×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 1 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فأجمعوا على أنّه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً وسهواً ، إلاّ شرذمة قليلة من العامّة .

وأمّا النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم :

فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال :

الأوّل : مذهب أصحابنا الإمامية : وهو أنّه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة ولا كبيرة ، لا عمداً ولا نسياناً ، ولا يخطأ في التأويل ، ولا للاسهاء من اللّه سبحانه .

ولم يخالف فيه إلاّ الصدوق ، وشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد (قدس سره) ، فإنّهما جوّزا الإسهاء ، لا السهو الذي يكون من الشيطان .

وكذا القول في الأئمة الطاهرين(عليهم السلام) .

الثاني : قول أكثر المعتزلة : وهو أنّه لا يجوز عليهم الكبائر ، ويجوز عليهم الصغائر ، إلاّ الصغائر الخسيسة المنفّرة كسرقة حبة ، أو لقمة ، وكُلّ ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضّعة .

الثالث : قول أبي علي الجبائي(١) : وهو أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ، ولا كبيرة على جهة العمد ، لكن يجوز على جهة التأويل ، أو السهو .

الرابع : قول النظام(٢) وجعفر بن مبشر ومن تبعهما : وهو أنّه لا يقع منهم الذنب إلاّ على جهة السهو والخطأ ، لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم سهواً ، وإن كان موضوعاً عن أُممهم لقوّة معرفتهم وعلو رتبتهم ، وكثرة دلائلهم ، وإنّهم يقدرون من التحفظ على ما لايقدر عليه غيرهم .

١- محمّد بن عبد الوهاب ، توفي سنة ٣٠٣ هـ ، وينسب إلى (جبّا) وهي منطقة تقع جنوب إيران ، وهو أحد علماء البصرة والفرقة التي تنسب إليه تسمى بـ (الجبّائية) وهي فرقة من المعتزلة ، راجع الوافي بالوفيات ٤ : ٥٥ .

٢- إبراهيم بن سيّار وهو تلميذ أبي الهذيل العلاّف (متكلم معتزلي) ، كان في البصرة ، وبغداد . ويعدُّ أحد اساتذة الجاحظ ، والفرقة التي تنسب إليه تسمّى بـ (النظامية) ، راجع الأعلام للزركلي ١ : ٤٣ .

٦١

الخامس : قول الحشوية(١) ، وكثير من أصحاب الحديث من العامّة : وهو أنّه يجوز عليهم الكبائر والصغائر ، عمداً وسهواً وخطأً(٢) .

ثمّ اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال :

الأوّل : وهو مذهب أصحابنا : وهو أنّه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا اللّه سبحانه .

الثاني : مذهب كثير من المعتزلة : وهو أنّه من حين بلوغهم ، ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوة .

الثالث : وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخر الرازي ، وبه قال أبو هذيل(٣) ، وأبو علي الجبائي من المعتزلة : إنّه وقت النبوّة ، وأمّا قبله فيجوز صدور المعصية عنهم .

هذا مجمل القول في الآراء حول العصمة .

أقوال علمائنا في عصمة الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)

ونقتصر بعض أقوال علمائنا ، المفيدة للعصمة المطلقة ، بالاضافة إلى ما مرَّ علينا في مطاوي البحث :

قال الشيخ المفيد (قدس سره) : «إنّ الذي أذهب إليه في هذا الباب إنّه لا يقع من الأنبياء(عليهم السلام) ذنب بترك واجب مفترض ولا يجوز عليهم خطأ في ذلك ولا سهو يوقعهم فيه ، وإن جاز منهم ترك نفل ومندوب إليه على غير القصد والتعمد ، ومتى وقع ذلك منهم عوجلوا بالتنبيه عليه فيزولون عنه في أسرع مدة وأقرب زمان ، فأما

١- وهم المحدِّثون من العامّة الذين ينفون تأويل الأحاديث ، والكتاب الكريم ، ويأخذونهما على الظواهر .

٢- بحار الأنوار ١١ : ٨٩ ـ ٩٠ .

٣- محمّد العلاّف ولد في البصرة ، وتوفي سنة ٢٣٥ هـ ، وهو أحد علماء المعتزلة ، معجم المؤلفين ١٢ : ٩١ .

٦٢

نبيّنا (صلى الله عليه وآله) خاصّة والأئمّة من ذريته(عليهم السلام) فلم يقع منهم صغيرة بعد النبوّة والإمامة ، من ترك واجب ، ولا مندوب إليه ، لفضلهم على من تقدّمهم من الحجج(عليهم السلام) ، وقد نطق القرآن بذلك ، وقامت الدلائل منه ومن غيره على ذلك للأئمّة من ذريته(عليهم السلام)»(١) .

السيّد المرتضى علم الهدى ـ (رضي الله عنه) ـ : وعندما يذكر السيّد المرتضى علم الهدى ما يحتج به على صواب جميع ما انفردت به الإمامية ، أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء ، يذكر اجماعها على ذلك الأمر ، ثمّ يبيّن سبب حجيّة ذلك الإجماع بقوله : «إنّما قلنا إنّ إجماعهم حجّة لإنّ في إجماع الإمامية قول الإمام الذي دلّت العقول على أنّ كُلّ زمان لا يخلو منه ، وإنّه معصوم لا يجوز عليه الخطأ في قول ، ولا فعل»(٢) .

الشيخ الطوسي شيخ الطائفة (قدس سره) : قال ردّاً لحديث ذي الشمالين في سهو النبي (صلى الله عليه وآله) : «وهذا ممّا تمنع العقول منه»(٣) .

وقال في «الاستبصار» : «وذلك ممّا تمنع منه الأدلة القاطعة في أنّه لا يجوز عليه السهو والغلط»(٤) .

وقال الخواجة نصير الدين الطوسي ـ (رضي الله عنه) ـ : «ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض .

ثمّ أضاف (قدس سره) ـ : وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوّة الرأي وعدم السهو ، وكلّما ينفّر عنه ، من دنائة الآباء ، وعهر الأمّهات ، والفظاظة والغلظة ، والأُبنة وشبهها ، نحو الأكل على الطريق وشبهه»(٥) .

ثم قال (قدس سره) في عصمة الإمام : «وامتناع التسلسل يوجب عصمته ، ولأنّه حافظ للشرع ، لوجوب الانكار عليه لو أقدم على المعصية فيضاد أمر الطاعة ،

١- الفصول المختارة : ١٠٣ .

٢- الانتصار : ٦ .

٣- تهذيب الأحكام ٢ : ١٨١ .

٤- الاستبصار ١ : ٣٧١ .

٥- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : ٤٧١ ـ ٤٧٢ .

٦٣

ويفوت الغرض من نصبه ، ولانحطاط درجته عن أقل العوام»(١) .

وقال العلاّمة الحلّي (قدس سره) : «وقالت الإمامية إنّه يجب عصمتهم من الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها(٢) ، ثم ساق أدلّة حول ذلك .

ثُمّ قال (قدس سره) : «ذهبت الإمامية والإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوماً ، وخالف فيه جميع الفرق»(٣) ، ثمَّ ساق الأدلّة على ذلك .

وقد علّل عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) مطلقاً أي عدم جواز السهو والخطأ عليه بقوله (قدس سره) : «إنّه لو جاز عليه السهو والخطأ ، لجاز ذلك في جميع أقواله وأفعاله ، فلم يبق وثوق بإخباراته عن اللّه تعالى ، ولا بالشرائع والأديان ، لجواز أن يزيد فيها وينقص سهواً ، فتنتفي فائدة البعثة .

ومن المعلوم بالضرورة : أنّ وصف النبي بالعصمة ، أكمل وأحسن من وصفه بضدها ، فيجب المصير إليه ، لما فيه من دفع الضرر المظنون ، بل المعلوم»(٤) .

وقال في (نهج المسترشدين) : «إنّه لا يجوز أن يقع منه الصغائر والكبائر لا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً في التأويل .

ويجب أن يكون منزّهاً عن ذلك كلّه من أول عمره إلى آخره» .

وقال الفاضل المقداد (قدس سره) : «وأصحابنا حكموا بعصمتهم مطلقاً قبل النبوّة وبعدها عن الصغائر والكبائر عمداً وسهواً ، بل وعن السهو مطلقاً ، ولو في القسم الرابع ، ونقصد به الأفعال المتعلّقة بأحوال معاشهم في الدنيا مما ليس دينياً»(٥) .

وقال الشيخ بهاء الدين في جواب (المسائل المدنيات) : «عصمة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) من السهو والنسيان ، مما انعقد عليه اجماعنا»(٦) .

١- المصدر نفسه : ٤٩٢ .

٢- المصدر نفسه : ٤٩٢ .

٣- المصدر نفسه : ٤٩٢ .

٤- الرسالة السعدية : ٧٥ .

٥- ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين / الفاضل السيوري : ٣٠٤ .

٦- نقلاً عن كتاب «التنبيه بالمعلوم» : ٥٩ .

٦٤

وقال الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (قدس سره) : «وأما علم الحديث فهو من أجلَّ العلوم قدراً وأعلاها رتبة وأعظمها مثوبة بعد القرآن ، وهو ماأُضيف إلى النبي (صلى الله عليه وآله)وإلى الأئمّة المعصومين ، قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم»(١) ، وهذا ظاهر بالشمول التام .

وقال العلاّمة المجلسي صاحب البحار (قدس سره) : «اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمّة ، والملائكة(عليهم السلام) أنهم معصومون ، مطهّرون من كلِّ دنس ، وانّهم لايذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم .

واعتقادنا فيهم انّهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم الى أواخرها ، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا جهل»(٢) .

وقال في موقع آخر : «العمدة في ما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) من كُلّ ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوّة وبعدها قول أئمتنا(عليهم السلام) بذلك المعلوم لنا قطعنا باجماع أصحابنا رضوان اللّه عليهم مع تأييده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الإمامية ، وقد استدلّ عليه أصحابنا بالدلائل العقلية وقد أوردنا بعضها في شرح كتاب الحجة ، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب (الشافي) و(تنزيه الأنبياء) وغيرهما من كتب أصحابنا .

والجواب ، مجملاً عمّا استدلّ به المخطؤون من اطلاق لفظ العصيان والذنب فيما صدر عن آدم (عليه السلام) هو أنّه لمّا قام الدليل على عصمتهم نحمل هذه الألفاظ على ترك المستحب والأولى ، أو فعل المكروه مجازاً ، والنكتة فيه كون ترك الأولى ومخالفة الأمر الندبي وارتكاب النهي التنزيهي منهم مما يعظم موقعه لعلو درجتهم وارتفاع شأنهم»(٣) .

وقال الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي : «ذكر السهو في هذا الحديث

١- منية المريد في آداب المفيد والمستفيد : ٣٧٠ .

٢- بحار الأنوار ١١ : ٧٢ ، باب عصمة الأنبياء(عليهم السلام) .

٣- بحار الأنوار ١١ : ٩١ .

٦٥

وأمثاله ـ يقصد حديث السهو ـ محمول على التقيّة في الرواية ، كما أشار إليه الشيخ وغيره ، لكثرة الأدلّة العقلية والنقلية على استحالة السهو عليه مطلقاً»(١) .

ثُمّ أنظر في رسالته الموسومة بـ (التنبيه بالمعلوم) أو (البرهان على تنزيه المعصوم من السهو والنسيان) تجد ما يدحض به الرأي الشاذ في ذلك .

وتحت عنوان (في جملة من عبارات علمائنا وفقهائنا المصرّحين بنفي السهو عن النبي والأئمّة(عليهم السلام) في العبادات وغيرها) كتب الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ، صاحب (وسائل الشيعة) : «إنّ علمائنا وفقهاءنا قد صرّحوا بذلك في أكثر كتبهم في الفروع ، وصرّحوا في جميع كتب الأُصول بنفي السهو عنهم(عليهم السلام) على وجه العموم والإطلاق الشامل للعبادة وغيرها ، وأوردوا أدلّة كثيرة شاملة للعبادة»(٢) .

وأورد أقوال شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في كتبه المختلفة ، والشيخ المفيد ، والمحقق الحلّي في (المختصر النافع) ، والعلاّمة الحلّي ، والفاضل المقداد ، والشيخ البهائي ، والشيخ الشهيد الأوّل ، والمحقق الطوسي ، وأخيراً قول السيّد ابن طاووس(٣) .

والحق عندنا معاشر الإمامية وجوب العصمة في الملائكة والأنبياء والأوصياء(عليهم السلام) ، في تمام العمر مطلقاً سواء كان فيما يتعلّق بالاعتقاد ، أو فيما يتعلّق بالتبليغ ، أو فيما يتعلّق بالفتوى ، أو فيما يتعلّق بالأحوال والأفعال ، صغائر كانت أو كبائر ، ولا يجوز السهو والنسيان عليهم(٤) .

وقال الشيخ محمّد رضا المظفر (قدس سره) : «ونعتقد أنّ الأنبياء معصومون قاطبة ، وكذلك الأئمّة عليهم جميعاً التحيات الزاكيات» .

١- وسائل الشيعة ٥ : ٣٠٨ .

٢- التنبيه بالمعلوم (البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان) : ٤٧ .

٣- التنبيه بالمعلوم : ٤٧ ـ ٦٥ .

٤- شرح الأسماء الحسنى ٢ : ٣٦ .

٦٦

وقال بعد ذلك : «ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ، ما ظهر منها وما بطن ، من سنّ الطفولة إلى الموت ، عمداً وسهواً .

كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان ، لأنّ الأئمّة حفظة الشرع ، والقوّامون عليه ، حالهم في ذلك حال النبي ، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق»(١) .

وقال الشيخ الآملي : «الحق أنّ السفير الإلهي مؤيّد بروح القدس ، معصوم في جميع أحواله وأطواره وشؤونه قبل البعثة ، أو بعدها .

فالنبي معصوم في تلقي الوحي وحفظه وإبلاغه ، كما أنّه معصوم في أفعاله مطلقاً بالأدلّة العقلية والنقلية .

فمن أسند إليه الخطأ فهو مخطىء ، ومن أسند إليه السهو فهو أولى به .

ونقل الروايات والأخبار ، بل الآيات القرآنية في ذلك ، يؤدي إلى الإسهاب ، وتنزيه الأنبياء لعلم الهدى السيّد المرتضى أغنانا عن ورود البحث عن هذه المسائل»(٢) .

١- عقائد الإمامية : ٥٣ ـ ٦٧ .

٢- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد تعليق الشيخ حسن زاده آملي : ٤٧١ .

٦٧

الفصل الثالث الأدلة العقلية على العصمة

٦٨
٦٩

توطئة خاصة

قال الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) : «إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا ، وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، لا يلامسهم ولا يلامسوه ، ولا يباشرهم ولا يباشروه ، ولا يحاجّهم ولا يحاجّوه . فثبتَ أنّ له سفراء في خلقه وعباده ، يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه . ثبت عند ذلك أنّ له معبرين ، وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء ، مؤدّبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس في أحوالهم ، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب»(١) .

ولعلّه من هنا وممّا على شاكلته ، استفيدت مقدّمات ما جعلوه بياناً وأسّسوا عليه قاعدة متينة تسمى بقاعدة «اللطف» وخلاصة ذلك :

أنّه تعالى لا يشاهده خلقه ، ولا يلامسهم ولا يلامسوه ، ولا يحاجّهم ولا يحاجّوه ، إذن لابدّ من وجود سفراء له في خلقه وعباده .

وهؤلاء هم الذين يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم ، فثبت حينئذ الآمرون والناهون ، عن الحكيم العليم في خلقه .

ولذا قد ورد : «إنّ الخلق لمّا وقعوا على حدّ محدود ، وامروا ان لا يتعدّوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم أميناً يأخذهم بالوقف عندما أُبيح لهم ، ويمنعهم من التّعدّي والدخول فيما حظر عليهم ، لأنّه لو لم يكن ذلك لكان أحدٌ لا يترك لذَّته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد ، ويقيم فيهم الحدود والأحكام .

١- التوحيد للشيخ الصدوق(قدس سره) : ٢٤٩ ، أصول الكافي ١ : ١٦٨ ح ١ .

٧٠

ومنها إنّا لا نجد فرقةً من الفرق ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم ان يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لابدّ لهم منه ، ولا قوام لهم إلاّ به»(١) .

ومنه يجب أن يكون هؤلاء لكي تتمّ الحكمة من سفارتهم صفوته من خلقه ، وإلاّ لكان هناك ترجيحٌ بلا مرجّح ، أو تقديمٌ لمفضول على فاضل ، وهو مناف للحكمة . وهؤلاء حكماء ، قد أدّبهم الباري عزّ وجلّ بآدابه فبُعثوا بالحكمة كما كانوا هم من أهلها وسادتها . ويجب أن يكونوا بصراء مطيعين للّه تعالى لا يشركون به طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر . ويجب ألاّ يكونوا كاذبين وإلاّ لانتفت الحكمة في بعثهم ، إذ سيتردد الناس في قبول قولهم ، ولا يصلح أن يكونوا أدلاّء على طريقه . وهؤلاء يجب أن يكونوا من جنس البشر وطينتهم حتى يكونوا مثالاً حيّاً للائتمام بهم . واختصاراً لكلِّ الصفات الكاملة المجتمعة في ذاته المقدّسة نقول إنّه يجب أن يكون معصوماً .

وبما أنّ العصمة ، ليست من الأمور الظاهرة والواضحة ، بل من الأمور غير المدركة للبشر ، إذن لابدّ وأن يُشار إليها ، بالطرق الثلاثة الآتية أو ببعضها :

أ ـ بالعقل .

ب ـ بالنقل بالاضافة إليه .

جـ ـ أو بالاعجاز لإثبات منصبه ، ومن إثبات المنصب تثبت له بالملازمة .

ويتأكّد العنصر الثالث ، إذ لابدّ من إعجاز يظهر لتأييد صدق مدّعي السفارة ، وإلاّ لادّعاها كلُّ أحد . ولابدّ أن يفهم أهل عصر السفير أنّ ذلك إعجازٌ ، فلذا كانت المعاجز مختلفة باختلاف العصور .

والرعاية شاملةٌ لكلِّ البشرية من أولها إلى آخرها لا يختص ذلك بزمان دون زمان ، ولكن نعلم علم اليقين أنّه لا نبىّ بعد نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ المنكر لذلك لا يعدّ مسلماً أصلاً ، إذ إنَّ ذلك من ضروريات الدين ، فمنكره منكر

١- بحار الأنوار المجلسي ٦ : ٦٠ عن علل الشرائع .

٧١

للضروري ، ومنكر الضروري كافر . فإذن لابدّ من وجود سفير للّه ، ولا يكون نبيّاً ، وذلك هو الذي نعبّر عنه (بالإمام) .

ونحصر البحث في الإمامة عند المسلمين إذ إنّه «لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة ، وذهب الدين ، وغُيّرت السنن والأحكام ، ولزاد فيه المبتدعون ، ونقص منه الملحدون ، وشبّهوا ذلك على المسلمين ، لأنّا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم ، وتشتّت أنحائهم ، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول ، فسدوا على نحو ما بيّنا ، وغُيِّرت الشرائع والسنن ، والأحكام ، والأيمان ، وكان ذلك فساد الخلق أجمعين»(١) .

ولذا قالوا : (لمّا أمكن وقوع الشرّ والفساد وارتكاب المعاصي من الخلق ، وجب في الحكمة وجود رئيس قاهر ، آمر بالمعروف ، ناه عن المنكر ، مُبين لما يخفى على الاُمّة من غوامض الشرع ، مُنفِّذ لأحكامه ، ليكونوا إلى الصلاح أقرب ، ومن الفساد أبعد ، ويأمنوا من وقوع الشر والفساد) .

فوجوده لطف ، وقد ثبت أن اللطف واجب عليه تعالى ، وهذا اللطف يسمى إمامة ، فتكون الإمامة واجبة ، (ولمّا كان علّة الحاجة إلى الإمام عدم عصمة الخلق وجب ان يكون الإمام معصوماً)(٢) .

ومن ناحية أُخرى فإنّ القرآن حق كلّه وإنّه قطعي الصدور ، إلاّ أنّه ظنّي الدلالة ، فلذا سيقع الاختلاف في تأويله ، وكلُّ متأول يدعي انّه على الحق وغيره ليس عليه ، فيكون ذلك سبباً للفرقة والنزاع أكثر من التأليف والاجتماع ، وهذا مناف للحكمة ، إذن لابدّ من وجود مبيّن لكتابه العزيز ونعبِّر عنه بالحافظ له .

ومن جانب آخر نرى أن السُنّة النبوية كذلك ، بل ملئت كتب نقلها بأحاديث كاذبة ومُلفقة ، فما أدرانا ما الذي قاله صاحب الشرع وما الذي لم يقله ؟ خاصّةً أنّ

١- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١ : ١٠٨ .

٢- تعليقة العلاّمة الاُستاذ الشيخ علي الأنصاري على فصول العقائد للحكيم الطوسي (رضي الله عنه) : ٣٥ ـ ٣٦ ط ١٣٩٣ هـ .

٧٢

هذه الفجوة تكبر وتكبر كلّما ابتعدنا عن مركز الرسالة الأوّل ، فبذا لابدّ من وجود مبيّن ومفسّر وكاشف عنها . ومن هنا صرّح الشيخ الصدوق (قدس سره) بهذا الدليل في أول كلامه إذ قال :

«إنّه لمّا كان كُلّ كلام ينقل عن قائله يحتمل وجوهاً من التأويل ، وكان أكثر القرآن والسُنّة مما أجمعت الفرق على أنّه صحيح لم يغيّر ولم يبدّل ، ولم يزد فيه ولم ينقص منه ، محتملاً لوجوه كثيرة من التأويل ، وجب أن يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمّد الكذب والغلط ، مُنبئٌ عمّا عني اللّه ورسوله في الكتاب والسُنّة على حق ذلك وصدقه ، لأنّ الخلق مختلفون في التأويل ، كُلّ فرقة تميل مع القرآن والسُنّة إلى مذهبها ، فلو كان اللّه تبارك وتعالى تركهم بهذه الصفة من غير مخبر عن كتابه صادق فيه لكان قد سوّغهم الاختلاف في الدين ودعاهم إليه . . . وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحق وخلافه .

فلمّا استحال ذلك على اللّه عزّ وجلّ ، وجب أن يكون مع القرآن والسُنّة في كُلّ عصر من ينبئ عن المعاني التي عناها اللّه عزّ وجلّ في القرآن بكلامه . . . وينبئ عن المعاني التي عناها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في سنته وأخباره . . . واذا وجب أنه لابدّ من مخبر صادق وجب ان لا يجوز عليه الكذب تعمّداً ، ولا الغلط فيما يخبر به . . . وإذا وجب ذلك وجب أن يكون معصوماً»(١) .

وبما أنّ مهمته كذلك إذن يجب ان يكون صادقاً وأميناً ، لكي يقبل منه الناس كُلّ ما يبينه ويوضحه كما كان الرسول كذلك .

(وثبت عند ذلك أنّ له معبّرين هم الأنبياء وصفوته من خلقه . . .) .

فالأنبياء قد ذكر ، والأئمّة بصفوته من خلقه قد بيّنهم كذلك ، فالأنبياء والأئمة كلُّهم لابدّ وأن يكونوا «مؤدّبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس في أحوالهم ، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب . .»(٢) . ومن هنا نفهم وندرك جيداً

١- معاني الأخبار : ١٣٣ ـ ١٣٤ .

٢- التوحيد : ٢٤٩ ، الاحتجاج للطبرسي ٢ : ٧٧ .

٧٣

معنى حديث الثقلين : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي . . .»(١) .

وندرك كذلك لِمَ سكت ذلك الشامي عندما ناظره هشام بن الحكم (رضي الله عنه) ، عندما قال له هشام : «يا هذا أربُّك أنظَر لخلقه أم خَلقُهُ لأنفسهم ؟

فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه .

فقال : ففعل بنظره لهم ماذا ؟ !

قال : أقام لهم حجّةً ودليلاً كيلا يتشتتوا ، أو يختلفوا ، يتألّفُهُم ويقيم أودهم ويخبرهم بخبر ربهم .

قال : فمن هو ؟ !

قال : رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) .

قال هشام : فبعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مَنْ ؟ !

قال : الكتاب والسُنّة .

قال هشام : فهل ينفعنا اليوم الكتاب والسُنّة في رفع الاختلاف عنّا ؟ !

قال الراوي ـ الذي هو يونس بن يعقوب ـ : فسكت الشامي»(٢) .

وأخيراً نقول إنّ الإمامة منصبٌ خاص .

ونستطيع أن نضيف : بانّ منزلة الإمامة تساوي الاُسوة والقدوة .

فالمُقتدى به هو الإمام ، وبما أنّه النموذج الأمثل والأكمل للخلافة الإلهية فعليه يجب أن يكون حاوياً لكلِّ معنى الكمال الذي يمكن أن يتّصف به المخلوق ، حتّى يكون قدوةً للجميع .

١- حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة وارجع إليه في المصادر التالية : مسند أحمد ٤ : ٣٧١ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٢٩ ، المستدرك ٣ : ١١٠ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٦٢ ، المصنف لابن أبي شيبة ٧ : ١٧٦ ، منتخب مسند إبن عبد حميد : ١٠٨ ، كتاب السنّة : ٣٣٧ ، مسند أبي يعلى ٢ : ٣٠٣ ، صحيح ابن حبّان ١ : ٣٣٠ ، المعجم الأوسط ٣ : ٣٧٤ ، وغيرها من المصادر .

٢- أُصول الكافي ١ : ١٧٢ ، الإرشاد للشيخ المفيد ٢ : ١٩٦ .

٧٤

وبالخليفة يُستدلُّ على المستخلِف ، فلو كان عادلاً لأشعر وأشار إلى عدله ، ولو كان ظالماً لبيّن ظلمه .

كما أنّ نصب الكامل أبعد للخيانة ، فاللّه قادرٌ لا يعجزهُ شيء ، وهو المُطّلع على عباده ، فاختياره لمن يحمل رسالته ويكون خليفته لابدّ أن يكون أتمّ خلقه ، ولا يصح أن يقع بالخيانة مهما صغرت ، إذ اللّه يقول وقوله الحقّ : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(١) .

فالإمام كما يظهر للمتتبع يمثل الأسوة والقدوة الإلهية الكاملة للممكن سواء كان نبيّاً أم غيره .

وبهذا كلّه ظهر بعض خصائص الإمام المعبّر عنه بالعصمة .

الأدلّة العقلية

بعد هذا الاستعراض وهذه المقدّمات نحاول أن نضع أصابعنا على الأدلّة العقلية التي تثبت العصمة لمن اختاره اللّه تعالى لهداية خلقه بعد إنذارهم . . .

١ ـ إنّ من يدّعي منصباً إلهيّاً لابدّ أن يظهر المعجز على يديه ، فدعوى ذلك المنصب أولاً ، وإظهار المعجز ثانياً ، فيعلم صدقه ووساطته عن اللّه تعالى إلى الناس .

ومقتضى هذا كلّه يجب أن يكون صادقاً وأميناً ليؤدّي رسالته على أتمّ وجه ، وأكمل صورة ، إذ يقبح عقلاً أن يبعث اللّه تعالى ، أو يوسِط بينه وبين خلقه من هو كاذبٌ غير أمين . وهذا واضحٌ لا غبار عليه .

فكأنّ المُعجز قد وقع وأيّد مُدّعي النبوة والرسالة والمقام الإلهي . فلابدّ أن يكون مانعاً من الكذب ، لأنّ تصديق الكذّاب قبيح . وهذا المقام الإلهي بتأييده يدلُّ على الاتّباع والتصديق ، وذلك لأنّ الغرض الامتثال لما جاء به صاحب هذا المقام .

من هنا نستكشف أنّ كُلّ ما يقدحُ في صاحب هذا المقام ، يقدح في الامتثال

١- الأحزاب : ٢١ .

٧٥

ويزحزحه ، فلابدّ أن يكون هذا الصاحب مؤيّداً بالبُعد عن جميع ما يكون منفّراً عنه مبعّداً ، ولعلّ هذا أقرب للوقوع من إظهار المعجز ، إذ إظهار المعجز لقبول قوله ، فكلّ ما يؤيِّد هذا القبول ويقوّيه يُرَجّحُ وقوعه ، وهذا كلُّه ممكن وشرائطه واضحة طبيعية ، فهو أولى للتصديق من اختراق القوانين الكونية والنواميس الطبيعية لتأييد هذا الوسيط ليكون بذلك كلّه الامتثال أقرباً . إذ إنّ النفس لا تميل لمرتكب كُلّ ما يكون منفراً .

وبعبارة أوضح نقول : إنّ مدّعي الوساطة لابدّ أن يكون خالياً من السخف ، والجنون ، والخلاعة . . الخ . ونضيف إلى ذلك الذنوب كلّها ، وبالخصوص الكبائر منها ، فإنّها أوضح للقبول ، ولذا عبّر من عبّر ، وأصاب فيما عبّر : «انّ حظّ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد عن حظّ السخف والجنون والخلاعة ، لم ينقص منه»(١) .

فإذا تمَّ هذا يظهر أنّ كُلّ ما هو منفرٌ يجب أن لا يتّصف به الوسيط ، رعاية من اللّه تعالى لنا ، ليقرِّبنا إلى الطاعة أكثر ، ويبعدنا عن المعصية(٢) .

فإذا سلّمنا بهذا القول : إنَّهم اختلفوا في عدد الكبائر ، بل في حدود الكبيرة ، فبعضٌ قد رواها عن النبي (صلى الله عليه وآله) سبعة ، ورووا انّ ابن عمر زادها اثنين ، وابن مسعود زاد عليها ثلاثة ، كما أنّ كثيراً من عظائم الذنوب ليس في ما ذكروه وسطّروه .

وقد اختلفوا كذلك في تحديد الكبيرة ، فقالوا : هي الذنب الذي واعد اللّه تعالى عليه النار في القرآن ، وبعضهم قال : إنّ الكبائر من الذنوب هي التي عُدّت كبائر في الأخبار(٣) ، بل بعضهم صرَّح أنّه ليس هناك كبيرة ولاصغيرة بل كلّها كبائر .

وكُلّ هذا لا مدخلية له في بحثنا عند التمعّن بشيء ، وذلك لأنّ الذي يهم ،

١- بحار الأنوار ١١ : ٩٢ .

٢- وهذا من أساسيات قاعدة، اللطف ، فقد حدَّ القوم اللّطف : بأنّه هبة مقربة إلى الطاعة ، ومبعدة عن المعصية ، ولم يكن لها حظٌّ في التمكين ، ولم تبلغ به الهبة حدَّ الإلجاء . راجع كتاب العقائد من أنوار الملكوت في شرح الياقوت : ١٥٣ .

٣- راجع : الكافي في كتاب الايمان والكفر ، باب الكبائر ، والوسائل ١١ : ٤٥ من أبواب جهاد النفس .

٧٦

هو ما كان مُنفّراً للخلق من الوسيط ، وما كان مبعّداً للوسيط من الخالق ، فاذا رضينا بذلك وقنعنا به ، يكون حينئذ حال الذنوب كلّها واحداً .

ولو دققنا في الأمر أكثر لرأينا أن هناك ذنباً أي معصية ، وعاصياً ، ومن قد عُصي ، فمن جهة نفس المعصية رأينا الاختلاف في الكبيرة والصغيرة ، وحدودهما . ومن جهة العاصي رأينا علو مقامه ، وحسّاسية ذلك المقام فعلمنا أنّه من المقربين ، وإذا سلّمنا بأنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ، علمنا ما يُفيده ذنب المقرّب سواء كان صغيراً أو كبيراً بما أنّه مقرّب ، إذ إنّ ما يُعدُّ حسنةً في مقام يُعدُّ له ذنباً وسيئة ، فكيف بالذنب والمعصية .

ومن جهة ثالثة نظرنا إلى الذي عُصِيَ فرأيناهُ عظيماً فعظُمت معصيته أيّاً كانت ، ولذا جاء في الأثر : «لا تنظروا في صغر الذنوب ، ولكن انظروا على من اجترأتم»(١) .

من هذه الجهات الثلاث نرى انّ استبعاد بل امتناع صدور المعصية من صاحب هذا المقام أقرب للقبول ، بل هو عين الواقع ، إذ حاله يختلف عن حالنا جزماً .

ومن هنا يظهر معنى قول الشيخ المفيد (قدس سره) : «وإنّه ليس في الذنوب صغيرة في نفسه ، وإنّما يكون فيها بالاضافة إلى غيره»(٢) .

كما أننّا لو دقّقنا النظر لرأينا أنّ النفس تسكن للذي لم تصدر منه المعصية أصلاً أكثر ممن صدرت منه ، سواء تاب عنها أم لا ، والمثل الذي نضربه يُقرِّبُ هذا المعنى ويجعله أوضح : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»(٣) ، إذ لو لم يكن أعلا منه منزلة لما شُبّه به ، فإذا ثبت هذا : «أمكن التمسّك في إثبات ما ذهب إليه أصحابنا من تنزيههم ـ صلوات اللّه عليهم ـ عن كلِّ منقصة ، ولو على سبيل السهو والنسيان من حين الولادة إلى الوفاة بالإجماع المركب»(٤) .

١- كنز العمال ٤ : ٢٢٩ ح ١٠٢٩٤ ، بحار الأنوار ٧٤ : ١٦٨ ح ٦ .

٢- أوائل المقالات ٤ : ٨٣ .

٣- أُصول الكافي ٢ : ٤٣٥ ح ١٠ ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١ : ٧٩ ح ٣٤٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤٢٠ ح ٤٢٥٠ ، السنن الكبرى ١٠ : ١٥٤ .

٤- بحار الأنوار ١١ : ٩٤ .

٧٧

إذ العلماء بين قائل بعصمتهم كذلك مطلقاً . وبين قائل بعصمتهم من الكبائر ، واختلفوا بالصغائر ، وبين قائل بعصمتهم من الكبائر في حال دون حال . فإذا ثبتت عصمتهم من الكبائر والصغائر يتعيّن القول الأوّل . إذ لا قائل بعصمتهم منهما معاً ويشكّك بمقام دون مقام .

٢ ـ لو صدر ذنب منه لزم اجتماع الضدين ، فيجب إطاعته لأنّ مقامه يقتضي هذا ، ويجب عصيانه لأنّ ما جاء به ذنب . بل يجب منعه ، والانكار عليه ، بل ردعه وحتى زجره لكي يترك ذلك الذنب ، فلربما يولّد ذلك الإيذاء له ، وإيذاؤه كما نعلم حرام بالإجماع ، ولقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾(١) .

٣ ـ كما أنّه لو أذنب كان فاسقاً ، فيجب أن تُردَّ شهادته ، للإجماع ، ولقوله تعالى : ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ . . .﴾(٢) . فيلزم حينئذ أن يكون أدون من آحاد الاُمّة .

٤ ـ وبعصيانه يكون من حزب الشيطان ، فيلزم منه خسرانه ، إذ قال تعالى : ﴿ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾(٣) . وهو باطل بالضرورة .

٥ ـ وكما قدّمنا فإنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فعلى هذا يكون حظُّه أقلّ مرتبة من أقلّ أحد من أفراد الاُمّة . بل قد يلزم منه استحقاقه للعذاب ، قال تعالى : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾(٤) . ومن هذه الآية بالذات يظهر لنا جليّاً أنّ الرسول لا يعصي أصلاً ، فحدوده هي اللّه ورسوله ، ولا يمكن أن يكون المُحدَّدُ خارجاً عن الحدّ .

٦ ـ وقد يستحق اللعن ، إذ بتعديه للحدود يكون ظالماً ، واللّه تعالى يقول : ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾(٥) وهو باطل بالضرورة ، والإجماع .

١- الأحزاب : ٥٧ .

٢- الحجرات : ٦ .

٣- المجادلة : ١٩ .

٤- النساء : ١٤ .

٥- هود : ١٨ .

٧٨

٧ ـ ويشمله التهوين في قوله تعالى : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾(١) .

قول وفعل وإقرار المُرسَل والإمام (عليهم السلام) هل هو حجّة أم لا ؟ !

إن قلنا كون كُلّ ذلك حجّة ثبتت العصمة ، (وهذا الدليل من أمتن مايمكن أن يُذكر من الأدلّة على حجيّة السُنّة) .

«إذ مع إمكان صدور المعصية منه ، أو الخطأ في التبليغ ، أو السهو ، أو الغفلة ، لا يمكن الوثوق أو القطع بما يدّعي تأديته عن اللّه عزّ وجلّ ، لاحتمال العصيان ، أو السهو ، أو الغفلة ، أو الخطأ منه ولا مدفع لهذا الاحتمال»(٢) .

وربما يتوهّم مُتَوهِّم عند استطلاع ما نقلناه من آراء العلماء حول العصمة واختلافهم في حدودها من أنّ هذا لا يجدي شيئاً ; وذلك لأنّهم اتفقوا على أنّه معصوم بما يتعلق بالتبليغ والفتيا ، فيكون الدليل أضيق من المدّعى .

نقول رفعاً لهذا التوهم : إنّ الحجّة كما نعلم هي ما يُحتجّ به ، أي إنّ للمسلم أن يتّبع مؤدّاها ويكون له الحقّ يوم القيامة ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾(٣) .

فيكون عملهم حينئذ إذا كان مُطابقاً لما صدر من الوسيط بين اللّه وخلقه حجّة للناس على اللّه لو كان ذاك قد أدى وفعل أو قرّر ما ليس صحيحاً شرعاً ، وهذا لا يمكن . فعليه لابدّ أن يكون فعله وقوله وإقراره صحيحاً دائماً .

١- البقرة : ٤٤ .

٢- الأُصول العامّة للفقه المقارن : ١٢٨ .

٣- النساء : ١٦٥ .

٧٩

حصر العصمة في حال التبليغ والفتيا

وإذا حصروه في حال التبليغ والفتيا ، نقول لهم : إنّ العلماء كافة قد أطلقوا وقالوا : «إنّ النبي بشرٌ مثلنا ، له ما لنا ، وعليه ما علينا ، وهو مكلّف من اللّه تعالى بما كلّف به الناس ، إلاّ ما قام الدليل الخاصّ على اختصاصه ببعض الأحكام : إمّا من جهة شخصه بذاته ، وإما من جهة منصب الولاية ، فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف . هذا مقتضى عموم اشتراكه معنا في التكليف . فإذا صدر منه فعل ولم يعلم اختصاصه به ، فالظاهر في فعله أن حكمه فيه حكم سائر الناس . فيكون فعله حجّة علينا وحجّة لنا ، لا سيما مع ما دلّ على عموم حسن التأسىّ به»(١) ، فلا مجال للتقييد هذا أولاً .

وثانياً : أنّى لنا تمييز الفعل والقول والاقرار منه ، بحيث نعلم أنّ هذا تبليغ أو فتيا وأنّ هذا ليس كذلك؟! أي كيف يتمّ لنا تمييز ما هو تبليغ وفتيا عمّا هو فعل شخصي؟!

ولو قال قائل : إنّ عليه التنبيه ، فعلى المعصوم أن يقول : إنّ هذا الفعل فعل تبليغ ، وإنّ هذا الفعل ليس كذلك . عليه أن يقول : إنّ هذا القول تبليغ ، وإنّ هذا القول ليس تبليغاً ولا فتيا . عليه أن يبين أنّ هذا الإقرار تبليغ أو فتيا أو ليس كذلك . وهكذا يملأ المعصوم حياته من قول : إنّ هذا هذا ، وإنّ هذا ليس هذا ، وهو كما ترى .

ولو كان ذاك لبان ، مع أننّا لا نجد لذلك عيناً ولا أثراً في حياة الأنبياء والمرسلين ، وخاصة في حياة نبينا الكريم (صلى الله عليه وآله) ، مع أنّ كتب الروايات من صحيحها إلى سقيمها قد نقلت حتى خصوصياته (صلى الله عليه وآله) ، نعم قد نُقلت في ذلك واقعة أو واقعتان ، بأنّ فلاناً سأله (صلى الله عليه وآله) : إنّ هذا الأمر منك أم من اللّه ؟ ! ولا تقوم تلك لقلّتها أمام هذه العويصة أبداً .

بل لم يكن ذلك في أفعال وتصرّفات شخصية أصلاً ، بل كانت في أمور تهمّ المسلمين كافة ، كما في صلح الحديبية ، أو في تقديم الإمام علي (عليه السلام) . وهذا يدلُّ على وقاحة من لفظها أمام النبي (صلى الله عليه وآله) لا على إيمانه ، هذا والقرآن قد صرّح :

١- أُصول الفقه ٣ : ٦٩ .

٨٠