية بالإجابة على الأسئلة ، وتتميماً للفائدة نذكر في هذا الملحق الإجابة على بعض الأسئلة مع الاختصار وحذف الأسئلة والاكتفاء بوضع عنوان لكل سؤال .

٢- التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف : ٨٩ .

٣١

٢ ـ موقف العلماء من الميرزا النوري وكتابه

لقد ردّ عليه العلماء ، وكتبت ردود كثيرة على كتابه ، من المعاصرين له ومن كبار علمائنا المتأخرين عنه ، هناك كتاب في الرد على «فصل الخطاب» ، كتاب كبير وضخم ، ردّ على روايات «فصل الخطاب» واحدة واحدة ، ونظر فيها واحداً واحداً ، وهذا المؤلّف معاصر له ، إلاّ أنّ هذا الكتاب غير مطبوع الآن .

ولاحظوا أنتم كتاب «آلاء الرحمن في تفسير القرآن» للشيخ البلاغي الذي هو معاصر للشيخ النوري ، لاحظوا هذا الكتاب وانظروا كيف يردّ عليه بشدّة .

أمّا أنْ نكفّره ونطرده عن طائفتنا ونخرجه عن دائرتنا ، كما يطالب بعض الكتّاب المعاصرين من أهل السنّة ، فهذا غلط وغير ممكن أبداً ، وهل يفعلون هذا مع كبار الصحابة القائلين بالنقصان ، ومع كبار المحدّثين منهم الرواة لتلك الأقوال ؟

هذا ، وشيخنا الشيخ آقا بزرك الطهراني تلميذ المحدّث الميرزا النوري ، في كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ، تحت عنوان «فصل الخطاب» ، يصرُّ على أنّ الميرزا النوري لم يكن معتقداً بمضامين هذه الروايات ، ولم يكن معتقداً بكون القرآن ناقصاً ومحرّفاً(١) ، فهذا ما يقوله شيخنا الشيخ الطهراني الذي هو أعرف بأحوال أُستاذه وبأقواله ، وهذا كتاب «الذريعة» موجود ، فراجعوه .

ولو سلّمنا أنّ الشيخ النوري يعتقد بنقصان القرآن ، فهو قوله ، لا قول الطائفة ، قول الواحد لا ينسب إلى الطائفة ، وكلّ بحثنا عن رأي الطائفة ، ولم يكن بحثنا عن رأي الشيخ النوري ، كنّا نبحث عن مسألة التحريف على ضوء الأقوال عند الطائفة كلّها ، على ضوء الروايات عند الطائفة كلّها ، لا على رأي واحد أو اثنين ، وإلاّ لذكرت خمسين عالماً كبيراً هو أكبر من الشيخ النوري وينفي التحريف .

٣ ـ حول جمع القرآن الموجود

إنّه لم يكن لأئمّتنا عليهم السلام دور في جمع هذا القرآن الموجود ، إلاّ أنّهم

١- انظر : الذريعة الى تصانيف الشيعة ١٦ : ٢٣١ ـ ٢٣٢ .

٣٢

كانوا يحفظون هذا القرآن ، ويتلون هذا القرآن ، ويأمرون بتلاوته ، وبالتحاكم إليه ، وبدراسته ، ولا تجد عنهم أقلّ شيء ينقص من شأنه .

القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مكتوباً على الخشب والحجر وأشياء أُخرى كانوا يكتبون عليها ، وكانت هذه مجتمعةً في مكان واحد ، إلاّ أنّها غير مرتّبة ، ومبعثرة غير مدوّنة ، عند أبي بكر ، ثمّ عند عمر ، ثمّ عند حفصة ، حتّى جاء عثمان وقد حصل الترتيب على الشكل الموجود الآن في زمن عثمان .

إلاّ أنّكم لو تلاحظون روايات القوم في كيفيّة جمعه وتدوينه ، لأخذتكم الدهشة ، ولا شيء من مثل تلك الروايات في كتب أصحابنا .

وعندما أرادوا جمع القرآن وتدوينه وترتيبه ، طالبوا من كَتبَ قرآناً لنفسه بإحضار نسخته ، فأخذوها وأحرقوها ، أمّا قرآن عليّ (عليه السلام) فهو باق كما ذكرنا من قبل .

٤ـ مسألة تهذيب كتب الحديث من مثل هذه الروايات

أمّا كتب أصحابنا فهي تشتمل على روايات تدلُّ على الجبر ، وأُخرى على التفويض ، وهكذا أشياء أُخرى ممّا لا نعتقد به ، ولذلك أسباب ليس هنا موضع ذكرها ، ولكنّ الذي يسهّل الخطب أنّه لا يوجد عندنا كتاب صحيح من أوّله إلى آخره سوى القرآن الكريم ، بخلاف كتب القوم ، فقد ذكرنا أنّ كثيراً منهم التزم فيها بالصحّة ، والروايات الباطلة في كتبهم كثيرة جدّاً ، وقد حصلت عندهم الآن فكرة تهذيب كتبهم ، ولكنّ هذا أمر عسير جدّاً ولا أظنّهم يوفّقون .

نعم ، شرعوا بتحريف كتبهم في الطبعات الجديدة ، خاصّةً فيما يتعلّق بمسائل الإمامة والخلافة ، من مناقب علي وأهل البيت عليهم السلام ، ومساوىء مناوئيهم ، وقد سمعت بعضهم في المدينة المنوّرة أنّه قد قرّروا إسقاط سبعين حديثاً من أحاديث صحيح مسلم من هذا القبيل .

هذا ، ومن شاء الوقوف على تفاصيل القضايا والمسائل في موضوع تحريف القرآن فليرجع إلى كتابنا «التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف» .

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .

٣٣

( ٢ ) العصمة حقيقتها ـ أدلّتها

الشيخ محمّد حسين الأنصاري

٣٤
٣٥

بسم الله الرحمن الرحيم

مُـقـدِّمـة

الحمدُ للّه ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله المعصومين .

أمّا بعد ; فإنّ الإمام : «هو الإنسان الذي له الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا بالأصالة في دار التكليف»(١) .

ويُقصد هنا بقيد «الأصالة» ، أيّ أنّ الإمامة من قبل الباري عزّ وجلّ ، لامن قبل أىّ أحد سواه حتّى وإن كان نبيّاً أو مرسلاً ، إذ سلطنة الباري عزّ وجلّ على مخلوقاته تكونُ أولاً وبالذّات ، ثُمَّ تلك تترشح لمن يشاء كيف يشاء فتكون سلطنة أىّ شخص آخر حينئذ بالتّبع لا بالأصالة ، وهذا واضح .

ولعلّ هذا التعريف من أشدّ التعاريف للاِمام وأقومها طرداً وعكساً . وهو مختار بعض علمائنا .

وقد عُرف الإمام أيضاً بأنّه : «هو الذي له الرياسة العامّة في أمور الدين والدنيا خلافةً عن النبي (صلى الله عليه وآله)»(٢) .

وبملاحظة التعريفين يظهر الفرق بينهما .

وعلى كلِّ حال ، فإنّ الإمامة ليست بيد الاُمّة ولا يكون تعيين الإمام من قِبَلها أبداً ، وقد أثبت علماؤنا ذلك في كتبهم بما يغني الباحث عن الحقّ(٣) .

١- رياض السالكين ٦ : ٣٨٧ ، نهج الإيمان : ٣٤ .

٢- خلاصة عبقات الأنوار ٩ : ٣٢٦ نقلاً عن القوشجي ، شرح المقاصد للتفتازاني ٢ : ٣٧٢ .

٣- مقتبس من روايات أهل البيت(عليهم السلام) راجع شرح أصول الكافي ٥ : ١١١ ، الغيبة للنعماني : ١١٦ ، الكليني والكافي : ٣٥٩ ، تأويل الآيات ١ : ٤٢١ ، معالم المدرستين ١ : ١٩٣ وغيرها من المصادر .

٣٦

ومن الشروط الأساسية لهذا المنصب المهم : العصمة التي هي أمرٌ خفىٌ غير ظاهر لا يعلمه إلاّ اللّه سبحانه ، ولذلك فإنّه هو الذي يشير إليها ، ويعيّن المتصف بها .

وقد وضعنا هذه الرسالة للبحث عنها وعن أدلّتها . . .

ومن الأسئلة المهمّة التي يمكن لها أن تستقرَّ في الذهن :

هل بالعصمة نعرف الإمام ؟ ! أم بالإمام نعرف العصمة ؟ !

أي هل من ثبتت لهُ العصمة كان إماماً؟! أم من ثبتت له الإمامة كان معصوماً؟!

وبتعبير آخر : ـ أيُّهما المقدّم ؟ ! فبعضهم أحبَّ تقديم الأوّل ، وآخرون أحبوا تقديم الثاني .

إلاّ أننا نجد أنّ هناك فرقاً واضحاً بين المقامين .

فالإمام الذي يكون نبيّاً يجب أن نثبت نبوّته أولاً ، ولا تثبت إلاّ بالمعجز وبادعائه معه النبوّة ، فحينئذ تبعاً لذاك نُثبتُ عصمته . هذه هي طريقة إثبات عصمة الأنبياء والرسل .

ولو كان الإمام مختفياً بحيث انقطع أثره وخبره وذكرهُ من الناس فنسوه كليّاً ، فحينئذ عندما يدّعي الإمامة ، عليه أن يُظهر المُعجِزَ إلى جانب الدعوى ، فتثبت له الإمامة وبها نُثبت عصمته .

وأمّا في حال معرفة الإمام ، فإنّ تعيينه من قبل المُرسَل يكشف عن كونه معصوماً .

لأنَّ العصمة أمرٌ خفىٌ لا يستطيع الناس الوصول إليها ، فالرسول هو الذي يشير إليه .

كما أنَّه باختلاف الناس في التعيين وعدمه ، أو في قولهم بالتعيين مع اختلافهم في التشخيص لابدّ من إثبات العصمة حتّى يتعيّن ذلك الشخص .

وبما أنَّه أمرٌ خفي فلابدّ أن تثبت العصمة عن طريق النصّ ، والنصّ منحصرٌ كما هو معلوم بكتاب اللّه وبسُنّة من ثبتت عصمته ، كأن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله) أو معصوماً آخر قد ثبتت عصمته بالدليل ـ بكتاب اللّه وسُنّة نبيِّه (صلى الله عليه وآله) ـ .

٣٧

فالذي أراد إثبات عصمة الأنبياء والرسل والأئمة بالطريق الأوّل عليه أن يُثبت ذاك عن طريق العقل وحده أولاً ، ثُمَّ بعد ذاك يستأنس ويعمّق استدلاله بالدليل النقلي كما هو مطلوب .

وأمّا الذي يريد أن يثبت العصمة عن الطريق الثاني المنحصر باثبات العصمة بالإمام فلابدّ أن يتلمّس الدليل عن طريق النصّ ، ويستأنس بالدليل العقلي ليؤكد مطلبه ويعززه .

والذي سنعتمده في كتابنا هذا هو تقديم الطريق الأوّل ; لأنَّ أُسَّ الافتراق كان فيه ; إذ إنّ الذين آمنوا بالرسل والأنبياء قد وقع الاختلاف بينهم في ثبوت العصمة وحدودها وسعتها ، كما سنرى ، لذا علينا تقديم الدليل العقلي ، ثم الكتاب ، ثم السُنّة بسعتها ومدى دلالتها على ذلك ، ومدى مطابقة العقل للشرع في هذا المورد بالذات .

محاولين أن نمزج بين الدليلين في مواضع مهمّة أُخرى لكي يكون الدليل أقوى وأوضح ، عندما نجد أن النقل جاء على طبق العقل ، فنتشرّف بذكر كلام المقدَّمين في شرع اللّه تعالى ونجعله مدخلاً لحديثنا .

وسيكون بحثنا في أربعة فصول :

الأوّل : في تعريف العصمة .

والثاني : في دراسة ومناقشة الأقوال المختلفة في العصمة .

والثالث : في الأدلة العقلية على العصمة .

والرابع : في إثبات العصمة عن طريق الكتاب والسُنّة .

ثُمّ ألحقنا ذلك بتتمة في إثبات عصمة الزهراء (عليها السلام) .

وبه تعالى نستعين ، وهو الهادي إلى سواء السبيل .

٣٨
٣٩

الفصل الاول تعريف العصمة

٤٠