×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 4 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

إذا عرفنا أو وجدنا دليلاً على التفويض ليس عندنا مشكلة ، الله عزّ وجلّ له الأمر وله الحكم يحكم ما يشاء ، وهو عزّ شأنه جعل الجماعة مخوّلة في انتخاب الحاكم وتنتهي المشكلة .

ولكن لا دليل عندنا على التفويض ، وعدم الدليل دليل العدم ، وفي المسألة الخطيرة عدم الدليل دليل العدم ، مسألة بمستوى مسألة الإمامة والخلافة التي هي مسألة ذات ثلاثة أبعاد : عقائدية فقهية سياسية ، مسألة بهذا الحجم لو كان هنالك دليل على أنّ الله عزّ وجلّ خوّل المسلمين في انتخاب الإمام ـ اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وانتخبوا لأنفسهم إماماً ـ لا يُنسى هذا الدليل ، ولا يضيع هذا الدليل ، مسألة ترتبط بها سلامة العقيدة ، وسلامة الخط السياسي ، مسألة تصحّح التاريخ كُلّه ، ويتوقف عليه شرعية الهيئة الحاكمة أو الأنظمة الحاكمة منذ وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليوم، لو كان عندنا دليل لظهر هذا الدليل، فنحن عندما نرجع إلى كتب الحديث لا نرى دليلاً ، فبشكل قطعي نستطيع أن نقول عدم الدليل دليل العدم .

أدلّة تفويض الحكومة من قبل الله تعالى إلى الناس :

نذكر بشكل سريع أدلّة التفويض ، الأدلّة التي يذكرها الفقهاء والمتكلّمون ، أقول : الفقهاء والمتكلّمين ; لأنّ مسألة الإمامة لها بُعدين : بُعد فقهي وبُعد عقائدي كلامي ، فأستعرض الأدلّة التي يذكرها الفقهاء والمتكلّمون على التفويض ، ونرى هذه الأدلّة هل فيها صراحة ، فيها قوّة متينة ، فيها استحاكم أم أنّها لا تقاوم المناقشات والمؤخذات العلمية ؟

في أدلّة التفويض عندنا نوعان من الأدلّة ، قسم من الأدلّة تتعلّق بالجانب المبدئي من القضية ، الله مفوّض أم لم يفوّض ؟

والقسم الآخر يتعلّق بالجانب التطبيقي ، كيف فوّض وبأيّ طريقة فوّض ، أو من خلال أيّ آلية فوّض الجماعة ؟ والآليات ثلاث لا تتجاوزها ، إمّا الإجماع الآلية الأولى ، أو البيعة الآلية الثانية ، أو الشورى الآلية الثالثة .

٦١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

فإذن ، عندنا نوعان من البحث ، البحث الأوّل نناقش مبدأ التفويض ، وبعد ذلك نناقش الجانب التطبيقي ، يعني آليات التطبيق ، الآلية التي فيها الأمّة تعبّر عن الانتخاب ، في الجانب المبدئي تسميتها بالكبروي والصغروي ليس دقيقاً ، لذلك نسمّها بالجانب المبدئي والتطبيقي .

في الجانب الكبروي أذكر دليلين :

الدليل الأوّل : قاعدة التسليط ، ويتّفق عليها فقهاء المسلمين ، الناس مسلّطون على أنفسهم وأموالهم ، الله سلّطنا ، هذا تفويض ومن جملة مصاديق التسليط ، التسليط على مسألة الإمرة والولاية والسيادة والحاكمية ، وهذه قاعدة فقهية مذكورة في فقهنا وفي فقه أهل السنة ، وتشمل هذه القاعدة مسألة التفويض في الإمامة .

أقول :

أوّلا : الرواية الموجودة عندنا : «الناس مسلّطون على أموالهم»(١) وليست على أنفسهم وأموالهم .

أنا راجعتها في مصادرنا على أقل تقدير في مصادرنا الحديثية ليس عندنا بلفظ على أنفسهم ، ولم أراجع الرواية في المصادر السنية ، ومعناها أنّ بيتك مثلاً تستطيع أن تتصرّف فيه تبيعه تهبه .

ثانياً : مجال هذه القاعدة الشؤون الفردية ، الشؤون العامّة لا تصلح للتسليط ، قاعدة التسليط لا تشمل الشؤون العامّة ، تشمل الشؤون الشخصية ، لو فرضنا الرواية هكذا «الناس مسلّطون على أنفسهم وأموالهم» لا تشمل الشؤون العامّة ، ومن الشؤون العامّة مسألة الإمرة والولاية والخلافة والإمامة ; وذلك لأنّ الشؤون العامّة مختلفة ، قلّما يتّفق الناس على شأن عام ، رأي واحد وفهم واحد ، ولا سيّما مسألة الإمامة والخلافة التي تتضارب فيها الأهواء والآراء والمذاهب

١- عوالي اللئالي ١ : ٣٠ ، ٢٢٢ ، ٤٥٧ ، ٢ : ١٣٨ ، ٢٠٨ ، بحارالأنوار ٢ : ٢٧٢ .

٦٢

والمسالك والأذواق ، فإذا كان كذلك اختلف الناس .

وهذا الشيء طبيعي جدّاً وهو أن يختلف الناس في مسألة الإمامة ، إمّا أقلّية أو أكثرية أو متساوية أو متقاربين ومتعادلين أو أقلّية كبيرة وأكثرية أكبر ، أو أقلّية ضعيفة وأكثرية قوية ، تختلف الحالات ، فعند ذلك توظيف قاعدة التسليط في هذا المجال معناه مناقضة القاعدة بنفسها ; لأنّ معنى ذلك أنّ الناس مسلّطون بعضهم على بعض .

القاعدة لا تقول : الناس مسلّطون بعضهم على بعض ، القاعدة تقول : الناس مسلّطون على أنفسهم وأموالهم ، فإذا فرضنا مائة فرد ، ثمانون منهم انتخب إماماً ، وعشرون انتخبوا إماماً آخر ، بطبيعة الحال رأي الأكثرية هو الحاكم ، فرأي الثمانين سوف يسلّط على العشرين ، يعني نفس الشبهة التي ذكرها أحد الإخوان للديمقراطية تأتي هنا ، يعني نرغم العشرين على قبول رأي الثمانين الذين انتخبوا (س) ، ونلغي رأي العشرين الذين انتخبوا (ص) .

فإذن توجد عمليتان : العملية الأولى : إلغاء رأي العشرين وقد انتخبوا (ص) .

والعملية الثانية : تحكيم رأي الثمانين وقد انتخبوا (س) .

فهذا معناه الناس مسلّطون بعضهم على بعض .

القاعدة لا تقول هذا ، القاعدة تقول : الناس مسلّطون على أنفسهم ، هذا الأمر له مصداق واحد يصحّ ، وهو لو أنّ الناس اجتمعوا كُلّهم برّهم وفاجرهم ، صغيرهم وكبيرهم ، قريبهم وبعيدهم ، حاضرهم وباديهم ، اجتمعوا على شخص واحد بالإجماع ، وهو ما لم يتّفق في تاريخ البشرية برمّته ، أمّا لو أنّ الناس اختلفوا فتوظيف القاعدة في تصحيح هذه العملية ، في تصحيح عملية الانتخاب ، معناه تسليط الناس بعضهم على بعض ، وهو نقيض القاعدة تماماً . نكتفي بهذا النقد ونتجاوز إلى مسألة أُخرى .

الدليل الثاني : نظرية العقد والولاية ، حيث إنّ بعض الفقهاء يتمسّكون

٦٣

بنظرية العقد والولاية ، الإمرة عقدٌ شرعي بين الإمام والرعية كالإجارة وعقد البيع وعقد المضاربة وعقد الشركة وعقد الزواج ، وطرفا العقد الرعية من جانب والإمام من جانب آخر ، الرعية يعطون الإمام الطاعة ، والإمام يعطيهم العدل ، ويعطيهم الإدارة ، والإنصاف ، وتنظيم أمورهم ، وهو عقد وقد قال تعالى : ﴿ أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ (١) ، والفقهاء يتمسّكون بهذه الآية الكريمة .

على أنّ الأصل في كُلّ عقد اللزوم كما تدلّ عليه الآية إلاّ أن يرد دليل على أنّ العقد غير لازم ، مثل عقد الشركة فإنّه عقد غير لازم ، فإذا لم يكن دليل على جواز العقد ، فالأصل في العقود اللزوم ، ويتمسّكون بقوله تعالى : ﴿ أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ ، والإمرة كذلك عقد من العقود ينظّم العلاقة بين الحاكم والرعية .

أقول : هذا الكلام يرد عليه :

أوّلا : العقد إنّما يصحّ فيما يملك الإنسان ، أنت تستطيع أن تبيع دارك ولا تستطيع أن تبيع داري ، والسبب واضح ، الدار لي وأنا يجب أن أعقد العقد ، كُلّ إنسان يستطيع أن يعقد على ما يملك ، المرأة تستطيع أن تعقد على نفسها ولا تستطيع أن تجري العقد على غيرها من دون وكالة ولا ولاية ، مسألة الإمرة والولاية والسلطة لله عزّ وجلّ ، الله عزّ وجلّ أخذها من أيدي الناس : ﴿ إن الحكمُ إلاّ لله ﴾ (٢) ، ليس لنا الحق أن نتّخذ من دونه أولياء ، الآيات كثيرة وقرأتها عليكم ، فالعقد بين الراعي والرعية يشبه العقد على ما لا يملكه الإنسان ، وهب الأمير ما لا يملك ، عقد على ما لا يملك ، فأوّلا يجب أن نثبت أنّ مسألة الإمرة لنا ، كما أنّ الله عزّ وجلّ فوّضنا في أموالنا وفي شؤوننا الشخصية ، عند ذلك يصحّ لنا أن نعقد ، أمّا وأنّ الله تعالى لم يفوّضنا في ذلك ، ويصرّح القرآن بأنّ الحكم والولاية ليس للإنسان ، الحكم والولاية لله تعالى ، فعلى ماذا يعقد الإنسان ؟ ! كيف تعطي حقّ

١- المائدة : ١ .

٢- الأنعام : ٥٧ ، يوسف : ٤٠ ـ ٦٧ .

٦٤

الطاعة ؟ ! كيف يعطيه الرعية حقّ السيادة والولاية ، والولاية لله والسيادة لله والحاكمية لله ؟ !

ثانياً : يعقد على ما يخصّه ولا يعقد على ما يخصّ الآخرين ، نفس المثال الذي ذكرته الثمانون يعطون للوالي الولاية على المائة هذا عقد باطل .

فإذن لا يمكن التمسّك بنظرية العقد ، وهذه النظرية تكثر في كلام فقهاء أهل السنّة ، وأيضاً في كلمات بعض فقهائنا .

النظرية الثالثة : التمسّك بأدلّة وجوب نصب الإمام :

والتمسّك بأدلّة وجوب الطاعة كقوله تعالى : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (١) ، وهذا أيضاً يتمسّك به علماء أهل السنّة ، ومنهم النبهاني .

وهذا استدلال عجيب ، نحن عندنا في الأصول مسألة أنّ الحكم لا يثبت موضوعه ، الله يأمرنا بطاعة ولي الأمر ، الحكم بالطاعة وموضوع هذا الحكم ماذا ؟ هو طاعة ولي الأمر .

جيّد من دون أن يتحدّد ولي الأمر ، ويكون الحاكم حاصلا على الشروط الشرعية للولاية ، ويكون مأذوناً من جانب الله تعالى في الولاية ، الحكم بوجوب الطاعة ـ أطيعوا الله والرسول وأُولي الأمر منكم ـ يبقى بلا موضوع ، الحكم يتوقّف على موضوعه ، ومن دون تحقّق الموضوع ، يبقى الحكم معلّقاً .

الحكم دائماً يتعلّق بأحد اثنين ، إمّا على الموضوع الخارجي أو على الموضوع التقديري ، يعني لو حصل ولي الأمر يجب أن تطيعوه ، لو حصل إمام مأذون من قبل الله ، الله خوّله الإمامة والولاية والإمرة فعلى المسلمين الطاعة ، ونحن نريد أن نستفيد من قوله تعالى : ﴿ أطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ طاعة الحاكم القائم الموجود فعلا ، الذي بيده القوّة ويحكم فعلا ، هذه قضية غريبة

١- النساء : ٥٩ .

٦٥

في بابها ، وليس لها تفسير علمي مفهوم ، دائماً القضايا الحقيقية ـ كما يقول علماء الأصول ـ تنحل إلى قضية شرطية ، موضوعها الشرط وحكمها الجزاء ، موضوعها المقدّم والحكم مؤخّر ، القضية الشرطية يعني الجزاء في القضية الشرطية ، فإذا كان (أطيعوا أولي الأمر) كذلك فترجع إلى قضية شرطية ، وموضوع القضية الشرطية إذا حصل ولي الأمر المأذون من جانب الله بالولاية ، المفوّض المخوّل من جانب الله بالولاية ، الحاصل على شروط الولاية ، إذا حصل فعلى المسلمين الطاعة ، هذا الجزاء ، الموضوع يكون عقد الشرط في القضية ، والحكم هو عقد الجزاء في القضية .

ومن دون ذلك التمسّك بقوله تعالى : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ . . . ﴾ ينطبق عليه ما نقوله نحن في الأصول التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقية ، ولا يوجد عاقل يتمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقية ، يوجد عندنا عامّ ، وعندنا استثناء ، وعندنا مصداق ، أنا لا أدري هذا المصداق داخل في الاستثناء ، في التخصيص ، أم باق تحت العموم ، لا أدري لشبهة مصداقية لشبهة مفهومية ، لا أدري أنّ هذا المصداق المعيّن باقي تحت العامّ ، أو داخل في التخصيص في الاستثناء ، لا يمكن أن نتمسّك بالعامّ في هذه الشبهة المصداقية ، ونثبت أنّ هذا المصداق موضوع للحكم ، بعموم الموضوع .

وهذا الذي يذكره علماء الأصول من عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقية ، قضية عقلية ، لكن بيانها وترتيبها إذا أراد أحد أن يتكلّم مع غير أهل الفن يحتاج إلى تفصيل في القضية ، وإلاّ إذا تبسّطت القضية فكلّ أحد يفهمها ، ولا يحتاج إلى ثقافة أصولية حتّى يفهم عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقية ، فهي قضية عقلية واضحة بديهية ، فلا يجوز إذن التمسّك لا بأدلّة نصب الحاكم ، ولا بأدلّة عموم الطاعة : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ في إثبات شرعية الحكّام الحاكمين .

٦٦

وهؤلاء يتمسّكون بهذه الآية على شرعية خلافة معاوية ، وعلى شرعية يزيد ، وعلى شرعية خلافة الوليد بن عبد الملك ، ويزيد بن الوليد ، وإلى آخر الحكّام العبّاسيين ، هارون الرشيد ، المنصور الدوانيقي ، الهادي ، المهدي ، المتوكّل ، المستعصم ، يتمسّكون بخلفاء بني العبّاس ، نقول لهم : ما هو دليل شرعية هذه الحكومة ؟ يقولون الله تعالى يقول : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا . . . ﴾ ، أقول : أثبتوا لنا أنّ هذا الإنسان من أولي الأمر من مصاديق أولي الأمر حتّى أعطيك الطاعة .

هذا الإنسان الذي يتربّع على عرش الخلافة أنا أشك في ولايته ، أشكّ في شرعية سيادته ، أشكّ في شرعية إمامته ، كيف تحكمني بهذه الآية على الطاعة ؟ !

نتجاوز هذه النقطة إلى الجانب الصغروي من الموضوع ، ولم يثبت عندنا دليل من الروايات التي يتمسّكون بها أيضاً .

على أنّ سندها ضعيف جدّاً ، الوضع والانتحال ظاهر عليها بشكل واضح .

نتجاوز هذا ونلجأ إلى الجانب التطبيقي منها ، إذا فرضنا أنّ الله مفوّض الأمّة حق الانتخاب ، ولم يعرف ذلك ولم نصل إلى هذه النتيجة قطعاً بالتأكيد ، إذا فرضنا ذلك نأتي على الآليات المعروفة في تعيين الإمام ، ثلاث آليات يذكرون في كتب الفقه وكتب الكلام .

الآلية الأولى : الإجماع .

الآلية الثانية : البيعة .

الآلية الثالثة : الشورى .

الشورى ناقشناها ، نناقش الإجماع والبيعة .

أمّا الإجماع فيستدلون على الإجماع بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تجتمع أمتي على خطأ» ، فالناس اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة على انتخاب الخليفة ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تجتمع أمتي على خطأ»(١) .

١- تحف العقول : ٤٥٨ ، الاحتجاج ٢ : ٢٥١ ، بحارالأنوار ٢ : ٢٢٥ ، ٥ : ٢٠ ، ٦٨ ، ٢٩ : ٣٦ ، شرح مسلم للنووي ١٣ : ٦٧ ، مجمع الزوائد ٧ : ٢٢١ ، تاريخ مدينة دمشق ٥٩ : ٧ وقد ورد في بعضها : على ضلالة ، وفي بعضها أيضاً تضعيف الحديث .

٦٧

أنا أقول : الحديث سنده ضعيف ، راجعوا سند الحديث في مصادر الفريقين ليس له سند قوي ، ولكن أنا أقبل مضمون الحديث بغض النظر عن سند الحديث ، مضمون الحديث صحيح لا تجتمع أمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على خطأ ، يعني الأمّة معصومة بكاملها ، فإذا اجتمعت الأمّة بكاملها على الصلاة ، الصلاة حق بالتأكيد واليقين ، بغض النظر عن تفاصيل الصلاة التي يختلفون عليها ، ولكن يوجد إجماع على أنّ الله فرض الفرائض الخمسة على المسلمين ، هذا حقّ ، الأمّة مجتمعة على الصيام بغض النظر عن تفاصيل الصيام هذا حقّ ، الأمّة بكاملها معصومة ، فمهما اجتمعت الأمّة على شيء فبالتأكيد صحيح ، ولكن بشرط أن تجتمع الأمّة ، والرواية دقيقة إذا صحّت ، اجتماع يعني الإجماع ، يعني لا يشذّ عنهم أحد ، فإذا وجدنا إماماً أجمع المسلمون على إمامته بدون أن يشذّ منهم أحد نقبل بإمامة هذا الإمام ، أمّا إذا اختلفوا وتعدّدت الآراء ولم يحصل الاجتماع نشك في حجيّة الإجماع .

حجّيّة الإجماع قطعية عندما تجتمع الأمّة جميعها ، أمّا إذا اختلفت الأمّة على آراء فنشك في حجّية الإجماع ، والشك في الحجّية دائماً يساوق عدم الحجّية ، والحجّية من القضايا المهمّة الأساسية التي يخلّ الشكّ بها ، إذاما شككنا في حجّية دليل ، فقد سقط ذلك الدليل عن الحجّية ، هذه قاعدة عامّة ، نحن نقطع بحجّية الإجماع في حالة واحدة فقط ، فيما إذا اجتمعت الأمّة جميعاً ، نقطع بحجّية الإجماع ، أمّا عندما يكون أهل الإجماع وأهل الحلّ والعقد ، أو إجماع الفقهاء ، أو إجماع ذوي الرأي ، أو إجماع المهاجرين والأنصار ، أو إجماع التابعين ، أو إجماع الصحابة مثلا أقل ما يمكن أن نقوله نحن نشك في حجّية هذا الإجماع ، والشك في الحجّية يساوق سقوط الدليل عن الحجّية .

٦٨

هذه أيضاً قاعدة عقلية ، وإن كان في الأصول نحن نتحدّث فيها ، لكن تبسيطها وتفهيمها لغير أصحاب الفن لغير أصحاب الاختصاص بسيط . هذا النقد الأوّل .

النقد الثاني : لو فرضنا حصول إجماع في السقيفة على خلافة أبي بكر ـ وهو ما لم يحصل بالتأكيد ، الذي يقرأ أحداث السقيفة يتأكّد أنّ الإجماع لم يحصل بالتأكيد ـ فإنّ الإجماع ليس دليلا في عرض الكتاب والسنّة ، الإجماع دليل في طول الكتاب والسنّة دائماً ، يعني طبيعة الإجماع يختلف عن الكتاب والسنّة ، الكتاب والسنّة هما حجّتان بذاتهما ، الإجماع ليس حجّة في ذاته ، الإجماع حجّة لكشفه ، لأنّه يكشف عن الحجّة عندنا ; لأنّ الإجماع يكشف عن وجود رأي المعصوم .

نحن هكذا توجيهنا للإجماع ، فقهاء السنّة كذلك لا يختلفون عنّا في أنّ الإجماع ليس حجّة في عرض الكتاب والسنّة ، وإذا أحد يذكر أنّ الإجماع في عرض الكتاب والسنّة بالتأكيد ليس عنده معرفة بالأصول ، أنا رأيت الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، صاحب كتاب (الوسيط) من كبار فقهاء القانون المعاصرين ، له كتاب (الوسيط في القانون المدني) ، رأيت له كرّاسة يدعو فيها إلى تحكيم الإسلام ، نحن نحكّم الإسلام في حياتنا ، فيتساءل ويقول : عندنا مواضيع ليس لها حكم في الشريعة ، مسائل المرور مثلا ما كان المرور مسألة في عصر الرسالة حتّى تثبت فيها أحكام ، الآن عندنا مسألة المرور من المسائل الفقهية القانونية المعقّدة جدّاً ، وتترتب عليها مسائل فقهية كثيرة ، ديّات وقتل وخسائر كبيرة ، في عصر الرسالة ما كان عندنا مشكلة المرور إطلاقاً ، نحن نريد أن نطبّق الشريعة ، يتساءل الدكتور كيف نطبّق الشريعة ، وكثير من المسائل مستحدثة ليس للشريعة فيها رأي في صدر الإسلام .

يقول في الجواب : يجتمع فقهاء الإسلام جميعاً ، ويتّفقون على رأي واحد

٦٩

في مسائل المرور ، يقولون : نحن فقهاء المسلمين اتّفقنا على أنّ حقّ التقدّم والسبق لمن في الميدان مثلا ، فإذا أرادت السيارة أن تدخل من الشارع إلى الميدان ، يجب أن تتأخّر عن السيارة التي في داخل الميدان ، فإذا اجمعوا على ذلك ، الإجماع مصدر من مصادر الشريعة ، مصادر الشريعة أربعة : الكتاب ، السنة ، القياس ، الإجماع .

هذا عدم فهم لمعنى الإجماع ، رجل متخصّص لا يقول هذا ، الدكتور عبد الرزاق السنهوري متخصص في القانون ، وليس متخصّصاً في الفقه والأصول لذلك نتحمّل منه هذا الخطأ ، ولكن الفقيه لا يستطيع أن يقول هذا الشيء ، الإجماع ليس في عرض الكتاب والسنّة ، وإنّما الإجماع في طول الكتاب والسنّة ، يعني الإجماع يكشف دائماً .

أوضّح هذه المسألة : لنفترض نحن الآن في القرن الرابع عشر ، نجد أمامنا إجماعاً في مسألة من المسائل ، مثلا على أنّ صلاة المغرب والعشاء جهريّتان ، فقهاء عصرنا يعتمدون على الإجماع ، يقولون : يوجد إجماع للفقهاء السابقين على أنّ صلاة المغرب والعشاء مثلا جهريتان ، فنعتمد الإجماع حجّة ودليلا ، ونفتي بأنّ صلاة العشائين جهريتان ، ولكن أنا أسأل الفقهاء الذي بهم انعقد الإجماع ، لابدّ يوجد فقهاء ، الفقهاء على الأرض وليس في السماء ، في وقت من الأوقات أجمع الفقهاء على هذا الرأي ، نأتي ونأخذ الفقهاء واحداً واحداً ، المفيد ، وسلاّر ، والصدوق وفقهاءنا الأوائل القدماء الذين أجمعوا على ذلك ، نسألهم : ما هو مصدر كلامكم ، تقولون : المغرب والعشاء جهريّتان ، ما هو مصدر كلامكم ، فإنّكم نسبتم إلى الله حكماً ؟

فلا يستطيعون أن يقولوا بالإجماع ، وإلاّ دارت المسألة يعني الفقهاء الذين ينعقد بهم الإجماع لا يستطيعون أن يستدلوا بالإجماع على الإجماع ، وإلاّ تصبح المسألة دورية ، نقول : الإجماع بكم انعقد ، نحن في العصر المتأخّر نحتجّ

٧٠

بإجماعكم ، أنتم المجمعون بم تحتجّون ؟ لابدّ عندكم دليل من كتاب أو سنّة ، لا نقبل منكم أن تتمسكّوا بالإجماع ، وإلاّ تصبح قضية (عبد الرزاق السنهوري) الذي هو باطل باتّفاق الفقهاء .

تقولون : فما جدوى الإجماع إذن ؟

إذا نحن في إجماع تسلسلنا إلى عصر انعقاد الإجماع ، وتساءلنا من الفقهاء الذين انعقد بهم الإجماع ، عن مصدر الإجماع ، عن مصدر حكمهم بجهرية العشائين ، عندئذ لا تبقى فائدة في الإجماع ، أيّ إجماع ونحن ليس عندنا دليل .

إذا رجعنا إلى الفقهاء المتقدّمين الصدوق ، والمفيد ، والطوسي ، والمرتضى ، سألناهم قالوا : بلى ، نحن أجمعنا على هذا الشيء ; لأنّ عندنا حديثاً صحيحاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، فإذن تمسّكنا في جهرية العشائين ليس بالإجماع ، تمسّكنا بالنصّ الوارد عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهو الصحيح ، فما جدوى الإجماع ؟ إمّا أن نجد عند المتقدّمين الذين انعقد بهم الإجماع نصّاً ودليلا ، وإمّا أن لا نجد ، فإن وجدنا فالحجّة والدليل هو النصّ وليس الإجماع ، وإمّا أن لا نجد عندهم فالإجماع ساقط ، فما جدوى الإجماع ، هذا السؤال ؟

أقول : الإجماع له فائدة ، أحياناً يوجد نصّ واصل إليهم وما وصل إلينا ، يوجد نص صحيح في المثال الذي ذكرناه مثلا ، هذا النصّ كان موجوداً لدى الطبقة الأولى من فقهائنا القدماء وما وصل إلينا ، كثير من أحاديثنا ضاع ، فلهذا النص ما وصل إلينا لسبب من الأسباب ، أنا الآن ليس عندي نص ، أراجع الكتب الأربعة والوسائل لا أجد نصّاً ، أراجع إلى كلمات الفقهاء أراهم مجمعين على ذلك ، فأعتقد لعقيدتي في هؤلاء الفقهاء أنّهم لا يتكلّمون عن هوى ، وإنّما يستندون إلى دليل ، أقول : لابدّ أن يكون لهم مستند ، ولا يكون هذا المستند من الكتاب بالطبع ، لماذا ؟ لأنّ الكتاب موجود في أيدينا وما تغيّر ، ولن يكون مستندهم من العقل بالتأكيد ، لماذا ؟ لأنّ العقل مشترك بيننا وبينهم ، لا يمكن أنّهم يصلون بالدليل العقلي إلى

٧١

القطع ونحن لا نصل ، فلابدّ أن يكون عندهم نصّ من السنّة ، هذا ما وصل إلينا ، يعني هذا النص ضاع في هذا التاريخ الذي ضاع فيه كثير من نصوصنا ، فتكون حجّية الإجماع بهذه الطريقة .

مناقشة الإجماع المدّعى في السقيفة

والآن نرجع إلى الإجماع الذي يدّعيه أهل السنّة على خلافة الخليفة الأوّل وأنّه انعقد في سقيفة بني ساعدة ، نقول لهم : هذا الإجماع لم يكن قائماً ، انتخاب الخليفة لم يكن من الكتاب بالتأكيد ، ولم يكن بالعقل بالتأكيد ، ما عندكم إلاّ النصّ ، فهذا النصّ الذي انعقدت به خلافة الخليفة الأوّل ، هذا النصّ مستحيل أن يضيع ، نصّ تعتمد عليه شرعية الخلافة برمّتها ، ونصحّح التاريخ ، وترتبط به قضية فقهية ، وقضية عقائدية ، وقضية تاريخية ، مسألة بضخامة مسألة الخلافة التي هي من أهم المسائل بعد التوحيد في حياة المسلمين ، ليس من الممكن أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نصّ على خلافة الخليفة الأوّل وضاع النصّ وبقي الإجماع ، والإجماع يكشف لنا عن النصّ ، ولكن النصّ ضاع ، هذا النصّ مستحيل أن يضيع ، هذا من مصاديق أنّ عدم الدليل دليل العدم ، ليس من الممكن أن يرد نصّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلافة الخليفة الأوّل ثُمّ يضيع هذا النص ولا يجده المسلمون ، هذا مستحيل ، على حساب الاحتمالات داخل في المستحيلات والممتنعات ، بحدود الصفر .

إذن ، ليس عندنا إجماع ، والإجماع بنفسه ليس حجّة إذا جرّدنا الإجماع عن النصّ الذي يستند إليه الإجماع ، الإجماع دليل استنادي ، يختلف الإجماع عن الكتاب والسنّة ، الكتاب بنفسه حجّة والسنّة بنفسها حجّة : ﴿ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ (١) الإجماع ليس بنفسه حجّة ، حجّية الإجماع باستناده إلى نصّ

١- الحشر : ٧ .

٧٢

ضائع ، ولمّا كان النصّ من غير الممكن أن يضيع ، لو فرضنا أجمع المسلمون على خلاف أبي بكر في سقيفة بني ساعدة ، فهذا الإجماع ليس حجّة ، الإجماع لا يكشف عن شيء إطلاقاً ، نحن نريد الحكم لله ، يجب أن يفوّضه الله ، الإجماع ليس تفويضاً ، الإجماع ليس من آليات التفويض .

مناقشة البيعة التي حصلت في السقيفة

الآلية الثانية : البيعة ، هذه الآلية كصاحبتها فيها معنيان ، البيعة على فرض أنّ البيعة لها قيمة شرعية ، نحن نعتقد أنّ البيعة في عصر الحضور ليس لها قيمة شرعية ، بل قيمة تأكيدية ، يعني بيعة الحديبية ، بيعة العقبة ، بيعة الغدير تأكيد للولاية ، ليس فيها قيمة شرعية ، يعني الشخص الذي لم يبايع لا يستطيع أن يقول أنا في حلّ من هذه البيعة ، في بيعة العقبة أعطوا الطاعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلو لم يعطوا البيعة ما كانت تجب عليهم الطاعة ؟ ! الله يقول : ﴿ النَّبِيُّ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ ﴾ (١) ، ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ (٢) بايعتم أم لم تبايعوا .

نحن نعتقد أنّ البيعة في عصر الحضور ليس لها قيمة تشريعية ، بل قيمة تأكيدية ، ولكن نأتي على مباني الجماعة ، يمكن أن نتصوّر للبيعة أحد معنيين ، المعنى الأوّل شرط في صحة الطاعة لا سبب للطاعة ، يعني الطاعة واجبة ، ولكن لن تكون الطاعة صحيحة إلاّ أن تكون مسبوقة بالبيعة ، هذا يشبه نوعاً ما مقدّمة الواجب عندنا ، مثل الوضوء بالنسبة إلى الصلاة ، الوضوء ليس شرطاً لوجوب الصلاة ، الصلاة واجبة على المكلّف توضّأ أم لم يتوضّأ ، الصلاة واجبة وليست متوقفة على الوضوء ، ولكن الوضوء شرط في صحّة الصلاة .

قد نتصوّر البيعة بهذا المعنى ، فإذا فرضنا البيعة بهذا المعنى فلا يكون لنا دور في إيجاب الطاعة ، يعني البيعة لا تأتي بالطاعة أبداً ، مصدر الطاعة شيء آخر ،

١- الأحزاب : ٦ .

٢- النساء : ٥٩ .

٧٣

وليس البيعة ، نعم لو أراد الناس أن يطيعوا عليهم أن يبايعوا حتّى تكون طاعتهم طاعة شرعية صحيحة ، هذا التصوّر والمعنى الأوّل .

المعنى الثاني : أن تكون البيعة سبباً في وجوب الطاعة ، كما في العلاقة بين الاستطاعة والحجّ ، هذا نسمّيه مقدّمة الوجوب بالاستطاعة يجب الحجّ ، وبانتفاء الاستطاعة ينتفي وجوب الحجّ ، فإذا آمنّا بهذا وهو ليس ببعيد في عصر الغيبة ، يعني هذا المبنى يتبنّاه بعض فقهائنا في القيمة الشرعية للبيعة في عصر الغيبة ، أن تكون البيعة سبب للطاعة ، بالبيعة تجب الطاعة ، ولكن لمن ؟

تأمّلوا في هذه النقطة ، أنا أرجع إلى نفس الكلام ، الحكم لا يثبت موضوعه ، إنّما تجب الطاعة بالبيعة لمن يأذن الله سبحانه وتعالى بمبايعته ، لمن يأمر الله تعالى بمبايعته ، أمّا لو كان الله عزّ وجل لم يأمر ببيعته ، كما لو بايع الناس إنساناً فاسقاً مثلا ، لا تجب بيعته وطاعته ، إنّما تجب الطاعة بالبيعة إذا كانت البيعة لمن يأذن الله بطاعته .

فإذن هذه الآلية الثانية ليست كافية وضعيفة ، كما أنّ الآلية الأولى ضعيفة .

الآلية الثالثة : الشورى وقد ناقشناها .

هذه خلاصة مناقشة التفويض ، يعني التفويض في تصحيح الانتخاب ، إذا اتّخذنا التفويض أساساً لشرعية الانتخاب فأوّلا نتحدّث هل هناك تفويض أم لا ؟ ولم نجد تفويض إطلاقاً ، الله لم يفوّض للناس انتخاب الإمام ، وبعد ذلك لو فرضنا وجد تفويض ، آلية التفويض لا تخلو من أحد ثلاثة طرق : إمّا الإجماع ، أو البيعة ، أو الشورى ، وأيّ من هذه الآليات الثلاث لا يمكن أن يقاوم المؤاخذات والمناقشات الحقيقية التي تردّ على هذا الدليل .

والحمد لله ربّ العالمين .

٧٤

٧٥

( ٤٨ ) القول المختار في الجبر والاختيار

السيّد عادل العلوي

٧٦

٧٧

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيّد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين .

مسألة الجبر والاختيار من أهم المسائل الكلامية والفلسفية ، وهي من المسائل العويصة جدّاً ، واحتلّت الصدارة في البحوث الكلامية منذ الأيّام الأولى وإلى يومنا هذا ، ولا زالت المسألة معترك الآراء ومحطّ الأفكار ، وربّما أوّل من خاض هذه المسألة وشقّ عبابها هو المعلّم الأوّل أرسطو طاليس اليوناني ، ومن ثُمّ كانت المسألة بين الفلاسفة وحتّى ظهور الإسلام تبدّلت المسألة من فلسفية إلى مسألة دينية ، وهي مسألة طويلة وعريضة ، وأتعجب كيف يمكن أن نبحث عن هذه المسألة في محاضرة واحدة وفي ليلة واحدة ، ولكن أحاول أن أذكر خلاصة البحث في هذه المسألة وكفهرست وكخطوة أولى لمن أراد البحث عنها .

٧٨

٧٩

أسباب إثارة هذا الموضوع

إنّما أثيرت مسألة الجبر بين المسلمين في الصدر الأوّل من الإسلام لأمرين على ما يبدو من التاريخ الإسلامي :

الأمر الأوّل : تطهير ساحة الخلفاء ، حيث إنّ بعد رحلة الرسول تولّدت مدرستان : مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وفي هاتين المدرستين وقع الكلام في مسائل عقائدية ، منها : مسألة الجبر ، وإنّما طرحت هذه المسألة بين المسلمين آنذاك ; لأنّ نتيجة الجبر أنّ الإنسان مقهور في فعله ، فما يفعله من الظلم والجور لا ضير عليه ولا يرد عليه إشكال ، وهذا يوجب تطهير أولئك الذين جاروا وفسقوا ، وتطهير أولئك الذين طغوا ، فكُلّ طاغية وكُلّ حاكم طاغوت يروّج لمثل هذا المذهب بلاشكّ ، ويفتح المجال لزعماء هذا المذهب .

وقيل : إنّ أوّل من طرح مسألة الجبر بين المسلمين بالخصوص هو ، جهم ابن صفوان وأتباع جهم .

ولازالت المسألة مورد نزاع بين المسلمين ، فاستغل مسألة الجبر الساسة آنذاك قبل الكلاميين ، وكانت مسألة الجبر جسراً لعبور خلفاء الجور لا سيما خلفاء بني أُميّة إلى مآربهم وتسلّطهم على رقاب الناس .

الأمر الثاني : منهم من ذهب إلى الجبر تطهيراً لساحة الله سبحانه وتعالى من حيث الحرية الإلهية على أنّ الله سبحانه وتعالى حرّ يفعل ما يشاء ويَسأل ولا يُسأل ، فالحرية الإلهية تقتضي أن يكون الإنسان في فعله مجبوراً ، ويقابل هذا المذهب مذهب العدلية ومذهب التفويض ، العدلية أعمّ من التفويض ومن القائلين بالمنزلة بين الأمرين وبالأمر بين الأمرين ، فالذين ذهبوا إلى الجبر هم الأشاعرة ، ويقابل الأشاعرة العدلية ، أي : المعتزلة والإمامية الاثنا عشرية ، فمدرسة أهل

٨٠