×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 14) / الصفحات: ١ - ٢٠

موسوعة من حياة المستبصرين » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الرابع عشر

مركز الأبحاث العقائدية

٢

مركز الأبحاث العقائدية :

l إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

l العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام)

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )

l الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com

l البريد الإلكتروني : [email protected]

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الرابع عشر

طبعة مزيدة ومنقّحة

تأليف: مركز الأبحاث العقائدية

سنة الطبع: ١٤٣٨ﻫ

المطبعة: الوفاء

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٣
الصفحات: ٤ - ٨ فارغة

بسم الله الرحمن الرحيم

٩

مقدّمة المركز

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه أجمعين ، أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، واللعن الدائم على أعدائهم والناصبين لهم العداء إلى يوم الدين .

الحمدُ للّه على إكمال الدين، وإتمام النعمة، الحمد للّه الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأولاده المعصومين، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين .

بين يديك، أيّها القارئ الكريم، المجلّد الرابع عشر ـ الأخير ـ من هذه الموسوعة المباركة (موسوعة من حياة المستبصرين)، والذي يضمّ بين دفّتيه ترجمة مجموعة أُخرى من الذين ركبوا سفينة النجاة، واختاروا السير على نهج سيّدنا أمير المؤمنين، وسيّدتنا فاطمة الزهراء، وأولادهما المعصومين عليهم السلام، بعد أن قضوا ردحاً من الزمن يتعبّدون الله بمذهب آخر.

لكنّهم، وبعد بحث عقائدي عميق، وتتبّع لأدلّة المذاهب الإسلامية الاُخرى، تولّدت عندهم القناعة الكاملة بأحقيّة مذهب أهل البيت عليهم السلام،

١٠
فأعلنوا استبصارهم، وركبوا سفينة النجاة، سفينة علي وأولاده المعصومين عليهم السلام، وقد جنّدوا أنفسهم لتحمّل المصاعب والمضايقات الاجتماعية، بل حتّى وصل الأمر بهم إلى اتهامهم بالكفر والخروج عن الدين، فصبروا واحتسبوا ذلك في سبيل اللّه .

ويحتوي هذا المجلّد على ترجمة ثلاثة وسبعين مستبصراً، موزّعين على عدّة دول، هي: مقدونيا، موريتانيا، موزامبيق، النمسا، النيجر، نيجيريا، نيوزلندا، الهند، هولندا، اليابان، اليمن، اليونان.

إنّ هذا العدد من المستبصرين في هذا المجلّد ـ وكذلك المجلّدات السابقة ـ لا يمثّل العدد الكلّي للمستبصرين، بل هو إنموذج منهم، إذ لا يمكن حصر عدد المستبصرين في كلّ دول العالم؛ لأنّ حركة الاستبصار العالميّة، هي حركة فرديّة غير منظّمة، نابعة من قناعة شخصيّة للفرد في تغيير المذهب الذي ورثه من الآباء والأجداد، بعد بحث عميق ومقارنة بين الأديان والمذاهب.

وبصدور هذا الجزء ـ الأخير ـ من هذه الموسوعة، نكون قد ختمنا عملنا في هذه الموسوعة المباركة، التي قضى في تأليفها سنوات عديدة، وشارك في إخراجها، ثلّة من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، جزاهم الله خير الجزاء.

ونأمل من الباري عزّ وجلّ، أن يوفّقنا لإعادة طباعة هذه الموسوعة كاملة مرّة اُخرى، بعد مراجعتها، وإصلاح ما زاغ البصر عنه.

١١
ختاماً، نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ من ساهم في تأليف وإخراج هذا المجلّد، ونخصّ بالذكر الشابيّن النشطين صاحبيّ الفضيلة: السيّد مرتضى الشيرازي، والشيخ عليّ الحسّون، وفقهما الله تعالى لمراضيه، والحمد لله أولاً وآخراً.

محمّد الحسّون

٢٧ جمادى الأولى ١٤٣٨هـ

البريد الالكتروني [email protected]

الصفحة على الانترنيت www.aqaed.com/Mohammad

١٢

مقدونيا

(١)حسيب أيدين

(سنّي ـ مقدونيا)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٧٢هـ (١٩٥٣م) في عاصمة مقدونيا، ونشأ في أسرة منتمية إلى مذهب التصوّف على طريقة الحسن البصري، لكنّه كان يكنّ الحبّ لأهل البيت وخاصة للإمامين الحسنين عليهما السلام منذ ذلك الحين.

شائت الأقدار الإلهية أن يهاجر (حسيب) إلى سويسرا، ويسكن مدينة زيروخ، فتعرّف هناك على أحد التركمانيين من الجالية العراقية، وكان ذلك الشخص من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، الأمر الذي دفعه لأن يخوض معه حواراً عن الإسلام بصورة عامة، والتشيع بالخصوص.

الإيصاء بالخلافة:

من المباحث التي جرت بين (حسيب) وصديقه الشيعي مسألة إيصاء النبيّ صلي الله عليه وآله للإمامة من بعده، فلا يمكن لمنصف أن ينكر حقيقة أنّ قائداً ربانياً تاريخياً مثل صاحب الرسالة والشريعة الخاتمة صلي الله عليه وآله، أن يكون عمله مقتصراً على سنين حياته الظاهرية في عالم الدنيا فحسب، فيحصر جهوده

١٣
في شؤون أمّته في حياته، ولا يلتفت أو يخطّط لما من شأنه أن يحافظ على جهوده من الضياع من بعده!

وهذا الأمر أيضاً يتعارض بالكامل مع سيرة جميع الأنبياء عليهم السلام؛ إذ أنّ سيرتهم تشهد بأنّ جهودهم كانت مترابطة متكاملة، يكمّل كلّ منهم مسيرة سلفه ويمهّد لخليفته، فكيف يمكن أن يُتصوّر إمكانية أن يترك خاتم الأنبياء صلي الله عليه وآله ـ وهو يعلم بأنّ لا نبيّ بعده ـ أُمّته دون أن يبيّن لها أعمدة استمرار مسيرتها بعد وفاته صلي الله عليه وآله ويخطّط لحفظ مستقبل رسالته.

وهناك حقيقة قرآنية تصرّح بأنّ النبيّ الأكرم صلي الله عليه وآله مكلّف أساساً بأن يبيّن للناس ما أنزل إليهم، وأنّه لا ينطق عن الهوى، فنطقه وحي يوحى، وأنّ الناس مأمورون بالأخذ بما آتاهم به، والانتهاء عمّا نهاهم عنه، فإنّ سنّته صلي الله عليه وآله هي بيان القرآن وتفسيره، فهي جوهر رسالته، وعليه فينبغي أن تحفظ سنّته.

ومنذ بدء الدعوة نجد أنّ النبيّ يصرّح بذلك؛ فعن عليّ عليه السلام، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: يا بَني عبد المطّلب! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

١٤
قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: يا نبيّ الله! أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا(١).

ولا يختلف في هذا اثنان من كتّاب ومصادر السيرة والتاريخ، وإن كانت هناك وقفة مع الطبري إذ يقول: يا بَني عبد المطّلب! إنّي ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي وكذا وكذا؟(٢).

ولا يقول: أخي ووصيي وخليفتي فيكم(٣)، كما ذكر في المصادر الاخرى، وكلّ هذه المقدّمات إنّما رسول الله صلي الله عليه وآله كان يريد أن يبيّن فيها من هو الخليفة من بعده صلي الله عليه وآله.

والجانب الآخر: أُسلوب القرآن الكريم، في قوله: ﴿وَوَاعَدنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتمَمنَاهَا بِعَشرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَربَعِينَ لَيلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلُفنِي فِي قَومِي وَأَصلِح وَلا تَتَّبِع سَبِيلَ المُفسِدِينَ﴾(٤)، فهي تؤكّد على أنّ موسى عليه السلام ينص على قضية الخلافة!

١- كنز العمال ١٣: ١١٤.

٢- جامع البيان ١٩: ١٤٩.

٣- تاريخ الطبري ٢: ٦٣، الكامل في التاريخ ٢: ٦٣، المختصر في أخبار البشر ١: ١١٦.

٤- الأعراف: ١٤٢.

١٥
وقد ورد في كتب الصحاح: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلي الله عليه وآله يقول: (يكون أثنا عشر أميراً)، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: (كلّهم من قريش) (١).

وقد حاول بعضهم، ومنهم: السيوطي، أن يفسّر الاثني عشر؛ فيقول: الخلفاء الأربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليّ، الأربعة الأوائل، ومن ثمّ عمر بن عبد العزيز خمسة، و... فيحاول أن يقسّم الاثني عشر على هذا المعنى.

وليس هذا المعنى هو مراد رسول الله صلي الله عليه وآله؛ إذ أنّه عندما يقول: الأئمّة اثنا عشر، كلّهم من قريش، يعني ظرف لا ينقطع فيه الإمام؛ لأنّه لو انقطعت الإمامة في هذا الظرف لما كانت هنالك حجة أصلا والقرآن الكريم يقول: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾(٢) كيف يمكن تفسير الاثني عشر؟ فإن قالوا: بنو أُمية، فهم أكثر من اثني عشر، وبنو العبّاس كذلك، فلابدّ من وجود الاثني عشر الذين يجب الوقوف عندهم، وهم لا ينقطعون أبداً.

ومع كلّ هذه المقدّمات، لماذا تتوقّف الخلافة وتكون بالشورى وليست بالنص مع رسول الله صلي الله عليه وآله فحسب؟

وعند مراجعة قضية دفن الرسول صلي الله عليه وآله يُلاحَظ أنّهم سألوا الإمام علياً عليه السلام لماذا لم يأتِ في سقيفة بني ساعدة ولماذا لم يطالب بالخلافة؟ أجابهم قائلاً: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجّى لا أُواريه وأخرج أنازع

١- صحيح البخاري ٨: ١٢٧.

٢- النساء: ١٦٥.

١٦
في سلطانه؟ والله ما خفت أحداً يسمو له وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحلّ ما استحللتموه، ولا علمت أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله ترك يوم غدير خم لأحدٍ حجّة، ولا لقائل مقالاً(١).

ولو بقي الجسد الشريف لرسول الله صلي الله عليه وآله ـ الذي كان نجمةً تتلألأ في سماء الدنيا، إذ انبثق شعاعه إلى كلّ الأُمم ـ مرمياً على الأرض، قد ترك بلا دفن، لكانت بقيت معبّرة إلى يوم القيامة على جميع المسلمين.

ثمّ السؤال: أين هي الشورى، وهل تحقّقت في سقيفة بني ساعدة؟

وهل ما حصل ـ وهناك عشرات الحوادث في تلك الواقعة من منازعات ولغط فيما بينهم ـ يشير إلى أنّه حصلت شورى؟

إنّ الذي حصل لم يكن شورى، وهو ما أشار له ما روي عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خطبنا عمر، فقال: قد عرفت أنّ أُناساً يقولون، إنّ خلافة أبي بكر كانت فلتة، ولكن وقى الله شرّها، وإنّه لا خلافة إلّا عن مشورة، وأيّما رجل بايع رجلاً عن غير مشورة، لا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا(٢).. وما قاله بعض فقهاء العامّة بانعقاد الشورى باثنين إنّما هو تصحيح لذلك الموقف.

وعند مراجعة سورة البقرة في قضية الميراث نجده يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ

١- بحار الانوار ٢٨: ١٨٦.

٢- السنن الكبرى للنسائي ٤: ٢٧٢.

١٧
وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾(١)، فالمسلم العادي لا يمكن أن يموت بدون أن يترك وصيّة معيّنة، أو ينص على قضية معيّنة، فهل أن رسول الله صلي الله عليه وآله والدين الإسلامي، الذي كان يدخل في أدقّ التفاصيل وتشريعاتها، يترك أهمّ الأُمور وأخطرها وأكبرها، وهي مسألة الإمامة والخلافة، يتركها للناس دون أن يبيّن ذلك؟

والاتّجاه الذي قامت عليه العقيدة الإمامبة، وقامت عليه حركة أهل البيت عليهم السلام، هي الإيمان باثني عشر إماماً بعد النبيّ صلي الله عليه وآله، أوّلهم: عليّ، وآخرهم: المهدي عليه السلام، الذي ولد سنة ٢٥٥ ثم غيّبه الله سبحانه وتعالى غيبة صغرى، ٦٩ سنة، مارس العمل من خلالها عبر النوّاب الأربعة، ثم غيّبه الله تعالى غيبة كبرى من سنة ٣٢٩ وإلى اليوم، وإلى أن يأذن الله تعالى بظهوره.

فالعقيدة الشيعية تماماً ظاهرة رسالية وليست ظاهرة سياسية، والسياسة جزء ولازم من لوازمها البسيطة، فالسياسة جزء بسيط من حركة النبوة، وحركة النبوة تأتي لتوفّر للمجتمع والبشرية الثقافة الصحيحة التي يمكنها أن تقدّم البرنامج الصالح لبناء الفرد، فمهمة الرسالة تقديم الثقافة لتحقيق هذه الأُمور، وفيما لو توفّرت شرائطها مجتمعة أو فيما لو أراد إنسان أن يربّي نفسه تربية صالحة فيمكنه أن يلتفت أو يستفيد من ذلك البرنامج.

١- البقرة: ١٨٠.

١٨
وهكذا كلّ أُمّة لو أرادت أن تنشأ وتقيم حياتها على أساس برنامج صالح، فسوف تستفيد، فالأصل في الحقيقة بالنسبة لمعتقَد الشيعة الإمامية باثني عشر إماماً معصوماً هو: هذه الوجهة الرسالية، فالرسالة الخاتمة تمثّلت بالقرآن الكريم وبسنّة الرسول صلي الله عليه وآله، وقد أعدّ النبيّ صلي الله عليه وآله لها سلفاً لكي تشقّ طريقها إلى النهاية، فهناك رؤية واضحة من قبل النبيّ صلي الله عليه وآله، ولمسار هذه الرسالة، كرسالة، ومسار الأُمّة التي تحمل الرسالة.

فالقضية هنا أوسع من قضية من يخلف النبيّ سياسيّاً، القضية هي من يخلف النبيّ صلي الله عليه وآله رسالياً؟ صحيح أنّ النبوّة ختمت بمحمّد صلي الله عليه وآله، ولكن الشيعة تعتقد بأنّ هنالك موقع الإمامة الإلهية التي بدأ بمحمّد صلي الله عليه وآله، هو رسول ثم هو إمام يبيّن الرسالة من خلال قوله وفعله وتقريره، وهذه الإمامة استمرّت عبر اثني عشر معصوماً، لتواصل مهمة رعاية الرسالة في المجتمع، وبيان ما لم يبيّن في زمن النبيّ صلي الله عليه وآله؛ إذ أنّ فترة النبوة وحاجات المجتمع في زمن النبيّ لم تكن لتسوعب تفاصيل الرسالة التي لوحظ فيها أن تستوعب أعقد المشكلات في تاريخ الإنسان.

فليس من المعقول أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله يبيّن كلّ ذلك للمجتمع ويُغرِق المجتمع بتفاصيل ليس بحاجة إليها فعلاً، فالقضية هنا: هل هناك إعداد رسالي بهذا المستوى لزمن النبيّ صلي الله عليه وآله وبعده؟! فالشيعة يعتقدون بأنّ الجواب: نعم، وأنّ هناك إعداداً إلهياً، فضلاً عن أن يكون نبويّاً.

١٩
والقرآن الكريم نهض لبيان هذه القضية؛ فإنّ الله تعالى أعدّ خلفاً لرسول الله صلي الله عليه وآله ليواصل المشروع الرسالي للنبوّة الخاتمة، عبر معصومين أُمناء ليحفظوا تراثها، فبمراجعة آياته الكريمة يتّضح وجود حَفَظة للرسالة، مسؤولين عنها، من قبيل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ﴾ أي: الكتاب الذي أُوحي إلى محمّد صلي الله عليه وآله، ﴿الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِيرُ﴾(١).

فالآية صريحة في أنّ هناك ورثة للكتاب، طبعاً ليس من المعقول أنّ الكتاب هو برسمه، يعني: هذه الحروف، هي التي أورثها الله تعالى عباده الذين اصطفى بعد رسول الله صلي الله عليه وآله، وإنّما المراد به هو: علم الكتاب؛ لأنّ الكتاب الذي بين أيدينا يقول الله تعالى عنه: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾(٢)، فهناك بيان إلهي لهذا الكتاب، فالله تعالى أوحاه إلى رسول كريم، ويتمثّل هذا البيان الإلهي في السنة النبوية، فالنبي صلي الله عليه وآله معنيّ بتبليغه للأُمّة، كعنايته بتبليغ القرآن الكريم، وهذا البيان الإلهي هو موضوع الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا﴾(٣).

١- فاطر: ٣١ ـ ٣٢.

٢- القيامة: ١٨ ـ ١٩.

٣- فاطر: ٣٢.

٢٠