×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 1 / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

أيدي الناس ، وهل المتصرف بالحديث هو الخطيب نفسه أو النسّاخ أو الناشرون ؟ الله أعلم .

وأكتفي من التحريفات بهذا المقدار إذ طال بنا المقام .

الطريق الرابع :

المعارضة بأحاديث يروونها في كتبهم ، يعارضون بها حديث الثقلين ، والمعارضة كما تعلمون بحث على القاعدة وأسلوب مقبول ، المعارضة معناها أنّ هناك حديثاً صحيحاً في سنده وتامّاً في دلالته ، يعارض هذا الحديث الصحيح التام دلالةً ، ولذا نحن الطلبة نقول : المعارضة فرع الحجية ، فلابدّ وأنْ يكون الخبران كلاهما حجّة ، فإذا كانا تامّين سنداً ودلالةً فيتعارضان فيكون أحدهما صدقاً والآخر كذباً ، فإنْ تمكّنّا من ترجيح أحدهما على الآخر فهو ، وإلاّ يتعارضان ويتساقطان ، فالبحث عن طريق المعارضة بحث على القاعدة .

لكن بأي شيء يعارض حديث الثقلين وهو حديث الوصيّة بالقرآن وأهل البيت ؟

يعارضون حديث الثقلين بأشياء أهمّها :

حديث الاقتداء بالشيخين ، وأيّ حديث هذا ؟ إنّهم يروونه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه قال : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » هذا الحديث موجود في بعض كتبهم ، فإذا كان حديث الثقلين أي الوصيّة بالكتاب والعترة ، دالاًّ على وجوب الاقتداء بالقرآن والعترة ، فهذا الحديث يدلّ على وجوب الاقتداء بالشيخين ، إذن يقع التعارض بين الحديثين .

الحديث الآخر المهم الذي يحاول بعض كتّاب عصرنا أنْ يعارض به حديث الثقلين ، أي الوصية بالكتاب والعترة ، هو حديث الثقلين والوصية بالكتاب والسنّة ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي » ، فحديث الوصيّة بالكتاب والعترة يدلّ على وجوب الاقتداء بالكتاب والعترة الأخذ والتمسّك بهما ،

٤٤١

وهذا الحديث يقول بوجوب الأخذ والتمسّك بالكتاب والسنّة ، إذن يقع التعارض بين الحديثين .

وهذا هو الطريق الرابع لردّ حديث الوصية بالقرآن والعترة .

أمّا الحديث الأوّل فسنبحث عنه إنْ شاء الله في إحدى الليالي الآتية ، حيث سنتعرض لأدلّة القوم على إمامة الشيخين ، وقد خصّصنا ليلةً للبحث عن تلك الأدلّة .

وأمّا حديث الثقلين والوصية بالكتاب والسنّة ، فقد كتبت فيه رسالة مستقلّة مفردة ، وهي رسالة مطبوعة ، فمن شاء فليرجع إليها .

فهذا هو الطريق الرابع .

وقد كان الطريق الأوّل : التضعيف ، والطريق الثاني : دعوى نكارة المتن ، والطريق الثالث : تحريف الحديث ، والطريق الرابع : المعارضة .

وهل من فائدة في هذه الطرق ؟ وأيّ فائدة ؟ بل المتعيّن هو :

الطريق الخامس :

وهو طريق شيخ الإسلام ! ! ابن تيميّة ، إنّه يقول : هذا الحديث كذب .

وما أسهل هذا الطريق وأيسره ، ولماذا يتعبون أنفسهم فيحرّفون الحديث ، أو يجيؤون بأحاديث فيعارضون بها حديث الثقلين ، وما الفائدة من تضعيف الحديث من ابن الجوزي ؟ فينبري للرد عليه أعلام طائفته ويخطّئونه في هذا التضعيف ، فأحسن طريق أنْ لا يصدّق بحديث الثقلين ، ويدّعي أنْ ليس هناك سند معتبر لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا » ، ولماذا يصرّ الشيعة على هذا الحديث ؟ ويبنون عليه إمامة أمير المؤمنين ؟ وهذا هو دأب شيخ إسلامهم في قبال أحاديث إمامة أمير المؤمنين ، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) .

ونعم الحكم الله بين ابن تيميّة وأمثاله وبين أهل البيت ، نعم الحكم الله وهو خير الحاكمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .

٤٤٢
٤٤٣

( ١٣ ) حديث الطير

السيّد علي الحسيني الميلاني

٤٤٤
٤٤٥

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين .

موضوع بحثنا حديث الطير .

وهو أيضاً من الأحاديث التي نستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، إنّه حديثٌ سعى المخالفون إخفاءه ، والمنع عن نقله وعن انتشاره بين المسلمين ، حتّى أدّى ذلك إلى جهل كثير من الناس ـ وربّما من أبناء الحق ـ بهذا الحديث ، هذا الحديث الشريف الذي رواه أكثر من عشرة من الصحابة .

ولابدّ من البحث حول هذا الحديث في جهات عديدة .

٤٤٦
٤٤٧

الجهة الاُولى : رواة حديث الطير وأسانيده

نبدأ بأسماء الصحابة الذين وصلتنا رواياتهم لهذا الحديث الشريف وهم :

أولا : علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ويوجد حديثه عند ابن عساكر(١) ، وغيره من كبار المحدّثين ، وأشار إليه الحاكم النيسابوري في المستدرك(٢) .

ثانياً : سعد بن أبي وقّاص ، وحديثه يوجد في حلية الأولياء(٣) لأبي نعيم الأصفهاني .

ثالثاً : أبو سعيد الخدري ، وحديثه يوجد في تاريخ ابن كثير(٤) ، وغيره ، وأشار إليه الحاكم في المستدرك(٥) .

رابعاً : أبو رافع ، وحديثه يوجد عند ابن كثير(٦) .

خامساً : أبو الطفيل، وأخرج حديثه ابن عقدة، والحاكم النيسابوري(٧)، وغيرهما.

سادساً : جابر بن عبد الله الأنصاري ، ويوجد حديثه عند ابن عساكر ، وابن كثير(٨) .

سابعاً : حبشي بن جنادة ، ويوجد حديثه عند ابن كثير(٩) .

١- تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٢٤٥ .

٢- المستدرك ٣ : ١٣٠ ـ ١٣١ .

٣- حلية الأولياء ٤ : ٣٥٦ .

٤- البداية والنهاية ٧ : ٣٨٧ .

٥- المستدرك ٣ : ١٣١ .

٦- البداية والنهاية ٧ : ٣٩٣ .

٧- المستدرك ٣ : ١٣١ .

٨- تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٢٤٥ ، البداية والنهاية ٧ : ٣٨٧ .

٩- البداية والنهاية ٧ : ٣٨٨ .

٤٤٨

ثامناً : يعلى بن مرّة ، ويوجد حديثه عند الخطيب البغدادي ، وابن كثير(١) .

تاسعاً : عبد الله بن عباس ، وحديثه عند الطبراني(٢) .

عاشراً : سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويوجد حديثه عند أبي يعلى الموصلي(٣) ، وأشار إليه الحاكم النيسابوري(٤) .

الحادي عشر : عمرو بن العاص ، ويوجد حديثه في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان ، روى ذلك الكتاب الخطيب الخوارزمي في كتاب المناقب(٥) .

الثاني عشر : أنس بن مالك ، وهو المشهور برواية هذا الحديث ، لأنّه صاحب القصّة .

وهذا الحديث الشريف وارد من طرق أصحابنا ، عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، وعن بعض الأصحاب ، حتّى أنّ أبا الشيخ الحافظ الأصفهاني روى هذا الحديث عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في كتابه ، وهو من كبار حفّاظ أهل السنّة .

فهؤلاء رواة هذا الحديث من الصحابة .

وأمّا رواته من التابعين ، فإنّ التابعين الرواة لهذا الحديث عن أنس بن مالك فقط يبلغون حدود التسعين رجلاً .

ورواه من أئمّة المذاهب :

١ ـ أبو حنيفة .

٢ ـ أحمد بن حنبل .

٣ ـ مالك بن أنس .

٤ ـ الإمام الأوزاعي ، ذلك الفقيه الكبير الذي كان يعدّ مذهبه مذهباً مستقلاً من بين المذاهب ، إلى أن حصروا المذاهب في الأربعة المشهورة .

١- تاريخ بغداد ١١ : ٣٧٦ .

٢- المعجم الكبير ٧ : ٨٢ .

٣- و المستدرك ٣ : ١٣٠ ، مسند أبي يعلى ٧ : ١٠٦ .

٤- و المستدرك ٣ : ١٣٠ ، مسند أبي يعلى ٧ : ١٠٦ .

٥- المناقب : ٢٠٠ .

٤٤٩

ومن رواته جماعة كبيرة من مشايخ البخاري ومسلم .

وكثير من رواته من رجال الصحاح الستّة عند أهل السنّة .

ولنذكر أسماء أشهر مشاهير رواة هذا الحديث من أئمّة الحديث وكبار الحفّاظ في القرون المختلفة :

١ ـ شعبة بن الحجّاج ، أمير المؤمنين في الحديث ، كما يلقّبونه .

٢ ـ الأوزاعي ، الإمام المعروف .

٣ ـ مالك بن أنس ، إمام المذهب .

٤ ـ أبو حنيفة ، صاحب المذهب .

٥ ـ أحمد بن حنبل ، صاحب المذهب .

٦ ـ أبو عاصم النبيل ، شيخ البخاري .

٧ ـ عبد الرزاق الصنعاني ، شيخ البخاري .

٨ ـ البخاري نفسه ، يروي هذا الحديث ، لكن لا في صحيحه ، بل في تاريخه الكبير ، وسنذكر نصّ حديثه فيما بعد .

٩ ـ البلاذري ، صاحب أنساب الأشراف .

١٠ ـ أبو حاتم الرازي ، الذي هو من أقران البخاري ومسلم .

١١ ـ الترمذي ، صاحب الصحيح .

١٢ ـ أبو بكر البزّار ، صاحب المسند .

١٣ ـ النسائي ، صاحب الصحيح .

١٤ ـ أبو يعلى الموصلي ، صاحب المسند .

١٥ ـ محمّد بن جرير الطبري ، صاحب التاريخ والتفسير المعروفين .

١٦ ـ ابن أبي حاتم ، صاحب التفسير ، والمحدّث الكبير الذي يعدّونه من الأبدال .

١٧ ـ ابن عبد ربّه ، في العقد الفريد .

٤٥٠

١٨ ـ أبو الحسين المحاملي ، صاحب الأمالي .

١٩ ـ أبو العباس ابن عُقدة ، له كتاب في حديث الطير .

٢٠ ـ المسعودي المؤرخ ، صاحب مروج الذهب .

٢١ ـ أبو القاسم الطبراني ، صاحب المعاجم الثلاثة .

٢٢ ـ أبو الشيخ الأصفهاني ، صاحب كتاب طبقات المحدّثين بأصفهان .

٢٣ ـ ابن السقا الواسطي ، هذا الحافظ الكبير من علماء القرن الرابع ، سنذكر قصّته في حديث الطير .

٢٤ ـ أبو حفص ابن شاهين ، له كتاب في حديث الطير .

٢٥ ـ أبو الحسن الدارقطني ، صاحب كتاب العلل .

٢٦ ـ أبو عبد الله الحاكم النيشابوري ، صاحب المستدرك ، وله كتاب بطرق حديث الطير .

٢٧ ـ أبو بكر ابن مردويه ، له كتاب في طرق حديث الطير .

٢٨ ـ أبو نعيم الأصفهاني ، صاحب حلية الأولياء وغيره من الكتب ، له كتاب في طرق حديث الطير .

٢٩ ـ أبو طاهر ابن حمدان الخراساني ، المحدّث الكبير ، له كتاب في طرق حديث الطير .

٣٠ ـ أبو بكر البيهقي ، صاحب السنن الكبرى .

٣١ ـ ابن عبد البر ، صاحب الاستيعاب .

٣٢ ـ الخطيب البغدادي ، صاحب تاريخ بغداد .

٣٣ ـ محيي السنّة البغوي ، صاحب مصابيح السنّة .

٣٤ ـ رزين العبدري ، صاحب الجمع بين الصحاح الستّة .

٣٥ ـ أبو القاسم ابن عساكر ، صاحب تاريخ دمشق .

٤٥١

٣٦ ـ ابن الأثير الجزري ، صاحب جامع الأُصول .

٣٧ ـ وأيضاً أخوه ابن الأثير الآخر ، صاحب أُسد الغابة .

٣٨ ـ الخطيب التبريزي ، صاحب مشكاة المصابيح .

٣٩ ـ أبو الحجّاج المزّي ، صاحب تهذيب الكمال وكتاب تحفة الأشراف .

٤٠ ـ شمس الدين الذهبي ، صاحب المؤلفات المعروفة المشهورة .

٤١ ـ ابن كثير الدمشقي ، صاحب التفسير والتاريخ .

٤٢ ـ أبو بكر الهيثمي ، صاحب مجمع الزوائد .

٤٣ ـ شمس الدين ابن الجزري ، صاحب المؤلفات .

٤٤ ـ ابن حجر العسقلاني ، صاحب المؤلفات ، شيخ الإسلام ، والفقيه المحدث الرجالي المعروف .

٤٥ ـ جلال الدين السيوطي ، أيضاً صاحب المؤلفات المشهورة .

٤٦ ـ ابن حجر المكي ، صاحب الصواعق .

٤٧ ـ شاه ولي الله الدهلوي ، محدّث الهند .

وكما عرفتم في خلال ذكر أسماء الرواة هؤلاء إنّ جماعة من الأعلام ومن كبار المحدّثين ألّفوا كتباً خاصة تتعلّق بطرق حديث الطير ، وهؤلاء هم :

١ ـ الطبري ، صاحب التفسير والتاريخ .

٢ ـ ابن عقدة .

٣ ـ الحاكم النيسابوري .

٤ ـ ابن مردويه .

٥ ـ أبو نعيم .

٦ ـ أبو طاهر ابن حمدان .

٤٥٢

٧ ـ الذهبي نفسه يذكر في كتابه تذكرة الحفّاظ بترجمة الحاكم النيسابوري : أنّ له كتاباً ـ أي الذهبي نفسه ـ في طرق حديث الطير(١) .

فهؤلاء رواة هذا الحديث بنحو الإجمال من الصحابة ، وأشرنا إلى أنّ عدد التابعين الرواة لهذا الحديث من أنس بن مالك وحده يبلغون حدود التسعين رجلا ، وذكرنا أشهر مشاهير علماء الحديث في القرون المختلفة الرواة لحديث الطير ، وذكرنا من ألّف في خصوص حديث الطير كتاباً .

وحديث الطير موجود في عدّة من الصحاح ، كصحيح الترمذي(٢) ، وصحيح النسائي(٣) ، وأُسد الغابة(٤) ، وأيضاً موجود في البداية والنهاية(٥) ، وفي المستدرك للحاكم(٦) ، وفي الجمع بين الصحيحين ، وفي الجمع بين الصحاح .

كما أنّ لهذا الحديث أسانيد صحيحة هي أكثر من عشرين سنداً موجودة في خارج الصحاح .

ولا أظن أنّ من يقف على هذه الأسامي ، وهذه الأسانيد ، يشك في صدور هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هذا الحديث المتفق عليه بين المسلمين ، وحينئذ ننتقل إلى الجهة الثانية .

١- تذكرة الحفّاظ ٣ : ١٠٤٢ ـ ١٠٤٣ .

٢- سنن الترمذي ٥ : ٣٠٠ .

٣- سنن النسائي ٥ : ١٠٧ .

٤- أُسد الغابة ٤ : ٣٠ .

٥- البداية والنهاية ٧ : ٣٨٧ .

٦- المستدرك ٣ : ١٣٠ .

٤٥٣

الجهة الثانية : دلالة حديث الطير على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)

إنّ حديث الطير يدلّ على إمامة أمير المؤمنين بالقطع واليقين ، وذلك ، لأنّ القضيّة التي تتعلّق بحديث الطير ، هذه القضية قد أسفرت عن كون علي (عليه السلام) أحبّ الناس إلى الله وإلى الرسول ، فكأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انتهز فرصة إهداء طير إليه ليأكله ، انتهز هذه الفرصة للإعلان عن مقام أمير المؤمنين وعن شأنه عند الله والرسول ، هذا الشأن الذي سنرى أنّ عائشة تمنّت أن يكون لأبيها ، وحفصة تمنّت لأن يكون لأبيها ، وأنس بن مالك ـ صاحب القصّة ـ حال دون أن تكون هذه المرتبة وأن يكون هذا الشأن والمقام لأمير المؤمنين ، زاعماً أنّه أراد أن يكون لأحد من الأنصار ، وربّما سعد بن عبادة بالخصوص ، بل سنقرأ في بعض ألفاظ هذا الحديث أنّ الشيخين ، وفي سند أنّ عثمان أيضاً ، جاؤوا إلى الباب ولم يتشرّفوا بالدخول على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك اللحظة التي كان يدعو الله أن يأتي إليه بأحبّ الخلق إلى الله وإلى الرسول .

فلنذكر ـ إذن ـ طائفةً من ألفاظ القصّة ، لنقف على واقع الأمر أوّلاً ، ولنطّلع على تصرّفات القوم في نقل هذا الحديث ، وكيفيّة تصرّفهم في الحديث ، إمّا اختصاراً له وإمّا نقلاً له بنحو يقلّل من أهميّة القضية فيما يتعلّق بأمير المؤمنين (عليه السلام) .

يقول الترمذي في صحيحه(١) عن أنس بن مالك : كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) طير فقال : « اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير ، فجاء علي فأكل معه» .

هذا لفظ الحديث بهذا المقدار في صحيح الترمذي ، فلا يذكر فيه دور أنس في القضيّة هذه كما سنقرأ ، ولا يذكر مجيء غير علي ورجوعه من باب رسول الله .

١- صحيح الترمذي ٦ : ٨٤ ، ح ٣٧٢١ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠ .

٤٥٤

وجاء في كتاب مناقب علي(١) لأحمد بن حنبل ما نصّه : عن سفينة خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي هو أحد رواة هذا الحديث يقول : أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين ، فقدّمت إليه الطيرين ، فقال (صلى الله عليه وآله) : «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك» ، ورفع صوته ، فقال رسول الله : «من هذا ؟» فقال : علي .

لاحظوا نصّ الحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل ، وقارنوا بينه وبين رواية الآخرين .

ولكم أن تقولوا : لعلّ الآخرين تصرّفوا في لفظ الحديث بإسقاط كلمة « ورفع صوته » فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته» ، إنّ معنى «رفع صوته» أنّه عندما كان يدعو كان يدعو بصوت عال ، لنفرض أنّ هذا معنى الحديث إلى هنا « اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته » لكن الحقيقة إنّ لفظ أحمد محرّف ، لأنّا سنقرأ في بعض الألفاظ : إنّ عليّاً عندما جاء في المرّة الأُولى فأرجعه أنس ولم يأذن له بالدخول ، وفي المرّة الثانية كذلك ، في المرّة الثالثة لمّا جاء علي رفع صوته فقال رسول الله : من هذا ؟

فمن هنا يظهر معنى « ورفع صوته » ويتبيّن التحريف ، وإلاّ فأيّ علاقة بين قوله : « اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإلى رسولك ورفع صوته » ، وقوله : فقال رسول الله من هذا ؟ فقال : علي ، أي : قال سفينة : الذي خلف الباب هو علي ، قال : افتح له ، ففتحت ، فأكل مع رسول الله من الطيرين حتّى فنيا .

فالتصرف في لفظ الحديث عند أحمد أيضاً واضح تماماً ، والتلاعب في هذا اللفظ باد بكلّ وضوح .

أمّا الهيثمي صاحب مجمع الزوائد ، فيروي هذا الحديث باللفظ التالي :

عن أنس بن مالك قال : كنت أخدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقُدّم فرخاً مشويّاً أو

١- فضائل الصحابة ٢ : ٥٦٠ .

٤٥٥

فَقدّم فرخاً مشويّاً ]يقتضي أنْ يكون : فقُدّم فرخ مشويّ ، أو فقدّم رسول الله فرخاً مشويّاً[ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ يأكل معي من هذا الفرخ» فجاء علي ودقّ الباب ، فقال أنس : من هذا؟ قال : علي ، فقلت ـ أي أنس ـ يقول : النبي على حاجة ، وفي بعض الألفاظ ، النبي مشغول ، أي لا مجال للدخول عليه ، والحال أنّ النبيّ كان مازال يدعو : «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك» ، قال : النبي على حاجة ، فانصرف علي . عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرّة أُخرى يقول : «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ يأكل معي من هذا الفرخ» ، فجاء علي فدقّ الباب دقّاً شديداً ، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال : «يا أنس من هذا؟» قال : علي ، قال : «أدخله» ، فدخل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لقد سألت الله ثلاثاً أنْ يأتيني بأحبّ الخلق إليه وإليّ يأكل معي هذا الفرخ» ، فقال علي : وأنا يا رسول الله ، لقد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «يا أنس ، ما حملك على ما صنعت ؟» قال : أحببت أن تدرك الدعوة رجلاً من قومي ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لا يلام الرجل على حبّ قومه»(١) .

في هذا الحديث جاء علي مرّتين فردّه أنس قائلاً : رسول الله على حاجة ، في المرّة الثالثة دقّ علي الباب دقّاً شديداً .

وفي بعض الألفاظ : رفع صوته فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوت علي وقال لأنس : «افتح الباب ليدخل علي » ، ثمّ اعترض عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أي على أنس ، واعتذر أنس كما في الخبر : أحببت أن تدرك الدعوة رجلاً من قومي .

لكن الحديث في تاريخ مدينة دمشق عن أبي يعلى كما يلي : حدّثنا قطن بن نسير ، حدّثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، حدّثنا عبد الله بن مثنّى ، حدّثنا عبد الله بن أنس عن أنس قال : أُهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حجل مشويّ ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام» ، فقالت عائشة : اللهمّ اجعله أبي ، وقالت حفصة : اللهمّ اجعله أبي ، قال أنس : فقلت أنا : اللهمّ اجعله سعد بن عبادة ، قال أنس :

١- مجمع الزوائد ٩ : ١٢٥ .

٤٥٦

سمعت حركة الباب ، فإذا علي ، فسلّم ، فقلت : إنّ رسول الله على حاجة ، فانصرف ، ثمّ سمعت حركة الباب فسلّم علي ، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوته ، أي رفع علي صوته ] أُريد أنْ أؤكّد أنّ لفظ أحمد محرّف [ فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوته فقال : « أُنظر من هذا ؟ » فخرجت ، فإذا علي ، فجئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرته ، فقال : « ائذن له » ، فأذنت له ، فدخل ، فقال رسول الله : « اللهمّ وإليّ اللهمّ وإليّ » .

هذا لفظ أبي يعلى(١) .

ولاحظوا الفوارق بين هذا اللفظ ولفظ الهيثمي ، ثمّ لفظ الترمذي ، ولفظ أحمد بن حنبل .

أمّا في الخصائص للنسائي ] الذي نصّ الحافظ الذهبي على أنّ كتاب الخصائص داخل في السنن ، راجعوا سير أعلام النبلاء(٢) وكذا راجعوا مقدمة تهذيب التهذيب(٣) لابن حجر العسقلاني [ فيروي النسائي هذا الحديث بسند صحيح ، مضافاً إلى أنّ كتابه داخل في السنن الكبرى للنسائي الذي يقولون بأنّ له شرطاً في هذا الكتاب أشدّ من شرط الشيخين :

عن أنس بن مالك : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان عنده طائر ، فقال : « اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر » ، فجاء أبو بكر فردّه ، ثمّ جاء عمر فردّه ، ثمّ جاء علي فأذن له(٤) .

وفي مسند أبي يعلى بنفس السند ، ترون مجيء الشيخين ومجيء عثمان أيضاً ، قال : « اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك يأكل معي من هذا الطير » ، فجاء أبو بكر فردّه ، ثمّ جاء عمر فردّه ، ثمّ جاء عثمان فردّه ، ثمّ جاء علي فأذن له(٥) .

١- تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٢٤٧ .

٢- سير أعلام النبلاء ١٤ : ١٣٣ .

٣- تهذيب التهذيب ١ : ٦ .

٤- خصائص النسائي : ٢٧ .

٥- مسند أبي يعلى ٧ : ١٠٥ ح ٤٠٥٢ .

٤٥٧

لاحظوا الفوارق بين الألفاظ ، وقد تعمّدت التدرج في النقل حتّى تلتفتوا إلى أنّهم إذا أرادوا أن ينقلوا القضيّة الواحدة وهي ليست في صالحهم ، كيف يتلاعبون باللفظ ، وكيف ينقصون من القصة ، وكيف يسقطون تلك النقاط الحساسة التي يحتاج إليها الباحث الحر المنصف في تحقيقه عن سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي فحصه عن القول الحق من بين الأقوال .

أقول : سند النسائي كما أكّدت سند صحيح ، وهو نفس السند في مسند أبي يعلى ، لكنّ بعضهم يحاول أن يناقش في سند هذا الحديث الأخير الذي نقلته عن النسائي وأبي يعلى ، يحاول أنْ يناقش في هذا السند ، ونحن نرحّب بالمناقشة ، وأيّ مانع لو كانت المناقشة مناقشة علميّة ، على كلّ منصف أن يسلّم ، وأيّ مانع لو كانت المناقشة واردة ، وحينئذ لرفعنا اليد عن هذا الحديث وتمسّكنا بغيره من الألفاظ ، أو تمسّكنا بغير هذا الحديث من الأحاديث ، وأيّ مانع ؟ لكن كيف لو كانت المناقشة ظاهرة البطلان ، واضحة التعصّب ! !

يحاول بعضهم أنْ يناقش في وثاقة أحد رجال هذا السند ، وهو السُدي ، والسُدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن ، ربّما يناقش فيه بعض ، لكنّه من رجال مسلم ، من رجال الترمذي ، من رجال النسائي ، من رجال أبي داود ، ومن رجال ابن ماجة .

ويقول أحمد بترجمته : ثقة(١) .

ويقول غيره من كبار الرجاليين : ثقة(٢) .

حتّى أنّ ابن عدي المتشدّد في الرجال يقول : هو مستقيم الحديث صدوق(٣) ، بل إنّه من مشايخ شعبة .

وقد ذكرنا أنّ شعبة أمير المؤمنين عندهم ، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة ، هكذا

١- الجرح والتعديل ٢ : ١٨٤ .

٢- معرفة الثقات ١ : ٢٢٧ .

٣- الكامل لابن عدي ١ : ٢٧٨ .

٤٥٨

يقولون ، يقولون شعبة بن الحجّاج لا يروي إلاّ عن ثقة ، وممّن يعترف بهذا المعنى أو يدّعي هذا المعنى هو ابن تيميّة ، وينقل السبكي كلامه في كتابه شفاء الأسقام(١) .

فإذا كان الرجل من رجال خمسة من الصحاح الستّة ، ويوثّقه أحمد ، ويوثّقه العجلي ، ويوثّقه ابن عدي ، ويوثّقه الآخرون من كبار الرجاليين(٢) ، فأيّ مناقشة تبقى في السُدي ليطعن الطاعن عن هذا الطريق في هذا الحديث الذي هو في نفس الوقت الذي يدلّ على فضيلة لأمير المؤمنين ، يدلّ على ما يقابل الفضيلة لمن يقابل أمير المؤمنين ؟

وهناك قرائن داخل الحديث وقرائن في خارج الحديث لا نحتاج إلى ذكرها كلّها ، بل نكتفي بالإشارة إلى بعض القرائن الداخليّة وبعض القرائن الخارجيّة فقط .

في بعض ألفاظ هذا الحديث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : « اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وأوجههم عندك »(٣) ، وهذه الإضافة موجودة في بعض الألفاظ .

وفي بعض الألفاظ : « اللهمّ أدخل عَلَيّ أحبّ خلقك إليّ من الأوّلين والآخرين »(٤) .

وربّما يدلّ هذا الحديث بهذا اللفظ على أفضليّة أمير المؤمنين من الأوّلين والآخرين ، أمّا الآخرون فالأمر فيهم سهل ، أمّا الأوّلون فإنّه يشمل الأنبياء أيضاً ، يشمل حتّى أُولي العزم منهم ، ويكون هذا الحديث بهذا اللفظ من أدلّتنا على أفضليّة أمير المؤمنين من جميع الأنبياء إلاّ النبي والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفي بعض ألفاظ الحديث يقول أنس : فإذا علي ـ أي فتحت الباب فإذا علي ـ فلمّا رأيته حسدته(٥) .

١- شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام : ٧٦ .

٢- تهذيب التهذيب ٤ : ٢٩٧ ح ٥٩٠ .

٣- شرح إحقاق الحق ٣٠ : ٢٤٨ .

٤- مناقب الإمام علي : ١٧١ ح ٢٠٠ .

٥- مناقب الإمام علي لابن مردويه : ١٤١ ح ١٦٩ .

٤٥٩

وفي بعض ألفاظ الحديث : فلمّا نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام قائماً فضمّه إليه وقال : « يا ربّ وإليّ يا رب وإليّ ، ما أبطأ بك ياعلي ؟ »(١) .

وفي لفظ آخر بعد تلك العبارات : « ما أبطأ بك يا علي ؟ » قال : يا رسول الله قد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس ، قال أنس : فرأيت الغضب في وجه رسول الله ، وقال : « يا أنس ما حملك على ردّه ؟ » قلت : يا رسول الله سمعتك تدعو ، فأحببت أن تكون الدعوة في الأنصار .

وكأنّ بهذا العذر زال غضب رسول الله ! ! ذلك الغضب الشديد الذي رآه أنس في وجهه ، زال بمجرّد اعتذاره بهذا العذر ، حتى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا اعتذر هذا العذر قال : لست بأوّل رجل أحبّ قومه ! !

وإنّي أعتقد أنّ هذا الكلام من رسول الله مفتعل عليه في حديث الطير : « لا يلام الرجل على حبّ قومه » أو « لست بأوّل رجل أحبّ قومه » ، أعتقد أنّ هذه إضافة من المحدّثين .

لكنْ لو سألتم بأيّ دليل تعتقد ؟

ليس عندي الآن دليل ، وإنّما أقول : كيف غضب رسول الله ذلك الغضب ثمّ زال غضبه بمجرّد اعتذار أنس بهذا العذر الواهي؟ بل يعتذر له رسول الله مرّةً أُخرى ، ويبدي له عذراً !! ألم يكن يعلم رسول الله بهذا : لا يلام الرجل على حبّ قومه؟ فلماذا غضب عليه إذن؟ بل قاله له رسول الله وكأنّه يلاطفه بعد ذاك الغضب الشديد ، كما في هذا الحديث : «لست بأوّل رجل أحبّ قومه ، أبى الله يا أنس إلاّ أنْ يكون ابن أبي طالب» .

وهذه قرائن داخليّة في الألفاظ ، ولو أردت أن أُعيد عليكم الألفاظ بكاملها من أوّلها إلى آخرها لطال بنا المجلس ، لكن تلك المقاطع التي نحتاج إليها ـ كقرائن داخليّة تؤيّد ما نريد أنْ نستدلّ به من هذا الحديث ـ هذه القرائن انتخبتها واستخرجتها بهذا الشكل .

١- كنز العمال ١٣ : ١٦٧ ح ٣٦٥٠٨ .

٤٦٠