×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - ج 3 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

القائمة الخامسة
مسلسل سيرة حكومة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في القرآن


إنّ هذا المسلسل في سيرته (صلى الله عليه وآله) - خصوصاً في السور المدنية حيث نلاحظ سلوكياته وتصرّفاته السياسية والاجتماعية وغيرها - هي من نمط الهداية الإيصالية التي هي من نمط الإمامة.

فجانب منها في القضاء، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ}(١)، وقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(٢).

وجانب آخر في تدبيره للأموال العامّة، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاَْنْفَالِ قُلِ الاَْنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ

١- سورة النور ٢٤: ٤٨.

٢- سورة النور ٢٤: ٥١.

٣٢١
مُؤْمِنِينَ}(١) وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى}(٢).

أمّا الجانب السياسي والتنظيم الحربي فلقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء}(٣)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}(٤)، وقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}(٥)، وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ}(٦).

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الاَْسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا اُخِذَ مِنْكُمْ}(٧)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}(٨)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}(٩)، وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}(١٠).

أمّا الجانب الاجتماعي والتقنين الأُسري فلقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}(١١).

وفي الجانب الأمني قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}(١٢).

فضلاً عن الآيات التي تحدّثت عن إقامة أحكام الحدود مثل الزنا والسرقة

١- سورة الأنفال ٨: ١.

٢- سورة الأنفال ٨: ٤١.

٣- سورة الأنفال ٨: ٥٨.

٤- سورة التوبة ٩: ١٢٣.

٥- سورة الأنفال ٨: ٦١.

٦- سورة الأنفال ٨: ٦٧.

٧- سورة الأنفال ٨: ٧٠.

٨- سورة النساء ٤: ١٤٤.

٩- سورة الممتحنة ٦٠: ١.

١٠- سورة التوبة ٩: ٤٣.

١١- سورة الأحزاب ٣٣: ٣٧.

١٢- سورة التوبة ٩: ١٠٨.

٣٢٢
وغيرها.

كما أنّ الولاية العامّة وغيرها ليست مرتبطة بالنبوّة، بل بإمامته وولايته (صلى الله عليه وآله) ; لقوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}(١)، بيان صلاحيته (صلى الله عليه وآله) في إقامة المعاهدات مع أهل الكتاب أو قتالهم وحقوق المسلمين وما يتعلّق بشؤونهم.

إذن فالموارد التي مارسها النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأقام في حكومته بإجراءاتها وتنفيذ الإرادة الإلهية فيها، أشار إليها القرآن بذكر بعض تفاصيلها فضلاً عن الإشارة إلى أحكامها.

وإنّ أوامر الله تعالى للنبيّ (صلى الله عليه وآله) التي وردت في القرآن الكريم كانت بمستوى التنفيذ والتنجيز لا التنظير الكلّي فقط، وهي تشريعات لإقامة الدولة، حتّى أنّ المسلم ليشعر أنّ الإسلام له دخل في كلّ تفاصيل حياته اليومية فضلاً عن كلّيات أحكامها، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) كان أوّل مصداق في تطبيق هذه العلاقة القرآنية.

وبعبارة أُخرى: أنّ أسباب النزول في التشريعات القرآنية في دولة الرسول وحكومته ليس مفاد سبب النزول وثمرته التي هي بيان المعنى الكلّي للتشريع وتوضيحه فقط، بل هناك بعد هام بالغ الخطورة أيضاً في معنى سبب النزول لتلك التشريعات القرآنية: هو أنّ تلك الموارد لأسباب النزول تصدّي من الله تعالى لتدبير الحكم السياسي في المجالات المختلفة بإرادة إلهية لا بإرادة نبويّة.

فمن ثمّ التصرّف الحكومي والحاكمي يسند إليه تعالى، فالحاكم الأوّل في حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل هو الله تعالى يتصدّى في المنعطفات الخطيرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية وغيرها في دولة وحكومة الرسول (صلى الله عليه وآله)، والحاكم الثاني هو الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكذلك الحال في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّ الحاكم الأوّل في المنعطفات الخطيرة هو الباري تعالى ثمّ

١- سورة الأحزاب ٣٣: ٦.

٣٢٣
الرسول (صلى الله عليه وآله)، عبر ارتباط أمير المؤمنين بالغيب بالعلم اللدني، والحاكم الثالث هو أمير المؤمنين كما في الأمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين في برنامج حكومته (عليه السلام)، وكذلك في حكومة الحسنين (عليهما السلام) على العراق، وكذلك في حكومة الإمام المهدي (عج)، وحكومة سائر الأئمّة، فيستشهد بسيرة دولة الرسول في آيات القرآن على أنّ الحاكمية السياسية في التفاصيل الخطيرة كانت بعهدة الباري تعالى.

وذلك أنّ ممارسة القضاء وإدارة السياسات المالية والاجتماعية وغيرها هي من قبل الله تعالى وثانياً النبيّ (صلى الله عليه وآله) ; إذ ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) التي من خلالها يمارس صلاحياته في الحكم والقضاء هي فرع ولاية الله تعالى، فالحكم الجزئي التنفيذي الإجرائي فضلاً عن الكلّي هو من قبل الله تعالى.

ففي دولة الرسول الحاكم المباشر لا بمعنى التجسيم والتشبيه، بل بمعنى أنّ إرادته تعالى تتنزّل على رسوله (صلى الله عليه وآله) فينفّذها من دون أن يكون التصرّف الحكومي منبعثاً من إرادة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإرادة الله تعالى متنزّلة في القرارات الجزئية التفصيلية من معاهدات وحروب وعلاقات كذلك.

والإمامية تستشهد بذلك على الإمامة، وهل أنّ الله تعالى يعمل حاكميته السياسية في فترة معينة دون غيرها من الفترات بغضّ النظر عن ولايته تعالى التكوينية؟

فإذا كان المصدر الرئيسي للأحكام الجزئية التنفيذية التفصيلية في المنعطفات الخطيرة وممارستها من قبل الله تعالى، فهل هذه الممارسة هي لفترة محدودة تقتصر على الحقبة النبويّة المباركة - أي من خلال وجوده الشريف فقط - دون فترة ما بعد رحيله الشريف، ثمّ تنقطع بعد ذلك ولاية الله تعالى في الإشراف السياسي وتلغى؟ أم لابدّ لولاية الله تعالى من الاستمرار والدوام والبقاء؟

٣٢٤
فإن قلنا بالأوّل - وهو انقطاع ولايته تعالى عند وفاته (صلى الله عليه وآله) - ألزمنا أنفسنا بالتعطيل وانحسار إرادته تعالى، ومن ثمّ عجزه - والعياذ بالله - عن الأمر، وبالتالي عزل إرادته عن الحاكمية على خلقه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وقد قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}(١)، وأنكر على اليهود قولهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}(٢)، فيد تصرّفه تعالى مبسوطة لا مغلولة.

وإذا أخذنا بالقول الثاني وهو استمرار ولايته وبقاؤها فعن أي طريق تمرّ وتتنزّل إرادته وولايته تعالى، ومن أي قناة ستكون؟ إذ هو تعالى لا يُحسّ ولا يُجسّ ولا يُجبه.

فالقول بولايته تعالى في الحاكمية السياسية في النظام البشري إذن يلزم منه القول بوجود المعصوم في كلّ وقت وفي كلّ زمان، وهو معنى قوله تعالى بنحو دائم كلّي عام: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَْرْضِ خَلِيفَةً}(٣)، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنّ الأرض لا تخلو من حجّة"، فالحجّة هنا هي القناة المعصومة التي من خلالها إمرار ولايته تعالى وإنفاذها على الخلق، وهو ما يدعو إلى القول بوجود الإمام المعصوم في كلّ آن من آنات الخلق، فهو سفير الله في خلقه.

ولذلك يطالعنا القرآن الكريم بسيرته (صلى الله عليه وآله)، ويضيف إلى ذلك سيرة الأنبياء الباقين في تأسيس الدولة، كما في سيرة موسى وسليمان وداود وطالوت وذي القرنين، فقد أقاموا دولهم وشكّلوها بأمر إلهي صرف استعرض بعض جوانبها القرآن الكريم.

١- سورة الأنعام ٦: ٥٧.

٢- سورة المائدة ٥: ٦٤.

٣- سورة البقرة ٢: ٣٠.

٣٢٥
فمباشرة الله تعالى للتفاصيل السياسية في حاكمية التدبير لجزئيات الأُمور نصّ عليها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر}، إذ هذا الاختبار لأصحاب طالوت ليس باختياره، بل هو بأمر الله تعالى كما في غيرها من موارد أحكام الأنبياء، إلاّ أنّ سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) تلاحظ بشكل أكثف وأكبر تركيزاً على مستوى آيات القرآن الكريم.

وهنا تنبيه يجدر الإشارة إليه: وهو أنّ بعض المفسّرين لم يبلوروا ويميزوا بين التشريع والتنزيل، وبين مورد النزول ومورد التنزيل، إذ جعلوا مورد النزول والتنزيل مجرّد شاهد ومبيّن لمعنى التنزيل الكلّي أي التشريع العام لا أكثر من ذلك، وهذا بخس في حقيقة التنزيل.

فالمفسّرون فهموا أنّ التنزيل دوره تفسيري إيضاحي للآية دون أن يكون له دور آخر، في حين أنّ التنزيل هو نوع ممارسة فعلية لحاكمية الله تعالى السياسية في الجزئيات التفصيلية وسلطته السياسية، وهذا مفاده غير مفاد التشريع، وقد ذهب أهل سنّة الجماعة إلى هذه الشبهة التي تؤول إلى ما اعتقده اليهود من أنّ الله تعالى شرّع فقط ولم يمارس الحاكمية والسلطة السياسية التفصيلية في تدبير النظام السياسي الاجتماعي والحكم التنفيذي، وهو قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}(١)، فالتعطيل الذي تصوّرته اليهود في حقّه تعالى، قد انجرّ إلى بعضهم حتّى عطّلوا إرادته; إيهاماً منهم بأنّ الله تعالى لم يمارس ولايته إلاّ في حدود التشريع فقط، أي في السلطة التشريعية دون السلطة السياسية التنفيذية والقضائية.

في حين أنّ متابعة سريعة لآيات القرآن الكريم يجد من خلالها الباحث أنّ

١- سورة المائدة ٥: ٦٤.

٣٢٦
وقائع قرآنية سواء التشريعية أو المالية أو السياسية أو القضائية وغيرها لم تنفرد فيها إرادة النبيّ (صلى الله عليه وآله) دون إرادة الله تعالى.

فالتنزيل إذن ليس هو تنزيل لألفاظ التشريع الكلّي فقط لا غير، بل هو أحد جهاته، والتنزيل حقيقة هو إعمال ولايته تعالى السياسية المباشرة على جميع الدقائق والجزئيات التفصيلية الخطيرة في منعطفات الحياة الاجتماعية السياسية.

كما أنّ التنزيل هو تطبيق التشريع الكلّي على مصاديقه، أي استمرار حاكمية الله تعالى السياسية التفصيلية في كلّ الموارد.

ثم إنّ التنزيل والتأويل كلّ منهما انطباق الحكم الكلّي على مصاديقه، إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ التنزيل هو بدء نزول الأحكام، والتأويل هو استمرار نزول الأحكام.

فحاكمية الله تعالى هو تنزيل إرادته في تفاصيل الجزئيات الخطيرة، إذ لا تستند إلى النبيّ أو الوصيّ (عليهما السلام)، وهذه موجودة في كلّ دول الأنبياء كما في دول موسى وسليمان وداود، إذ هم محطات، وطالوت، وهذه الإرادة الإلهية تمارس من قبل المعصوم (عليه السلام)، وحيث ورد أنّهم أوعية لمشيئات الله تعالى، ممّا يعني أنّ الإرادة الكلّية تتوزّع وتتفصّل على كلّ الإرادات الجزئية، وهذا هو التأويل أي أوْل الإرادات الجزئية إلى الإرادة الإلهية الكليّة، أي رجوع كلّ الإرادات إلى الإرادة الإلهية وطريقها المعصوم (عليه السلام) الذي تمرّ من خلاله إرادات الله تعالى.

هذا هو تفسير نظرية الإمامة حيث تظهر من خلالها أهمّ مظاهر التوحيد وهو التوحيد في الولاية، فالاعتقاد بالنبوّة والرسالة توحيد في التشريع والاعتقاد بالإمامة توحيد في الولاية، فأصول الدين كلّها أبواب للتوحيد حتّى الإيمان بالمعاد توحيد في الغاية "إنا لله وإنا إليه راجعون"، فالإمامة توحيد في السلطة والحاكمية في النظام السياسي الاجتماعي، وذلك من خلال إرجاع كلّ الجزئيات

٣٢٧