×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 20 / الصفحات: ١ - ٢٠

موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن ج ٢٠ » السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان » (ص ١ - ص ٣٠)



١

موسوعة عبدالله بن عباس

٢

٣

سلسلة رد الشبهات

٥

موسوعة

عبدالله بن عباس

حبر الأمة و ترجمان القرآن

الجزء العشرون

الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان

في رحاب أهل البيت عليهم السلام

٤

الخرسان، محمّد مهدي ١٩٢٨م.

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.

قم : مركز الأبحاث العقائدية، ١٤٣٣ق = ١٣٩٠

الفهرسة طبق نظام فيپا.

ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، ٣ ـ ٦٨ق.

مركز الأبحاث العقائدية.

١٣٩٠ ٤خ / ١٧الف ٨/ ٩٢ Bp ١٩٢٤/ ٢٩٧

الرقم في المكتبة الوطنيّة ٢٥٥٦١٠١

مركز الأبحاث العقائدية

● إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم٣٤

ص. ب: ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف: ٣٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥)(٠٠٩٨)

الفاكس: ٣٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥)(٠٠٩٨)

● العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول صلي الله عليه وآله

شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

ص. ب: ٧٢٩

الهاتف: ٣٣٢٦٧٩ (٣٣)(٠٠٩٦٤)

● الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com

● البريد الإلكتروني: [email protected]

شابك (ردمك): ٧ ـ ٥٠٠ ـ ٣١٩ ـ ٩٦٤ ـ ٩٧٨/ دورة ٢١ جزءاً

شابك (ردمك) ج٢٠ / ٧ ـ ٤١ ـ ٧١٠٠ ـ ٦٠٠ ـ ٩٧٨

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن

تأليف

السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

الجزء العشرون

الطبعة الأُولى: ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٣٧هـ

الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش

المطبعة: الوفاء

السعر ١٥٠٠٠٠ ريال

*جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٥

بسم الله الرحمن الرحيم

٦

٧

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة المهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد: فقد طالت مسيرتنا مع ابن عبّاس رضي الله عنه ، وقرأنا في أجزاء موسوعته الشاملة ــ ولا أقول هي الكاملة ــ فثمّة سعة في تاريخه، ومساحة واسعة لا تزال بحاجة إلى قراءة واعية، وداعية إلى مزيد من التحقيق، فإنّ قراءتنا التاريخية كانت بقدر المستطاع، وفهمنا له من خلال النصوص من غير تجميل أو تحميل حسماً للنزاع، وأين هذا من فهم الشيء على حقيقته! فذلك هو الإبداع لمعرفة الصورة الحقيقية لذات الحقّ المغيَّب من دون تزويق أو تمزيق، بل هو الأقوى دلالة في الإقناع، فإن تم آنئذ فهو الإبداع.

إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه مع علوّ نسبه، وشموخ محتده، أصابه تضبيب في تاريخه وتشويه، حتّى طال المعالم الواضحة في أدوار حياته، وكان للصبغة السياسية الحاكمة دورها الفاعل في ذلك التشويه، ولمّا كان هو وأبوه من قبل كبقية بني هاشم من أنصار الخلافة المغتصبة، ومواقفه في نصرة صاحب الحقّ الشرعي لا تخفى على من قرأ تاريخه في الحلقات الأربع من موسوعته.

٨

وحسبنا أن نتذكّر إعلانه بشجاعة منقطعة النظير، في قوله لعمر: (فاردد إليه ظلامته)، حين قال له: ((ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً)).

وفي قوله الآخر وقد استفزّه قول عمر: ((ما أظنّ القوم منعهم منه إلاّ أنّه استصغره قومه))، قال ابن عبّاس: (فقلت في نفسي: هذه والله شرّ من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك أبي بكر. قال: فأعرض عنّي وأسرع، فرجعت عنه)(١).

ومَن كان غيره يتجرّأ فيقول لعمر بعد محاورة طويلة أفضت إلى ملاحات احتجاجية، أغضبت عمر حتّى ضاق به ذرعاً، فقال له: ((إليك عنّي يا بن عبّاس، قم الآن فارجع إلى منزلك))، فقال ابن عبّاس: (أفعل، فلمّا ذهبتُ لأقوم استحيى منّي)، فقال: ((يا بن عبّاس! مكانك أيّها المنصرف، إنّي على ما كان منك، فوالله إنّي لراع لحقّك، محبّ لِما سرّك)).

فقال ابن عبّاس: (يا أمير المؤمنين! إنّ لي عليك وعلى كلّ مسلم (مؤمن) حقّاً برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، وحظّه أصاب، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع، وحظّه أخطأ) فقال عمر لجلسائه: ((واهاً لابن عبّاس، والله ما رأيته لاحى أحداً إلاّ خصمه))(٢).

١- انظر: الجزء التاسع من الموسوعة، الفصل الرابع/ المبحث الثالث (٥ــ فاردد عليه ظلامته).

٢- انظر: الجزء التاسع من الموسوعة، الفصل الرابع/ المبحث الثالث (١٣ــ يكرهون ولايتكم لهم).

٩
ومن كان غيره يتجرّأ في نقد مقولة التيار المناوئ ذات الصبغة السياسية للحاكمين: (أبت قريشٌ أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة)، وهي التي أعلنها عمر، فتبنّاها من بعده الحاكمون، فيقول لعمر: (وما يصنع ــ عليّ ــ بالترشيح قد رشحه لها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فصرفت عنه)(١).

والآن السؤال الذي يفرض نفسه:

فمن أين لابن عبّاس رضي الله عنه هذا الفهم الثاقب، والسهم الصائب! لولا التسديد الإلهي، والتأييد من أهل البيت عليهم السلام! فمنذ دعا له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في صباه، ثمّ تولّى تربيته من بعده ابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، إذ هو الذي تولّى تثقيفه حتّى جعل منه نسخة فريدة مميّزة من بين أصحابه، بل تميّز حتّى على الصحابة، وليس اعتباطاً صارت له المرجعية في التفسير، والحديث، والفقه، وحتّى الأدب العربي بفنونه، وهذه حقيقة تكاد تكون مسلّماً بها لدى أصحاب التراث التفسيري، وإن دخلت عليها من أقطارها عناصر التغبيش، فكادت تضيع في غياهب النسيان، وكيف لا بعد أن أخذت مكانها في سجلّ الحقائق المغيّبة في التراث؟!

لقد مرّت بنا مكرّراً قراءة قول ابن عبّاس: (جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(٢).

١- انظر: الجزء التاسع من الموسوعة، الفصل الرابع/ المبحث الثالث (١٢ــ قد رشحه لها رسول الله...).

٢- انظر: الجزء السادس من الموسوعة، الباب الأوّل/ عودة إلى ابن عبّاس في مدرسته الأولى.

١٠
وقوله الآخر: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(١).

وقوله الثالث: (...عليّ علّمني، وكان علمه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من الله، وعلم عليّ من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعلمي من علم عليّ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر)(٢).

ولا غرابة لو وجدنا التشابه في الآثار المنسوبة إليهما، فقد وحّد الهدف منها في مسالك نشر المعرفة، فتشابهت الآثار، وقد مرّت الإشارة إلى هذا الجانب في الجزء السادس من الموسوعة(٣)؛ فراجع!

والآن هل يستوحش الباحث حين يجد رواية بعض أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن ابن عبّاس، وحكاية آرائه عند آخرين، ممّا يوحي بأنّ ابن عبّاس رضي الله عنه كان مرضياً عند الأئمّة عليهم السلام سواء من عاصره منهم، ومن لم يدرك عصره، وهذه حقيقة تكاد تكون مغيّبة لدى الكثير من القرّاء، ولكنّها تتجلّى حين يقرأ قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لابن عبّاس: (أنت كُنيفٌ مملوء علماً)(٤).

١- المصدر نفسه.

٢- انظر: الجزء التاسع، والثامن، والتاسع، والحادي عشر من الموسوعة.

٣- موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، آخر الفصل الأوّل (تنبيه مهم) في كلام ابن حمدون صاحب التذكرة.

٤- عمدة ابن البطريق: ٢٦٤، ط محقّقة بقم، والكُنيف مصغر الكنيف ــ بالفتح ــ الوعاء الذي يضع الرجل فيه أدامه وتصغيره على جهة المدح له (لسان العرب: كنف).

١١
وقال صلوات الله عليه أيضاً: (إنّه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق)(١).

وفي رواية المناوّي في (فيض القدير): ((قال عليّ كرّم الله وجهه في ابن عبّاس رضي الله عنه: (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق)))(٢).

وقال الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام لعلي بن زيد وقد حدّثه أنّ ابن عبّاس لمّا دفن زيد بن ثابت حثا عليه التراب، ثمّ قال: هكذا يدفن العلم، فحدّثت به عليّ بن الحسين، فقال: (وابن عبّاس والله لقد دفن به علم كثير)(٣).

وعن رزين بن عبيد قال: شهدت ابن عبّاس وأتاه عليّ بن الحسين، فقال: مرحباً بابن الحبيب(٤).

وعن ابن جريج، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إنّ ابن عبّاس لمّا مات وأخرج، خرج من كفنه طير أبيض يطير، ينظرون إليه يطير نحو السماء، حتّى غاب عنهم، وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب. قال: فأتاه بعدما أصيبت بصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك(٥).

١- عيون الأخبار، لابن قتيبة ١/٣٥.

٢- فيض القدير ١/٦٠.

٣- السنن الكبرى، للبيهقي ٣/٤١٠ وفضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل ٢/٢/٩٨٢ برقم ١٨٧٣، ط مؤسّسة الرسالة بيروت.

٤- طبقات ابن سعد ١/٣٨٩ تحقيق السلمي، وفضائل الصحابة برقم ١٣٧٧.

٥- اختيار الرجال: ٥٧، تح المصطفوي.

١٢
إلى غير هذا من الشواهد على عمق المودّة وقوّة الصلة بين ابن عبّاس وأئمّة أهل البيت عليهم السلام، فهو منهم نسباً وولاءً، يراهم ذخراً وفخراً، وفي دعائه الذي ختم به حياته ساعة وفاته في الطائف خير دليل على ما أقول، وقد مرّ ذكره برواية الفريقين سُنّة وشيعة، ولم يضارعه في هذا أحد.

ولمّا كنت قد شارفت على إنهاء الحلقة الرابعة من موسوعة عبد الله ابن عبّاس رضي الله عنه، رأيت اختتامها بذكر ما يتعلّق بابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام، ليكون مسك الختام، باختيار بعض الأخبار من موسوعة (بحار الأنوار الجامعة) للشيخ المجلسي الثاني قدس سره (ت١١١١هـ).

وإنّما اخترتها من دون الجوامع الحديثية الأُخرى لجهتين:

الأُولى: أنّي مررت بها باحثاً يوم سُعدت بتحقيق بعض أجزائها اللاتي ضمت تاريخ ثمانية من أئمّة أهل البيت عليهم السلام: من الإمام زين العابدين عليه السلام إلى الإمام العسكري عليه السلام(١)، وازددت سعادة وخبرة بتحقيق ستّة أجزاء أُخرى منها، تضمّنت كتاب الحجّ والعمرة، وكتاب المزار، وأبواب المكاسب وأحكام العقود والإيقاعات(٢).

وفي تلك الفترة التحقيقية، رأيت لابن عبّاس رضي الله عنه حضوراً شاخصاً، قد انتشرت مروياته مرفوعة وموقوفة، في شتّى فنون المعرفة، ففي العلوم أزكاها، وفي الأخلاق والآداب أسماها وأسناها.

١- راجع بحار الأنوار الجزء ٣٦ و٤٧ و٤٨، طبعة المكتبة الإسلامية بطهران.

٢- راجع بحار الأنوار الجزء ٩٩ إلى ١٠٤، طبعة المكتبة الإسلامية بطهران.

١٣
ولمّا كانت موسوعة (بحار الأنوار) الجامعة هي كاسمها، والغوص في تلك البحار لاستخراج الدراري المخزونة من أصدافها المشحونة، قد تضيء الدرب لمن يحار في الموائمة بين عمل المجلسي الابن وقول أبيه، وهذه هي الجهة الثانية.

الجهة الثانية: قول الشيخ محمّد تقي المجلسي الأوّل (ت١٠٧٠هـ)

ــ والد المجلسي الثاني صاحب (البحار) ــ :

(((عبد الله بن عبّاس) من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرنا في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله عنه (الخلاصة)(١).

وعلّق الشهيد الثاني رحمه الله على ذلك: جملة ما ذكره الكشي من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند، والله أعلم بحاله.

واعلم أنّ الصدوق ذكر في الأمالي أخباراً كثيرة عنه في مدائح

أمير المؤمنين عليه السلام(٢) وغيرُه من أصحابنا، والعامّة أيضاً رووا عنه في فضائله عليه السلام أخباراً كثيرة تدلّ على جلالة قدره، وليس في أخبارنا خبر

١- خلاصة الأقوال: ١٩٠ ــ ١٩١.

٢- راجع الصفحات التالية من الأمالي الطبعة الحيدرية بتقديمي: ١٠/ ١٤/ ٢٨/ ٣٢/ ٥١/ ٥٨/ ٦٦/ ٦٧/ ٨٦/ ١١٣/ ٢٢٧/ ٢٣٨/ ٢٦٤/ ٢٦٦/٢٧٢/٢٧٩/ ٢٩٨/ ٣١٤/ ٣١٦/ ٣٢٦/ ٣٦٥/ ٣٦٦/ ٤٢٢/ ٤٢٣/ ٤٢٤/ ٤٣٦/ ٤٤٢/ ٤٩٠/ ٤٩٦/ ٤٩٩/ ٥٠٦/ ٥٠٧/ ٥٢٧/ ٥٣٤/ ٥٥٠/ ٥٦٣/ ٥٦٥/ ٥٦٦/ ٥٦٩/ ٥٨٦/ ٥٨٨.

١٤
ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً، لأنّ أصحابنا استغنوا عن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وعن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بالأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

فلا نحتاج إلى معرفته، فالتوقّف فيه أولى، فإنّ أخبار الكشي يؤيّدها أخبار كثيرة من طرقنا وطرق العامّة، وتخلّفه عن الحسين عليه السلام ظاهر، وكذا عدم ارتباطه بعليّ بن الحسين عليه السلام، بخلاف جابر بن عبد الله الأنصاري، كما تقدّم والله تعالى أعلم.

والظاهر أنّ ما رواه أصحابنا عنه في أمير المؤمنين عليه السلام كان بمجرد الردّ على العامّة حيث يعتقدون جلالته وثقته))(١)، اهـ .

أقول: إنّ هذا الشيخ هو الذي دعاني أن أخوض بحار ابنه ــ والولد سرّ أبيه ــ فاستخرج منها بعض اللئالئ التي تزيّن صحائف أعمال الرجال، ومن أولى منّي بنصرة ابن عبّاس المظلوم ــ الذي أسيء فهمه ــ فأذكر ما له من مواقف إيمانية ــ تفرّد بها ــ في نصرة صاحب الحقّ الشرعي المهضوم، قارع بها الحاكمين سابقين ولا حقين، وسائر المعاندين، ومن ذا الذي ينكر دفاعه بشجاعة إيمانية في هذا المضمار؟

ومن الغريب من جناب الشيخ الجليل أن يكتب في أوّل كلامه ما قاله العلاّمة الحلّي رحمه الله (ت٧٢٦هـ)، مع إشارة إلى ما علّق به عليه الشهيد الثاني رحمه الله (ت٩٦٦هـ).. وزاد في الغرابة اعترافه بما ذكره الصدوق رحمه الله

١- روضة المتّقين، للمجلسي الأوّل ١٤/٣٨٤، ط بتحقيق الكرماني، قم ١٣٩٩هـ.

١٥
(ت٣٨١هـ) في كتابه (الأمالي) من أخبار كثيرة عن ابن عبّاس في مدائح أمير المؤمنين عليه السلام(١)..

وقوله: ((وغيره من أصحابنا، والعامّة أيضاً رووا عنه في فضائله أخباراً كثيرة تدلّ على جلالة قدره)).

وبعد هذا الكلام المُعرب عن الثناء والتقدير، بدا منه التراجع عنه، فقال: ((وليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً...))، إلى آخر ما تعلّل به.

وختم ذلك بقوله: ((فلا نحتاج إلى معرفته، فالتوقّف فيه أولى))؟!

ثمّ قال ما ينقض ما قاله العلاّمة الحلّي والشهيد الثاني! وهذا هو الذي جعلني في موقف مساءلة لا محاسبة، ولا مِساس بمقام الشيخ رحمه الله ، والذي أظنّه به غلبة الموروث المعثوث عليه، فأغشى نظره من دون غبار، فكبا جواده من دون عثار، وكم له من نظير من أصحاب الهفوات النادرة العاثرة، فالعصمة لأهلها، وليس لي في المقام إلاّ بيان ما حشره المجلسي رحمه الله ــ الابن ــ من أخبار عن ابن عبّاس رضي الله عنه مرفوعة وموقوفة، ممّا ينفي علائم الاستفهام، ويربو بمقامه عن الاتّهام إلى عالي مقام.

١- لقد مرّ ذكر أكثر من أربعين مورداً؛ فراجع!

١٦

١٧

وقفة عابرة مع الشيخ المجلسي الوالد قدس سره (ت١٠٧٠هـ)

لقد كان هذا الحبر الجليل، كما قال صاحب (روضات الجنّات) في أوّل ترجمته: ((زبدة العلماء المتّقين، وأسوة العرفاء المرتقين...))(١).

وقال صاحب (لؤلؤة البحرين) في ترجمته: ((...نسب إلى التصوّف كما اشتهر بين جملة ممّن يقول بهذا القول، إلاّ أنّ ابنه (المجلسي الثاني ت١١١١هـ) قد نزّهه عن ذلك في بعض رسائله.. فقال: وإيّاك أن تظنّ بالوالد أنّه من الصوفية، وإنّما كان يظهر أنّه منهم لأجل التوصّل إلى ردّهم من اعتقاداتهم الباطلة، مع كلام هذا حاصله...))(٢).

أقول: فهذا الذي قيل عنه، وابتلي به من نسبة إلى بعض المذاهب الباطلة، لا يخلو في نظري القاصر نحو شَبه ما بما قاله هو تبعاً لغيره من شبهات كاذبة في ابن عبّاس رضي الله عنه، وإلاّ كيف يقول: وليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً؟! وكم في روايات كتب الصدوق رحمه الله ممّا ليس سنده بضعيف بناء على مباني التوثيق عند المتأخّرين..

فخذ مثلاً ما ذكره الصدوق في (علل الشرائع)(٣) في علّة الوضوء ممّا

١- روضات الجنّات ٢/١١٨.

٢- انظر: مقدّمة روضة المتّقين: ١٢.

٣- علل الشرائع ١/٣٥٢.

١٨
يخرج لا ممّا يدخل، فقد قال في (وسائل الشيعة): ((محمّد بن علي بن الحسين، عن أبيه، ومحمّد بن الحسن، عن محمّد بن يحيى، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمّد بن أورمة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر وعبد الرحمن بن أبي نجران، عن مثنى الحنّاط، عن منصور بن حازم، عن سعيد بن أحمد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (توضؤوا ممّا يخرج منكم، ولا توضؤوا ممّا يدخل، فإنّه يدخل طيباً ويخرج خبيثاً)))(١).

فرجال سند هذا الحديث ما بين ثقات وحسان غير مثنى الحنّاط المردّد بين الثقة وغيره، ولمّا كان هو من رجال (كامل الزيارات) فهو موثّق عند من يرى توثيق صاحب (كامل الزيارات)، وكذلك سعيد بن أحمد الراوي عن ابن عبّاس، لم أقف على من ترجمه، وقلت في الجزء السادس من الموسوعة في ترجمته: أظنّ وهما في اسم أبيه، والصحيح سعيد بن يحمد(٢)، وقد ذكرته بعد ذلك ومَن وثّقه(٣)؛ فراجع. ويجد الباحث في أخبار الصدوق في كتبه نحو هذا، بل أظهر وضوحاً، كما سيأتي.

ثمّ ذكر: ((إنّ أخبار الكشي يؤيّدها أخبار كثيرة من طرقنا وطرق العامّة))، ولكنّه لم يذكر شاهداً واحداً لا من طرقنا ولا من طرق العامّة!

١- وسائل الشيعة ١/٢٩٠ ــ ٢٩١، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السلام.

٢- موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الثاني، الفصل الثاني/حرف السين رقم (١١).

٣- موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الثاني، الفصل الثاني/حرف السين رقم (٣١).

١٩
ثمّ قال: ((وتخلّفه عن الحسين عليه السلام ظاهر))، وقد مرّ في الجزء الرابع من هذه الحلقة(١) بحث هذا الجانب، فلا نعيد؛ فليراجع من يريد المزيد.

ثمّ قال: ((وكذا عدم ارتباطه بعليّ بن الحسين عليه السلام بخلاف جابر...))، وهذا أيضاً مرّ بحثه، وقد ذكرت شواهد الارتباط، بما لا حاجة إلى إعادته؛ وحسبنا أن نذكر للقارئ ما رواه المجلسي الابن في (البحار) نقلاً عن الصدوق في (علل الشرائع) في العلّة التي من أجلها سُمّي عليّ بن الحسين عليه السلام بـ(زين العابدين)، بسنده: ((عن الزهري وقد سمع سعيد بن المسيب يحدّث عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطو ــ يخطر ــ بين الصفوف)))(٢)؛ كما سيأتي أنّ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام سمع بعض حديث وقعة الجمل من ابن عبّاس، كما مرّت الإشارة إلى رواية الكشي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً)، إلى غير هذا ممّا سيأتي ذكره ضمن لئاليء (بحار الأنوار).

ولعلّ الشيخ المجلسي الأوّل = (الأب) فاته النظر في الجزء الثاني من (عيون أخبار الرضا عليه السلام) في ما جاء عن الرضا عليه السلام في الأخبار المجموعة برواية الإمام الرضا عليه السلام، فقد قال: ((وبهذا الإسناد، عن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: (قال أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ عبد الله بن

١- أي: الجزء التاسع عشر من الموسوعة.

٢- علل الشرائع باب (٦٥).

٢٠