×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 4 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

هنا لابدّ من الرجوع إلى النصوص التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتي يمكن أيضاً أن نعتمد فيها على القرآن الكريم ، والتي تثبت بأنّ المرجع فكرياً هم أهل البيت (عليهم السلام) ، كحديث الثقلين وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المجال .

والبعد الآخر في إثبات هذه المرجعية ، وهو بعد لم يتمّ مع الأسف متابعته بصورة مناسبة ، وحديث الثقلين كما تعرفون من النصوص المهمّة التي تمّ الاهتمام بها في أبحاثنا العقائدية ، وعادة أيضاً يستدل به ، ويذكر كشاهد على حقّ أهل البيت (عليهم السلام) في الخلافة ، وأحياناً أيضاً يستدل به على حقّهم في الرجوع إليهم فكريّاً ، لكن البحث الآخر وهو متابعة الواقع الإسلامي في الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) هذا لم يتمّ الاهتمام به بصورة مناسبة ، أشرت له في بحث تفسير علوم القرآن ، وألقيت أيضاً بعض المحاضرات حول هذا الموضوع ، وجمعت مجموعة من الشواهد التي يمكن الرجوع إليها في هذا المجال ، بحيث نجد في التاريخ الإسلامي منذ الصدر الأوّل للإسلام وحتّى أواخر أيّام أهل البيت (عليهم السلام) أنّ هناك واقعاً قائماً في التاريخ الإسلامي هو الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) في القضايا الفكرية ، يعني الخلفاء رجعوا إلى أهل البيت في القضايا الفكرية ، السلاطين الذين جاؤوا بعد الخلفاء الأوائل أيضاً رجعوا إلى أهل البيت في القضايا الفكرية ، أئمة المذاهب رجعوا إلى أهل البيت في القضايا الفكرية ، والعلماء الذين كانوا يعيشون في المجتمع الإسلامي أيضاً رجعوا إلى أهل البيت في القضايا الفكرية ، وأثّر فكر أهل البيت (عليهم السلام) في مختلف المذاهب الإسلامية .

هذا بحث فيه جانب ثقافي وفكري من ناحية ، لكن في جانب أيضاً تاريخي ، يعني يحتاج إلى متابعة دقيقة من أجل التعرّف على هذه الحقيقة ، وأشير إلى بعض النماذج من أجل أن نعرف أفق هذه المتابعة ، أحد النماذج هو ما ورد عن (عمر بن الخطاب) الذي وضع أطروحة الرجوع إلى الصحابة ـ كما أشرت قبل قليل ـ هو بنفسه عدّة مرّات يقول «لولا علي لهلك عمر»(١) ، «ولا أبقاني الله

١- المناقب : ٨١ ، جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ١ : ١٩٥ ، ينابيع المودّة ٣ : ١٤٧ ، نظم درر السمطين : ١٣٠ .

٢١

لمعضلة ليس لها أبو الحسن علي»(١) ، وما أشبه ذلك من كلمات صدرت عن «عمر بن الخطاب» التي تدلّل على رجوعهم إلى الإمام علي (عليه السلام) في القضايا الفكرية ، يعني في قضايا معرفة الرسالة على ما سوف أبيّن في عناوين هذه القضية الفكرية ، هذه غير قضيّة الإمامة .

أو رجوع بعض خلفاء الأمويين وخلفاء بني العبّاس إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كالرجوع إلى الإمام الباقر (عليه السلام) في قضية سكّ العملة(٢) ، القضية المعروفة ، ورجوع المنصور العبّاسي إلى الإمام الصادق (عليه السلام) في قضيّة توسعة الحرم المكّي(٣) ، وقضايا من هذا القبيل التي تدلّل على أنّ الخلفاء كانوا يرجعون ، وحتّى توجد عندنا بعض النصوص أنّ معاوية أيضاً قد رجع إلى الإمام علي (عليه السلام) في بعض القضايا الفكرية(٤) ، هذا أيضاً نموذج من النماذج .

نموذج آخر من النماذج في هذا الباب وفي هذا المجال ، هو دور أصحاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في رواية الحديث الموجود لدى المسلمين ، الإمام شرف الدين (قدس سره) في كتابه (المراجعات) يشير إلى وجود مائة رجل من رجال الحديث من ثقات الشيعة ومن المعروفين بالتشيّع ، كان لهم دور أساسي في رواية الحديث لدى أهل السنة(٥) .

ويشير بهذا الصدد إلى تصريحات بعض مؤلّفي كتب الحديث ، أنّه لولا هذه الروايات لما بقي لحديث أهل السنة باقية(٦) ، بحيث إذا أردنا أن نحذف هؤلاء

١- شرح نهج البلاغة ١ : ١٨ ، جواهر المطالب ١ : ١٩٥ ، ينابيع المودّة ٣ : ١٤٧ ، مع اختلاف في بعض الألفاظ ، نظم درر السمطين : ١٣٠ ـ ١٣٢ ، أنساب الأشراف : ١٠٠ ، المناقب : ٩٧ .

٢- انظر الروضة البهية١ : ٢٩٥ ، الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) : ١٤٢ .

٣- تفسير نور الثقلين ١ : ٣٦٦ ، تفسير الميزان ٣ : ٣٥٧ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٦٩ .

٤- انظر العمدة : ١٣٥ ، بحارالأنوار ٣٧ : ٢٦٦ .

٥- المراجعات : ١٠٤ ، المراجعة ١٦ .

٦- انظر ميزان الاعتدال ١ : ٥ .

٢٢

الرواة من الحديث ، ونفترض أنّ ما رواه هؤلاء الرواة هو ساقط ولا يعتمد عليه لأدّى ذلك إلى عدم بقاء حديث لأهل السنة ، هذا يمثّل نموذجاً من التأثير الذي كان لأهل البيت (عليهم السلام) في هذا الموقع الإسلامي ، يعني في الواقع الفكري الإسلامي ، هذا بحث أيضاً له نماذج أُخرى الآن لا أريد أن أستوعب الحديث فيها .

البحث الرابع : هو بيان حركة أهل البيت (عليهم السلام) فكرياً في الواقع الإسلامي ، وحركتهم في مواجهة الهجمة الخارجية التي واجهها المسلمون عندما انفتحوا على العالم الإسلامي الفعلي ، طبعاً في ذلك الوقت كان العالم عالم الكفر ، ومن خلال الفتح الإسلامي في العراق واجه المسلمون بقايا الفكر والفلسفة التي كانت تبتني عليها الدولة الفارسية ، وهو فكر وفيه كثير من الآفاق ، وجاء المسلمون وهم أبناء الجزيرة العربية ، الذين لا يملكون شيئاً من المعرفة في هذه المجالات ، وإنّما يملكون ذلك الحماس الديني العظيم ، والارتباط بالله سبحانه وتعالى ، والاستعداد للتضحية والفداء ، والفهم القرآني لكن فهماً بسيطاً وأوّلياً ، ويشاهدون هذا المنطق الفلسفي والعلمي الذي كان يحمله هؤلاء الناس في العراق ، ثُمّ بعد ذلك في منطقة الرومان أيضاً ، واجهوا هذه الفلسفة اليونانيّة ، الفلسفة الأغريقية في مصر ، واجهوا هذا الأمر إلى غير ذلك من المناطق التي فتحوها ، كُلّ المناطق التي فتحها المسلمون كان من حيث المستوى الفكري والمعرفي والحضاري ـ كما نعبّر في هذا العصر ـ كان مستواهم أكثر من مستوى المسلمين يعني مستوى أبناء الجزيرة الذين حملوا راية الإسلام ، كُلّ المناطق التي فتحها المسلمون كان هذا شأنها ، ومن ثُمّ المسلمون واجهوا هذا الصراع الفكري وهذا الطرح الفكري لهذه المناطق ; لأنّ سقوط منطقة عسكرية لا يعني سقوط الفكر والمعرفة التي كانت في هذا البلد أو ذاك البلد ، وهنا نلاحظ أنّ المشكلة التي واجهتها الدولة كانت مشكلة عويصة جدّاً ، وبهذا يمكن أن نفسّر بعض الإقدامات التي قد لا نجد لها تفسيراً واضحاً ، والتي قام بها الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) ، فقد قام بمجموعة من الإجراءات ذات الطابع القمعي ; لأنّه واجه مثل هذه المشكلة ، وهو ليس عنده قدرة على حلّ

٢٣

هذه المشكلة ، فماذا يصنع ؟ يصدر قرار بإحراق مكتبة الإسكندرية بكُلّ ما فيها من ثقافة ومعرفة ; لأنّه إذا أراد أن يجعل هذه المكتبة بيد الناس ، فسوف يتأثّرون بهذا الفكر بطبيعة الحال ، ولا يمكنه أن يواجه الفكر ، وليس عنده قدرة على هذه المواجهة .

وهكذا منع الحديث في القضايا الكلامية والسياسية ، حيث إنّه اتّخذ إجراءات قمعية ، وغير ذلك مما تشاهدوه في فهم بعض هذه الإجراءات ، هذا ناشئ من وجود النقص والعيب وعدم القدرة على المواجهة فيهم ، فيتّخذون هذا النوع من الإجراءات القمعية لمعالجة القضية بصورة مؤقتة ، أمّا أهل البيت (عليهم السلام) فعندما واجهوا هذا الأمر ، كالإمام علي (عليه السلام) مثلاً تشاهدون في نهج البلاغة ، وهذا أحد الإثارات التي تثار حول نهج البلاغة ، أنَّ فيه أحاديث وكلمات ذات طابع فلسفي ، وعندئذ يثار هذا السؤال والتشكيك في نهج البلاغة ، وهو وجود هذا النوع من الحديث الفلسفي ، يقال إنّ العرب في ذلك الوقت وفي ذلك الزمان لم يكن لديهم هذا النوع من المعرفة الفلسفية والفهم الفلسفي ، فكيف وجدت هذه الكلمات في أحاديث الإمام علي (عليه السلام) ؟ !

السبب في ذلك هو أنّ الإمام علي (عليه السلام) عندما واجه المشكلة في العراق وأصبح مسؤول دولة في العراق ، صحيح أنّ المشاكل الظاهرية هو صراعه مع أهل الجمل وأهل صفين وأهل النهروان ، لكن الصراع الفكري والمواجهة الفكرية كانت قائمة ، غاية الأمر هذه لم تكن مدوّنة ومسجّلة في حوادث ، فكيف يعبّر عن هذه المواجهة ، كان يعبّر عنها بخطبة ، ولذلك نلاحظ أنّ هذه كانت خطب تقال للناس بصورة عامّة ، ومعناه أنّ الناس كانوا يفكّرون بهذه الطريقة من التفكير أو متأثّرين أو فيهم من يفكّر بهذا النوع من التفكير حتّى يخاطبه .

إذن فمتابعة هذا البحث ، وما قام به أهل البيت (عليهم السلام) في مختلف الأدوار من الإمام علي (عليه السلام) إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في مواجهة هذه الهجمة الخارجيّة ، من الثقافة الخارجية ، التي كانت قائمة وموجودة طبعاً بصورة واضحة ،

٢٤

نجد معالمها في أيّام التحوّل من الدولة الأموية إلى الدولة العباسيّة ، يعني مواقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تصبح واضحة في هذا الدور وفي هذا المجال ، لكن متابعة هذا الموضوع وبيانه وتوضيحه له أهمية كبيرة جدّاً في طرح أهل البيت (عليهم السلام) الآن في وسط المسلمين وفي وسط العالم ، يعني الشيء الذي قاموا به .

الأمر الثاني : في هذا المجال هو أهل البيت (عليهم السلام) موقفهم تجاه حركة الانحراف الفكري والثقافي ، غير الانحراف السلوكي في داخل المجتمع الإسلامي ، كالمذاهب القدريّة والمرجئة ، وغير ذلك من المذاهب ، واعتماد الرأي في مقام الاستنباط الفقهي ، وغير ذلك من القضايا التي كانت تدور في المجتمع الإسلامي ، ومواجهة أهل البيت (عليهم السلام) لهذا الجانب ، هذا أيضاً بحث مهمّ جدّاً في موضوع هذا البحث .

الأمر الثالث : هو متابعة الفكر والثقافة التي أعطاها أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة ، هذا هو كان أحد الأهداف المهمّة ، وأهل البيت (عليهم السلام) لديهم فكر وثقافة خاصّة ، بنوا عليها هذه الجماعة الصالحة ، وبقيت هذه الثقافة متداولة ولكنّها مع الأسف يلاحظ أنّه لا يوجد هناك متابعة لاستخراج النظريات في هذه الثقافة ، طبعاً عندما أقول مع الأسف لا أعني أنّه لا يوجد أيّ إنتاج ثقافي ، الحمد لله ربّ العالمين هناك إنتاج ثقافي كبير جدّاً في أوساطنا الثقافية ، لكن ليس بالمستوى المطلوب ، عندما أقول مع الأسف يعني هناك أشياء ثمينة وكنوز لدينا في هذا المجال ، ولكن هذه الكنوز لم تتابع بصورة مناسبة وكاملة لاستخلاص النظريات التي أقام عليها أهل البيت (عليهم السلام) هذه الجماعة وكيان هذه الجماعة وتفاصيل هذا الكيان .

أيضاً هذا الجانب من البحث في المرجعية الفكرية لجماعة أهل البيت (عليهم السلام) ، وأكتفي بهذا القدر من الحديث مع الاعتذار .

٢٥

الأسئلة والأجوبة

سؤال : هناك سؤال حول نظرية أهل البيت (عليهم السلام) ، طبعاً لا يشك أحد في أصالة هذه المرجعية ، ولكن السؤال هو الآن وفي هذا العصر ما هو البديل الذي نبشّر به نحن كشيعة إلى العالم ، خاصّة البديل الثقافي ، وهل ترون معي هل استطاع الشيعة الآن أن يطرحوا البديل الثقافي ، أو البديل الاقتصادي أو البديل السياسي ، بغض النظر عن نظريّة ولاية الفقيه التي هي جهد مشكور للإمام الخميني في فهم واستنباط فكر أهل البيت (عليهم السلام) ، وأحاديث أهل البيت مع وجود مدرسة الاجتهاد المفتوحة بعد عصر الغيبة ؟ فالسؤال هو هل نحن لدينا فعلاً البديل السياسي خاصّة مع ما طرحته فكرة الإمام الخميني في داخل الساحة الشيعية ، وإن كانت هي خطوة حسب رأيي ممتازة نحو فهم واستنباط فكر أهل البيت ، وفهم هذه النصوص ، فسؤالي هو أنا كشخص بماذا أبشّر الناس غداً ببديل ثقافي واقتصادي في هذا العصر خاصّة بالأخذ بعين الاعتبار أنّ المنظومة الماركسية البائدة أو الرأسمالية لديها طرح جاهز ، وهذا ما يجعل شبابنا الذين أحياناً نعتب عليهم يتأثّرون ويقبلون هذا الفكر ، ونحن نعتب عليهم دون أن نقدّم بديلاً ؟

وإشارة أخيرة هل تعتبرون أنّ منع أجهزة (الستلايت) في إيران أليس شبيهاً بحرق مكتبة الإسكندرية ، وإن كان هذا المنع حسب رأيي أعتبره ينطلق من حسن نيّة مخلصة جادّة ، بغض النظر عن حرق مكتبة الإسكندرية التي كانت ذات نوايا خبيثة ، فهل الآن أمامنا سياسة المنع أم سياسة تقديم البديل ؟

الجواب : بالنسبة إلى سؤالكم فهو سؤال وجيه ، وعالجت جوابه في حديثي ، وقلت : إنّ الاهتمام بطرح المرجعية الفكرية لأهل البيت (عليهم السلام) بهذه الآفاق التي شرحتها سوف يؤدّي بطبيعة الحال إلى تقديم هذا البديل المطلوب ، ومن ثمّ إذا قدّمنا هذا البديل المطلوب سوف نملأ هذا الفراغ الذي يشعر به الناس ، ولا

٢٦

سيّما بعض الأوساط كأوساط الشباب تشعر بهذا الفراغ بصورة خاصّة ، وأفضل طريق في هذا الوقت لتعريف أهل البيت إلى العالم هو الذي دعوت له في هذه المحاضرة ، هذه المحاضرة أصلاً موظّفة مكرّسة لإلفات النظر للاهتمام بطرح هذا البديل ، وأنا أعتقد متابعة مثل هذا الموضوع بصورة واسعة من قبل الباحثين ، طبعاً ليس متابعة فقط من قبلي يعني من قبل الذين يهتمّون بالجوانب العقائدية سوف تؤدّي هذه المتابعة بطبيعة الحال إلى تقديم البديل ، طبعاً في الوقت نفسه أيضاً لا نبخس الجهود التي بذلها علماؤنا الأعلام في هذا المجال أيضاً ، الجهود التي بذلها آية الله الشهيد الصدر (قدس سره) في تقديم الفكر الإسلامي في أطروحة (اقتصادنا) ، وكذلك في أطروحته حول الدولة الإسلامية ، وعناصر القوّة في الدولة الإسلامية ، والتي أخذت بها الجمهورية الإسلامية ، وهذه الأطروحة قدّمها الشهيد الصدر (قدس سره) قبل أن يقر مجلس الخبراء دستور الجمهورية الإسلامية ومشروع الجمهورية الإسلامية ، أو الثقافة الواسعة التي قدّمها الشهيد مطهري (قدس سره) في هذا المجال أيضاً كان لها تأثير كبير ، وهذه الثقافة هي التي جعلت الشهيد المطهري قادراً على التأثير في أوساط الشباب الجامعي ، الذي كان هو أقرب الأوساط إلى الفكر الأجنبي ، باعتبار أنّ الجامعة كانت مفتوحة على الفكر الأجنبي ، وجعلته قادراً على أن يمسك بزمام الثقافة والفكر في الوسط الجامعي ، هذه الثقافة البديلة ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) هي التي جعلت الشهيد مطهري يؤثّر ، وهكذا بقية العلماء ، ولا أريد أن استقصي الآن الجهود لكن هناك جهوداً واقعاً كثيرة ، يعني أولئك الذين جاؤوا بعد (الشهيد الصدر) و(الشهيد مطهري) أو بعض الجهود التي قبلهم كجهود العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) في التفسير ، وغيرها من الجهود ، لكن هذه الجهود لا ترتقي إلى أهمّية هذا الموضوع ، وضرورة الصعود به إلى مستواه الكامل المناسب ، بحيث يتساوى هذا الجهد مع الجهود التي بذلت في قضية حقّ أهل البيت (عليهم السلام) في الحكم ، هناك جهود أكثر من هذه الجهود بكثير ، إذا أردنا أن نقيس هذا الجهد مع

٢٧

هذه الجهود نرى أنّ تلك الجهود في ذلك المجال كانت أكبر بكثير من هذه الجهود ، المطلوب هو بذل هذه الجهود من أجل تقديم هذه الثقافة البديلة .

أمّا تنظير إحراق مكتبة الإسكندرية بمنع أجهزة (الستلايت) طبعاً هناك فرق كبير جدّاً بين هذا الموضوع وذاك الموضوع ، هنا لو أرادت الجمهورية الإسلامية أن تدمّر كلّ الأجهزة التي تعتمد عليها أجهزة (الستلايت) ، يكون هذا من قبيل تدمير مكتبة الإسكندرية ، إذا نريد أن نقارن يجب هكذا نقارن ، أمّا وضع حظر على حالة معيّنة كما هو موجود في الإسلام ، الإسلام منع تداول كتب البدع والضلالات ، لكن هذا المنع لم يكن معناه أنّ هذه الكتب هي كتب لم يكن يسمح بها للخاصّة أن يقرؤوها ويتداولوها ويناقشوها ويطرحون بعض أفكارها ، كما أنّ القران الكريم طرح هذه الأفكار ، هذا المنع إنّما هو منع لبعض الظواهر في هذا الجانب ، نفرض لو الخليفة الثاني لم يحرق هذه المكتبة ، وإنّما نقلها ووضعها في مكان معيّن ، ووضعها تحت تصرّف أولئك الأشخاص الذين لديهم خبرة في دراسة هذه الكتب ، لكان من الممكن أن يُثري العالم الإسلامي بأُمور كثيرة ; لأنّ هذه الكتب لم تكن كلّها كتب عقائدية ، وإنّما كان فيها الكتب العلمية ، الكتب التجريبية ، كتب الطب ، كتب الفيزياء ، كتب الكيمياء ، كان فيها ثروة كبيرة جدّاً ، لكن عدم القدرة على التمييز بين هذه الأمور ومواجهة هذه الحالة والخوف والرعب منها ، أدّى إلى أن تقمع هذه العملية بهذه الصورة ، وهذه إنّما أعبّر عنها عملية قمعية في مقابل عملية المحافظة على مسيرة وسلامة الطريق ، هذا شيء منطقي في كُلّ دول العالم تمارسه بصورة طبيعيّة ، وهذا لا يقاس بذلك .

سؤال : ما هي الطريقة التي يسعنا بها إثبات المرجعية السياسية لأهل البيت (عليهم السلام) عن طريق المرجعية الفكرية ; لأنّ البعض قد يؤمن يعني قد يفصل بين المرجعيتين ويؤمن بالمرجعية الفكرية لأهل البيت لكن لا يرى لهم مرجعية سياسية ، بل يرى المرجعية السياسية للشورى ، ويمكن للحاكم أن يستعين بأهل

٢٨

البيت (عليهم السلام) ، فطرح المرجعية الفكرية لأهل البيت قد تعتبر نقصاً لمكانة أهل البيت (عليهم السلام) ؟

الجواب : يجب أن نوضّح في البداية كما أشرت إلى ذلك ، ولكن أؤكّد وأوضّح أنّ الدعوة إلى الاهتمام بالمرجعية الفكرية لا يعني إهمال بقيّة القضايا ، وقلت : إنّ أهل البيت (عليهم السلام) لهم عدّة أدوار ، ذكرت منها ستة أدوار ، وفي هذا الاجتماع كان التركيز على هذا الدور ، والمحافظة على الإسلام أيضاً هذا دور مهمّ جدّاً ، ونحتاج أن نتحدّث فيه كثيراً ونهتمّ به ، ولا يوجد أيضاً ذلك الاهتمام الكامل فيه ، وإنّما أحياناً بعض الخطابات والكتابات حول ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً ، أو بعض المواقف لأهل البيت تتناول هذا الموضوع ، أمّا بحث معمّق ودقيق ومبرهن بالشواهد وبالأدلة ، أيضاً لا يوجد عندنا بحث ، وهكذا في المجالات الأُخرى .

إذن فالدعوة للاهتمام بالمرجعية الفكرية لا يعني في الوقت نفسه عدم الاهتمام في القضايا الأُخرى ذات العلاقة بأهل البيت (عليهم السلام) ، وهذا البحث أيضاً لا يستوعب كُلّ أبعاد أهل البيت (عليهم السلام) .

أمّا ما ذكرتموه في بداية السؤال ، وأنّه كيف يمكن من خلال المرجعية الفكرية أن نصل إلى قضية الإيمان بالمرجعية السياسية ؟

أنا أعتقد أنّ المسلمين إذا انفتحوا على مرجعية أهل البيت الفكرية ، سوف تزول عقبة مهمّة جدّاً أمام فهمهم لمرجعية أهل البيت السياسية ، يعبّر عن السياسية مرجعيتهم في حقّهم في القيادة الإسلامية السياسية ، وهذه العقبة هي ذات طابع نفسي وروحي أكثر منها ذات طابع معرفي ،

إنّ هذا البحث يحتاج إلى بحث اجتماعي وقرآني ; لأنّ المعرفة يعني النصوص الموجودة ، الأدلة الموجودة لدى جماعة أهل البيت ، والموجودة أيضاً بيد المسلمين وميسورة بيد المسلمين في تصوّري أنّها كافية لإيجاد المعرفة لهذا

٢٩

الحق ، وإنّما المانع بصورة رئيسية هو مانع نفسي ، يعني له طابع نفسي وروحي أكثر منه مانع معرفي ، لما أشرت له في بداية الحديث ، فإزالة هذا المانع النفسي هو أحد العوامل المؤثّرة في الوصول إلى تلك الحقيقة ، حقيقة مرجعيتهم السياسية .

وأنا أذكر لكم مثل بسيط مشهور لنا في هذا العصر وفي هذا الزمان ، هو موضوع انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، باعتبار أنّه حدث مهمّ جدّاً في المنطقة ، المسلمون بمجرد هذا الانتصار في كثير من مناطقهم انفتحوا نفسياً على هذه الحقيقة ، هذه الحقيقة لا رواية ولا آية ولا دليل من الأدلّة ، وإنّما عالجت وضعاً نفسياً لدى الكثير من المسلمين في رؤيتهم لأتباع أهل البيت ولشيعة أهل البيت ولواقعهم ، ثُمّ وجدوا أنّ هناك عالماً ربّانياً انطلق من الحوزات العلمية لأهل البيت ، وفي منطقة مرتبطة بصورة عامّة بأهل البيت ، قام بهذا العمل المهم المحبوب لهم ، والذي يمثّل أمل من آمالهم ، وآمال المسلمين الرجوع إلى الدولة الإسلامية ، نجد أنّ الكثير منهم انفتحوا على أهل البيت نفسياً ، هذا الانفتاح النفسي أدّى إلى ظهور القبول بالمرجعية السياسية لأهل البيت في كثير من الأوساط مثلاً في أندنوسيا ، في الأردن ، في السودان ، حتّى في مصر ، وفي مناطق أُخرى في أفريقيا ، نلاحظ انفتاح هذه الأوساط ، كان السبب في المعرفة ليس هو الجمهورية الإسلامية ; لأنّها لا تعتبر دليلاً ، ولا نصّاً شرعياً ، ولا آية قرآنية ، ولا حديثاً نبوياً ، لكن إنّما نقول كان له السبب باعتباره خلق هذا الوضع النفسي ، أوجد هذا الوضع النفسي ، ووضع الانفتاح على المعرفة ، فأخذوا يتساءلون ; لنفهمهم ، لنعرف من هم ، ماذا يتبنّون ، هؤلاء وراؤهم حقيقة ، بدليل أنّه قاموا بهذا العمل ، إذن مادام وراءهم حقيقة إذن لنفحص بقيّة الحقائق ، يعني بعض الناس بدأ يطرح هذا السؤال على نفسه ، الأمر الذي أدّى إلى أنّ الكثير منهم يؤمنون ويعتقدون بهذه الحقيقة .

هذه المعالجة للجانب النفسي ، هو المطلوب في مدخل الوصول إلى

٣٠

الحقائق ، يعني الحقائق ليست دائماً ترتبط بالمعارف ، يعني الإيمان بالحقيقة والقبول بالحقيقة ليست دائماً مرتبطة بالمعرفة ، المعرفة هي جزء مهم ، وعلينا أن نقيم الحجّة ونبيّن هذا الأمر ، لكن معالجة الجوانب الروحية والنفسية هو الجزء الأهم في الاعتقاد والقبول لأصحاب العقائد ، وغير أصحاب العقائد لا يوجد عنده حاجز نفسي هو مفتوح من أوّل الأمر ، فالمعرفة تمثّل الجزء المهم ، لكن لأصحاب العقائد الذي عنده حاجز نفسي عادة باعتبار ارتباطه العقائدي ، المفروض في الخطاب وفي تقديم المعرفة عدم الاكتفاء بالمعرفة بما هي حقيقة من الحقائق ، وإنّما الاهتمام أيضاً في معالجة الجانب النفسي والروحي لهؤلاء حتّى يمكن إيصالهم إلى الهدى ، والقرآن يبيّن هذه الموازنة والقاعدة في هذه الحقيقة في قوله تعالى : ﴿ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ﴾ (١) يعني هذا الإنسان بالرغم من أنّه أصبح على يقين من هذه الحقيقة ومعرفة بهذه الحقيقة ، لكن مع ذلك في وضعه النفسي تراه يجحد ولا يقبل بهذه الحقيقة ، فالوضع النفسي ما لم يعالج لا يمكن أن يصل هذا الإنسان إلى الاعتقاد والقبول والخضوع والتسليم لهذه الحقيقة ، ولذلك قلت : إنّ الجهاد هو أحد العناصر التي يستخدمها الإسلام في المرحلة الأخيرة ، يعني بعد إقامة الحجّة ، وإزالة كُلّ الموانع الأُخرى والمعالجات الأُخرى ، عندما لا يصل بعد هذه المعالجات كُلّها إلى إزالة هذا الحاجز النفسي ، ولا يبقى أمامه إلاّ هذا الحاجز النفسي ، عندئذ يستخدم الجهاد من أجل إزالة هذا الحاجز النفسي ، وهو وجود الطغيان والقدرة والقوّة للكفر والإنحراف .

والحمد لله ربِّ العالمين .

١- النمل : ١٤ .

٣١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

( ٤٦ ـ ٤٧ ) المدخل إلى حديث الغدير

الشيخ محمّد مهدي الآصفي

٣٢

٣٣

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين .

قال الله تعالى : ﴿ وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ (١) .

في مسألة الإمامة والخلافة لدينا في التاريخ الإسلامي ثلاث نظريّات لا غير :

النظرية الأولى : نظرية الثورة المسلّحة والغلبة العسكرية .

النظرية الثانية : الخيار والانتخاب .

النظرية الثالثة : النصّ .

في حدود علمي لا أعرف نظرية رابعة في مسألة الإمامة والخلافة .

أستعرض في حدود ما يسعنا الوقت هذه النظريات الثلاث :

النظرية الأولى : نظرية الثورة المسلّحة :

في جمهور أهل السنة من يعتقد أنّ الإمامة تنعقد لمن يقوم بالسيف ، ويستولي على الحكم بالسيف ، ويتغلّب على منافسه السياسي أو يسقّط الإمام الحاكم القائم في ثورة مسلّحة كما يحدث كثيراً ، هذا يكتسب صفة الشرعية في الإمامة والسياسة بالثورة المسلّحة ، إلى هذا المذهب يذهب كثير من فقهاء الجمهور ، الإمام أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ يذهب إلى هذا المذهب ، ويقول : «إذا تغلّب من غلب عليهم بالسيف وصار خليفة وسُمّي بأمير المؤمنين ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً ، برّاً كان أو فاجراً» يرويه أبو يعلي في الأحكام السلطانية ٢٣ ـ ٢٤ ، والتفتازاني في شرح المقاصد ٥ :٢٣٣ ، ويعتقد أنّ الثورة المسلّحة تكسب الحاكم شرعية الحكم والإمامة ، ومن

١- البقرة : ١٢٤ .

٣٤

المعاصرين الدكتور محمّد رأفت عثمان وله كتاب جيّد اسمه (رئاسة الدولة) يذهب نفس المذهب ، ويوجّه كلام الفقهاء الذين يعتقدون أنّ الثورة المسلّحة تكسب الحاكم المنتصر شرعية الحكم والولاية ، ويقول : نحن إذا سلبنا عنه صفة الشرعية ، جمهور الناس إذا نفوا عن المنتصر صفة الشرعية وانضموا إلى الإمام المغلوب ، تحدث مشكلة ، وينشغل الناس بالحروب الداخلية ، وتراق الدماء ، ويسلب الأمن في المجتمع ، ولذلك من مصلحة المسلمين أن يكونوا مع الإمام الغالب .

وأحمد بن حنبل يستدل بكلمة عبد الله بن عمر ، عبد الله بن عمر في واقعة الحرّة كان يقيم الصلاة ويسألوه أنت مع من عندما كانت المعركة محتدمة بين الثائرين من أهل المدينة من المجموعة التي كان يرأسها عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ، والمجموعة الثائرة في المدينة المنوّرة وجيش يزيد بن معاوية ، وقبل حسم المعركة لصالح الحكومة المركزية في دمشق أو الثوّار المتمردين عليها كانوا يسألون عبدالله بن عمر أننا نقف مع من ؟ نحن نصلّي صلاة الجمعة ندعوا لمن ؟

كان عبد الله بن عمر يقول : «نحن مع من غلب»(١) .

أحمد بن حنبل يستدل بكلمة عبد الله بن عمر ويوجّهها .

هذا الرأي الأوّل اختصاراً ; لأنّ الرأي الأوّل رأي ضعيف في شرعية الإمامة والولاية .

وهناك مناقشات أساسية موجّهة إلى هذا الرأي ، من جملة هذه المناقشات أنّ الأصل في الموقف السياسي مقاومة الظالم ، والصمود أمام الظالم ، وإذا كان الإمام الذي ينتصر بثورة مسلّحة إمام حقّ نؤمن به ; لأنّه إمام حقّ ، وليس لأنّه قام بثورة مسلّحة وانتصر في هذه الثورة ، نؤمن به ونأخذ بطاعته ، ويبايعه المسلمون ; لأنّه الإمام الحقّ .

١- الأحكام السلطانية للفراء الحنبلي : ٢٣ .

٣٥

وإن كان ظالماً وباطلاً فالأصل في الموقف اتّجاه الظالم الصمود والمقاومة والمقارعة ، لا الاستسلام ، الاستسلام ليس أصلا في هذه المسألة ، وقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن الاستسلام والانقياد للظالم إلاّ بقدر الضرورة .

والقاعدة التي يستند إليها الكاتب المعاصر الذي أشرت إلى اسمه ، هذا صحيح ، كلام في حدّ نفسه معقول لو كان في المواجهة للحاكم المتسلّط ضرر كبير على المسلمين ، هذا الضرر يرفع الله عزّ وجل حكمه بحرمة الركون إلى الظالمين ، الله حرّم الركون إلى الظالمين بلا مناقشة : ﴿ وَلا تَرْكَـنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾(١) ، فلو فرضنا أنّ مقارعة الظالم تؤدّي إلى ضرر أبلغ على المسلمين ، عند ذلك حرمة الركون إلى الظالم بموجب قاعدة الضرر ترتفع .

والله عزّ وجلّ أوجب علينا مجاهدة الظالم ، فإذا كان في جهاد الظالم ضرر أبلغ ، يرتفع الحكم بالجهاد ، وهذا شيء ومشروعية ولاية الظالم وسيادة الظالم شيء آخر .

فما يقوله : أحمد بن حنبل والتفتازاني والفقهاء المعاصرون من أهل السنة من أنّ الثورة المسلّحة تكسب الحاكم المنتصر شرعية الحكم ، لا يعلم من أين جاء ؟ !

ونقبل من الدكتور محمّد رأفت عثمان أنّ الصراع الداخلي والمواجهة الداخلية ربّما تؤدّي إلى أضرار كبيرة على المسلمين تسلب الأمن من المجتمع الإسلامي ، فترتفع حرمة الركون إلى الظالم ووجوب الجهاد ، لا لأجل كون الحاكم الظالم الذي انتصر بالثورة المسلّحة أصبح حكمه مشروعاً كما يقول أحمد بن حنبل : «وإن كان ظالماً فاجراً يكتسب شرعية الحكم بالثورة المسلّحة ، ويحرم على كُلّ من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت إلاّ ويرى طاعته لزاماً على نفسه»(٢) ، هذا لا دليل عليه إطلاقاً ، وقد نهانا القرآن الكريم عن الركون إلى

١- هود : ١١٣ .

٢- انظر الأحكام السلطانية للفراء الحنبلي : ٢٣ ، والنقل مع التصرّف في بعض الألفاظ .

٣٦

الظالمين بشكل واضح ، يقول تعالى : ﴿ وَلا تَرْكَـنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ (١) ، ويقول تعالى : ﴿ وَلا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ﴾ (٢) .

الله عزّ وجلّ ينهانا بشكل صريح أن نطيع أمر المسرفين ، وأن نركن إلى الذين ظلموا .

فإذن ، الظالم إذا انتصر بثورة مسلّحة ، وتغلّب على إمام الحقّ ، فالثورة المسلّحة لا تكسبه الشرعية أبداً ، وتبقى حرمة الركون للذين ظلموا ، وحرمة طاعة المسرفين على حالها ، يقول تعالى : ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِـعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَـفُوراً ﴾ (٣) .

والحاكم الظالم بطبيعة الحال المصداق الحقيقي للآثم الكفور فلا تجوز طاعته ، ولا يجوز ترك جهاده ، ويحرم الركون إليه بصريح هذه الآيات الكريمة .

وبطبيعة الحال هذه الآيات نازلة في هذا المورد ، وهذا المورد هو مورد الصراع ، يعني لا يتوقّع أحد أن يمتثل قوله تعالى : ﴿ وَلا تَرْكَـنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ ويقدّموا له باقة ورد ، الذي يريد أن يمتثل قوله تعالى : ﴿ وَلا تَرْكَـنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ يتوقّع المواجهة ، يتوقّع السجن والتعذيب والمطاردة والهجرة والمضايقة في حياته وعيشه ، فهذه الآيات نزولها وورودها في مورد المشقّة والتعب والعذاب والمطاردة والملاحقة وأمثال ذلك .

ويقول تعالى : ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى . . . ﴾ والحاكم الظالم يشاقق الرسول بلا كلام ،

١- هود : ١١٣ .

٢- الشعراء : ١٥١ ـ ١٥٢ .

٣- الإنسان : ٢٤ .

٣٧

الحاكم الظالم الذي يشير إليه أحمد بن حنبل والفقهاء الآخرون يشاققون الرسول ، فلو لم يكونوا يشاققون الرسول لم يكونوا ظلمة ، كُلّ ظالم يشاقق الرسول .

﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ . . . وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ (١) ، ويقول تعالى : ﴿ ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا اُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا اُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ (٢) .

فإذن الله عزّ وجل يأمرنا أن نكفر بالحاكم الظالم ، ولا نركن إليه ولا نطيعه ، ونقاومه ونجاهده ، هذا حكم الله عزّ وجلّ في كُلّ ثورة مسلّحة ، وحاكم يتغلّب على المسلمين برأيه حكومته باطلة ، وهو ظالم جائر وفاسق ، والقرآن الكريم يأمرنا بمجاهدته ومقارعته ، وعدم التحاكم إليه وعدم الركون إليه ، هذا هو حكم الله .

إذن ، النظرية الأولى لا نتوقف عندها ; لأنّ هذه النظرية باطلة بالضرورة ، وإن كان الكثير من فقهاء أهل السنة يذهبون إلى هذا المذهب .

النظرية الثانية : نظرية الاختيار :

النظرية الثانية : الانتخاب أو الاختيار الأمّة بمجموعها أو أكثريّتها أو أهل الحل والعقد منها ، فهم الذين ينتخبون الإمام ، وهذا الإمام يحكمهم ويكتسب شرعية الولاية والحكم من اختيار الناس ، أي : اختيار الناس يعطي للإمام شرعية الولاية والحكم .

هذه هي النظرية الثانية ، وهي نظرية جمهور أهل السنة ولا يشذّ عنها أحد منهم إطلاقاً .

النظرية الثالثة : نظرية النصّ :

وهي النظرية التي يؤمن بها الشيعة .

١- النساء : ١١٥ .

٢- النساء : ٦٠ .

٣٨

فثلاث نظريات عندنا ، وقد ناقشت النظرية الأولى ، والآن أطرح النظرية الثانية ، وهي أنّ الحاكم (الإمام) يكتسب شرعية الولاية والحكم في المسلمين بالانتخاب ، المسلمون انتخبوه فيكون حاكماً شرعياً .

يذهب إلى هذا المذهب فقهاء أهل السنة ومتكلّموهم بلا مناقشة ولا تردد ، منهم أبو الحسن الماوردي المتوفّى ٤٥٠ هـ يقول : «إذا اجتمع أهل الحل والعقد فقدّموا للبيعة أكثرهم فضلا لزم كافة الأُمّة الدخول في بيعته»(١) .

ومنهم القاضي عبد الجبار صاحب كتاب المغني المتوفّى ٤١٥هـ(٢) .

ومنهم القرطبي صاحب التفسير المعروف الجامع لأحكام القرآن(٣) المتوفّى ٦٧١ هـ .

ومنهم ابن تيميّة المتوفّى ٧٢٨ هـ ، في كتابه منهاج السنة النبوية(٤) .

وكُلّ فقهائهم ومتكلّميهم هذا رأيهم ، وهو أنّ الانتخاب والاختيار يكسب الحاكم الشرعية في الحكم والولاية .

ويختلفون في أقل ما تنعقد به الإمامة ، فمنهم من يذهب إلى أنّ أقل ما تنعقد به الإمامة أربعين شخصاً ، فلو أنّ إماماً انتخبه أربعون شخصاً تكون إمامته شرعية ، ويذهب بعضهم إلى كفاية خمسة لأن تكون إمامته شرعية ، وعلى المسلمين أن يبايعوه ، ومنهم من يذهب إلى ثلاثة ، ومنهم من يذهب إلى شخصين ، ومنهم من يقول شخصاً واحداً ، فلو بايعه شخص واحد تكون إمامته شرعية ، ويستدلّون بقول العبّاس بن عبد المطلب لأمير المؤمنين (عليه السلام) «امدد يدك أبايعك فيقول الناس عمّ رسول الله بايع ابن عمّ رسول الله فيبايعوك»(٥) .

١- الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي الشافعي : ٧ .

٢- انظر المغني ٢٠ القسم الأوّل : ٤٦ و٢٥٢ وما بعدها .

٣- تفسير القرطبي ١ : ٢٦٨ ، ٢٧٢ .

٤- انظر منهاج السنة النبوية ١ : ٤٩٩ ، ٨ : ٢٢٦ .

٥- فتح الباري ١١ : ٥١ ، شرح نهج البلاغة ١ : ١٦٠ ، ٩ : ١٩٦ ، الإمامة والسياسة١ : ٢١ النزاع والتخاصم : ٧٨ .

٣٩

فإذن بيعة رجل واحد تكفي في إعطاء الشرعية للحاكم .

هذه هي النظرية ولا أطيل فيها لأنّها معروفة .

نحن يمكن أن ننتقد هذه النظرية على منهجين :

أوّلا : على نحو الإجمال ، ثُمّ على نحو التفصيل ; لأنّ هذه النظرية هي الأساس في الخلاف بين المسلمين ، والذي شقّ المسلمين إلى طائفتين كبيرتين الشيعة والسنّة ، فالسنّة يقولون الإمامة تنعقد بالانتخاب ، والشيعة يقولون بالنصّ ، فهذه النظرية هي أساس الخلاف العميق بين الطائفتين الإسلاميتين الكبيرتين .

فنتوقّف في مناقشة هذه النظرية بعض الشيء ، نناقشها أوّلا على نحو الإجمال ، ثُمّ نناقش النظرية على نحو التفصيل ، وأذكر في الإجمال نقطتين لمناقشة نظرية الانتخاب ، فنحن عندنا أصلان قرآنيان كلاهما يصرّح بهما القرآن :

أصلان قرآنيان

الأصل الأوّل : إنّ الله تبارك وتعالى هو مصدر الشرعية ، ونأخذها منه تعالى ، الولاية والحاكمية لله في حياة الإنسان ، والسيادة لله تعالى في حياة الإنسان ، وما يكتسب الحاكم صفة الشرعية إلاّ إذا كانت الولاية اكتسبها من جانب الله سبحانه وتعالى ، وإلاّ أيّ ولاية من دون إذن الله ومن دون أمر الله ولاية غير شرعية ، والقرآن صريح بذلك : ﴿ إن الحكمُ إلاّ لله ﴾ (١) ، الآية في سياق حصر الحكم المشروع فقط ، الحكم يعني أنّ السيادة التكوينية والسيادة التشريعية في الأرض لله تعالى لا غير ، الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر ، ما الحكم إلاّ لله ، ويقول تعالى : ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِيَاءَ ﴾ (٢) الله فقط له الولاية على الإنسان لا غير ، الولاية التكوينية والولاية التشريعية ، وكُلّ ولاية من عند غير الله ، وكُلّ حاكمية

١- يوسف : ٤٠ ـ ٦٧ .

٢- الأعراف : ٣ .

٤٠